تعدّ مدينة القدس من أقدم المدن في التاريخ، وتمتلك أهمّية كبيرة على المستوى الديني والتاريخي والحضاري. وقد تعاقبت على هذه المدينة العديد من الحضارات والممالك والإمبراطوريات التي تركت بصماتها عليها. ومن أبرز الجوانب التي شهدت تغيّرات وتحوّلات كبيرة عبر العصور هو اسم هذه المدينة المقدّسة.
فقد عُرفت المدينة بأسماء متعددة على مرّ العصور، منها ما يسمّى بـ “أورشليم” ويبوس وإيلياء والقدس وغيرها. وتُثير تسمية “أورشليم” بشكل خاص تساؤلات حول أصلها وارتباطها بالمدينة، خاصّة أنّها تختلف عن النمط السائد لدى الشعوب التي كانت تقطن المنطقة، والتي يشار إليها أحياناً بـ “الكنعانيّين”، في تسمية مدنهم.
يسلّط هذا المقال الضوء على التطوّر التاريخي لأسماء مدينة القدس، مع نظرة نقديّة تجاه استخدام مصطلحي “الكنعانيّين” و”أورشليم”. وأحاول في هذا المقال تتبّع جذور هذه التسميات وتفسير استخدامها برغم اختلافها عن الأنماط السائدة آنذاك. كما يقدّم تحليلاً لأصول هذه الأسماء والعوامل التي أدّت إلى تغيّرها وتنوّعها على مدى آلاف السنين، مع الأخذ بعين الاعتبار الحاجة إلى التحفّظ والدقّة في استخدام بعض المصطلحات التاريخية.

نمط تسمية “أورشليم”، هو نمط عراقي سومري في تسمية المدن. بدأ مع تأسيس المدينة المقدّسة أور؛ آخر عواصم السومريّين الكبرى في العراق، قبل الحكم الموري (الآرامي). ولا يشبه “أورشليم” أسلوب الأقوام التي يشار إليها أحياناً بـ “الكنعانيّين” في تسمية المدن، إذ أنّ منطق “الكنعانيّين” في تسمية المدن لا يختلف عن منطق العرب، بسيط وعشوائي ودون نظام ثابت، وغالباً ما يكون مبنيّاً على شكل صفة ونسبة، تنتهي بياء النسبة أو باللاحقة ـيّن أو ـيّا.
أور (أُر) 𒋀𒀕 استُعملت في العراق القديم كبادئة لأسماء المدن العواصم. وتسبق عادة اسم المدينة أو القبيلة حاكمة المنطقة، كأسماء مدن:
- أوروم (أُرُم) 𒋀𒈬 على تل العقير في العراق.
- أوروك (أُرأُك) 𒋀𒀕𒆠 الوركاء في العراق.
- أورفا (أُرفه) 𒋀𒀀𒆠 الرُها في تركيا.
- أوركيش (أُركِش) 𒋀𒆠𒅖𒌨 على تل موزان في سوريا.
- أوراش (أُراش) 𒋀𒊏𒅖 في منطقة ديالى بالعراق.
- أور نينا (أُر نينا) 𒋀𒉆𒈾 في الجَنُوب الشرقي للعراق.
- أوراتو (أُراتو) 𒋀𒀀𒌅𒍑 في منطقة جبال الأرارات، تركيا.
- أوركس (أُرَكس) 𒋀𒆠𒅗𒀀𒍑 في منطقة البصرة بالعراق.
- أوركدي (أُركِدي) 𒋀𒆠𒅗𒀀𒍑𒅖 في منطقة الموصل بالعراق.
هذا النمط من تسمية المدن في العهد السومري يسبق نشوء ما تسمّى بالممالك الكنعانية على الساحل الشرقي للمتوسط بنحو ألف سنة، وكان انتهى هذا النمط مع تأسيس المملكة البابلية الأولى، وتوقّفت الدولة عن إضافة كلمة “أور” الملحقة إلى أسماء المدن الجديدة. بالتالي، من غير المنطق أن يقوم الكنعانيّون بتأسيس مدينة في فلسطين ومن ثمّ تسميتها باسم على النمط السومريّ، بعد أن انتهى نظام الحكم السومريّ بخمسة قرون.
أور (أُر) دخلت حياة الممالك السومرية بمعنى مدينة أو أرض بسبب اسم مدينة أور على تل المقير جَنُوب العراق، إذ كانت أوّل مدينة حملت هذا الاسم، وصعدت مرتبتها بين الناس حتّى صارت مدينة مقدّسة حملت مكانة تشبه مكانة بابل ومكّة في حياة شعوب غرب آسيا. اسمها الحقيقي بالسومرية هو أُرِم 𒋀𒀊𒆠 (أُوم) ولفظها أهلها كذلك “أُرِمْكِ” أو “أوريمكي” (صيغة صفة)1، وصارت في العهد الأگّدي أُرُ 𒋀𒀕𒆠 دون لفظ ميم النسبة. ومعنى هذه التسمية في الأصل في السومرية والأگّدية هو “القرقورة” أي الزلعومة، بسبب شكل مجرى نهار الفرات عند المدينة الذي يشبه الزلعوم. ومستمدّ من الكلمة السومرية-الأگّدية أُرأُدُ التي تعني الحلق ومطلع القصبة الهوائية عند الحَنْجَرة2. ثم صار يضاف إلى أسماء المدن بمعنى عاصمة كذا… أي أُر كذا… مثلاً أُرفه تعني المدينة الأور تبع قبيلة فه.
من جهة ثانية، يوجد في الشرق الأوسط العديد من المدن والقرى التي حملت تسمية القدس. إذ أنّها صفة باللّغة العربية تعني المكان الأقدس… مثلاً:
- حرم معبد داگون “زِوس” في دمشق كان يسمّى قُدُس، والمصلّى في داخله قُدْس الأقداس، ما جعل قرى الغوطة في فترة من التاريخ تطلق على مدينة دمشق اسم القدُس.
- في بابل القديمة، كان هناك أجزاء من المعابد تُسمى “قدس الأقداس”، حيث لا يُسمح بدخولها إلا للكهنة والملوك.
- معابد المصريين القدماء، مثل معبد الكرنك ومعبد الأقصر، كانت تحتوي على منطقة داخلية تسمى “قدس الأقداس” حيث يُحتفظ بتماثيل الآلهة.
- قدس (أو كدس) منطقة في محافظة تعز باليمن، وتعتبر من الأماكن التاريخية التي احتفظت بتسمية تشير إلى القداسة.
- هناك منطقة تدعى “قدس” في قرى جبال نابلس بفلسطين، وهي قرية قديمة تحتفظ بالتسمية التاريخية.
- قرية في لبنان تحمل اسم “قدس”، وهي تقع في منطقة جبل لبنان وتعتبر من القرى التي تحتفظ بتسمية ذات دلالة دينية.
- منطقة قديمة في الأرْدُنّ كانت تُعرف باسم “قدس” نظراً لوجود معابد ومواقع دينية فيها.
كثيرة هي الأقداس في المدن العربيّة، وليست مدينة القدس وحدها بهذه الصفة.

بكل حال، أنشأت مدينة القدس قبيلة وافدة من الجَنُوب اسمها يبوس 3 وهي من قبائل المورو أي الآراميين، وهي التي حضرت إلى جبل موريا وأسّست عليه أوّل مدينة على الجبل أطلقت عليها الناس يبوسُ (يَبُسُ)، وحركة الضمّة في نهاية الاسم كانت أداة النسبة في ذلك الوقت. ثمّ مع توسّع مملكة يبوس في المنطقة صار اسم المدينة ”سَليمُ“ ولفظها العرب القدماء بصيغتين سَليمُ و شَليمو.4 والتي تعني في اللّغة الأگّدية “تحالف عن وئام”. ربّما لأنها صارت عاصمة لمنطقة واسعة كانت تتحارب فيما سبق.
يوم حضر الرومان إلى فلسطين كان اسم مدينة القدس آنذاك مُرَيَّا (موريا) وباللاتينية Moria، ثمّ في القرن الثاني منحها الإمبراطور هادريان Caesar Traianus Hadrianus تسمية “عاصمة مستوطنة إيليّة” COLONIA AELIA CAPITOLINA 5وتسمية إيليّة هنا منسوبة إلى اسم عشيرة الإمبراطور هادريان إيليا Aelia gens أحد أثرى عشائر مدينة روما وطوال 800 سنة. كانت من الثراء إلى درجة إصدارها عملة خاصة بها، وتتّخذ من الفَرَس رمزاً لها. ويعود نسب العشيرة إلى رجل اسمه Publius Aelius Paetus كان قد وصل إلى منصب قنصل في الجمهورية الرومانية سنة 337 ق.م. 6.
تسمية “إيليّة” هذه هي التي حوّرها العرب أهل فلسطين إلى “إِيْلْيَاء” على وزن سرياني.7 وذكرتها المراجع العبرية الطبرية كذلك باسم “إيليّاه قَپّيطوليناه” אֵילִיָּה קַפִּיטוֹלִינָה تحوير عن الاسم اللاتيني. واستمرّت هذه النصوص العبرية إلى ما بعد القرن العاشر ولم تذكر المدينة باسم أورشليم مرّة. أمّا اسم “القدس” فقد استُعمل أوّل مرّة كاسم للمدينة خلال القرن التاسع.8 ما بين القرنين السابع والتاسع انتشرت في اللّغات الفارسية والتركية التسمية الأموية “بيت مُقدّس” التي تحوّرت في العهد العبّاسي إلى “بيت المقدِس”. كذلك منحها بعض كتّاب الأمويّين تسمية “البَلاط” بمعنى عرش الأمير، بسبب اتّخاذها عاصمة ثانية للدولة الأموية. وهذه التسميات جميعاً نجدها في “صحيح البخاري” وفي كتاب “الموطأ للإمام مالك”.
الآن، تسمية مدينة القدس أورشليم في التوراة قد لا يعني أنّ مدينة القدس قد استعملت هذا الاسم فعلاً تحت حكم أيّ من الإمبراطوريّات والممالك، إذ لا نقوش تحوي هذا الاسم في المدينة نفسها. إنّما قد تكون كلّ الحكاية أن كاتب التوراة يوم كان في العراق، استعمل النمط العراقي في تسمية البلاد، فقال أورشَليمو ويقصد أن يقول أرض شَليمو أو بلاد شَليمو. وهذا هو المنطق الوحيد الذي يقنعني باقتران أورشليم بالقدس في فلسطين.

بواسطة استعراض التطور التاريخي لأسماء مدينة القدس عبر العصور، يتّضح لنا أنّ تسمية “أورشليم” تثير العديد من التساؤلات والشكوك حول ارتباطها الفعلي بهذه المدينة المقدّسة. فالأدلة التاريخية والأثرية تشير إلى أنّ هذه التسمية لا تتوافق مع النمط السائد في تسمية المدن لدى الشعوب التي كانت تقطن المنطقة، والتي غالباً ما يشار إليها بمصطلح “الكنعانيين”، وهو مصطلح يحتاج بدوره إلى مراجعة وتدقيق.
ثم أنّ غياب النقوش والشواهد الأثرية التي تحمل اسم “أورشليم” في المدينة نفسها، يزيد من الشكوك حول استخدام هذا الاسم فعلياً تحت حكم الإمبراطوريات والممالك المختلفة التي تعاقبت على حكم المدينة. وبالنظر إلى أصول تسمية “أورشليم” ونمطها الذي يعود إلى حِقْبَة سومرية عراقية قديمة، يبدو من المرجّح أن يكون استخدام هذا الاسم في النصوص التوراتية مجرّد محاكاة لنمط التسمية العراقي القديم، دون أن يعكس بالضرورة واقع التسمية في المدينة نفسها.
وفي ختام هذا المقال، تجدر الإشارة إلى أهمّية التحلّي بالموضوعية والتحفّظ في دراسة تاريخ مدينة القدس، والحذر من الوقوع في فخّ الروايات والأساطير التي قد لا تستند إلى أدلة تاريخية وأثرية موثوقة. فالبحث العلمي الجاد والنزيه هو السبيل الأمثل لكشف حقائق تاريخ هذه المدينة العريقة، بعيداً عن التحيّزات والأفكار المسبقة، وبما يسهم في إثراء معارفنا وفهمنا لتاريخ وحضارة هذه البقعة المقدّسة من العالم.
المراجع
1 S. N. Kramer (1963). The Sumerians, Their History, Culture, and Character. University of Chicago Press, pages 28 and 298.
2 Akkadian Dictionary, Association Assyrophile de France.
4 Akkadian Dictionary, Association Assyrophile de France.





اترك رد