صورة الغلاف مسجد قوانگتشو هوايشينگ 广州怀圣寺
دراسة في اللّهجة العربيّة الصينيّة وتاريخ مسلمي گَديمو وقوميّة الخوي، وقواعد الخطّ الصينيّ ونظام شيوئرچينگ لكتابة الصينيّة بالحرف العربيّ، وجذورها اللّسانيّة الشّاميّة والخراسانيّة.
مذ وصل الإسلام إلى شرق الصين، ومذ بُني مسجد قوانگتشو هوايشينگ 广州怀圣寺 سنة 627 ومساجد الصين تطوّر خطّاً عربيّاً خاصّاً بها. واليوم يتداول أتباع مذهب گَديمو 格迪目 الإسلامي وأغلب الخوي (الهوي) في الصين ما يسمّى بالخطّ الصيني ويستعملنه لكتابة اللّهجة العربيّة الصينيّة، وهي ما يعتقدها أتباع مذهب گَديمو الإسلامي أنّها العربيّة الصحيحة. وأنّ العربيّة الفصحى الحالية ليست العربيّة الصحيحة.
سمات اللّهجة العربيّة الصينيّة قريبة من سمات اللّهجة الشاميّة البدويّة، مثلاً: تستعمل مثل الشاميّة نون الجمع بدلاً عن ميم الجمع الساكنة، فتقول عليكن بدلاً عن عليكم، وتستعمل الواو بدلاً عن التنوين، والگاف بدلاً عن القاف، والهمزة بدلاً عن الـ التعريف، وتلفظ الألف مائلة نحو الياء. وتقول: قَيْبُلؤِ 蓋布勒 بدلاً عن قَبُول. وتقول: سَيْلِيمُ 赛俩目 بدلاً عن سَلَامُ.
هذا التّقارب الصّوتيّ واللّغويّ لا ينفصل عن مسالك الهجرة التّجاريّة والاستيطانيّة الّتي عبرت خُراسان وما وراء النّهر نحو الشّرق؛ فمعظم التّجّار والدّعاة الّذين سلكوا طريق الحرير انحدروا من بطون القبائل العربيّة الّتي استقرّت في حواضر مرو وبلخ وبخارى وسمرقند بين القرنين 1 و 3 الهجريّين (7 و 9 الميلاديّين)، لا سيّما من تميم وقيس وبكر والأزد.
حمل هؤلاء معهم لهجات الكوفة والبصرة وأطراف الشّام بخصائصها الفونولوجيّة القديمة؛ كنطق القاف گافاً، وإمالة الألف نحو الكسر، واستعمال نون الجمع بدلاً عن الميم، فنقلوها شفاهاً إلى حواضر الصّين التّجاريّة، لتستقرّ في نطق مسلمي الگَديمو بوصفها نطقاً أصيلاً ومحفوظاً توارثته الأجيال في قاعات التّعليم المسجديّ، وظلّ صامداً في معزل عن التّحوّلات الّتي طرأت لاحقاً على ألسنة العرب في أوطانهم الأمّ.


يتبع مسلمي گَديمو (قديمٌ) المدرسة الحنفيّة (ما قبل الصوفيّة) على المذهب السنّي. وفي مطلع القرن 20 ومع انفتاح مسلمي الصين على الأتراك المسلمين وَسَط آسيا، تحوّل جزء من الخوي الصينيّين إلى الحنفيّة الصوفيّة، النسخة التركيّة من الإسلام، وصاروا يُعرفون باسم چينجيا 新教 أي أتباع التعاليم الجديدة، الذين يمارسون الإسلام بعربيّة بغداد، ويتبعون مدارس بخارى وسمرقند الشرعيّة في أوزبكستان. ومع ضمّ تركستان الشرقية إلى الصين سنة 1948 صار إسلام چينجيا يقوم مقام الپروتستانتيّة في مقابل محافظة مسلمي گَديمو الصيني.

التّطوّر الإداريّ الّذي شهده تصنيف المسلمين في الصّين يوازي تماماً ما تعرّضت له المجتمعات العربيّة في آسيا الوسطى؛ فحيثما فرضت لجان التّرسيم السّكّانيّ السّوفييتيّة في مطلع القرن 20 الميلادي قيد العرب في بخارى وحوض نهر قشقداريا ضمن تصنيفي «أوزبك» و«طاجيك»، عمدت الدّولة الصينيّة الحديثة إلى صهر كافّة الجماعات المسلمة النّاطقة بالصّينيّة، والمحتفظة ببقايا التّراث العربيّ والفارسيّ، ضمن قوميّة رسميّة موحّدة دُعيت باسم «الخوي» (خُوِزُو).
هذا الدّمج الإداريّ الشّامل حصر التّمايزات اللّسانيّة والعشائريّة القديمة في قالب إثنيّ جامع، وجعل التّعامل مع العربيّة الصينيّة محصوراً في التّداول الدّينيّ والتّعليميّ الشّعبيّ دون الاعتراف بها كياناً لسانيّاً مستقلاًّ.
في القرن السابع أو الثامن تحول يهود الصين بأغلبهم إلى الإسلام وانضمّوا إلى قوميّة الخوي.
جاء دخول اليهود واستقرارهم في الصّين مبكّراً عبر مسالك التّجارة البرّيّة والبحريّة، ولا سيّما في عهد أسرة تانگ 唐 (بين القرنين 1 و 4 الهجريّين / 7 و 10 الميلاديّين) وأسرة سونگ 宋 التّالية لها؛ إذ وفدت جماعات من التّجّار اليهود قادمة من بلاد الرّافدين شمال العربية وإيران وآسيا الوسطى، وأقامت في المدن والموانئ التّجاريّة الكبرى كحاضرة كَيفِنگ 開封 وهانگچو وقوانگچو.
ومع استقرارهم الطّويل، بدأت الجاليات اليهوديّة بالاندماج في النّسيج المحلّيّ؛ غير أنّ التّحوّل الأبرز في مسارهم الدّينيّ والاجتماعيّ حدث نتيجة التّقارب البصريّ واللّغويّ والمفاهيميّ الوثيق بينهم والمسلمين في المجتمع الصينيّ المحيط. إذ أطلق الصينيّون قديماً على معابد اليهود ومساجد المسلمين أسماء مشتركة، مثل «تشينگتشن سي» 清真寺 (وهي التّسمية الّتي تعني دور الطّهارة والنّقاء واستقرّت لاحقاً اسماً للمساجد الحصريّة للمسلمين)، كما دُعي اليهود في الوثائق الصينيّة التّاريخيّة باسم «المسلمون ذوو القلانس الزّرقاء» (لانماو هوي هوي 蓝帽回回)، في مقابل المسلمين الّذين تميّزوا بارتداء القلانس البيضاء.
هذا التّشابه الكبير في الشّعائر التّوحيديّة؛ كتحريم لحم الخنزير والامتناع عن الدّم، والذّبح وفق أحكام الطّهارة، والختان، والتّوجّه نحو القبلة في الصّلاة، جعل الانتقال من اليهوديّة إلى الإسلام انسيابيّاً وميسوراً لغالبيّتهم. ومع تراجع التّواصل مع مراكز اليهوديّة في الغرب وانقطاع حاخامات كَيفِنگ عن العبريّة التّوراتيّة تدريجيّاً، فضلّت أغلبيّة تلك الأسر، بحكم المصاهرة والجوار التّجاريّ المشترك في الأحياء ذاتها، الانخراط في الجماعة المسلمة الأكبر والأكثر استقراراً ونفوذاً.
وبمرور القرون، تلاشت معالم مجتمعاتهم المستقلّة بعد أن تحوّل معظمهم إلى الإسلام عقيدةً وممارسةً، وذابوا ذوباناً كاملاً في قوميّة «الخوي» (خُوِزُو 回族)، حتّى لم يبقَ من أثرهم إلّا بعض أسماء العائلات التّاريخيّة ونقوش معبد كَيفِنگ الحجريّة الّتي تروي هذا الانصهار في الكتلة الإسلاميّة الصينيّة.

اليوم ومنذ القرن 16 يتعلّم مسلمي گَديمو الإسلام محافظين على طريقة الأديرة الصينية القديمة، بتقاليد تسمّى {چينگتانگ چياوهو} 经堂教育 التي تعني حرفيّاً نظام {تعليم قاعة الكتب المقدّسة}، وهي 13 كتاب بالعربيّة والفارسيّة. ويكتبون اللّغة العربيّة بأحرف صينيّة، مع الإبقاء على العبارات العربيّة المقدّسة بالخطّ الصيني العربي، وهو الذي تراه في الصورة وفيها آية الكرسي مكتوبة بالخطّ الصيني العربي… هل تقدر على قراءتها؟

في القرن 19 خرجت عن الگَديمو طائفة جديدة خالفتها في كلّ المظاهر. وهي طائفة إيخوْواني 伊赫瓦尼 (أي الإخوان) التي تمرّدت على ما سمّته باللاوجياو (أي العقيدة القديمة) الصينيّة. وصارت تبني المساجد على نمط شرق أوسطي بدلاً عن النمط الصيني، وتقوم بنشر الإسلام على الطريقة الأزهريّة المصرية بدلاً عن الصينيّة القديمة.
شِيَوْ عَر دٍْ \ شيوئرچنگ \ شياوإرجينگ
وابتكر مسلمو الصين نظامهم الخاص لكتابة اللّغة الصينية بالحرف العربي، أطلقوا عليه اسم {شِيَوْ عَر دٍْ} 小兒經. وهي طريقة لكتابة اللّغات الصينية باستخدام الحروف العربية. وتكتب هذه الطريقة من اليمين إلى اليسار، وتمتاز بتدوين جميع الحركات القصيرة والطويلة بعلامات التشكيل.

يستخدم المسلمون الصينيون، خاصة قومية خوي والدونگشيانگ والسلار، هذه الطريقة في الكتابة. تطورت الكتابة في عهد أسرة تانگ بعد وصول المسلمين العرب إلى الصين في منتصف القرن السابع الميلادي. وبدأ طلاب المدارس المسلمة باستخدام الحروف العربية لكتابة الكلمات الصينية لمساعدتهم في حفظ القرآن الكريم وتعلم المفردات العربية.
تنقسم طريقة الكتابة إلى نظامين: نظام المسجد ونظام الحياة اليومية. يستخدم الأئمة والطلاب في المساجد والمدارس المسلمة نظام المسجد الذي يتضمن مصطلحات دينية عربية كثيرة. أمّا نظام الحياة اليومية فيستخدمه عامة الناس في مراسلاتهم الشخصية، ويمزجون فيه الحروف العربية مع الحروف الصينية.
تراجع استخدام هذه الطريقة في الكتابة في السنوات الأخيرة بسبب تطور الاقتصاد الصيني وتحسن تعليم الحروف الصينية في المناطق الريفية. واستبدلت الحروف الصينية ونظام پينيين طريقة شياوإرجينگ. لكن، تستمر طباعة بعض الكتب بهذه الطريقة، وتستخدم في شرح المصطلحات وكتابة القرآن الكريم باللّغة الصينية.
مثال

人人生而自由,在尊严和权利上一律平等。他们赋有理性和良心,并应以兄弟关系的精神互相对待。
Rénrén shēng ér zìyóu, zài zūnyán hé quánlì shàng yílǜ píngděng. Tāmen fù yǒu lǐxìng hé liángxīn, bìng yīng yǐ xiōngdiguānxì de jīngshén hùxiāng duìdài.
«يولد جميع النّاس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وُهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء».
مراجع
- Leslie, Donald Daniel (1986). “Islam in Traditional China: A Short History to 1800”. Canberra College of Advanced Education.
- Lipman, Jonathan N. (1997). “Familiar Strangers: A History of Muslims in Northwest China”. University of Washington Press.
- Gladney, Dru C. (1991). “Muslim Chinese: Ethnic Nationalism in the People’s Republic”. Harvard University Press.
- Mi Shoujiang & You Jia (2004). “Islam in China”. China Intercontinental Press.
- Ben-Dor Benite, Zvi (2005). “The Dao of Muhammad: A Cultural History of Muslims in Late Imperial China”. Harvard University Asia Center.
- Atwill, David G. (2005). “The Chinese Sultanate: Islam, Ethnicity, and the Panthay Rebellion in Southwest China, 1856-1873”. Stanford University Press.
- Wang, Jianping (2001). “Glossary of Chinese Islamic Terms”. Curzon Press.
- Garnaut, Anthony (2006). “The Islamic Heritage in China: A General Survey”. China Heritage Newsletter, No. 5.





اترك تعليقاً