تحليل تاريخيّ يوضّح تأثّر السّلاطين العثمانيّين بأفكار محيي الدّين بن عربيّ، وتوظيفهم لمفهوم الإنسان الكامل بغية بناء شرعيّة الإمبراطوريّة وتوسّعها الجيوسياسيّ.
يقف تاريخ الإسلام أمام لحظة فاصلة غيّرت مسار السّياسة والعقيدة معاً، حين دخل السّلطان العثمانيّ {سليم الأوّل} مدينة دمشق عام 922 هـ / / 1516 م. فلم تكن تلك اللّحظة انتصاراً عسكريّاً بحتاً على مماليك مصر، بل ولّدت اندماجاً عميقاً بين سلطة السّيف وروحانيّة التّصوّف، لتؤسّس الإمبراطوريّة العثمانيّة شرعيّتها استناداً إلى أفكار مستمدّة من تراث الشّيخ الأكبر {محيي الدّين بن عربيّ}.
كيف استطاعت دولة مترامية الأطراف، تضمّ شعوباً وأدياناً، أن تتّخذ من غيبيّات متصوّف أندلسيّ أساساً متيناً لحكمها؟
تغوص هذه المقالة في أعماق العقل السّلطانيّ العثمانيّ، لتكشف الخيوط الخفيّة الّتي ربطت بين قرارات السّلاطين ونبوءات {الشّجرة النّعمانيّة}، وتفسّر السّبب الّذي جعل من بناء مجمّع الصّالحيّة المعماريّ تحرّكاً جيوسياسيّاً استراتيجيّاً يتجاوز حدود العمارة الدّينيّة.
نصحبك في مسار فكريّ وتاريخيّ يتقصّى تحوّل الخلافة من شكلها الفقهيّ التّقليديّ إلى نموذج «الإنسان الكامل» İnsan-ı Kâmil، ليقدّم تفسيراً وافياً يجيب عن أسئلة كبرى حول كيفيّة تطويع العقيدة لخدمة السّياسة في واحدة من أقوى إمبراطوريّات التّاريخ.

الفتح المزدوج وصياغة الهيئة السلطانيّة في دمشق
تطرح دراسة تاريخ الإسلام تساؤلاً عميقاً حول مدى اعتماد السّلاطين العثمانيّين على فلسفة الشّيخ الأكبر {محيي الدّين بن عربيّ} في بناء إمبراطوريّتهم. ففي شهر أيلول سبتمبر عام 1516 م 922 هـ /، وإثر انتصاره على مماليك مصر في معركة مرج دابق، لم يكن دخول السّلطان {سليم الأوّل} مدينة دمشق تحوّلاً سياسيّاً نقل مركز العالم الإسلاميّ من مدينة القاهرة إلى مدينة القسطنطينيّة فحسب، بل كان فتحاً روحيّاً أسّس لعقيدة سياسيّة عثمانيّة جديدة.
يتحدّث المؤرّخ {بروس ماسترز} Bruce Masters في كتابه {عرب الإمبراطوريّة العثمانيّة تاريخ اجتماعيّ ومعرفيّ} عن الاهتمام الاستثنائيّ الّذي أبداه العثمانيّون بمُقام {ابن عربيّ}؛ إذ يذكر أنّ السّلطان {سليم الأوّل}، فور دخوله مدينة دمشق، أدّى الصّلاة في الجامع الأمويّ، ثمّ توجّه مباشرةً لزيارة قبر {ابن عربيّ}، الّذي لم يكن يومذاك يحظى بالمكانة العمرانيّة الّتي أصبح عليها لاحقاً، بل كان مهملاً ومغطّىً بالرّكام والنّفايات. ويؤكّد المؤرّخ {محمّد كرد عليّ} في السّياق ذاته، ضمن كتابه خطط الشّام، أنّ السّلطان {سليم} خصّص جزءاً من فترة إقامته في المدينة لإحياء قبر العارف باللّه {محيي الدّين بن عربيّ}، الّذي تداعت تربته، فأمر بتعميره، وأنشأ بجواره جامعاً وزاويةً وتكيّةً، ووقف عليهما عدداً من القرى والمزارع لضمان استدامتهما.
تشير رواية متأخّرة ذكرها الرّحّالة العثمانيّ {أوليا چلبي} Evliya Çelebi، الّذي دوّن مذكّراته بعد الأحداث بأكثر من قرن ونصف، إلى أنّ السّلطان {سليم} كان متردّداً في متابعة زحفه نحو المماليك في مصر، فرأى {ابن عربيّ} في المنام يبشّره بفتح القاهرة ويطلب منه إحياء قبره. وعلى الرّغم من صعوبة التّعامل مع هذه الرّواية المتأخّرة بوصفها واقعةً تاريخيّةً مثبتةً بشكل قاطع، إلّا أنّها توضّح الكيفيّة الّتي صاغ بها العقل الجمعيّ العثمانيّ شرعيّة فتوحاته، لكون اهتمام السّلطان بـ{ابن عربيّ} ذو بُعد أعمق بكثير من التّبرّك الصّوفيّ. إذ رافق السّلطان {سليم} إلى دمشق عدد من كبار علماء الدّولة العثمانيّة، ممّا يؤكّد أنّ فكر {ابن عربيّ} اكتسب مسبقاً مكانةً مركزيّةً في الأوساط العلميّة والصّوفيّة العثمانيّة.
يبيّن هذا الاهتمام المؤسّسيّ تلاقحاً فريداً بين القوّة العسكريّة الخشنة والقوّة الرّوحيّة النّاعمة. إذ أدرك العثمانيّون أنّ حكم إمبراطوريّة شاسعة تمتدّ عبر قارّات متعدّدة، وتضمّ إثنيّات ومذاهب متنوّعة، يتطلّب إطاراً فلسفيّاً وأيديولوجيّاً يتجاوز الفقه المدرسيّ المحدود الّذي اعتمده مماليك مصر والخلافة العبّاسيّة تحت خوذاتهم. ووجد المفكّرون والسّاسة العثمانيّون في كتابات {ابن عربيّ}، ولا سيّما أفكاره حول الولاية والإنسان الكامل، مادّةً فكريّةً دسمةً يمكن توظيفها في فهم علاقة الدّين بالسّلطة، وفي التّعامل مع البيئة الدّينيّة والصّوفيّة المعقّدة في منطقة البلقان والأناضول، خاصّةً في زمن خاضت فيه الدّولة العثمانيّة صراعاً سياسيّاً ومذهبيّاً حادّاً مع الدّولة الصّفويّة النّاشئة في الشّرق.

الجذور الوجوديّة (الكينونيّة) من الأناضول السّلجوقيّ إلى التّأسيس العثمانيّ المبكّر
لم تكن حادثة دمشق بداية العلاقة بين العثمانيّين وفكر {ابن عربيّ}، بل كانت تتويجاً لمسار طويل بدأ في منطقة الأناضول قبل تأسيس الإمبراطوريّة.
مرّ {ابن عربيّ} بعد مغادرته الأندلس والمغرب بالعديد من حواضر المسلمين، واستقرّ فترةً في مدينتي قونية Konya وملطية Malatya بالأناضول مطلع القرن 7 الهـ / / 13 الميلاديّ . يوضّح التّسلسل التّالي مساراً سهميّاً لأبرز محطّات إقامة {محيي الدّين بن عربي} التّاريخيّة: الولادة في مرسيّة (17 رمضان 560 هـ / 26 تمّوز يوليو 1165 م) ⬅ الانتقال إلى إشبيليّة (568 هـ / 1172 م) ⬅ رحلات متفرّقة إلى تونس وفاس (590 هـ / 1194 م – 597 هـ / 1200 م) ⬅ الوصول إلى مكّة المكرّمة (598 هـ / 1202 م) ⬅ قونيّة والتّنقّل في الأناضول (607 هـ / 1210 م) ⬅ الاستقرار النّهائيّ في دمشق (620 هـ / 1223 م، والوفاة: 22 ربيع الآخر 638 هـ / 8 تشرين الثّاني نوڤمبر 1240 م).
تزوّج في قونية من والدة {صدر الدّين القونويّ} المتوفّى عام 673 هـ / 1274 م، الّذي أصبح لاحقاً تلميذه وربيبه وأكبر شرّاح مذهبه، ليتولّى {القونويّ} مأسسة الفلسفة الأكبريّة وتحويلها إلى نسق منهجيّ قابل للتّدريس. على طرف آخر هاجر {بهاء الدّين ولد} وابنه {جلال الدّين الرّوميّ} ({محمّد بن محمّد بن حسين البكري البلخي الخطيبي}) في الحقبة ذاتها من بلخ إلى قونية، ليتولّد تمازج تاريخيّ بين المدرسة الأكبريّة الفلسفيّة والمدرسة المولويّة العاطفيّة، ممّا خلق بيئةً صوفيّةً ومعرفيّةً خصبةً صاغت الوجدان الأناضوليّ الّذي وُلدت من رحمه الدّولة العثمانيّة.
عندما توفي أبوه حوالى 615 هـ / 1218 م وهو صغير، تزوّجت أمّه بأستاذه {ابن عربي}، وكان عمر {القونويّ} يتراوح بين الحادية عشر أو الثانية عشر حينما تتلمذ عليه وذهب معه إلى دمشق ولم يفارقه إلى أن توفّى {ابن عربي}. ظلّ {القونويّ} بعده في دمشق وشكّل حلقة تدريسيّة فترة ثم انتقل منها إلى حلب سنة 640 هـ / 1242م، ومنها خرج مسافراً إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، ثم ذهب إلى مصر وظلّ بها مدّة. وكانت تربطه بـ {جلال الدّين الروميّ} رابطة قويّة، وأوصى {الرّومي} بأن يصلّى القونويّ على جنازته بعد وفاته من بين علماء قونية. وكانت وفاته 673 هـ / 1274 م، وأوصى أن يدفن في الصالحيّة في دمشق بجانب {محيي الدّين بن عربي}، ولكن لم يتمكّن ذلك.
أسّس السّلطان {أورخان غازي} أوّل مدرسة عثمانيّة منتظمة في مدينة إزنيق İznik عام 731 هـ / 1331 م، في خطوة لتأسيس البنية التّحتيّة الأكاديميّة للدّولة عُرفت باسم {الإلميّة} İlmiye أو «طبقة العلماء». لم يختر السّلطان لرئاستها فقيهاً ظاهريّاً، بل استدعى العالم الصّوفيّ {داود القيصريّ} المتوفّى عام 751 هـ / 1350 م. كان القيصريّ أحد أبرز خرّيجي المدرسة الأكبريّة وأوّل من وضع شرحاً متكاملاً لكتاب {فصوص الحكم} في الفضاء العثمانيّ.
عُدّ هذا التّعيين بحدّ ذاته إعلاناً رسميّاً عن الهويّة الفكريّة للدّولة النّاشئة، لدمج العلوم العقليّة والعقائديّة مع الكشف الصّوفيّ، مُرسياً تقليداً أكاديميّاً يجعل من غيبيّات {ابن عربيّ} جزءاً لا يتجزّأ من المنهج الدّراسيّ العثمانيّ المعتمد لتدريب القضاة والبيروقراطيّين.
تعمّق هذا المسار الفكريّ مع تعيين الملّا {شمس الدّين فناري} المتوفّى عام 834 هـ / 1431 م أوّل من حمل لقب «شيخ الإسلام» في الدّولة العثمانيّة. كان الملّا {فناري} فقيهاً حنفيّاً بارزاً، ومتصوّفاً متعمّقاً في الوقت ذاته، وألّف كتاب {مصباح الأنس بين المعقول والمشهود}، وهو شرح رائد لكتاب {مفتاح الغيب} لـ{صدر الدّين القونويّ}. ودمج {الفناري} عبر هذا العمل نظريّة «وحدة الوجود» Vahdet-i Vücud في صميم البنية الأيديولوجيّة للدّولة العثمانيّة، جاعلاً منها إطاراً مرجعيّاً فلسفيّاً يؤسّس لنظرة شموليّة للكون والسّياسة.
يفسّر تبنّي أعلى مرجعيّة فقهيّة وتدريسها لهذا الفكر بوضوح السّبب الّذي منع السّلاطين العثمانيّين اللّاحقين من الشّعور بأيّ غضاضة في احتضان تراث عُدّ إشكاليّاً في مراكز علميّة أخرى. وظهر جليّاً دور العلماء والمتصوّفة في صياغة عقول السّلاطين العثمانيّين ومنحهم الدّافع الرّوحيّ للتّوسّعات العسكريّة، كما هي حال الشّيخ {آق شمس الدّين} Akşemseddin، معلّم ومربّي السّلطان {محمّد الفاتح}. إذ غرس هذا الشّيخ المتصوّف طموح فتح مدينة القسطنطينيّة في عقل تلميذه منذ نعومة أظفاره، لتتكامل حكمة المعلّم مع قوّة السّلطان، ممّا يؤكّد أنّ الفلسفة الصّوفيّة لم تكن منعزلةً عن السّياسة، بل سكنت قلب صنع القرار العثمانيّ ووجّهت طموحاته التّوسّعيّة.

تكيّة الصّالحيّة في دمشق والتّوظيف الجيوسياسيّ
قبل الفتح العثمانيّ، كانت دمشق مسرحاً لتوتّرات فكريّة حادّة حول تراث {ابن عربيّ}، متأثّرةً بالانتقادات الصّارمة الّتي وجّهها {تقيّ الدّين ابن تيميّة} المتوفّى عام 728 هـ / 1328 م للمدرسة الأكبريّة، لكونه حكم عليها بالخروج عن عقيدة التّوحيد. وأدّى هذا المناخ المعادي، المدعوم من بعض فقهاء مماليك مصر، إلى إهمال قبر {ابن عربيّ} وتحويله مكبّاً وتهميش أتباعه. لذا، جاءت خطوة السّلطان {سليم الأوّل} بإعادة بناء القبر وتشييد مجمّع معماريّ ضخم فوقه عام 924 هـ / 1518 م رسالةً سياسيّةً وعقائديّةً حازمةً.
تجلّى الاهتمام العمرانيّ العثمانيّ في مدينة دمشق عبر بناء مجمّعين منفصلين يحملان دلالاتٍ رمزيّةً مختلفةً، إذ شيّد السّلطان {سليم الأوّل} «التّكيّة السّليميّة» في حيّ الصّالحيّة لتضمّ مقام الشّيخ الأكبر، وبنى ابنه السّلطان {سليمان القانونيّ} لاحقاً «التّكيّة السّليمانيّة» في منطقة الحلبونيّ مكان القصر الأبلق، مقابل موقع المتحف الحربيّ الحاليّ، ليعزّز كلّ مجمّعٍ منهما حضور الدّولة وشعائرها في نسيج المدينة الحضريّ.
صُمّم مجمّع التّكيّة السّليميّة في حيّ الصّالحيّة ليكون مركزاً حيويّاً للرّعاية الاجتماعيّة والسّيطرة الحضريّة، ولم يُبنَ مزاراً روحيّاً فقط. بل زُوّد المجمّع بمسجد عظيم يضمّ محراباً ومنبراً خشبيّاً، وتكيّةً Tekke واسعةً، وغرفاً لإيواء الفقراء وطلّاب العلم، ومطبخاً خيريّاً عُرف باسم {إيمارِت} İmaret (عمارة) كان وحتّى عهد قريب، يوزّع آلاف الوجبات المجّانيّة يوميّاً، مدعوماً بشبكة ضخمة من الأوقاف الّتي شملت مزارع وقرى كاملة خُصّصت ريعها لتمويل المجمّع.
أمر السّلطان، لضمان استدامة المجمّع وخدمة الوافدين، ببناء ناعورة خشبيّة عموديّة ضخمة على نهر يزيد، وهو إحدى فروع نهر بردى، لرفع المياه وتأمين الوضوء والسّقاية، والّتي عُدّت تحفةً في الهندسة الهيدروليكيّة في وقتها.
ارتبط هذا المجمّع ارتباطاً وثيقاً بالتّحوّلات السّياسيّة ومحاولات استعادة النّفوذ المملوكيّ. إذ استغلّ {جان بردي الغزاليّ} الفرصة بعد وفاة السّلطان {سليم الأوّل} وتولّي ابنه الشّابّ {سليمان القانونيّ} الحكم، وأعلن تمرّده في شتاء عام 926 هـ / 1520 م. و{الغزاليّ} قائد مملوكيّ عيّنه العثمانيّون والياً على دمشق تقديراً لتعاونه. أعلن {الغزاليّ} استقلال الشّام، ولقّب نفسه بالملك الأشرف، ومنع الخطبة باسم {السّلطان العثمانيّ}، وحظر ارتداء الأزياء العثمانيّة، وشنّ هجوماً لحصار مدينة حلب. فتعرّض مجمّع {ابن عربيّ} في الصّالحيّة لأضرار بالغة خلال هذا التّمرّد العنيف، لكونه الرّمز العثمانيّ الأبرز في المدينة.
أرسل السّلطان {سليمان} جيشين بقيادة {عليّ بك} و{فرهاد باشا}، اللّذين تمكّنا من فكّ الحصار عن حلب وملاحقة {الغزاليّ} حتّى دمشق، ليُهزَم بجيشه في «معركة المصطبة» في أواخر شهر كانون الثّاني يناير 1521 م 927 هـ، ويُعدَم إثرها. ولم يكتفِ العثمانيّون بعد استعادة السّيطرة بإلغاء الإدارة الذّاتيّة وتأسيس حكم مباشر، بل أمر السّلطان {سليمان} بترميم مجمّع {ابن عربيّ} وتوسعته ليؤكّد سيادة الدّولة.
عند وفاة القائد العثمانيّ البارز {فرهاد باشا} عام 928 هـ / 1522 م، وهو الّذي تولّى حكم دمشق وقاد قمع التّمرّد، دُفن في أرض المسجد بالقرب من ضريح الشّيخ الأكبر. وتحوّل المكان بذلك على مدى قرون العهد العثمانيّ إلى واحد من أهمّ المواقع الدّينيّة في دمشق المرتبطة بحضور الدّولة وشعائرها العامّة، ودُفن فيه لاحقاً شخصيّات محوريّة مثل الأمير {عبد القادر الجزائريّ}، ليظلّ مقام {ابن عربيّ} جزءاً أصيلاً من الذّاكرة الدّينيّة والسّياسيّة للدّولة العثمانيّة في حاضرة الشّام.

العقيدة السّياسيّة وبناء صورة السّلطان إنسان كامل وظلّ للّه
لفهم العمق الحقيقيّ لتوظيف العثمانيّين لفلسفة {ابن عربيّ} علينا تجاوز المظاهر العمرانيّة والنّظر في الكيفيّة الّتي أعادت بها هذه الفلسفة تشكيل مفهوم السّلطة والخلافة ذاتها.
اعتمدت الخلافة العبّاسيّة تاريخيّاً على الفقه السنّيّ التّقليديّ، الّذي ينظر إلى الخليفة بوصفه وكيلاً سياسيّاً للأمّة يحرس الدّين ويسوس الدّنيا بناءً على عقد اجتماعيّ وشروط فقهيّة-إثنيّة محدّدة مثل الانتماء الهاشميّ لقبيلة قريش. ثمّ حدث فراغ تنظيريّ فقهيّ هائل مع زوال الخلافة العبّاسيّة عن مدينة بغداد وسقوطها عام 656 هـ / 1258 م، وصعود الممالك المسلمة التّركيّة والمغوليّة الصوفيّة الجديدة. فقدّمت الصّوفيّة الأكبريّة هنا البديل الغيبيّ المثاليّ المتمثّل في العقيدة الصّوفيّة للسّيادة.
يُفصّل المؤرّخ {حسين يلماز} Hüseyin Yılmaz في دراسته {إعادة تعريف الخلافة المنعطف الصّوفيّ في الفكر السّياسيّ العثمانيّ}، كيف أعاد العثمانيّون في القرنين 9 و 10 هـ / 15 و 16 م صياغة مفهوم الخلافة بلغة التّصوّف الأكبريّ. ويكمن في قلب هذا التّحوّل مفهوم «الإنسان الكامل» İnsan-ı Kâmil، الّذي صاغه {ابن عربيّ} ووسّعه أتباعه مثل {عبد الكريم الجيليّ} و{مؤيّد الدّين الجنديّ}.
الغاية من الخلق في الغيبيّات الأكبريّة (العلم الكلّيّ) هي رغبة اللّه في أن يُعرَف، و «الإنسان الكامل» هو المرآة المصقولة الّتي تتجلّى فيها الأسماء والصّفات الإلهيّة بأكمل صورة. ويُعَدّ «الإنسان الكامل» برزخاً يربط بين العالم المطلق الإلهيّ والعالم المقيّد المتمثّل في المخلوقات، وهو الخليفة الحقيقيّ الّذي تدور عليه أفلاك الوجود.
تتباين الخلافة الفقهيّة التّقليديّة وفق النّموذج العبّاسيّ في محاور جوهريّة تبيّن عمق التّحوّل العقائديّ عن الخلافة الصّوفيّة الأكبريّة وفق النّموذج العثمانيّ. إذ تعتمد الشّرعيّة في النّموذج العبّاسيّ على العقد الاجتماعيّ وبيعة أهل الحلّ والعقد. في حين تستند في النّموذج العثمانيّ إلى العناية الإلهيّة والتّمظهر الكونيّ للأسماء والصّفات. ويُنظَر إلى الحاكم في الفقه التّقليديّ بوصفه وكيلاً سياسيّاً وحارساً للشّريعة، أمّا في الفلسفة الأكبريّة فيُعَدّ الإنسان الكامل والقطب الرّوحيّ وظلّ اللّّه.
يعتمد مصدر المعرفة في النّموذج الأوّل على النّقل والقياس الفقهيّ الصّارم، ليتحوّل في النّموذج الثّاني إلى الإلهام والكشف والعناية المباشرة. ويظهر التّباين الأكبر في التّشريع والقانون؛ إذ يتقيّد النّموذج العبّاسيّ بحدود النّصّ الفقهيّ للمذاهب، ويمنح النّموذج العثمانيّ مرونةً تستوعب القانون الوضعيّ سياسةً شرعيّةً.
أُسقط هذا البناء الكونيّ مباشرةً على شخص السّلطان العثمانيّ، فلم يعد السّلطان حاكماً إداريّاً فحسب، بل أصبح يُنظَر إليه القطب والتّجلّي الزّمانيّ للإنسان الكامل، الّذي يجمع في شخصه النّطاقين الزّمنيّ والرّوحيّ، اختاره اللّه ليحكم باسمه. ووفّر هذا المفهوم مرونةً سياسيّةً وتشريعيّةً غير مسبوقة للنّظام العثمانيّ؛ إذ سمح للسّلاطين بإصدار قوانين إداريّة وجنائيّة وماليّة وضعيّة عُرفت باسم {قانون آل عثمان} Kanun-i Âl-i Osman دون أن يُعَدّ ذلك خروجاً عن الشّريعة الإسلاميّة. وتكتسب مراسيم السّلطان التّنظيميّة، أي القانون، شرعيّةً غيبيّةً وتنسجم تماماً مع الغايات العليا للشّريعة بموجب النّظرة الأكبريّة، لكون السّلطان مظهر الإرادة الإلهيّة وظلّ اللّه في الأرض.
لم تكن هذه المواءمة المعقّدة بين الشّريعة والقانون لتنجح أو تحظى بقبول مجتمعيّ لولا المظلّة الفلسفيّة الّتي وفّرها مفهوم السّيادة الرّوحيّة المستمدّ من كتابات {ابن عربيّ}.
اعتمد مماليك مصر في مدينة القاهرة على الفقه السنّيّ المدرسيّ الصّارم ومؤسّسة المذاهب الأربعة درعاً أيديولوجيّاً لمواجهة التّمدّد العرفانيّ الشّيعيّ والتّيّارات الصّوفيّة الفلسفيّة الأكبريّة. ولجأ سلاطين مماليك مصر إلى ترسيخ سلطة الفقهاء. إذ أسّس السّلطان {الظّاهر بيبرس} نظام «القضاة الأربعة»، لضمان سيطرة المذاهب السنّيّة الرّسميّة على القضاء والتّعليم في أنحاء الدّولة كافّة.
وقفت هذه البنية الفقهيّة سدّاً منيعاً أمام الأفكار الباطنيّة. واستمدّ مماليك مصر شرعيّتهم السّياسيّة من القوّة العسكريّة ودورهم في حماية الإسلام من المغول والصّليبيّين، واستضافوا خليفةً عبّاسيّاً في مدينة القاهرة ليمنحهم غطاءً شرعيّاً فقهيّاً تقليديّاً يعتمد على عقد البيعة، ممّا أغناهم عن البحث عن شرعيّةٍ غيبيّة أو ادّعاء مرتبة الإنسان الكامل للسّلطان طوال 250 عاماً قبيل دخول العثمانيّين.

دعاية علم آخر الزّمان ولغز الشّجرة النّعمانيّة في الدّولة العثمانيّة
احتاج الوعي الشّعبيّ والسّياسيّ العثمانيّ، إلى جانب التّنظير الفلسفيّ، إلى ما يؤكّد الحتميّة التّاريخيّة لدولتهم. وتجلّى ذلك في تداول أهل الدّولة العثمانيّة نصّ ملغّز عُرف باسم {الشّجرة النّعمانيّة}، والّذي نُسب إلى {ابن عربيّ} وليس من أثره. وازداد الارتباط الرّمزيّ بين {ابن عربيّ} والعثمانيّين مع هذا الكتاب الّذي تضمّن نبوءات فُسّرت على أنّها تتحدّث عن ظهور الدّولة العثمانيّة، وفتحها لمصر والشّام، واستمرارها إلى نهاية الزّمان.
يوضّح الباحث {دوني گرِل} Denis Gril، في تحليله الدّقيق لهذا النّصّ، أنّ {الشّجرة النّعمانيّة} تطرح لغزاً مزدوجاً: فهي مكتوبة بلغة مشفّرة تعتمد على علم الحروف، مؤلّفها الحقيقيّ مجهول. وعلى الرّغم من أنّ نسبة النّصّ إلى {ابن عربيّ} غير صحيحة تاريخيّاً، نظراً لاحتوائه على تفاصيل وأسماء سلاطين ظهروا بعد وفاته بقرون، إلّا أنّ اختيار اسم الشّيخ الأكبر كان متعمّداً لإضفاء أقصى درجات القدسيّة والشّرعيّة على محتوى الكتاب. وثبت أن حتّى الشّروح المبكّرة للكتاب، مثل تلك المنسوبة لـ{صدر الدّين القونويّ} والمؤرّخ {الصّفديّ}، هي شروح منحولة كُتبت في عصور لاحقة لتأكيد النّبوءة.
يركّز نصّ {الشّجرة النّعمانيّة} على أحداث مصيريّة في القرنين 10 و 12 هـ / 16 و 17 م. وصيغت أشهر نبوءاته في عبارة مسجوعة غامضة نصّها: {إذا دخل السّين في الشّين، يظهر قبر محيي الدّين}. وفسّر العثمانيّون السّين بالسّلطان {سليم}، والشّين بالشّام، ممّا جعل عمليّة غزو مملكة مماليك مصر واكتشاف قبر {ابن عربيّ} المهمل تبدو وكأنّها قدر محتوم وخطة كونيّة مسطّرة مسبقاً.
لم تكتفِ {الشّجرة النّعمانيّة} بتبرير التّوسّع العثمانيّ، بل وضعت السّلالة العثمانيّة في صميم «علم آخر الزّمان» (أمور المعاد)، أي الجفر في الفكر الإسلاميّ. ويشير نصّ {الشّجرة النّعمانيّة} إلى السّلاطين بالحروف الأولى من أسمائهم، ويربط ذروة قوّتهم بظهور المهديّ في قونية، وفتح «روميّة الكبرى»، أي مدينة روما المقدّسة، ووصولاً إلى النّزول الثّاني للمسيح {عيسى} عليه السّلام في دمشق. ويصف النّصّ أيضاً مصر بالكنانة الّتي ستشهد أحداثاً جساماً تتعلّق بالعدل الإلهيّ.
استخدم السّاسة العثمانيّون هذه النّبوءات أداة پروپاگاندا فعّالةً للغاية. ففي وقت خاضت فيه الدّولة صراعات مبرحة لإثبات أحقّيّتها في حكم العالم الإسلاميّ وتجريد مماليك مصر والصّفويّين من شرعيّتهم، وفّرت هذه النّصوص «حتميّةً جبريّةً» جعلت معارضة السّلطان العثمانيّ تُرى تمرّداً على المشيئة الإلهيّة والمخطّط الكونيّ الّذي تنبّأ به الأولياء.

الدّرع القانونيّ والفتاوى المؤسّسيّة لحماية الفكر الأكبريّ
واجه العقل البيروقراطيّ العثمانيّ، المائل بطبعه للتّصوّف، تحدّياً فقهيّاً نابعاً من ميراث من العداء المدرسيّ لـ{ابن عربيّ} ومفهوم وحدة الوجود، مع التّوسّع الهائل للإمبراطوريّة وضمّها حواضر عربيّة تقليديّة مثل القاهرة ودمشق وحلب وصنعاء وطرابلس وتونس والجزائر. لزم تدخّل أعلى سلطة دينيّة في الإمبراطوريّة لترسيم حدود السّنّة العثمانيّة (النّهج القويم) وحماية تراث «الشّيخ الأكبر» من التّكفير، بغية تأمين التّماسك الأيديولوجيّ.
تصدّى لهذه المهمّة العالم العثمانيّ الفذّ {كمال باشا زاده} أو {ابن كمال}، الّذي رافق السّلطان {سليم} في حملته على مصر والشّام، وتولّى لاحقاً منصب «شيخ الإسلام». إذ أصدر {ابن كمال} فتوى تاريخيّة حاسمة تدافع عن {ابن عربيّ} بشكل مؤسّسيّ قاطع. ولم يكتفِ {ابن كمال} في هذه الفتوى بتبرئة {ابن عربيّ}، بل أمر السّلطان بالتّدخّل المباشر لردع معارضيه، معلّلاً ذلك بأنّ رفض الاعتراف بولاية {ابن عربيّ} ضلال، والإصرار عليه يستوجب التّأديب السّلطانيّ استناداً إلى مبدأ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
اعتمد {ابن كمال} في فتواه على تقسيم هرميّ للمعرفة؛ إذ أوضح أنّ كتب {ابن عربيّ}، مثل {الفتوحات المكيّة} و{فصوص الحكم}، تحوي نصوصاً واضحة تتّفق تماماً مع الشّريعة الظّاهرة، وتحوي أيضاً معانٍ عميقة تنتمي لعالم الكشف والباطن وتخفى على أهل الظّاهر. وخلصت الفتوى إلى قاعدة ذهبيّة في التّعامل مع التّراث الصّوفيّ نصّها: {من لم يفهم قصد ابن عربيّ، فالأولى له الصّمت}. ووفّرت هذه الفتوى الغطاء الشّرعيّ الّذي حوّل الفكر الأكبريّ من تيّار جدليّ إلى عقيدة محميّة بقوّة الدّولة.
سار شيخ الإسلام الشّهير {أبو السّعود أفندي} المتوفّى عام 982 هـ / 1574 م على الدّرب ذاته خلال عهد السّلطان {سليمان القانونيّ}. إذ لجأ {أبو السّعود}، للخروج من مأزق بعض العبارات الّتي بدت شديدة التّصادم مع الفقه في كتاب {فصوص الحكم}، إلى تقديم تبرير براغماتيّ، زاعماً أنّ بعض العبارات البدعيّة لم يكتبها {ابن عربيّ}، بل دُسّت لاحقاً في المخطوطات من قِبَل “يهوديّ حاقد” لتشويه سمعته. ولم تتسامح الدّولة مع أيّ اختراق لهذا الإجماع الاستراتيجيّ، حتّى لو جاء من قمّة الهرم الدّينيّ.
عام 946 هـ / 1539 م أصدر السّلطان أمراً بعزل شيخ الإسلام {محيي الدّين محمّد چوي زاده} Çivizade من منصبه، وكان من الأسباب الجوهريّة لعزله هجومه العلنيّ والمستمرّ على تراث {ابن عربيّ} و {جلال الدّين الرّوميّ}، ورفضه لممارسات صوفيّة كانت الدّولة تراها ضروريّةً للانسجام المجتمعيّ.

الصّراع الجيوسياسيّ ومقاربة العرفان الصّفويّ مقابل الأكبريّة العثمانيّة
لا يُمكن عزل الاحتضان العثمانيّ الكثيف لـ{ابن عربيّ} عن التّحدّي الوجوديّ الّذي فرضه صعود الدّولة الصّفويّة في إيران المجاورة خلال القرن 10 هـ / 16 م. إذ بدأت الحركة الصّفويّة طريقةً صوفيّةً ذات كاريزما عالية تعتمد على الولاء المطلق للمرشد، ثمّ تحوّلت بقيادة الشّاه {إسماعيل} إلى دولة شيعيّة اثنا عشريّة ثيوقراطيّة تدمج بصرامة بين السّلطة الرّوحيّة، أي الإمامة والقطبيّة، والسّلطة الزّمنيّة المتمثّلة في منصب الشّاه.
كانت القبائل التّركمانيّة في الأناضول، المعروفة باسم {القزلباش} Kızılbaş، تميل تقليديّاً إلى أنماط من التّصوّف العاطفيّ والحلوليّ، ممّا جعلها هدفاً سهلاً للدّعاية الصّفويّة ومصدرَ تهديد دائم لمركزيّة القسطنطينيّة. فصاغ العثمانيّون استجابةً استراتيجيّةً تمثّلت في نسختهم الخاصّة من التّصوّف السنّيّ لتكون درعاً مضادّاً. وتبنّت الدّولة العثمانيّة التّصوّف الأكبريّ العقلانيّ المنضبط بالشّريعة، وقدّمته بديلاً حضاريّاً ومؤسّسيّاً للعرفان الصّفويّ، عوضاً عن التّخلّي عن التّصوّف وترك السّاحة للرّوحانيّات الشّيعيّة.
وفي الوقت الّذي طوّر فلاسفة العهد الصّفويّ، مثل {غياث الدّين الدّشتكيّ} والملّا {صدرا}، مفهوماً خاصّاً بالعرفان الشّيعيّ يربط الكشف والإشراق بتعاليم أئمّة أهل البيت، أسّس العلماء العثمانيّون لشرعيّة السّلطان السنّيّ استناداً إلى أفكار {ابن عربيّ} حول خاتم الأولياء والولاية العامّة.
أصدر {كمال باشا زاده بن كمال} فتاوى صريحةً بتكفير الشّاه {إسماعيل الصّفويّ} وأتباعه، مستنداً إلى خروجهم عن الشّريعة السنّيّة وسبّهم للخلفاء الرّاشدين، وعَدّ أراضيهم دار حرب. واستمرّت الدّولة العثمانيّة مع ذلك بالتّمسّك بالبنية الغيبيّة الأكبريّة لتؤكّد لجمهورها أنّ السّلاطين العثمانيّين لا يفتقرون للعمق الرّوحيّ، بل يجمعون بشكل أكمل وأصحّ بين الحقيقة والشّريعة مقارنةً بمنافسيهم الصّفويّين.

الأزمات الدّاخليّة والمواجهة بين حركة قاضي زاده والصّوفيّة
واجه الفكر الأكبريّ والتّقاليد الصّوفيّة في الإمبراطوريّة العثمانيّة معارضةً داخليّةً شرسةً، على الرّغم من الحماية الرّسميّة، وتجلّت ذروتها في القرن 11 هـ / 17 م مع صعود حركة {قاضي زاده} Kadızadeliler. إذ استلهمت هذه الحركة السّلفيّة المتطرّفة أفكار الإمام {محمّد بن بيركوي} المتوفّى عام 981 هـ / 1573 م، وتأثّرت بمفاهيم {تقيّ الدّين ابن تيميّة} حول محاربة البدع والالتزام الصّارم بظاهر النّصّ القرآنيّ.
استهدفت الحركة، الّتي تزعّمها {قاضي زاده محمّد} ووعّاظ مساجد القسطنطينيّة الكبرى، تفكيك التّقاليد الصّوفيّة الّتي ترعاها الدّولة. فانتقد قادة الحركة مفاهيم وحدة الوجود بعنف، وكفّروا {ابن عربيّ} علانيةً، وطالبوا بحظر ممارسات الطّرق الصّوفيّة، خاصّةً «الخلوتيّة» و«المولويّة»، مثل الرّقص الصّوفيّ المسمّى بالسّماع والمقابلة، والذّكر الجهريّ المعروف بالدّوران. وامتدّ هجومهم ليشمل تحريم القهوة، والتّبغ، وزيارة القبور، وقراءة القرآن بالألحان، وحتّى تدريس العلوم العقليّة والرّياضيّات.
تصدّى شيوخ الصّوفيّة البارزون في المقابل، وعلى رأسهم الشّيخ الخلوتيّ {عبد المجيد السّيواسيّ} المتوفّى عام 1049 هـ / 1639 م وابن أخيه {عبد الأحد نوري}، للدّفاع عن الفلسفة الأكبريّة وعن شرعيّة الممارسات الرّوحيّة. وفجّرت قضيّة «إيمان فرعون» صداماً عقائديّاً عميقاً؛ إذ ذهب {ابن عربيّ} في {فصوص الحكم} إلى أنّ فرعون مات مؤمناً لكونه نطق بالتّوحيد قبل غرقه مباشرةً، وهو ما استغلّه القاضي {زاده} دليلاً قاطعاً على كفر {ابن عربيّ} لمخالفته ظاهر القرآن، في حين انبرى المتصوّفة لشرح المعاني الباطنيّة الّتي قصدها الشّيخ الأكبر.
يُظهر التّحليل المقارن بين حركة {قاضي زاده}، الممثّلة للاتّجاه السّلفيّ العثمانيّ، والطّرق الصّوفيّة الأكبريّة بزعامة {عبد المجيد السّيواسيّ}، تناقضاً جذريّاً في عدّة محاور. إذ تنظر الحركة الأولى لـ{ابن عربيّ} بوصفه زنديقاً وكافراً، وتعدّ عقيدة «وحدة الوجود» انحرافاً عقائديّاً، في حين تراه الطّرق الصّوفيّة «الشّيخ الأكبر» والوليّ الأعظم، وتعدّ «وحدة الوجود» ذروة التّوحيد.
في قضيّة «مصير فرعون»، تجزم حركة {قاضي زاده} بكفره بنصّ القرآن، وتعدّ القول بإيمانه كفراً صريحاً، في حين يرى المتصوّفة أنّ نطق التّوحيد لحظة الغرق يحمل دلالات باطنيّة أشار إليها {ابن عربيّ}. أمّا الممارسات مثل السّماع والذّكر، فتعدّها الحركة السّلفيّة بدع ضلالة يجب استئصالها بالقوّة ومحاسبة فاعليها، في حين تعدّها الطّرق الصّوفيّة أدوات روحيّة مشروعة للارتقاء وتصفية القلب.
قاد ويقود هذا الخلاف حتّى اليوم دوافع مجتمعيّة اقتصاديّة عميقة؛ إذ تألّفت حركة {قاضي زاده} من وعّاظ المساجد وطلّاب المدارس الفقراء السّاعين للنّفوذ، في حين ضمّت الطّرق الصّوفيّة شيوخ التّكايا والزّوايا ذوي النّفوذ الماليّ والارتباط العضويّ بالدّولة … اليوم تنقلب المواقع في بعض بلدان المسلمين.
استغلّت الدّولة العثمانيّة حركة {قاضي زاده} تكتيكيّاً في بعض الفترات لضبط النّفقات وتقييد التّمرّدات، إلّا أنّ الحركة تطرّفت وبدأت أجنحتها المسلّحة باقتحام التّكايا والمقاهي بالقوّة والنار لإجبار النّاس على ما أسموه تجديد الإيمان. فتدخّل الصّدر الأعظم {كوبرولو محمّد باشا} بحزم، لمّا بات هذا الانفلات تهديداً مباشراً للأمن المجتمعيّ وهيبة الدّولة المركزيّة، واستصدر فتاوى من كبار العلماء لتجريم أفعالهم، ثمّ أمر بنفي قادة {قاضي زاده} وقمع الحركة بشدّة.
يبرهن هذا التّدخّل الصّارم أنّ بنية الدّولة العثمانيّة اعتمدت بشكل أساسيّ على الفلسفة الصّوفيّة أداةً لاستيعاب التّعدّديّة، وأنّ فرض رؤية فقهيّة أحاديّة ضيّقة كان أمراً مرفوضاً من قِبَل البيروقراطيّة الإمبراطوريّة، لما فيه من تهديد للسلم الأهليّ.

التّوغّل المنهجيّ وشروح فصوص الحكم وعلماء البلقان
لم يقتصر تأثير الفكر الأكبريّ على التّنظير السّياسيّ وفتاوى القسطنطينيّة، بل توغّل في نسيج النّخبة العثمانيّة عبر شبكة واسعة من الشّروح والتّراجم لكتاب {فصوص الحكم}، والّذي أصبح بمنزلة الدّستور الفلسفيّ لرجالات الدّولة، خصوصاً المنحدرين من إقليم البلقان المعروف باسم {الرّوميلي} Rumeli، والّذي صاغ الخزّان البشريّ والعسكريّ الأهمّ للإمبراطوريّة.
برز في هذا الميدان العشرات من العلماء العثمانيّين، كان من ألمعهم العالم البلقانيّ {عبد اللّه البوسنويّ} المتوفّى عام 1054 هـ / 1644 م، وهو من شيوخ الطّريقة «البيراميّة الملاميّة» Bayramiyye-Melâmiyye.
وضع {البوسنويّ} شرحاً هائلاً لكتاب {فصوص الحكم} باللّغة التّركيّة العثمانيّة Osmanlıca، ثمّ نقله إلى العربيّة بعنوان {تجليّات عرائس النّصوص في منصّات حكم الفصوص}. وحظي هذا الشّرح بتقدير بالغ لدرجة أنّ الموسوعيّ العثمانيّ {حاجي خليفة} Kâtip Çelebi وصفه بأنّه شرح ممزوج بالنّصّ وربّما يكون الأفضل على الإطلاق، إذ تمكّن {البوسنويّ} من فكّ شفرات الرّمزية الأكبريّة وربطها بالواقع الرّوحيّ لعصره.
يظهر نموذج بلقانيّ آخر متمثّلاً في الصّوفيّ المؤثّر {صوفي بالي أفندي} Sofyalı Bâlî Efendi المتوفّى عام 959 هـ / 1553 م، الّذي لم تقتصر جهوده على الجانب النّظريّ في شرح {فصوص الحكم} بناءً على رؤيا مناميّة تلقّاها من {ابن عربيّ} نفسه، بل امتدّت لتشمل التّدخّل المباشر في توجيه السّياسة العليا للدّولة. وحظي {بالي أفندي} بمكانة استثنائيّة لدى السّلطان {سليمان القانونيّ} والصّدر الأعظم {صقللي محمّد باشا} Sokollu Mehmed Paşa، وتذكر المصادر التّاريخيّة أنّه هو من شجّع السّلطان {سليمان} و {محمّد باشا} على الانطلاق في {حملة سيكتوار} (سيگيتڤار) Szigetvár العسكريّة الكبرى بناءً على مبشّرات روحيّة.
نجد امتداداً لهذا التّقليد أيضاً مع العالم الصّوفيّ {إسماعيل حقّي البُروسويّ} İsmail Hakkı Bursevî المتوفّى عام 1137 هـ / 1725 م، الّذي قدّم ترجمةً وشرحاً متميّزين لكتاب {فصوص الحكم} ومؤلّفات أخرى ككتاب {روح البيان}.
يثبت انخراط كبار علماء الإمبراطوريّة في تفسير وشرح نصوص {ابن عربيّ} أنّ الفلسفة الأكبريّة لم تكن تيّاراً هامشيّاً في التّكايا، بل كانت الفلسفة الحاكمة الّتي تصوغ عقول النّخبة العسكريّة والمدنيّة وتوجّه قراراتهم الكبرى وتتحكّم بلغة منصّات المؤسّسات الحكوميّة الرسميّة.

خاتمة وتوليف
يتّضح بجلاء، بناءً على التّتبّع التّاريخيّ والتّحليل المعمّق للوثائق والفتاوى والممارسات العمرانيّة، أنّ السّلاطين العثمانيّين بنوا جزءاً جوهريّاً من نظامهم الإمبراطوريّ على أسس الفلسفة الأكبريّة لـ{ابن عربيّ}. إذ لم يكن اهتمام السّلطان {سليم الأوّل} بتشييد مجمّع الصّالحيّة (التّكيّة السّليميّة) في دمشق بادرةً دينيّةً شخصيّةً فحسب، بل كان إعلاناً جيوسياسيّاً يرسّخ الشّرعيّة العثمانيّة في قلب الشّرق العربيّ المتخبّط بين بقايا مماليك مصر والمطامع الصّفويّة والكاثوليكيّة.
قدّمت غيبيّات {ابن عربيّ} الحلول العبقريّة لأعقد إشكاليّات الدّولة العثمانيّة عبر مسارات متعدّدة. إذ
- وفّر مفهوم «وحدة الوجود»، أوّلاً، المظلّة الفلسفيّة القادرة على استيعاب التّنوّع الإثنيّ والدّينيّ الهائل في إمبراطوريّة قارّيّة، مانحاً الدّولة أفقاً رحباً يتجاوز الانغلاق الفقهيّ.
- وأتاح مفهوم «الإنسان الكامل»، ثانياً، إعادة تعريف الخلافة؛ فتحوّل السّلطان من حارس تقليديّ للشّريعة إلى قطب روحيّ وظلّ للّه، ممّا شرعن سيادته المطلقة ومكّنه من دمج {قانون آل عثمان} الوضعيّ مع الشّريعة الإسلاميّة بسلاسة نادرة.
- ومنحت التّنبّؤات المرتبطة بتراث {ابن عربيّ}، مثل {الشّجرة النّعمانيّة}، ثالثاً، التّوسّعات العسكريّة العثمانيّة مسحةً جفريّةً حتميّةً. وتجاوز هذا التّوظيف حدود التّبرير السّياسيّ ليلامس ما يُعرف في شروح علم النّفس المجتمعيّ الحديث بمصطلح «النّبوءة ذاتيّة التّحقّق» و «الفعاليّة الجماعيّة».
أدرك العقل السّلطانيّ أنّ بناء إمبراطوريّة لا يقتصر على حشد الجيوش، بل يستوجب صياغة برمجة مجتمعيّة إيجابيّة تزرع يقين الانتصار والمدد الإلهيّ في وعي الجنديّ والفلّاح والصّانع. ولمّا آمن الشّعب إيماناً مطلقاً بأنّ دولتهم محفوفة بالعناية الإلهيّة ومحكومة بالانتصار وفق مخطّط كونيّ مسطّر مسبقاً، تحوّل هذا الخيال الإمبراطوريّ (الهيئة السلطانيّة) إلى طاقة بشريّة هائلة وواقع مادّيّ صلب. فتلاشت مخاوف الهزيمة، وتوحّدت الصّفوف، وتضاعفت الإرادة، فانتصرت الدّولة وتوسّعت فعليّاً لكون مجتمعها تشرّب فكرة الانتصار الحتميّ، لتصنع الدّولة العثمانيّة قوّتها وحضورها الدّوليّ الكاسح استناداً إلى هذا اليقين المجتمعيّ الرّاسخ.
تؤكّد الحماية المؤسّسيّة الصّارمة الّتي وفّرتها الدّولة عبر فتاوى {ابن كمال} و {أبي السّعود}، وقمعها الصارم لأيّ تمرّد فكريّ استهدف هذا النّسق، كما حدث مع حركة {قاضي زاده}، أنّ العقل الإمبراطوريّ العثمانيّ اتّخذ الفلسفة الأكبريّة ركيزةً من ركائز أمنه الأممي وهويّته السّنّيّة. فلم يكن {ابن عربيّ} بالنّسبة للعثمانيّين متصوّفاً أندلسيّاً رقد في دمشق فقط، بل كان المشرّع الغيبيّ الّذي أمدّ خيالهم الإمبراطوريّ بالرّوح، وصاغ وجدانهم المجتمعيّ، وربط أطراف إمبراطوريّتهم بنسق عقائديّ سياسيّ متين استمرّ قروناً طويلةً.

المراجع الأساسية
- عرب الإمبراطورية العثمانية: تاريخ اجتماعي ومعرفي. The Arabs of the Ottoman Empire, 1516–1918: A Social and Cultural History. المؤلف: بروس ماسترز Bruce Masters. https://www.cambridge.org/gb/universitypress/subjects/history/middle-east-history/arabs-ottoman-empire-15161918-social-and-cultural-history
- خطط الشام. المؤلف: محمد كرد علي. https://archive.org/details/elshandawily9237
- الفتوحات المكية. المؤلف: محيي الدين ابن عربي. https://archive.org/details/al-futuhat_al-makkiyah
- فصوص الحكم. المؤلف: محيي الدين ابن عربي. https://archive.org/details/eyad_406
- مفتاح الغيب. المؤلف: صدر الدين القونوي. https://archive.org/details/20240412_20240412_2146
- مصباح الأنس بين المعقول والمشهود. المؤلف: شمس الدين محمد الفناري. شرح لكتاب مفتاح الغيب.
- الإنسان الكامل. المؤلف: عبد الكريم الجيلي. https://archive.org/details/2_20220901_20220901_1734
- الشجرة النعمانية. منسوب إلى ابن عربي، لكن المقالة نفسها تشير إلى أن نسبته إليه غير ثابتة تاريخياً. دراسة دنيس غريل عن النص https://ibnarabisociety.org/enigma-of-the-shajara-al-numaniyya-denis-gril/
- إعادة تعريف الخلافة: المنعطف الصوفي في الفكر السياسي العثماني. Caliphate Redefined: The Mystical Turn in Ottoman Political Thought. المؤلف: حسين يلماز Hüseyin Yılmaz. الناشر: Princeton University Press، 2018 https://iletisim.com.tr/Images/UserFiles/Documents/Gallery/hilafeti.pdf. وعلى أركايڤ https://archive.org/details/20230720_20230720_0125
- تجليات عرائس النصوص في منصات حكم الفصوص. Sharḥ Fuṣūṣ al-Ḥikam: Tajalliyāt ʿarāʾis al-nuṣūṣ fī manāṣṣāt ḥikam al-fuṣūṣ. المؤلف: عبد الله البوسنوي (عبد الله أفندي البوسنوي). شرح مطول لكتاب فصوص الحكم، ذكرته المقالة بوصفه أهم شروح البوسنوي. https://www.islamicpluralism.org/documents/1623.pdf
- روح البيان في تفسير القرآن. المؤلف: إسماعيل حقي البروسوي. ذكرت المقالة أن البروسوي قدّم ترجمة وشرحاً لكتاب فصوص الحكم، وأشارت أيضاً إلى مؤلفه الأشهر روح البيان. https://archive.org/details/3_20200114_20200114
المصادر
- A General Outline of the Influence of Ibn Arabi on the Ottoman Era: https://ibnarabisociety.org/influence-of-ibn-arabi-on-the-ottoman-era-mustafa-tahrali/
- Full text of “Ibn Arabi In the Later Islamic Tradition” – Internet Archive: https://archive.org/stream/ibn-arabi-in-the-later-islamic-tradition/French%20Sufi%20Theopolitics%20on%20the%20Appropriation%20of%20the%20Akbarian%20Concepts%20%281%29_djvu.txt
- osmanlı medresesi’nin kurucusu kayserili davud’un hayatı, eserleri: https://dergipark.org.tr/tr/download/article-file/790056
- Ibn Arabi, Malami-Bayrami Dervish Order and the 17th Century: https://pdfs.semanticscholar.org/247a/b9956951d82a95d7d121b78061b8001dda59.pdf
- Molla Fanārī and the Miṣbāḥ al-Uns: The Commentator: https://www.academia.edu/98846008/Molla_Fana_ri_and_the_Mis_ba_h_al_Uns_The_Commentator
- Molla Fenari: Ottoman Shaykh al-Islam | PDF | Exegesis – Scribd: https://www.scribd.com/document/469150656/Fanri
- The Mamluk Sultanate and the Mamluks seen by Ibn Taymiyya: https://research.vu.nl/en/publications/the-mamluk-sultanate-and-the-mamluks-seen-by-ibn-taymiyya-between/
- The Mamluk Sultanate and the Mamluks seen by Ibn Taymiyya: https://journals.openedition.org/arabianhumanities/6491
- جامع محيي الدّين بن عربيّ..شاهد على حضارة دمشق وتنوّعها الثّقافيّ: https://www.albayan.ae/culture-art/culture/2022-05-17-1.4436473
- Damascus – Mohi al-Din Bin Arabi Mosque دمشق – جامع محيي الدّين بن: https://syriaphotoguide.com/damascus-mohi-al-din-bin-arabi-mosque-%D8%AF%D9%85%D8%B4%D9%82-%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9-%D9%85%D8%AD%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A8%D9%86-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/
- جامع الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ – نسيم الشّام: https://www.naseemalsham.com/subjects/view/121212
- Free Food Distribution in Ottoman Imarets or the Social Aspects of: https://www.academia.edu/34028693/Free_Food_Distribution_in_Ottoman_Imarets_or_the_Social_Aspects_of_Power_of_Nutrition
- The Shrine of Ibn Arabi: http://sufinews.blogspot.com/2011/10/shrine-of-ibn-arabi.html
- The Jānbirdī al-Ghazālī Mamluk Rebellion in Syria against … – Reddit: https://www.reddit.com/r/IslamicHistoryMeme/comments/1vi7sn9/the_j%C4%81nbird%C4%AB_alghaz%C4%81l%C4%AB_mamluk_rebellion_in_syria/
- Sheikh Muhyi al-Din Ibn al-Arabi Mosque in Damascus: https://www.ibnalarabi.com/english/muhyiddin/mosque.php
- Hüseyin Yılmaz: Caliphate Redefined: The Mystical Turn in Ottoman: https://www.cambridge.org/core/journals/review-of-politics/article/huseyin-yilmaz-caliphate-redefined-the-mystical-turn-in-ottoman-political-thought-princeton-nj-princeton-university-press-2018-pp-xiii-370/561A1C144389529A57CF18097B98361A
- Caliphate Redefined The Mystical Turn in Ottoman Political Thought: http://assets.press.princeton.edu/chapters/i11184.pdf
- Hüseyin Yılmaz Publishes Caliphate Redefined: https://historyarthistory.gmu.edu/articles/12324
- Sufism and the Perfect Human: From Ibn ‘Arabī to al-Jīlī: https://ibnarabisociety.org/sufism-and-the-perfect-human/
- A Study of al-Insān al-Kāmil – Ghayb.com: https://ghayb.com/a-study-of-al-insan-al-kamil/
- Kanun | Ottoman Empire, Sultan Suleiman, Sharia Law – Britannica: https://www.britannica.com/topic/kanun
- Shajara al-numaniyya | Muhyiddin Ibn Arabi Society: https://ibnarabisociety.org/enigma-of-the-shajara-al-numaniyya-denis-gril/
- The Early Ottoman Reception of Ibn ‘Arabi – dr – Dissertation Reviews: http://dissertationreviews.org/the-early-ottoman-reception-of-ibn-arabi/
- Sufism and Esotericism (2) – issue 6 – حبر أبيض: https://whiteink.info/sufism-and-esotericism-2-issue-6/?lang=en
- (PDF) Ibn Kamāl’s Fatwa on Ibn ʿArabī: A Study and Translation: https://www.academia.edu/94112135/Ibn_Kam%C4%81l_s_Fatwa_on_Ibn_%CA%BFArab%C4%AB_A_Study_and_Translation
- فتوى ابن كمال باشا: https://www.dr-mahmoud.com/index.php?option=com_content&view=article&id=1270:—&catid=161&Itemid=65
- The early Ottoman reception of Ibn ‘Arabi – UC Berkeley: https://escholarship.org/content/qt6jn6f796/qt6jn6f796.pdf
- A Study of the Transformation of the Safavid Dynasty from Order to: https://www.researchgate.net/publication/405106248_The_Legitimacy_of_Religion_and_Power_A_Study_of_the_Transformation_of_the_Safavid_Dynasty_from_Order_to_State
- Spiritual-Movements-Philosophy-and-Theology-in-the-Safavid: https://traditionalhikma.com/wp-content/uploads/2015/04/Spiritual-Movements-Philosophy-and-Theology-in-the-Safavid-Period-by-Seyyed-Hossein-Nasr.pdf
- Examining the religious differences between the Ottomans and Iran: https://www.jgeoqeshm.ir/article_187870_en.html
- Contesting Mysticism and Philosophy in Safavid Iran: https://associationforiranianstudies.org/content/contesting-mysticism-and-philosophy-safavid-iran
- Safavid Shi’ism and the Rise of ‘Irfān | PDF | Sufism – Scribd: https://www.scribd.com/document/319970251/Safavid-Shiism-the-Eclipse-of-Sufism-and-1
- Kadizadeli Ottoman Scholarship, Muḥammad ibn ʿAbd al-Wahhāb: https://www.researchgate.net/publication/282184394_Kadizadeli_Ottoman_Scholarship_Muhammad_ibn_Abd_al-Wahhab_and_the_Rise_of_the_Saudi_State
- THE KADIZADELİ-SİVASİ DEBATE | History of Istanbul: https://istanbultarihi.ist/532-the-kadizadeli-sivasi-debate
- THE OTTOMANS ALSO STRUGGLED WITH SALAFIS… KADIZADE: https://www.ekrembugraekinci.com/article/?ID=1507&the-ottomans-also-struggled-with-salafis—-kadizade-movement
- Sufis Versus Exoteric ‘Ulamā in Seventeenth-Century Ottoman Turkey: https://www.researchgate.net/publication/344733282_Sufis_Versus_Exoteric_’Ulama_in_Seventeenth-Century_Ottoman_Turkey_The_Debate_on_Pharaoh’s_Faith_in_the_Mevlevi_and_Akbarian_Sufi_Traditions
- A Bosnian Commentator on the Fusus al-hikam – Sarajevo – Ibn Sina: https://www.ibn-sina.net/en/a-bosnian-commentator-on-the-fusus-al-hikam/
- The Wisdom of Elevation and Exaltation | Anqa Publishing: https://anqa.co.uk/publications/wisdom-elevation-and-exaltation
- A Bosnian Commentator on the Fusus al-hikam: https://www.islamicpluralism.org/documents/1623.pdf
- Ulusal Tez Merkezi | Anasayfa: https://tez.yok.gov.tr/UlusalTezMerkezi/tezDetay.jsp?id=Z5Gt7l06TQrpVFrfugqfcg&no=_Jgsa_VdheVLdWPBTTlZUw
- The Composite Sufi Front vis-à-vis the Puritanical Kadızadeli: https://zemindergi.com/index.php/pub/article/download/64/60/124
- Abdullah Bosnevi – BookFinder.com: https://www.bookfinder.com/author/abdullah-bosnevi/
- Ismail Hakki Bursevi’s Translation Of And Commentary On Fusus Al: https://www.goodreads.com/work/quotes/102439932





اترك رد