دراسة تحليليّة في الجذور الفكريّة، استراتيجيّات المقاومة المدنيّة، والذاكرة المؤسّسيّة. يوثّق هذا المقال سيرة النّاشط السّلميّ غياث مطر، الملقّب بغاندي الصّغير، مسلّطاً الضّوء على الجذور الفكريّة لمدرسة اللّاعنف في مدينة داريّا، وتداعيات استشهاده على الثّورة السّوريّة وتأسيس المبادرات المدنيّة اللّاحقة.
تُعدّ دراسة الحركات الاحتجاجيّة السلميّة في ظلّ الأنظمة الشموليّة من أكثر الحقول البحثيّة تعقيداً في العلوم السياسيّة وعلم الاجتماع السياسيّ. وفي سياق ثورة الكرامة السوريّة التي اندلعت في ربيع عام 2011 م / 1433 هـ، تتجلّى مدينة {داريّا} في غوطة دمشق الغربيّة نموذج استثنائيّ وفريد للمقاومة المدنيّة السلميّة، إذ تصادمت الإرادة الشعبيّة العزلاء مع بنية أمنيّة عسكريّة متجذّرة.
في قلب هذه التّجربة، يقف النّاشط السلميّ {غياث مطر}، الذي لُقّب لاحقاً بـ {گاندي الصغير} أو {گاندي سوريا}، أيقونة عالميّة تجاوزت حدود الجغرافيا السوريّة لتصبح رمزاً للنضال اللّاعنفيّ في العصر الحديث. ولم يكن غياث مطر متظاهراً عفويّاً طالب بالتّغيير السياسيّ فحسب، بل كان نتاجاً لتراكم فكريّ ومجتمعيّ عميق، وتجسيداً عمليّاً لمدرسة فلسفيّة متكاملة سعت إلى تفكيك بنية العنف الاستبداديّ عبر استراتيجيّات اللّاعنف، والتّآخي الإنسانيّ، والتفوّق الأخلاقيّ المستمدّ من جذور دينيّة واجتماعيّة راسخة.
يستعرض هذا البحث الجذور الاجتماعيّة والفكريّة لحركة اللّاعنف في مدينة {داريّا}، ويغوص في السّيرة الذاتيّة والمسار النّضاليّ للشهيد غياث مطر، محلّلاً التّداعيات الاستراتيجيّة والسياسيّة لاغتياله تحت التّعذيب على يد الأجهزة الأمنيّة السوريّة. كما يقدّم البحث تفكيكاً دقيقاً لكافّة المبادرات، والمؤسّسات، والحركات الفكريّة والمدنيّة والإعلاميّة التي انبثقت لاحقاً مستلهمة فكر وتوجّهات غياث مطر، وكيف تحوّلت هذه المبادرات إلى ركائز تحافظ على الذّاكرة السوريّة وتبني أسس العمل المدنيّ المستدام حتّى بعد سقوط نظام الأسد.

البنية التّحتيّة السّوسيولوجيّة والفكريّة لمدينة {داريّا}
لفهم ظاهرة غياث مطر، لا بدّ من تفكيك السّياق المكانيّ والزّمانيّ الّذي أنتج هذه الشّخصيّة. إذ لم تكن مدينة {داريّا}، المتاخمة والمتداخلة بالعاصمة دمشق، خزّاناً زراعيّاً وصناعيّاً فحسب، يعمل سكّانه في زراعة الزّيتون والعنب المشهور في بلاد الشّام وفي صناعة المفروشات، بل كانت حاضنةً لحراك فكريّ واجتماعيّ تراكميّ بدأ بالتّبلور منذ منتصف تسعينيّات القرن 20 م / 15 هـ.
ومن المفارقات التّاريخيّة ذات الدّلالة العميقة، أنّ هذه المدينة الّتي وُصفت لاحقاً بمدينة العنب والدّم، عُثر فيها على أثر لـ {إِرُوس} إله الحبّ عند الإغريق (كُوپِيدُو باللّاتينية)، وكأنّ جغرافيتها تحمل في طيّاتها بذوراً تاريخيّةً للسّلام والتّآخي. وتتشابه وظيفة إِرُوس في النّصوص الإغريقيّة الموغلة في القدم مع أساطير التّكوين الشّاميّة، وتصوّره قصائد هِيسْيُودُوس Ἡσίοδος المكتوبة قرابة العام 700 قبل الميلاد بوصفه قوّةً كونيّةً بدائيّةً محرّكةً للوجود، وتنسجم هذه الرّؤية لنشأة الكون مع النّصوص البابليّة الّتي تفترض وجود قوّة دافعة للخلق والتّكاثر في البدايات الأولى.
وتذكر المدوّنات الفينيقيّة المنسوبة إلى المؤرّخ فِيلُون Φίλων الجبيليّ إنجاب الإلهة عَشْتَرُوت (عشتار) من الإله إِيل (اللّه) ولدين هما پُوثُوس Πόθος أيّ الشّوق، وإِرُوس Ἔρως أيّ الرّغبة. وانتقلت عبادتهم إلى اليونان عبر جزيرة قبرص.

تاريخ {داريّا} ومكانتها في بلاد الشّام
{داريّا}، الّتي تعني الدّور أو الدّيار أو المساكن، من كلمة {دار} واللّاحقة {ـيّا} التي توضع في آخر الأسماء لتعمل علامة الجمع المعرّف في اللّغة الآراميّة الغربية. ف{داريّا} تفصيحها الداريّة أي كثيرة الدور. على وزن {كفريّا} أي القرى أو التّجمّعات القرويّة بصيغة الجمع، وكذلك {مجدليّا} أي الأبراج أو الحصون؛ جمع {مجدل} أي البرج الحصين. إلى جانب {راشيّا}: القمم و{حاصبيّا}: الحصويّة و{بكفيّا}: نحت بيت+كيفا أي بيت الصّخر أو المكان الصّخريّ.
يَعود تاريخ {داريّا} إلى فصولٍ ضاربة في القدم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ العاصمة دمشق. وكانت {داريّا} قبل الفتح الإسلاميّ مجمعاً لدور أمراء الغساسنة ومنازلهم في دمشق. ومع مجيء الفتح الإسلاميّ عام 14 هـ / 635 م، دخلتها قبائل يمنيّة من {خولان} و {عنس}، فأضحت أكبر قرى الغوطة الغربيّة وأهمّها.
وحظيت هذه المدينة بمكانةٍ بالغة الأهمّيّة في التّاريخ الإسلاميّ وفي بلاد الشّام، فاتّخذها العديد من الصّحابة مقرّاً لهم. وبلغت منزلتها شأناً رفيعاً حتّى فكّر الخليفة العبّاسيّ {المتوكّل} في عام 243 هـ / 857 م بالانتقال من {سامرّاء} إلى {داريّا} لتكون عاصمة الخلافة.
تغنّى الشّعراء ب{داريّا} قديماً، فذكرها {حسّان بن ثابت}، ووصَف {البحتريّ} طيب هوائها وجمال ليلها. وفي هذه البيئة الجغرافيّة والتّاريخيّة الخصبة، الّتي اشتهرت بالزّراعة وبمقاماتها الدّينيّة مثل مسجد {أبي مسلم الخولانيّ} ومقام {النّبيّ حزقيل}، نشأت تركيبة مجتمعيّة متماسكة وواعية. فسكّان {داريّا} توارثوا هذا العمق التّاريخيّ والمكانة الرّفيعة، وتشبّعوا بروح الاستقلاليّة والأصالة التي تتّسم بها حواضر الشّام العريقة.
ومن رحم هذه البنية الاجتماعيّة المتجذّرة المازجة بين الأصالة الدّينيّة والوعي المجتمعيّ والارتباط الوثيق بالأرض، ظهر {غياث مطر}. فلم يكن مجيئه وليد الصّدفة، بل كان ابناً لمدينةٍ لطالما كانت مركزاً حيويّاً يعجّ بالحياة ويرفض الاستكانة، ممّا مهّد الطّريق لظهور هذا النّموذج الفريد في النّضال السّلميّ.

تأثير مدرسة جودت سعيد: التّنظير الفلسفيّ للّاعنف
تأثّر الحراك المدنيّ في {داريّا} بشكل مباشر وعميق بأطروحات المفكّر الإسلاميّ السّوريّ {جودت سعيد}، الّذي يُصنّف من أبرز منظّري مذهب السّلميّة واللّاعنف في العالم الإسلاميّ المعاصر. واستند {جودت سعيد} في فلسفته إلى فهم قرآنيّ عميق، لا سيّما قصّة ابني آدم، إذ استلهم مقولة {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ}، مؤسّساً لقاعدة أنّ التّغيير الفكريّ والاجتماعيّ يمتلك سنناً راسخة لا يمكن تجاوزها بالعنف أو السّلاح.
في عام 1964 م / 1384 هـ، أصدر {جودت سعيد} كتابه الأوّل {مذهب ابن آدم الأوّل}، والّذي جاء ردّ فعل فكريّ مضادّ لكتابات بعض معاصريه الّتي كانت تميل إلى الصّدام الحركيّ، مثل {سيّد قطب}، ليطرح بديلاً يعتمد على رفض الإكراه بكافّة أشكاله، مؤكّداً أنّ قول كلمة الحقّ في وجه السّلطان الجائر هو فرض على كلّ إنسان، حتّى لو كان الثّمن هو الموت.
أقام {سعيد} في مصر سنوات طويلة بين عامي 1945 و1958 م / 1364 و1377 هـ، درس خلالها في جامعة الأزهر، وتأثّر بالإنتاج المعرفيّ لروّاد النّهضة كمثل {الأفغاني} و {محمّد عبده}، بالإضافة إلى تأثّره البالغ بكتاب {شروط النّهضة} للمفكّر الجزائريّ {مالك بن نبيّ}، ممّا ساعده على صياغة مشروع متكامل يعتمد على أنّ الحلّ لا يكمن في السّرّيّة أو التّنظيمات المسلّحة، بل في فهم سنن التّاريخ والاعتبار بدروسه.
رفع سعيد شعار {لا للسّرّيّة، لا للعنف، لا للتّنظيمات}، واشترط للجهاد المسلّح شروطاً تعجيزيّة في السّياق المحلّيّ، منها أن يكون تحت قيادة مختارة من الشّعب برضاهم، وأن يكون موجّهاً حصريّاً ضدّ من يكره النّاس على اعتناق دين أو مذهب رغماً عنهم.

عبد الأكرم السّقّا ونشأة «شباب داريّا»
انتقلت أطروحات {جودت سعيد} من الحيّز النّظريّ البحت إلى التّطبيق العمليّ في مجتمع {داريّا} المحلّيّ عبر جهود العالم والمفكّر الإسلاميّ {عبد الأكرم السّقّا}. وكان وُلد {السّقّا} في {داريّا} عام 1944 م / 1363 هـ، ودرس العلوم الشّرعيّة، وتأثّر بشدّة بمدرسة اللّاعنف الّتي نظّر لها {سعيد}. وعمل السّقّا إماماً لمسجد {المنبر} ثمّ مسجد {أنس بن مالك} في {داريّا}، ولم يكتفِ بالدّور التّقليديّ لرجل الدّين، بل تبنّى برنامجاً اجتماعيّاً تنويريّاً يرتكز على حريّة الفكر والتّسامح والمساواة.
بفضل جهود {السّقّا}، تبلورت في منتصف تسعينيّات القرن 20 م / 15 هـ نواة لمجموعة عُرفت باسم {شباب {داريّا}}، ضمّت شابّاتٍ وشبّاناً ينتمون في الغالب إلى بيئات مسلمة محافظة، لكنّهم آمنوا بقيم التّسامح، والمساواة العالميّة، والتّمكين الفرديّ، وفوق ذلك كلّه: السّلام.
لم تكن نشاطات {شباب {داريّا}} موجّهةً في بداياتها نحو الصّدام السّياسيّ المباشر مع السّلطة، بل ركّزت على مشاريع التّنمية المحلّيّة والمجتمع المدنيّ، مثل حملات تنظيف الشّوارع، ومكافحة الفساد، وحملات مناهضة التّدخين. وفي خطوة جريئة في ظلّ دولة بوليسيّة، أصدر هؤلاء الشّباب تقويمات توعويّةً شهريّةً استهدفت تسليط الضّوء على الفساد المؤسّسيّ، متسائلين: {هل دور الحكومة خدمة الشّعب أم حلب مكاسبه؟}.
تجربة الاعتقال المبكّر (2003 م – 1424 هـ) وبلورة الوعي المدنيّ
بلغت نشاطات هذا التّيّار ذروتها السّلميّة الأولى في عام 2003 م / 1424 هـ، بالتّزامن مع الغزو الأمريكيّ والبريطانيّ للعراق. نظّم {شباب {داريّا}}، ومن ضمنهم {هيثم الحمويّ} (صهر الشّيخ {السّقّا})، تظاهرةً سلميّةً صامتةً للتّنديد بالحرب والتّضامن مع الشّعب العراقيّ. وبدلاً من استيعاب هذا التّحرّك الّذي ينسجم ظاهريّاً مع الخطاب القوميّ الرّسميّ، شنّت الأجهزة الأمنيّة السّوريّة حملة اعتقالات واسعةً في صفوفهم، فيما عُرف بـ {قضيّة شباب {داريّا}}.
رسّخت هذه التّجربة المبكّرة قناعةً عميقةً لدى هذا التّيّار أنّ نظام الأسد الشّموليّ ينظر إلى أيّ نشاط مدنيّ مستقلّ، مهما كان سلميّاً أو يحمل أهدافاً تنمويّةً أو وطنيّةً متطابقةً مع الخطاب الرّسميّ، تهديد وجوديّ لاحتكاره المطلق للمجال العامّ ولإرادة الجماهير. في هذه البيئة المشبعة بالوعي المدنيّ، والخبرة الأمنيّة القاسية، والتّأصيل الدّينيّ لرفض العنف، نشأ ونضج جيل جديد من النّشطاء، كان من أبرزهم {غياث مطر}.
أهمّ الرّوّاد والمؤثّرين في حراك اللّاعنف بداريّا
يضمّ حراك اللّاعنف في {داريّا} عدداً من الشّخصيّات المؤثّرة الّتي أسّست لهذه المدرسة الفكريّة والميدانيّة، ومن أهمّهم المفكّر الإسلاميّ السّوريّ {جودت سعيد}، وهو المنظّر الأهمّ لمدرسة اللّاعنف والسّلميّة، مستمدّاً فكره من التّفسير المقاصديّ للقرآن وسنن التّاريخ. ولطالما واجه {جودت سعيد} تضييقاً مستمرّاً طوال عقود، وناصر الثّورة السّوريّة، ثمّ انتقل للعيش في تركيا منفيّاً حتّى وفاته.
وينضمّ إليه عالم الدّين والخطيب في {داريّا} {عبد الأكرم السّقّا}، المولود عام 1944 م / 1363 هـ، وهو الأب الرّوحيّ المنظّم لمجموعة {شباب {داريّا}} متأثّراً بفكر {جودت سعيد}. وكانت اعتقلته الأجهزة الأمنيّة السّوريّة في بداية الثّورة، وتوفّى تحت التّعذيب في المعتقل عام 2014 م / 1435 هـ.
أمّا على الصّعيد الميدانيّ، فكان {يحيى شربجي} الموجّه الميدانيّ والفكريّ لجيل الشّباب في {داريّا}، وعُرف بلقب الرّجل صاحب الورود، مؤكّداً على إنسانيّة عناصر أمن النظام . وكان اعتقل {يحيى} في شهر أيلول سبتمبر من عام 2011 م / 1432 هـ، وقضى تحت التّعذيب في سجون نظام الأسد.
كما أسهم النّاشط والمنظّر {أسامة نصّار} في هذا الحراك، دارساً اللّاعنف منذ عام 1999 م / 1420 هـ. وتعرّض نصّار للاعتقال التّعسّفيّ مرّات عدّة، وكان من مؤسّسي لجان التّنسيق وعنب بلدي، ونجا من الاعتقال والاغتيال ليواصل نضاله الفكريّ والتّنظيميّ في الشّتات، مساهماً في حركة اللّاعنف السّوريّة.

غياث مطر: من الحياد إلى أيقونة اللّاعنف (گاندي سوريا)
ولد {غياث مطر} في مدينة {داريّا} بغوطة دمشق في شهر تشرين الأوّل أكتوبر من عام 1986 م / 1407 هـ. ولم ينحدر من نخبة سياسيّة معارضة تقليديّة، بل كان شابّاً عصاميّاً، درس الجيوفيزياء التّطبيقيّة، ولكنّه امتهن تنجيد الأثاث والخياطة لميوله الإبداعيّة. وعلى الصّعيد البدنيّ، كان {غياث} رياضيّاً من الطّراز الرّفيع، نال المركز الثّاني في بطولة كمال الأجسام على مستوى الجمهوريّة السّوريّة.
خلقت هذه البنية الجسديّة القويّة تناقضاً رمزيّاً شديد الدّلالة؛ فالشّابّ الّذي يمتلك القدرة الجسديّة الفائقة على استخدام القوّة والعنف، اختار بوعي مطلق الانحياز إلى أقصى درجات اللّاعنف والمقاومة السّلميّة، مبيّناً عمق التّحوّل الدّاخليّ الّذي مرّ به.
التّحوّل الفكريّ والانخراط في ثورة عام 2011 م / 1432 هـ
في بدايات شهر آذار مارس من عام 2011 م / 1432 هـ، عندما بدأت شرارة الاحتجاجات في سوريا تأثّراً بالرّبيع العربيّ، كان موقف {غياث مطر} يميل إلى الحياد تجاه مفهوم اللّاعنف الصّارم منهجيّة تغيير سياسيّ. ومع انخراطه واحد من أوائل المشاركين في الحراك الثّوريّ والمؤسّسين لتنسيقيّة {داريّا}، وتأثّره بالنّقاشات العميقة والتّوجيه الأخلاقيّ من صديقه {يحيى شربجي}، شهد {غياث} تحوّلاً شخصيّاً مذهلاً.
بحلول شهر نيسان أبريل من عام 2011 م / 1432 هـ، أضحى {غياث} مقتنعاً تماماً أنّ التّغيير لا يمكن تحقيقه عبر دورات العنف الدّمويّ، بل بالصّبر والصّمود والمبادئ، مؤمناً أنّ النّهج السّلميّ هو المسار الأخلاقيّ والاستراتيجيّ الوحيد لإنقاذ سوريا.
تحوّل {غياث}، الّذي كان يبلغ من العمر حينها 26 عاماً، إلى المحرّك الميدانيّ والإداريّ الأساسيّ لـ {شباب {داريّا}}. وعمل على تنظيم المظاهرات، وضبط إيقاعها، ومنع الانجرار إلى أيّ شعارات طائفيّة أو أعمال شغب، للحفاظ على النّقاء الأخلاقيّ للثّورة.
استراتيجيّة الورود والماء: كسر السّرديّة الأمنيّة
ابتكر {غياث مطر}، بالتّنسيق مع {يحيى شربجي} و {أسامة نصّار} و {إسلام الدّبّاس}، تكتيكاً استثنائيّاً في التّعبير السّلميّ، تجلّى في مواجهة الآلة القمعيّة لنظام الأسد عبر تقديم الورود البيضاء وزجاجات المياه الباردة لعناصر الجيش والأمن والشّرطة الّذين طوّقوا المدينة لقمع المظاهرات.
لم تكن هذه الخطوة تصرّفاً رومانسيّاً عابراً، بل كانت استراتيجيّة مقاومة متقدّمةً تهدف إلى كيّ الوعي العسكريّ وإسقاط سرديّة نظام الأسد. إذ دأبت الآلة الإعلاميّة لنظام الأسد على إقناع جنودها أنّ المتظاهرين هم «عصابات مسلّحة» و «إرهابيّون متطرّفون» يسعون لتدمير البلاد. وعندما يصطدم الجنديّ الشّابّ، المعبّأ بالخوف والدّعاية، بشابّ يبتسم له ويقدّم له وردةً وزجاجة ماء وسط حرّ الصّيف، تحدث صدمة نفسيّة وتنافر معرفيّ حادّ لدى الجنديّ. وبدأ العديد من الجنود بالتّواصل البصريّ مع المتظاهرين، وبدؤوا برؤيتهم بشر وليس أهداف عسكريّة.
أرفق {غياث} وزملاؤه بطاقات صغيرةً مكتوبةً بخطّ اليد مع زجاجات المياه والورود. وفي إحدى البطاقات الّتي خطّها {غياث} بيده (والّتي وثّقتها الحقوقيّة البارزة {رزان زيتونة})، كُتب: {نحن إخوتكم. لا تقتلونا. الوطن يتّسع لنا جميعاً}. وفي مسوّدة أخرى موجّهة للجنود كُتب: {أنت وأنا إخوة. لو كنت مكانك لما قتلت متظاهرين سلميّين… أرجوك، اتركنا نتظاهر بسلام}.
أكسبت هذه المبادرات {غياث مطر} لقب {گاندي الصّغير} و{گاندي سوريا}. وأدركت الأجهزة الأمنيّة، وعلى رأسها المخابرات الجوّيّة المسؤولة عن ملفّ {داريّا}، أنّ هذا الأسلوب السّلميّ الجذّاب يُعدّ تهديداً استراتيجيّاً أشدّ خطورة من العمل المسلّح، لأنّه يهدّد بتفكيك ولاء القوّات المسلّحة، ويجرّد نظام الأسد من أيّ غطاء أخلاقيّ أمام حاضنته والمجتمع الدّوليّ.

الاعتقال والاستشهاد: سحق «القوّة النّاعمة»
مع تصاعد زخم الحراك السّلميّ، والنّجاح الملحوظ للمظاهرات المسائيّة في استنزاف قوّات الشّبّيحة الّتي يقودها اللّواء {جميل حسن}، كثّفت الأجهزة الأمنيّة حملاتها العنيفة والمداهمات شبه اليوميّة، واستخدمت الآليّات المدرّعة والرّشّاشات الثّقيلة ضدّ المتظاهرين العزّل في شوارع {داريّا}. وفي ظلّ هذا التّصعيد، اضطرّ {غياث مطر}، و {يحيى شربجي}، و {محمّد تيسير خولاني}، و {معن شربجي}، و {أسامة نصّار} إلى التّواري عن الأنظار والانتقال إلى منازل آمنة لمواصلة عملهم السّرّيّ.
تفاصيل الكمين والاعتقال (شهر أيلول سبتمبر من عام 2011 م / 1432 هـ)
في اليوم 6 من شهر أيلول سبتمبر من عام 2011 م / 1432 هـ، نفّذت قوّة تابعة للمخابرات الجوّيّة كميناً استخباراتيّاً محكماً. وداهمت القوّة منزلاً آمناً واعتقلت {غياث مطر}، برفقة {معن شربجي}، و {محمّد تيسير خولاني}، و {مازن زيادة}. ولسحب بقيّة قيادات الحراك، استخدمت القوّات الأمنيّة هاتف {معن شربجي} للاتّصال بشقيقه {يحيى} (المطلوب الأبرز للأجهزة الأمنيّة)، وأجبروا {معن} على إيهام {يحيى} أنّه أصيب وينزف ويحتاج إلى نجدة فوريّة.
سارع {يحيى شربجي} لتلبية نداء شقيقه المزعوم، وانطلق إلى مكان الموعد في حيّ صحنايا المجاور. (تفيد بعض الرّوايات أنّ {غياث} كان برفقة {يحيى} في هذه اللّحظة لمحاولة إنقاذ {معن}، في حين تشير تحقيقات أخرى إلى أنّ {غياث} اعتُقل أوّلاً في المداهمة). في طريق {يحيى}، أدرك أنّه وقع في كمين فبدأت عمليّة مطاردة بسيّارات الدّفع الرّباعيّ التّابعة للأمن. بقي {يحيى} على اتّصال هاتفيّ بصديقه {أسامة نصّار} يصف له المطاردة حتّى قبل 15 دقيقةً من انقطاع الاتّصال واعتقاله. وأسفر هذا الكمين في ذلك اليوم عن اعتقال 6 من أبرز نشطاء {داريّا} اللّاعنفيّين.
الاستشهاد تحت التّعذيب ورسائل الرّعب
لم تمضِ سوى 3 أيّام في أقبية المخابرات الجوّيّة حتّى فارق {غياث مطر} الحياة تحت وطأة تعذيب وحشيّ وممنهج. في اليوم 9 من شهر أيلول سبتمبر من عام 2011 م / 1432 هـ، أُبلغت عائلة مطر بوفاته، وفي اليوم التّالي، اليوم 10 من شهر أيلول سبتمبر، سُلّمت جثّته للعائلة.
كانت حالة الجثّة صادمةً وتبيّن حقداً دفيناً؛ إذ كانت مشوّهةً بالكامل، تغطّيها الكدمات والنّدوب والجروح العميقة. ووثّقت لجان التّنسيق المحلّيّة والنّاشطة الحقوقيّة {رزان زيتونة} مشاهد مروّعةً عبر مقاطع الفيديو الّتي سُرّبت للجثّة، إذ ظهرت آثار عمليّات شقّ للبطن وخياطتها بشكل عشوائيّ، واقتُلعت حنجرته الّتي طالما هتفت للسّلام والتّآخي. وفي مشهد يجسّد السّاديّة الأمنيّة، تفاخر عناصر أمن النظام الّذين سلّموا الجثّة الممزّقة لوالديه ولزوجته الصبيّة الحامل {آمنة جنح}، قائلين بدم بارد: {صار كباب هاللّق}.
هذه المشهديّة الدّمويّة في تسليم الجثّة لم تكن تجاوزاً فرديّاً، بل كانت رسالةً سياسيّةً متعمّدةً من أعلى المستويات الأمنيّة لمدينة {داريّا} وللثّورة السّوريّة بِرُمَّتها، مفادها: {لا مكان للسّلميّة؛ من سيحمل لنا وردةً، سنمزّق جسده}. كان الهدف ترهيب الحاضنة الشّعبيّة، وقتل الأمل في إمكانيّة إحداث تغيير سياسيّ سلميّ، ودفع الشعب إلى حمل السلاح.
التّداعيات المباشرة والانتهاك الأمنيّ للمقبرة
ولّد استشهاد {غياث مطر} غضباً محليّاً ودوليّاً عارماً. فشهدت مدينة {داريّا} إضراباً شاملاً، وخرجت مظاهرات حاشدة في تشييعه. وفي حدث دبلوماسيّ غير مسبوق في تاريخ سوريا الحديث، تحوّل مجلس عزاء {غياث} إلى تظاهرة تضامنيّة دوليّة؛ إذ حضر العزاء سفراء دول غربيّة كبرى، شملت سفير الولايات المتّحدة {روبرت فورد}، وسفراء اليابان، وألمانيا، وفرنسا، والدّنمارك.
أصدرت شخصيّات ومؤسّسات دوليّة بيانات إدانة، من بينها مسؤولة السّياسة الخارجيّة في الاتّحاد الأوروبّيّ {كاثرين أشتون}، ووزارة الخارجيّة الفرنسيّة، محمّلين نظام الأسد مسؤوليّة مقتله وسلامة رفاقه. هذا الاعتراف الدّوليّ بمشروعيّة ونبل حراك {غياث مطر} أجّج جنون السّلطات الأمنيّة، الّتي أقدمت في تصرّف يفتقر للحدّ الأدنى من القيم الإنسانيّة على اقتحام مقبرة {داريّا} في السّاعة 2 من فجر يوم الأحد 11 من شهر أيلول سبتمبر من عام 2011 م / 1432 هـ. واستخرجت القوّات جثّة {غياث} من قبره بعد بضع ساعات من دفنه، واستمرّ هذا الإجراء لمدّة 1 ساعة و 15 دقيقة، ثمّ أعادوا دفنه وفرضوا طوقاً أمنيّاً وحراسة مشدّدةً على المقبرة لمنع أيّ شخص من زيارة الضّريح.
في خضمّ هذه المأساة، وفي اليوم 16 من شهر تشرين الثّاني نوڤمبر من عام 2011 م / 1432 هـ، وضعت {آمنة جنح} مولودها البكر، وأسمته {غياث} تيمّناً بوالده، في محاولة لإخفاء ولادته في البداية خوفاً من انتقام المخابرات الجوّيّة، ليصبح {غياث} الحفيد رمزاً لاستمرار الحياة في وجه آلة الموت. أمّا {يحيى شربجي} و {معن شربجي} و {مازن زيادة}، فظلّوا قيد الإخفاء القسريّ سنوات، حتّى تلقّت عائلاتهم تباعاً بلاغات بوفاتهم تحت التّعذيب في فترات لاحقة ({مازن زيادة} في أواخر عام 2014 م / 1435 هـ، و {يحيى} و {معن شربجي} تأكّدت وفاتهما في عام 2018 م / 1439 هـ).
وبعد سنواتٍ من المعاناة والملاحقة، اضطرّت {آمنة جنح} مع ذويها وابنها إلى مغادرة الأراضي السّوريّة، قاصدين مدينة {برلين} في ألمانيا بحثاً عن الأمان. وهناك، في العاصمة الألمانيّة، نشأ {غياث الصّغير} بعيداً عن وطنه الأمّ، حاملاً اسم والده الّذي أصبح أيقونةً عالميّةً. ويبلغ {غياث} الحفيد اليوم أربعة عشر عاماً، وذلك في شهر أيلول سبتمبر من عام 2026 م / 1448 هـ. ويدرس الفتى في المدارس الألمانيّة، متشرّباً قيم التّسامح والسّلام الّتي ضحّى والده بحياته في سبيلها. وتعيش العائلة في برلين محتفظةً بذاكرة الشّهيد، وتنقل تفاصيل نضاله السّلميّ لابنه الّذي يكبر عاماً تلو آخر، ليكون شاهداً حيّاً على تضحيات عائلته.

التّحوّل الاستراتيجيّ: من السّلميّة إلى عسكرة الثّورة
يُجمع الباحثون والمحلّلون السّياسيّون على أنّ استشهاد {غياث مطر}، وما تبعه من تصفيّات ممنهجة لقيادات الصّفّ الأوّل السّلميّ، كان نقطة اللّاعودة في مسار الثّورة السّوريّة، ودفعها دفعاً نحو العسكرة.
الاستراتيجيّة الأمنيّة: تصفية السّلميّين وإطلاق المتطرّفين
تُشير دراسات معمّقة للحركات في سوريا إلى أنّ نظام الأسد طبّق نظريّةً خبيثةً ترتكز على تفريغ الثّورة من قياداتها العقلانيّة المعتدلة القادرة على بناء مؤسّسات ديمقراطيّة وجذب تعاطف عالميّ. فبالتّزامن مع اعتقال وقتل نشطاء {داريّا} السّلميّين، أصدرت السّلطات مراسيم عفو استهدفت إطلاق سراح مئات السّجناء المتشدّدين التّابعين لتنظيم القاعدة والفكر السّلفيّ الجهاديّ من سجن صيدنايا.
كان الهدف الاستراتيجيّ من هذا التّكتيك هو «تسميم» بيئة الثّورة. إذ أدرك نظام الأسد أنّه لا يستطيع هزيمة ثورة سلميّة مدنيّة أخلاقيّاً، فعمل على تحويلها إلى صراع مسلّح وفوضى راديكاليّة، ليتمكّن من تقديم نفسه للمجتمع الدّوليّ شريك في «الحرب على الإرهاب»، ومقنعاً العالم بأنّه «أهون الشّرّين» مقارنةً بالبديل المتطرّف الّذي أسهم هو نفسه في صناعته وتوفير المساحة له عبر تصفية الرّموز السّلميّة. وكما يشير المحلّل {پيتر هارلينگ}، نجح نظام الأسد مبكّراً في تشويه الحراك الجماهيريّ السّلميّ الّذي كان التّهديد الأكبر لبقائه.
الفراغ وتمدّد الفصائل المسلّحة
أدّى العنف المفرط إلى فقدان شرائح واسعة من الشّعب السّوريّ إيمانها بجدوى اللّاعنف أداة وحيدة للتّغيير. فمع انهيار المظاهرات السّلميّة تحت وابل الرّصاص والقصف والمجازر والتّهجير، تبلورت فكرة حمل السّلاح للدّفاع عن النّفس والأعراض والممتلكات.
بحلول أواخر عامي 2011 و2012 م / 1432 و1433 هـ، تأسّس {الجيش السّوريّ الحرّ} مظلّة للمنشقّين عن الجيش نظام الأسد والمتطوّعين المدنيّين. ولكنّ الفراغ التّنظيميّ الّذي تركه اغتيال النّخب السّلميّة (أمثال {غياث مطر}) سمح بظهور حركات مسلّحة ذات توجّهات سلفيّة جهاديّة متنوّعة؛ بعضها حمل طابعاً جهاديّاً تقليديّاً (مثل {جيش الإسلام} بقيادة {زهران علّوش} في الغوطة الشّرقيّة)، وبعضها الآخر حمل توجّهاً جهاديّاً عالميّاً مؤجّلاً (مثل حركة {أحرار الشّام})، وصولاً إلى الجيل الثّالث من السّلفيّة الجهاديّة متجسّداً في {جبهة النّصرة}.
هذه الفصائل، برغم قتالها لنظام الأسد، أسهمت في تعقيد المشهد وإضعاف الرّواية الوطنيّة الدّيمقراطيّة للثّورة. وبرغم اضطرار {داريّا} نفسها لتأسيس مجموعات مسلّحة دفاعيّة لحماية أحيائها، في أعقاب «مجزرة داريّاً»، لكنّها حافظت نسبيّاً على طابعها المدنيّ ومؤسّساتها المحلّيّة حتّى تعرّضت لحصار خانق وقصف بالبراميل المتفجّرة انتهى بتهجير جميع سكّانها قسريّاً إلى الشّمال السّوريّ وإلى خارج سوريا في شهر آب أغسطس من عام 2016 م / 1437 هـ، في تطبيق واضح لخطّة هندسة ديموغرافيّة لما يسمّى بـ {سوريا المفيدة}.

مقارنة التّوجّهات بين حراك {داريّا} السّلميّ (تيّار غياث مطر) والفصائل المسلّحة اللّاحقة (نماذج متعدّدة)
تختلف توجّهات حراك {داريّا} السّلميّ، الّذي قاده تيّار {غياث مطر}، عن الفصائل المسلّحة اللّاحقة في عدّة محاور أساسيّة. فعلى صعيد الأدوات، اعتمد حراك {داريّا} على اللّاعنف، والعصيان المدنيّ، والتّظاهر، والإعلام المستقلّ، وتقديم الورود. وفي المقابل، لجأت الفصائل المسلّحة إلى السّلاح، وحرب العصابات، والسّيطرة الجغرافيّة، والعمليّات العسكريّة.
وعلى مستوى الرّؤية السّياسيّة، نادى تيّار {غياث مطر} بدولة مواطنة ديمقراطيّة، تسودها الحريّة والعدالة، مع الرّفض القاطع للطّائفيّة والعنف. أمّا الفصائل المسلّحة، فتباينت رؤاها بين المطالبة بدولة ديمقراطيّة، كما هو حال بعض فصائل الجيش الحرّ، وسعي الكتائب الإسلاميّة لتأسيس إمارات إسلاميّة وسلفيّة.
وفيما يخصّ البنية التّنظيميّة، اتّسم الحراك السّلميّ بتأسيس تنسيقيّات لامركزيّة، ومجالس محلّيّة، ولجان مجتمع مدنيّ. وفي الاتّجاه المعاكس، أسّست الفصائل المسلّحة هياكل عسكريّةً هرميّةً، وارتبطت غالباً بجهات تمويل خارجيّة.
أمّا ردّ فعل نظام الأسد فكان مختلفاً إزاء الطّرفين؛ واجه نظام الأسد منظّري الحراك السّلميّ ونشطاءه باستهداف استئصاليّ فوريّ عبر الاعتقال والتّعذيب. بالمقابل، خاض نظام الأسد مواجهات عسكريّةً مفتوحةً ضدّ الفصائل المسلّحة، مستخدماً سلاح الجوّ والبراميل المتفجّرة والأسلحة الكيميائيّة في حرب استنزاف طويلة هادمة للبنى التحتيّة.

تجسيد الذّاكرة والمأسسة: مبادرات استلهمت فكر غياث مطر
على الرّغم من القمع الوحشيّ والتّهجير، لم تُدفن أفكار {غياث مطر} و {يحيى شربجي} في قبريهما، بل كان دمهما دافعاً لولادة العديد من المبادرات والمؤسّسات والحركات المدنيّة والإعلاميّة الّتي سعت إلى مأسسة فكرهما اللّاعنفيّ. وحاولت هذه المؤسّسات التّكيّف مع ظروف الحرب والحصار للحفاظ على البوصلة الأخلاقيّة للثّورة.
1. العمل الإغاثيّ والإنسانيّ: مؤسّسة غياث مطر الخيريّة
تُصنّف {مؤسّسة غياث مطر الخيريّة} من أوائل التّشكيلات الّتي حملت اسمه لتخليد روحه وتجسيد مبدأ التّكافل الاجتماعيّ. أُسّست منظّمة غير حكوميّة، غير حزبيّة، وغير ربحيّة، وركّزت عمليّاتها في البداية داخل مدينة دمشق وريفها المحاصر.
فيما يخصّ الأهداف والفئات المستهدفة، سعت المؤسّسة لتقديم العون والمساعدة لأسر شهداء الثّورة السّوريّة، والمصابين، والأيتام، من أبناء مدينة {داريّا} بشكل أوّليّ، مع خطط طموحة للتّوسّع لتشمل كافّة عائلات ضحايا الثّورة في سوريا. وعلى الصّعيد الميدانيّ، شملت نشاطاتها إدارة التّبرّعات، وتقديم المعونات العينيّة الغذائيّة والطّبّيّة والمعونات الماليّة المباشرة لضمان صمود العائلات الّتي فقدت معيلها في أقبية السّجون أو تحت القصف. أمّا على مستوى التّشبيك المؤسّسيّ، فلم تعمل المؤسّسة بمعزل عن محيطها، بل تعاونت ضمن {شبكة إغاثة سوريا} لتوحيد وتنسيق الجهود الإنسانيّة، محقّقةً بذلك انتقالاً حيويّاً من التّظاهر في الشّارع إلى بناء مؤسّسات مجتمع مدنيّ تسدّ فراغ غياب مؤسّسات الدّولة.
2. الصّحافة المدنيّة التّوثيقيّة: تجربة جريدة عنب بلدي
في ظلّ التّحوّل السّريع نحو العسكرة وارتفاع صوت الرّصاص، قرّر مجموعة من النّشطاء السّلميّين وحرائر مدينة {داريّا}، اللّواتي كنّ ينظّمن اعتصامات شجاعةً وسط المدينة للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين مثل غياث ويحيى، تأسيس منصّة إعلاميّة مدنيّة تحافظ على هويّة الحراك. وفي اليوم 29 من شهر كانون الثّاني يناير من عام 2012 م / 1433 هـ، وُلدت جريدة {عنب بلدي} أوّل مطبوعة ثوريّة مستقلّة في دمشق.
ضمن السّياق التّأسيسيّ للعدد 0، أعلن المؤسّسون في افتتاحيّة الجريدة انطلاقها بعد 10 أشهر من بدء الثّورة، لتكون صوتاً لأهالي {داريّا} في بناء سوريا الجديدة القائمة على العدالة والحريّة. ووثّقت الجريدة الاشتباكات، وغطّت المظاهرات المسائيّة الّتي تستنزف ميلّشيات {جميل حسن}، وفضحت استخدام القوّات الجوّيّة للمدرّعات ضدّ المتظاهرين السّلميّين.
أمّا عن دور المرأة والمقاومة الفكريّة، فكان للنّساء الدّور الأبرز في تأسيس الجريدة، وتحريرها، وتوزيعها السّرّيّ خوفاً من الاعتقال، في امتداد طبيعيّ للحراك الّذي أسّسه غياث ويحيى والّذي آمن بتمكين الأفراد. ورفضت الجريدة الانجرار وراء خطاب الكراهية والطّائفيّة، متمسّكةً بنهج اللّاعنف. وعلى صعيد الاستدامة المؤسّسيّة، لم تندثر {عنب بلدي} مع الحصار والتّهجير، بل تطوّرت بشكل مذهل لتصبح اليوم من أهمّ المؤسّسات الصّحفيّة السّوريّة المحترفة الّتي تصدر بانتظام وتعتمد المعايير الصّحفيّة الدّوليّة.
3. حركة اللّاعنف السّوريّة واستمرار التّنظير
أسّس عدد من أصدقاء {غياث مطر} ورفاق دربه في {داريّا}، أمثال {أسامة نصّار} و {مؤيّد حبيب}، إلى جانب نشطاء سوريّين في الدّاخل والشّتات (مثل {عفراء جلبي} و {معتصم} و {مهجة كهف})، {حركة اللّاعنف السّوريّة}.
هدفت الحركة إلى الحفاظ على الفلسفة الّتي ضحّى من أجلها {غياث}، وتبنّي مبدأ العصيان المدنيّ والمقاطعة والاحتجاج السّلميّ. أمّا على صعيد الأنشطة، فنظّمت الحركة حملات تثقيفيّةً لتوعية النّشطاء بحلّ النّزاعات والتّغيير الاجتماعيّ دون الانزلاق في مستنقع الحرب الأهليّة، ووزّعت منشورات تحمل مقولة غياث الشّهيرة: {هذا الوطن يتّسع لنا جميعاً. أوقفوا القتل}.
4. التّكريم الرمزيّ والتعليميّ في دول اللّجوء
للحفاظ على إرثه للأجيال الجديدة التي ولدت خارج سوريا، أُطلق اسم {الشّهيد غياث مطر} على مدرسة في مدينة أورفا التّركيّة. وحقّقت هذه المبادرة التعليميّة تأكيداً على ضرورة غرس قيم التّسامح واللّاعنف والمقاومة الثّقافيّة في نفوس الأطفال السوريّين اللّاجئين، لتكون قصّته إلهاماً يواجه السّرديّات التي تحاول اختصار الثّورة السوريّة في العنف والحرب.

6. التّأثير في مجتمعات اللّجوء: مبادرة الورود في ألمانيا
شهدت ألمانيا قبل سنواتٍ مبادرةً إنسانيّةً نبيلةً، سطّرها السّوريّون تعبيراً عن شكرهم وامتنانهم للمجتمع الألمانيّ الّذي استقبلهم. انطلقت هذه المبادرة يوم 10 تشرين الأوّل أكتوبر من عام 2015 م الموافق لليوم 26 من شهر ذي الحجّة لعام 1436 هـ (10-10) عند السّاعة الواحدة ظهراً، ووزّع السّوريّون الورود على المارّة في مختلف المدن الألمانيّة في توقيتٍ واحدٍ، ضمن حملة «شكراً ألمانيا».
جاءت هذه الفعّاليّة تلبيةً لدعوةٍ أطلقها {مؤنس البخاري} عبر مؤسّسة {البيت السّوريّ في ألمانيا}. ولاقت الدّعوة صدىً واسعاً بين اللّاجئين السّوريّين، فنزلوا إلى السّاحات العامّة ومحطّات القطارات وشوارع المدن حاملين وروداً مرفقةً برسائل شكرٍ مكتوبةٍ باللّغة الألمانيّة. وأراد المشاركون إيصال رسالة محبّةٍ وسلامٍ إلى الشّعب الألمانيّ، وتجاوز الصّورة النّمطيّة المرتبطة بظروف الحرب واللّجوء.
استلهمت المبادرة روحها من مسيرة الشّهيد السّوريّ {غياث مطر}، الّذي عُرف بنضاله السّلميّ في مدينة {داريّا} السّوريّة. فكما واجه {غياث} الرّصاص بالورود وزجاجات المياه، مؤسّساً لنهجٍ سلميٍّ خالصٍ ترك أثراً عميقاً في وجدان السّوريّين. سار المشاركون في المبادرة الألمانيّة على خطاه، متّخذين من الوردة لغةً عالميّةً تتجاوز حدود الجغرافيا وتخاطب القلوب مباشرةً.
تركت تلك اللّحظات انطباعاً إيجابيّاً كبيراً في نفوس الألمان، وتناقلت وسائل الإعلام المحلّيّة صور السّوريّين وهم يوزّعون الأزهار بابتساماتٍ صادقةٍ. وأسهمت الفعّاليّة في بناء جسور التّواصل، مؤكّدةً رغبة الوافدين الجدد في الاندماج وبناء مستقبلٍ مشتركٍ يسوده الاحترام المتبادل والسّلام.

ضرورة التّأسيس الأكاديميّ في داريّا المحرّرة
تبدو الحاجة ملحّةً لتأسيس صرحٍ تعليميٍّ في مدينة {داريّا} المحرّرة يحمل اسم {مدرسة غياث مطر للّاعنف}، ليكون امتداداً طبيعيّاً لمسيرة النّضال السّلميّ الّتي بدأها شباب المدينة. وتأتي ضرورة هذه المدرسة من أهمّيّة مأسسة الفكر اللّاعنفيّ وتحويله من مبادرةٍ عفويّةٍ إلى منهاجٍ أكاديميٍّ وتربويٍّ متكاملٍ يُدرّس للأجيال القادمة.
وستخرّج هذه المدرسة أجيالاً متسلّحةً بمهارات التّفاوض، وفضّ النّزاعات، وبناء السّلام، لتمدّ المجتمع السّوريّ بكوادر قياديّةٍ قادرةٍ على إدارة الأزمات وإرساء مبادئ العدالة والتّسامح. وهؤلاء الخرّيجون سيحملون لواء التّغيير السّلميّ، محوّلين إرث {داريّا} إلى واقعٍ ملموسٍ يرفض التّطرّف ويتبنّى الحوار وسيلةً وحيدةً للمطالبة بالحقوق وحلّ النّزاعات. وإلى جانب ذلك، يخلّد هذا المشروع الوطنيّ تضحيات شهداء {داريّا} الأبرار، ويضمن بقاء تجربتهم الرّائدة حيّةً في ذاكرة الأجيال، ممّا يؤسّس لمجتمعٍ متماسكٍ قادرٍ على بناء سوريّا المستقبل.
لإدراج هذا النّصّ في المقال بسلاسة، أقترح إضافته تحت عنوان فرعيّ جديد يتبع مباشرةً الفقرة الخاصّة بـ «ضرورة التّأسيس الأكاديميّ في {داريّا} المحرّرة»، وقبل عنوان «التّوثيق السّينمائيّ والدّبلوماسيّ: فيلم گاندي الصّغير».
تجارب عالميّة ملهمة: التّأسيس الأكاديميّ للمقاومة المدنيّة
تتأكّد جدوى هذا الطّرح عند النّظر في تجارب مجتمعيّة عالميّة نبعت من رحم حركات مقاومة مدنيّة، وانتقلت من الفعل العفويّ في الشّارع إلى التّأسيس الأكاديميّ والمؤسّساتيّ لتدريس اللّاعنف.
تجسّد تجربة مركز الاستراتيجيّات والعمل اللّاعنفيّ، المعروف باسم {كانڤاس} في صربيا، نموذجاً شديد التّطابق مع رؤيتنا لمدينة {داريّا}. أسّس شبّان حركة المقاومة الّتي أسقطت الدّكتاتوريّة في عام 2000 م / 1421 هـ هذا المركز بغية تحويل تجربتهم الميدانيّة في مواجهة القمع إلى منهاج أكاديميّ. واختصّت هذه المدرسة بتدريس التّكتيكات اللّاعنفيّة، والعصيان المدنيّ، وإدارة النّزاعات للأجيال الشّابّة. ونجح خرّيجو هذا المركز في تنظيم مجتمعهم بعد انتهاء الصّراع، ونقلوا خبراتهم في المقاومة السّلميّة إلى نشطاء في مناطق نزاع متعدّدة، وصاروا اليوم خبراء عالميّون.
وتتطابق مدرسة {هايلاندر} للأبحاث والتّعليم في الولايات المتّحدة مع فكرة إنشاء صرح تعليميّ في مناطق التّوتّر لتدريس النّضال السّلميّ. إذ أُسّست هذه المدرسة المحلّيّة في عام 1932 م / 1351 هـ لتكون مركزاً لتدريب النّشطاء على مبادئ اللّاعنف والمقاطعة والعصيان المدنيّ. وتخرّج منها قادة التّغيير السّلميّ أمثال {روزا پاركس} و {مارتن لوثر كينگ}، فتحوّلت التّجربة من غضب شعبيّ غير منظّم إلى عمل مؤسّساتيّ أنتج كوادر متمرّسةً قادت حركة الحقوق المدنيّة بأساليب لاعنفيّة صرفة.
وتتماهى فكرة التّأسيس الأكاديميّ لترسيخ السّلميّة مع تجربة جامعة {گوجرات ڤيديپيث} في الهند، الّتي أسّسها {ماهاتما گاندي} في عام 1920 م / 1339 هـ. وكانت بُنيت هذه المدرسة تحديداً لتعليم الشّباب المحلّيّ فلسفة المقاومة المدنيّة السّلميّة بعيداً عن مناهج الاحتلال البريطانيّ، وركّزت على بناء السّلام وفضّ النّزاعات. وخرّجت أجيالاً متسلّحةً بمهارات التّفاوض السّلميّ، فتولّوا لاحقاً إدارة مؤسّسات الدّولة المحلّيّة وإرساء العدالة بعد نيل الاستقلال.
تثبت هذه النّماذج أنّ تحويل دماء الشّهداء وأيقونات النّضال السّلميّ إلى صروح تعليميّة محلّيّة يضمن عدم تبدّد التّضحيات. فتدريس اللّاعنف مؤسّساتيّاً في موقع الحدث يصنع قيادات مجتمعيّةً قادرةً على بناء الدّولة وحماية الذّاكرة معاً.

التّوثيق السّينمائيّ والدّبلوماسيّ: فيلم غاندي الصّغير
لعلّ من أهمّ أدوات المقاومة ضدّ الأنظمة الشّموليّة حماية الذّاكرة من التّشويه والمحو. وفي هذا السّياق، أدّى الفنّ والسّينما دوراً عالميّاً في تخليد سيرة {غياث مطر} بفضل الفيلم الوثائقيّ الطّويل «گاندي الصّغير» Little Gandhi (إنتاج عام 1437 هـ 2016 م)، من إخراج المخرج السّوريّ الأمريكيّ {سام قاضي}.
المعجزة اللّوجستيّة للإنتاج
واجه {سام قاضي}، المولود في حلب والّذي لم يكن يستطيع العودة إلى سوريّا، تحدّياتٍ استثنائيّةً لإنتاج الفيلم. إذ استعان بمصوّرٍ محلّيٍّ داخل مدينة {داريّا} المحاصرة لإجراء مقابلاتٍ مع أصدقاء {غياث} وزوجته ونشطاء الثّورة. كانت المقابلات تُدار عبر برنامج {سكايپ} من غرفةٍ فندقيّةٍ في إسطنبول، وسط أصوات القنّاصة والانفجارات في الخلفيّة. واستغرق تهريب اللّقطات المرئيّة عالية القيمة خارج {داريّا} المحاصرة حوالي ستّة أشهرٍ كاملةٍ، عبر مسارات تهريبٍ شديدة الخطورة، لتُنجز عمليّة المونتاج والإنتاج النّهائيّ في الولايات المتّحدة.
الإنجازات والاعتراف العالميّ
نال فيلم {گاندي الصّغير} نجاحاً كبيراً لكونه وثيقة تاريخيّة وإنسانيّة مهمّة. إذ حصد الفيلم جوائز عالميّة عديدة، منها جائزة {أحمد خضر للتّميّز في صناعة الأفلام العربيّة} في مهرجان الفيلم الأوروبّيّ المستقلّ في مدينة پاريس عام 1437 هـ / 2016 م، وجائزة أفضل فيلم وثائقيّ أجنبيّ في مهرجان أفلام العائلة الدّوليّ في مدينة لوس أنجلوس.
وفي حدث تاريخيّ نادر، رشّحت لجنة مستقلّة تضمّ فنّانين سوريّين في المنفى هذا العمل لجوائز الأوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبيّة في الدّورة 90 لعام 1439 هـ / 2018 م. ووافقت أكاديميّة الفنون والعلوم السّينمائيّة على هذا التّرشيح الصّادر عن جهة غير حكوميّة لأوّل مرّة، ممّا أكّد الاعتراف الدّوليّ بالمؤسّسات الفنّيّة للثّورة السّوريّة.
أثّر العمل سينمائيّاً وسياسيّاً، وعرض أمام أعضاء الكونگرس الأمريكيّ، وفي مقرّ الأمم المتّحدة، والبرلمان الكنديّ، ونال دعماً صريحاً من منظّمة العفو الدّوليّة الّتي وصفته بالعمل الاستثنائيّ بالغ الأهمّيّة. وعرض الفيلم لاحقاً في مدينة لندن عام 1447 هـ / 2026 م ضمن فعاليّة نظّمها المجلس السّوريّ البريطانيّ ومنظّمة رحمة حول العالم بحضور دبلوماسيّين وبرلمانيّين لمناقشة دور السّينما في حماية المدنيّين وبناء التّفاهم.

عودة گاندي الصّغير إلى {داريّا} المحرّرة
في عقب التّطوّرات السّياسيّة وسقوط نظام الأسد، تكتمل الدّائرة الرّمزيّة بعودة فيلم {گاندي الصّغير} إلى مسقط رأسه. إذ عُرض الفيلم في احتفاليّةٍ عامّةٍ في الملعب البلديّ بـ{داريّا}، برعاية وزارتي الفنون والشّؤون الاجتماعيّة والعمل في الحكومة الجديدة. وحضر العرض أهالي المدينة وعائلة {غياث} (والدته وإخوته). وفي تصريحٍ مؤثّرٍ، قالت والدة {غياث مطر}: {هذا الفيلم لا يروي قصّة ابني فقط، بل يروي قصص جميع شهداء الثّورة السّوريّة}، متذكّرةً أبناءها الثّلاثة الّذين استشهدوا في مسار الثّورة. وأعاد هذا العرض {داريّا} إلى واجهة الذّاكرة السّوريّة مدينةٍ انتصرت بصبرها ولاعنفها على وحشيّة البراميل المتفجّرة والاعتقال.

كلمة أخيرة
تعطينا تجربة الشّهيد {غياث مطر} وحركة {داريّا} السّلميّة دروساً ونتائج أساسيّةً في مسار المقاومة المدنيّة ضدّ الأنظمة الدّكتاتوريّة.
إذ أثبتت خطوة توزيع الورود والمياه للجنود ضعفاً كبيراً في أساسات الأنظمة العسكريّة الدّكتاتوريّة أمام السّلميّة الإنسانيّة، وأظهرت مدى رعبها من القوّة النّاعمة. فالرّدّ القاسي والمبالغ فيه على {غياث مطر} لم يأتِ من قوّة نظام الأسد، بل جاء نتيجة خوفٍ عميقٍ من قدرة هذه الأساليب السّلميّة على كسر الحاجز النّفسيّ لدى الجنود، وإسقاط أكاذيب السّلطة. فالسّلميّة تكشف حقيقة النّظام المستبدّ وتنزع عنه حجّته الّتي يبني عليها وجوده متذرّعاً بمحاربة الإرهاب.
ويؤكّد التّزامن بين اغتيال القادة السّلميّين في {داريّا} ومناطق أخرى، وإخراج أشدّ المتطرّفين من السّجون، سعيَ الأنظمة القمعيّة إلى عسكرة الثّورة لجعلها طوقَ نجاةٍ لها. ويبرهن هذا التّوقيت المشترك على توجيه الثّورة السّوريّة نحو العمل المسلّح ليس نتيجة فشل السّلميّة، بل بخطّةٍ دبّرتها الأجهزة الأمنيّة عن قصدٍ. ورمت هذه الخطّة إلى التّخلّص من القادة الدّيمقراطيّين، وسحب البلاد نحو حربٍ طائفيّةٍ طويلةٍ تبرّر تدخّل الدّول الأخرى وتضمن بقاء النّظام الحاكم.
وبرغم تصفية {غياث مطر} و {يحيى شربجي} جسديّاً، وتحطيم مدينة {داريّا} بالكامل وتهجير أهلها عام 1437 هـ / 2016 م، استمرّت أفكارهم ونمت داخل مؤسّساتٍ مدنيّةٍ باقيةٍ. ويبرهن نجاح المشاريع المدنيّة، والجمعيّات الإغاثيّة، وحركات اللّاعنف السّوريّة، على قوّة الأفكار المبنيّة على الحقّ والمواطنة وقدرتها على الصّمود في وجه القتل، ويثبت أهمّيّة مأسسة العمل المدنيّ طريقاً وحيداً لضمان استمرار الثّورات.
وشارك التّوثيق الفنّيّ والمعرفيّ، وتحديداً فيلم {گاندي الصّغير}، مشاركةً فاعلةً في حماية ذاكرة النّاس من الضّياع والنّسيان، وساعد في مساعي تحقيق العدالة الانتقاليّة. ولم يأتِ هذا التّوثيق للبكاء على الماضي، بل أوجد وسيلةً سياسيّةً للضّغط على مستوى العالم، وبنى أساساً تاريخيّاً يعطي النّاشطين السّلميّين حقّهم في مرحلة ما بعد زوال نظام الأسد، وظهر ذلك بوضوحٍ عند عودة الفيلم وعائلة {غياث} للاحتفال داخل {داريّا} المحرّرة.
ويبقى الشّهيد {غياث مطر} أيقونةً أخلاقيّةً ودليلاً تاريخيّاً يدين المجرمين، فدماؤه الّتي سالت تحت التّعذيب، والورود الّتي وزّعها على قاتليه، بنت معاً جسراً أخذ السّوريّين نحو الأمل، كما تصف عائلته. إذ أثبت غياث وأصدقاؤه حقيقةً ثابتةً في تاريخ النّضال السّوريّ، وهي عجز القوّة والبطش، برغم تدميرها المدن وقتلها النّاس، عن القضاء على فكرة التّسامح والوقوف في وجه الظّلم متى آمن بها مجتمعٌ حيٌّ.
وللحفاظ على هذا التّاريخ من الضّياع، تظهر حاجةٌ ملحّةٌ إلى تحويل الفكر السّلميّ لعملٍ منظّمٍ داخل مراكز تعليميّةٍ متخصّصةٍ في {داريّا} المحرّرة. ثمّ تهدف هذه المراكز إلى تعليم أجيالٍ جديدةٍ مهارات التّفاوض، وحلّ الخلافات، وبناء السّلام. وهذا التّعليم هو الطّريق الحقيقيّ لنقل تجربة {داريّا} السّلميّة إلى واقعٍ نعيشه يرفض التّطرّف، ويقدّم للمجتمع قادةً يختارون الحوار طريقاً وحيداً لأخذ الحقوق وتثبيت أسس العدالة، ممّا يبني مجتمعاً سوريّاً متماسكاً يقود التّغيير نحو المستقبل.
المصادر
- غياث مطر – سوريّون: https://suryoun.com/ghiath-matar/
- قصّة غياث مطر: گاندي الصّغير الّذي واجه العنف بالورود والماء في بدايات: https://yallasyrianews.com/a/146387
- Water bottles & roses – Mashallah News: https://mashallahnews.com/water-bottles-roses/
- دلالات خروج مدينة {داريّا} من معادلات الصّراع في سوريّا: https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/Implications_of_Darayya_Exiting_the_Syrian_Conflict_Equation.aspx
- Then and Now: The Syrian Revolution to Date – Academia.edu: https://www.academia.edu/9304481/Then_and_Now_The_Syrian_Revolution_to_Date
- {داريّا}: مدينة العنب والدّم والبراميل المتفجّرة – ضفّة ثالثة – العربيّ الجديد: https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/civilisation/2025/1/19/%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%81%D8%AC%D8%B1%D8%A9
- جودت سعيد ومروان حديد وجهاً لوجه – تلفزيون سوريّا: https://www.syria.tv/%D8%AC%D9%88%D8%AF%D8%AA-%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D9%88%D9%85%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%88%D8%AC%D9%87%D8%A7%D9%8B-%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%87
- القوّة الكامنة وراء فكرةٍ محفوفةٍ بالمخاطر | المترجمون السّوريّون الأحرار: https://freesyriantranslators.net/2012/01/28/%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%86%D8%A9-%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%83%D8%B1%D8%A9%D9%8D-%D9%85%D8%AD%D9%81%D9%88%D9%81%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE/
- قضيّة المعتقلين في سوريّا: نظام الأسد يتحدّى أوامر وقف التّعذيب: https://www.asharqalarabi.org.uk/%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%AA%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%86-%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9–%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D9%8A%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%89-%D8%A3%D9%88%D8%A7%D9%85%D8%B1-%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%B0%D9%8A%D8%A8_ad-id!514829.ks
- وفاة المفكّر اللّاعنفيّ عبد الأكرم السّقّا في سجون نظام الأسد السّوريّ: https://www.alaraby.co.uk/politics/%D9%88%D9%81%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%B9%D9%86%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%83%D8%B1%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%82%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D8%AC%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A
- {داريّا}: من ورود غياث مطر إلى كتائب الصّحابة: http://www.maaber.org/issue_september12/non_violence2.htm
- فرع الأمن بوصفه حقلاً لتأريخ الأفكار والاجتماع – أنباء سوريّا: https://syria-press.com/%D9%81%D8%B1%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%A8%D9%88%D8%B5%D9%81%D9%87-%D8%AD%D9%82%D9%84%D8%A7%D9%8B-%D9%84%D8%AA%D8%A3%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%81%D9%83%D8%A7%D8%B1-%D9%88/
- عائلة شربجي – نشطاء سلميّون – Human Rights Watch: https://www.hrw.org/ar/news/2013/10/01/251312
- {داريّا}… للثّورة هنا زهورٌ وجذور – Madina Blog مدوّنة مدينة: https://madina-blog.net/2012/02/25/daraya/
- Enab Baladi | Hummus For Thought: https://hummusforthought.com/wp-content/uploads/2022/04/578fe-enab-baladi.pdf
- اعتقال غياث مطر ويحيى ومعن شربجي في {داريّا} | 2011-09-05: https://syrianmemory.org/daily-events/event/613478c91ac7e5000121db6e
- قلب {داريّا}.. مشهد الثّورة | سياسة – الجزيرة نت: https://www.aljazeera.net/politics/2017/3/10/%D9%82%D9%84%D8%A8-%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9
- Rocking the cradle: the Syrian siege on innocence: https://wagingnonviolence.org/2011/11/rocking-the-cradle-the-syrian-siege-on-innocence/
- النّاشط اللّاعنفيّ أسامة نصّار: غياث مطر أصبح أكثر حضوراً برحيله: https://osamanassar.wordpress.com/2013/09/12/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B4%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%B9%D9%86%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%86%D8%B5%D8%A7%D8%B1-%D8%BA%D9%8A%D8%A7%D8%AB-%D9%85%D8%B7%D8%B1-%D8%A3%D8%B5/
- غياث مطر | الذّاكرة السّوريّة: https://syrianmemory.org/archive/figures/5de1405750faa900019cbd0c
- المكرّم رقم (39) غياث مطر – تيّار المستقبل السّوريّ: https://sfuturem.org/2025/05/honorable-no-39-ghiath-matar/
- تضحيّة {داريّا}: عائلة غياث مطر تحتفل بسقوط نظام الأسد – ميثاق: https://mithaq-syria.org/news/%D8%AA%D8%B6%D8%AD%D9%8A%D8%A9-%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D9%84%D8%A9-%D8%BA%D9%8A%D8%A7%D8%AB-%D9%85%D8%B7%D8%B1-%D8%AA%D8%AD%D8%AA%D9%81%D9%84-%D8%A8%D8%B3%D9%82%D9%88%D8%B7.html
- غياث مطر.. “گاندي {داريّا}” الّذي قابل الرّصاص بالورود – sotour.net: https://sotour.net/21127/
- 26 Where is Home for the Permanently Displaced? Citizens of Daraya: https://lb.boell.org/sites/default/files/daraya_paper_-_haid_haid.pdf
- {داريّا} تستعيد سيرة غياث مطر بعرضٍ وثائقيٍّ گاندي الصّغير – سانا: https://sana.sy/culture-and-arts/2570506/
- حكاية الثّورة السّوريّة.. حراكها ورموزها وكيف تحوّلت سلميّتها إلى السّلاح: https://www.radioalkul.com/p49225/
- عائلة النّاشط السّوريّ غياث مطر ترجّح قيام السّلطات بـسرقة أعضائه: https://www.alarabiya.net/articles/2011%2F09%2F20%2F167710
- “استشهاد” غياث مطر – Creative Memory: https://creativememory.org/ar/chronology/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%AF-%D8%BA%D9%8A%D8%A7%D8%AB-%D9%85%D8%B7%D8%B1/
- قتلٌ وعنفٌ ضدّ نشطاء سلميّين بسوريّا | أخبار – الجزيرة نت: https://www.aljazeera.net/news/2011/9/12/%D9%82%D8%AA%D9%84-%D9%88%D8%B9%D9%86%D9%81-%D8%B6%D8%AF-%D9%86%D8%B4%D8%B7%D8%A7%D8%A1-%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A8%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7
- كيف تحوّلت الثّورة السّلميّة بسوريّا لحربٍ مأساويّةٍ؟ – الجزيرة نت: https://www.aljazeera.net/politics/2016/3/13/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8
- الثّورة السّوريّة.. كيف تحوّل الأمل إلى ألمٍ لا ينتهي – عربي 21: https://arabi21.com/story/1409967/%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%84%D9%85-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D9%86%D8%AA%D9%87%D9%8A
- كيف تحوّلت الثّورة السّوريّة إلى السّلاح؟ – الجزيرة نت: https://www.aljazeera.net/opinions/2013/12/4/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD
- السّلفيّة والسّلفيّون في سوريّا: من الإصلاح إلى الجهاد: https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2013/05/2013520105748485639.html
- Beyond the fall of the Syrian regime – Peter Harling archive: https://peterharling.com/2012/02/24/beyond-the-fall-of-the-syrian-regime/
- مؤسّسة غياث مطر الخيريّة – Ghiath Mattar Foundation – سند سوريّا: http://sanad.halabi.me/initiative/%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A9-%D8%BA%D9%8A%D8%A7%D8%AB-%D9%85%D8%B7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9-ghiath-mattar-foundation/
- سوريّا – گاندي الصّغير في فرنسا.. قصّة الحراك السّلميّ في الثّورة: https://w6nnews.com/%D8%A7%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%BA%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7/
- حرائر {داريّا}: شموع حرّيّةٍ تضيء وسط ظلام الاستبداد – حكاية ما انحكت: https://syriauntold.com/2013/12/11/%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%B4%D9%85%D9%88%D8%B9-%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B6%D9%8A%D8%A1-%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A7/
- {داريّا}: ثورةٌ في قلب مثلّث القوّة – أورينت نت: https://orient-news.net/ar/news_show/1935/0/%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D9%84%D8%A8-%D9%85%D8%AB%D9%84%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A9
- من {داريّا} إلى پاريس: گاندي الصّغير يروي حكاية غياث مطر ومقاومة: https://yallasyrianews.com/a/113943
- Then and Now: The Syrian Revolution to Date: https://www.satyagrahafoundation.org/wp-content/uploads/2014/01/Syria_Special_Report-web.pdf
- مصوّرٌ فرنسيٌّ يقدّم صوراً حيّةً من حمص: الخطر موجودٌ والنّاس يُقتلون وهم: https://www.alquds.co.uk/%D9%85%D8%B5%D9%88%D8%B1-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A-%D9%8A%D9%82%D8%AF%D9%85-%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A7-%D8%AD%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D9%85%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D8%B1-%D9%85/
- في سوريّا، نشطاء مدنيّون يحملون مفاتيح المستقبل – صدى الشّام: https://sadaalshaam.net/archives/70787
- Syria: The virtue of civil disobedience | Opinions – Al Jazeera: https://www.aljazeera.com/opinions/2012/4/6/syria-the-virtue-of-civil-disobedience
- گاندي الصّغير – Creative Memory: https://creativememory.org/ar/%D9%81%D9%84%D9%85-%D8%BA%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D9%84%D8%B1/
- Office for International Students and Scholars :: Events – MSU OISS: https://oiss.isp.msu.edu/about/events/?id=50709
- ‘Lamya’s Poem’ Tells of Syrian Girl’s Flight from Her Country’s Violence: https://www.noozhawk.com/lamyas-poem-tells-of-syrian-girls-flight-from-her-countrys-violence/
- Syria—Little Gandhi – World Film Reviews: https://worldfilmreviews.us/little-gandhi/
- Little Gandhi | Trailer | Sam Kadi | Robert Ford | Najlaa Alsheikh: https://www.youtube.com/watch?v=vhKDkt8yw-M
- Little Gandhi – House of Film: https://houseoffilm.com/films/little-gandhi/
- Sam Kadi: A film-maker’s journey from Aleppo to Los Angeles: https://www.syriawise.com/sam-kadi-a-film-makers-journey-from-aleppo-to-los-angeles/
- Rahma Worldwide LITTLE GANDHI: https://rahmaww.org/event/ghandieventuk
- Invitation: The Special Screening of “Little Gandhi”: https://syrianbritish.org/invitation-the-special-screening-of-little-gandhi/
- ‘Little Gandhi’ returns to Darayya, revisiting Ghiath Matar’s legacy: https://sana.sy/en/culture-and-arts/2340095/
- گاندي الصّغير.. {داريّا} تستعيد ذاكرتها على الشّاشة وتستحضر غياث: https://arabi21.com/story/1786470/%D8%BA%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B4%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%AD%D8%B6%D8%B1-%D8%BA%D9%8A%D8%A7%D8%AB-%D9%85%D8%B7%D8%B1





اترك رد