العائلات التجارية السورية: صعود الثروة والنفوذ السياسي في الاقتصاد الاستعماري: دراسة تاريخية اجتماعية في صناعة الرأسمالية الوسيطة (1266-1369هـ / 1850-1961)
كيف استطاعت عائلات سورية محافظة، لا تملك إرثاً سياسيّاً أو عسكريّاً مشهوراً، أن تتحوّل إلى أعمدة اقتصادية وسياسية ضاربة في قلب الشرق الأوسط الحديث؟ وما الذي جعل ثروات بعض أفراد هذه العائلات شاهداً حيّاً على عمق الارتباط بين الرأسمالية الإمبراطورية والتحوّلات الاجتماعية المحلّية؟
هذا السؤال يقودنا إلى فحص ظاهرة تاريخية عميقة تمثّلت في صعود طبقة اقتصادية من التجّار الشوام (والحلبية) الذين أدّوا دور الوسيط التجّاري (كومپرَدور Comprador) بين مراكز الإمبراطوريّات البريطانية والفرنسية وأطرافها الاستعمارية الممتدّة من غرب أفريقيا إلى جنوب آسيا.

مقدّمة
بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، شهد العالم الإسلامي تحولاً اقتصادياً جذرياً مدفوعاً بالتغلغل الأوروپي المنظم. لم تكن سوريا بلاد الشام استثناءً، بل مسرحاً من أهم المسارح لهذه إعادة التشكيل. في هذا السياق، برزت عائلات سورية ولبنانية اغتنمت الفرصة التاريخية لتحويل مهاراتها التجّارية التراثية إلى أدوات لتراكم الثروة على نطاق عالمي لم تشهده من قبل. كانت هذه العائلات وسطاء حقيقيين بين عالمين: عالم الحداثة الصناعية الأوروپية وعالم المجتمعات التقليدية في آسيا وأفريقيا.
اشتغلت هذه العائلات—التي ضمّت أسماء مثل حوراني، سرسق، لطف اللّه، بُسترس، صفرا، يافث، العابد، غرواي، والعقّاد—في تجارة المنسوجات، المحاصيل، المعادن، والسلع الفاخرة. استفادت من البنية التحتية القانونية والسياسية التي وفّرتها الامتيازات الأجنبية في الدولة العثمانية ولاحقاً الانتدابات الاستعمارية. لم تكتفِ بالبقاء في أسواق الشام التقليدية، بل امتدّت نشاطاتها إلى مانشستر (قلب الصناعة البريطانية)، ومصر (مع نيلها نفوذاً سياسيّاً متزايداً)، وغرب أفريقيا (حيث أسّست إمبراطوريات تجارية واقتصادية)، وفي النهاية إلى دول الخليج والعالم الغربي. لم يقتصر هذا التوسع الجغرافي الاستثنائي على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتدّ ليشمل التدخّل السياسي والنفوذ الاجتماعي الذي استمرّ حتى بعد فترة الاستقلال الوطني.

الجزء الأول: محور مانشستر والملّة السورية (1850-1920)
نشأة “قطنوپوليس” والملّة السورية The Millet of Manchester
في ذروة الثورة الصناعية، تحوّلت مدينة مانشستر البريطانية إلى المركز العالمي لصناعة النسيج، مكتسبة لقب “قطنوپوليس” Cottonopolis. شكّل هذا المركز الصناعي مغناطيساً جذب نخبة من التجّار الشوام، وتحديداً من حلب وبيروت، الذين أدركوا مبكّراً أنّ السيطرة على السوق تتطلّب التواجد في “المصنع” لا في “المتجر” فقط. لا سيّما أنّ مانشستر نافست آنذاك مركز الصناعات النسيجية الأسبق في العالم: إيالة شام العثمانية.
بحلول منتصف القرن التاسع عشر، تشكّلت في المدينة جالية تجارية فريدة أطلق عليها المؤرّخ فريد هاليداي Fred Halliday وصف “ملّة مانشستر” The Millet of Manchester. هذا المصطلح مستوحى من “نظام الملل” العثماني، حيث تميّزت هذه الجالية بأنّها كانت “مجتمعاً وظيفيّاً” مغلقاً يضمّ خليطاً من المسيحيّين واليهود (السفارديم) والمسلمين القادمين من إيالات السلطنة العثمانية، جمعتهم المصالح الاقتصادية واللّغة العربية والثقافة العربية المشرقية المشتركة في قلب إنگلترا الباردة.
التأسيس والنمو:
تشير السجلّات التجارية لعام 1833 إلى تأسيس أوّل بيت تجاري “عثماني” في المدينة على يد عبد اللّه الإدلبي Abdullah Al-Idlibi، الذي شقّ الطريق لتدفّق التجّار لاحقاً. وبحلول العقد الأوّل من القرن العشرين، وتحديداً قبيل الحرب العالمية الأولى، ارتفع عدد البيوتات التجارية السورية إلى العشرات، وبلغ تعداد الجالية التجارية حوالي 350 تاجراً (بيتاً).
نمط الحياة والجغرافيا الاجتماعية:
لم يكن هؤلاء التجار عمّالاً كادحين، بل كوّنوا “أرستقراطية تجارية” مغتربة. تمركزت مكاتبهم في شوارع التجارة الراقية مثل “شارع بلوم” Bloom Street و”شارع ويتوورث” Whitworth Street، حيث أداروا عمليات الشحن والتمويل. واستقرّوا سكناً في الضواحي الفاخرة مثل ديدسبري Didsbury و”ويثينگتون” Withington، مبتعدين عن دخّان المصانع. وحافظوا على فقاعة ثقافية شامية؛ فكانت مجالسهم تعجّ بالقهوة العربية ولعبة “الطاولة” Backgammon وتدخين النارجيلة، كما التزموا شعائرهم الدينية بصرامة في الكنائس الشرقية أو كنسهم اليهودية ومصلّى في منزل خاص (لشخص مغربي) في منطقة Parkfield لعدم وجود ترخيص لبناء مسجد رسمي آنذاك، ممّا جعلهم “ملّة” حقيقية داخل المجتمع الإنگليزي.
آل حوراني: جسر بين التجارة والفكر
تبرز عائلة حوراني نموذج مثالي لتحوّلات هذه الطبقة من التجارة البحتة إلى التأثير الفكري والسياسي. إذ وصل فضلو حوراني Fadlo Hourani، المتحدّر من مرجعيون (جنوب لبنان)، إلى مانشستر عام 1891. كان فضلو يمثّل الجيل الجديد من المتعلّمين خرّيجي “الكلية السورية الپروتستانتية” (الجامعة الأميركية في بيروت لاحقاً). ولم يكتفِ بتأسيس عمل ناجح في تصدير المنسوجات، بل أدّى دور “القنصل الاجتماعي” للجالية، حيث أسّس مدرسة تحضيرية لتعليم أبناء المهاجرين الشوام وتأهيلهم للاندماج في المدارس الإنگليزية النخبوية.
ألبير حوراني وإرث “الأعيان”:
في هذا الوسط التجاري ولد ابنه ألبير حوراني Albert Hourani عام 1915. نشأ ألبير يراقب آليّات التفاوض والوساطة التي يمارسها والده ومحيطه التجاري بين الإمبراطورية البريطانية والسوق المحلّية في المشرق العربي.
كانت هذه النشأة الأساس النظري لمفهومه التاريخي الشهير “سياسات الأعيان” Politics of Notables. فعندما كتب ألبير حوراني لاحقاً عن الزعامات المحلّية التي تؤدّي دور الوسيط بين السلطة الإمبراطورية والمجتمع المحلّي، كان يستند -بوعي أو بدون وعي- إلى إرث عائلته في مانشستر التي مارست هذا الدور اقتصادياً بامتياز.
عائلات أخرى وامتدادات الشبكة
لم تكن عائلة حوراني وحيدة، بل كانت جزءاً من شبكة معقّدة شملت عائلات دمشقية وحلبية بارزة:
- عائلة أنزاروت Anzarut: عائلة يهودية شرقية بارزة، أدّت دوراً محوريّاً في الشبكات المالية والتجارية بين حلب ومانشستر.
- عائلة كبابة Kababa: تخصّصت في أنواع محدّدة من المنسوجات والحرير.
- عائلة العقّاد Al-Akkad بشطريها المسلم والمسيحي: أسّست تواجداً مبكّراً عبر شركات مثل “شركة العقاد للتجارة العامة”، مستخدمة مانشستر قاعدة لتوسيع نفوذها نحو أفريقيا لاحقاً.
ميكانيكا الهيمنة: كيف سيطروا على السوق؟
يكمن سرّ نجاح “الشوام” في مانشستر في ابتكارهم لنموذج عمل تجاوزوا فيه الوسطاء الأوروپيين، إذ كان التجّار السوريّون يشترون “القماش الخام” Grey Goods مباشرة من مصانع لانكشاير. ولم يصدّروا القماش كما هو، بل أشرفوا على عمليّات الصباغة والطباعة في بريطانيا وفقاً للمواصفات والذوق المحلّي الدقيق لأسواق حلب ودمشق وبغداد. كانوا يعرفون الألوان والنقشات التي تفضّلها النساء في المشرق، وهو ما عجز التاجر الإنگليزي عن فهمه.
بحلول تسعينيّات القرن التاسع عشر، كانت الصحافة التجارية في مانشستر تشتكي من أنّ التجّار السوريّين قد “زاحموا” المنافسين واستولوا على تجارة البحر المتوسط وغرب أفريقيا بالكامل، جاعلين من المستحيل على التاجر الإنگليزي التصدير المباشر دون المرور عبرهم.
ولم يكن هذا النجاح الاقتصادي معزولاً عن السياق الاستعماري؛ فقد استفادوا من البنية التحتية للإمبراطورية، ومن تدفّق القطن المصري (الذي كان يُزرع في ظروف استعمارية قاسية) لتغذية المصانع التي يصدّرون منتجاتها، ممّا جعلهم ترساً أساسيّاً في مَكِنَة الاقتصاد الإمبراطوري البريطاني.

الجزء الثاني: أسياد النيل والشوام في مصر (1850-1961)
إذا كانت مانشستر هي المحرّك الصناعي، فقد كانت مصر “أرض الميعاد” الاقتصادية للعائلات السورية واللّبنانية في القرن التاسع عشر. استفاد “الشوام” (كما عُرفوا في مصر) من الانفتاح الاقتصادي في عهد الخديوي إسماعيل، ومن ثمّ من الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، ليحتلّوا موقعاً طبقيّاً متميّزاً بين النخبة الحاكمة وعامّة الشعب المصري، محتمين بالامتيازات الأجنبية والجنسيات الأوروپية. لم يكتفوا بالتجارة، بل شكّلوا نخبة مالية وثقافية صاغت وجه مصر الحديثة قبل أن تنتهي حقبتهم بتأميمات عام 1961.
إمبراطوريّات المال والأعمال: سرسق، لطف اللّه، وصيدناوي
لم يقتصر الحضور الشامي على عائلات الموظّفين، بل برزت عائلات تجارية عملاقة أعادت رسم خريطة الاقتصاد والسياسة في المنطقة:
عائلة سرسق Sursock: لُقّبوا بـ “روتشيلد الشرق”. إذ بدأت العائلة ملتزمين للضرائب في بيروت، ثم انتقل فرع منها إلى مصر حيث انخرطوا في تمويل مشاريع البنية التحتية العملاقة، بما في ذلك قناة السويس والسكك الحديدية. امتلكوا مساحات شاسعة من الأراضي في مصر وفلسطين (تحديداً مرج ابن عامر)، وكان لبيعهم هذه الأراضي لاحقاً للصناديق الصهيونية أثر جيوسياسي عميق. وناسبت العائلة النبلاء الإيطاليّين وشغلوا مناصب دبلوماسية رفيعة.
عائلة لطف الله Lutfallah: تميّزت بطموح سياسي صريح؛ حيث اتّخذوا من قصورهم في الزمالك مركزاً لإدارة إمبراطورية مصرفية وزراعية. وانخرط ميشال لطف الله في دعم القومية العربية ورئاسة “المؤتمر السوري الفلسطيني”، في حين سعى شقيقه جورج لطف اللّه للوصول إلى رئاسة الجمهورية اللّبنانية مستنداً إلى ثروته الطائلة.
عائلة صيدناوي Sednaoui: شكّل الأخوان سليم وسمعان صيدناوي الوجه الاستهلاكي الحديث لمصر. فأسّسوا متاجر “صيدناوي” الكبرى التي ضاهت “گاليري لافاييت” في پاريس، وبنوا إمبراطورية تجزئة غطّت أنحاء القطر المصري، بالإضافة إلى مساهماتهم الخيرية البارزة مثل المستشفى القبطي.
عائلة تقلا: أدّت دوراً حاسماً في تشكيل الوعي العام من طريق تأسيس بشارة وسليم تقلا لجريدة “الأهرام” عام 1876، التي تحوّلت من صحيفة تجارية في الإسكندرية إلى المنبر الإعلامي الأهمّ في العالم العربي.
عائلة العابد: من قصر السلطان إلى القصر الجمهوري
تمثّل عائلة العابد نموذجاً استثنائيّاً لكيفية تحويل الثروة التجّارية إلى سلطة سياسية عليا، ومن ثمّ إلى نضال وطني واجتماعي.
أحمد عزّت باشا العابد (1851-1924): مهندس النفوذ
وُلد أحمد في دمشق لعائلة تعمل في تجارة الحبوب، لكنّه صعد ليصبح أحد أقوى رجال الدولة العثمانية. حمل لقب “أغنى رجل عربي في السلطنة العثمانية” بسبب اشتغاله “سمسار إمبراطوري” Imperial Broker جمع بين الحسّ التجاري والدهاء السياسي بصفته “السكرتير الثاني” والمستشار الأوّل المقرّب للسلطان عبد الحميد الثاني. أدّى دوراً محوريّاً في مشروع سكّة حديد الحجاز. بعد انقلاب الاتّحاديّين عام 1908، وأظهر براعة في الحفاظ على ثروته عبر هجرة استراتيجية شملت لندن وپاريس وسويسرا، ليستقرّ أخيراً في مصر.
أحمد عزت باشا العابد لم يكن تاجراً بالمعنى التقليدي، بل كان يشغل منصب “الأمين الثاني” للسلطان عبد الحميد الثاني لأكثر من 13 عاماً. جعله هذا المنصب عمليّاً “حاجب السلطان” والمدير الفعلي لشبكة علاقاته وتجارته وتجارة آل عثمان.
أي شركة أوروپية (فرنسية، ألمانية، أو بريطانية) ترغب في الحصول على عقود في السلطنة (مثل مدّ خطوط التلگراف، أو السكك الحديدية، أو التعدين) كانت مضطرّة للمرور عبر “العابد”. كانت ثروته تتشكّل من العمولات الضخمة والأسهم المجّانية التي يحصل عليها مقابل تأمين هذه الامتيازات. كما تؤكّد الوثائق التاريخية أنّ العابد كان يملك حصّة كبيرة من أسهم شركة قناة السويس. وهنا مربط الفرس في قصّة “الشراكة مع بريطانيا”. بما أنّ الحكومة البريطانية (في عهد الملكة ڤيكتوريا) كانت المساهم الأكبر في القناة، فإنّ العابد كان عمليّاً “شريكاً مساهماً” مع التاج البريطاني في أهمّ ممر مائي في العالم، وليس شريكاً شخصيّاً للملكة في تجارة خاصة.
سكّة حديد الحجاز: الصندوق الأسود
كان العابد المشرف المالي والإداري الأوّل على مشروع سكّة حديد الحجاز. وبرغم أنّ المشروع كان “وقفاً إسلاميّاً”، إلا أنّ العابد أدار عقود التوريد والإنشاءات. واتّهمه خصومه (جمعية الاتحاد والترقّي) باختلاس أموال التبرعات أو توجيه العقود لشركات له فيها مصالح، مما ضاعف ثروته السائلة بشكل فاحش.
سرّ “ثقة الملكة ڤيكتوريا” والعلاقة ببريطانيا
الحديث عن “ثقة عالية من الملكة ڤيكتوريا شخصيّاً” هو غالباً تضخيم دعائي لواقع سياسي دقيق. إذ أنّ أحمد العابد اقتنع أنّ بريطانيا صارت الإمبراطورية الأعظم في عالم القرن التاسع عشر، ومارس سياسياً الانحياز للإنگليز Anglophile. في أروقة البلاط العثماني، كان العابد يُحسب على التيّار الذي يفضّل التقارب مع بريطانيا (عكس التيار الألماني الصاعد). عندما أطاح به “الأتراك الشباب” (الذين كانوا يكرهونه ويميلون لألمانيا)، هرب العابد فوراً إلى لندن على متن سفينة بريطانية، ممّا يؤكّد أنّه كان يتمتّع بحماية بريطانية استراتيجية (“رجلنا في القصر”). من جهة ثانية حيازته لأسهم قناة السويس وأسهم في قناة پنما وضعته في مصاف الماليّين العالميّين الذين تتقاطع مصالحهم مع الإمپريالية البريطانية، ممّا خلق نوعاً من “الحصانة” أو الثقة المتبادلة، لكنّها ثقة مبنية على المصالح المالية لا العلاقات الشخصية العاطفية.
العقارات “مخزن للقيمة”
بعد تجميع السيولة النقدية من العمولات والأسهم، قام العابد “بتبييض” هذه الأموال عبر شراء مساحات شاسعة من الأراضي في غوطة دمشق، وشمال سوريا، وعقارات في پاريس وسويسرا ومصر (بما فيها قصور العائلة لاحقاً). فنادق ڤيكتوريا لم تكن سوى واجهة صغيرة لهذه الإمبراطورية العقارية. قطرة في بحر” ثروة أحمد عزّت باشا العابد، وهو استثمار للوجاهة أكثر منه مصدر للثروة. ويُذكر هنا أنّ الأرض التي أسّست عليها الإدارة العثمانية لدمشق حيّ المهاجرين، كانت في الأصل من أملاك أحمد عزّت العابد وتبرّع بها للدولة دون مقابل.
تجارة أحمد عزت العابد الرئيسية كانت “النفوذ السياسي”. إذ باع “حقّ الوصول” إلى السلطان عبد الحميد الثاني للشركات العالمية، وشارك الإمبراطورية البريطانية في أهمّ استثماراتها (قناة السويس)، ممّا جعله ملياردير عصره، وليس مجرّد صاحب فندق.
محمّد علي بك العابد (1867-1939): الرئيس الدبلوماسي
استثمر الابن، محمّد علي أحمد العابد، في رأس المال الثقافي والسياسي. تلقّى تعليماً نخبويّاً عالميّاً (دمشق، بيروت، ثانوية غلطة سراي في إسطنبول، وكلّية الحقوق في پاريس 1905). شغل منصب سفير الدولة العثمانية في واشنطن عام 1907، وهو منصب نادر لشخص عربي سوري آنذاك. وكان يتقن خمس لغات (العربية، التركية، الفرنسية، الإنگليزية، والفارسية).
في عهد الانتداب الفرنسي، عُين وزيراً للمالية (1922)، ثم توّج مسيرته ليصبح رئيس الجمهورية السورية (1932-1936). تميّزت فترته بالاستقرار النسبي، حيث عدّته السلطات الفرنسية شريكاً موثوقاً لإدارة البلاد ورمز توافق وطني استقرار.
قصر المرجة: آل العابد وصناعة “الحزب الوطني” في دمشق
لم يكن مبنى العابد (بناية العابد) الذي ينتصب قلعة في ساحة المرجة بدمشق مجرّد كتلة إسمنتية أو استثمار تجاري لعائلة ثرية؛ بل كان في مرحلة “أيّام الديمقراطية السورية” (الأربعينيّات والخمسينيّات) يمثّل “المطبخ السياسي” الذي صُنعت فيه القرارات، والمقرّ الفعلي للنخبة الدمشقية الحاكمة ممثّلة بـ “الحزب الوطني”.
التكفير عن “الذنب العثماني”: تمويل المؤتمر السوري الأوّل (1919-1920)
عندما سقطت الدولة العثمانية ودخل الأمير فيصل بن الحسين دمشق، كانت عائلة العابد في موقف حرج؛ فعميدها أحمد عزّت باشا كان “رجل السلطان عبد الحميد” وصندوق أسراره. ولكي تعيد العائلة موضعة نفسها في العهد العربي الجديد وتثبت “وطنيّتها” بعيداً عن تهمة العمالة للترك، استخدمت سلاحها الأمضى: المال. طبعاً، استثمرت العائلة في السياسة السورية جزء من العمل في الفلك الإمپريالي البريطاني، غير أنّها سلكت مسلك القومية العربية.
تشير الوثائق إلى أنّ محمّد علي العابد (الذي كان موجوداً في دمشق حين كان والده في المنفى) ساهم بسخاء في تمويل فعّاليّات المؤتمر السوري العام (أوّل برلمان استقلالي). ولم يكن التمويل مباشراً دائماً، بل جاء عبر وضع عقارات العائلة ومكاتبها الكثيرة تحت تصرّف النوّاب القادمين من الأرياف والمدن الأخرى. ومن طريق المساهمة في صناديق دعم الجيش العربي الوليد والحكومة الفيصلية التي كانت تعاني من شحّ السيولة. وكان هذا التمويل بمنزلة “تذكرة العودة” للعائلة إلى الصفّ الأوّل من الأعيان الوطنيّين، وهو ما مهّد الطريق لاحقاً لمحمّد علي العابد ليصبح أوّل رئيس للجمهورية (1932) شخصية “تكنوقراطية” مقبولة من الجميع.
مبنى العابد: “البيت الأبيض” الدمشقي ومقرّ الحزب الوطني
في مرحلة الاستقلال (بعد 1946) وما عُرف بـ “أيّام الديمقراطية”، تبلور “الحزب الوطني” NP وارث شرعي للكتلة الوطنية NB، ممثّلاً لمصالح البرجوازية الدمشقية (تجّار، ملّاك أراضي، وصناعيّين). كان هذا الحزب يضمّ شخصيّات مثل شكري القوّتلي، سعد اللّه الجابري، وفارس الخوري. واحتاج هذا الحزب إلى مقرّ يليق بوجاهته ويمثّل ثقله الاقتصادي، فلم يجد أفضل من مبنى العابد في ساحة المرجة.
اتّخذ الحزب الوطني من طوابق مبنى العابد مقرّاً رئيسيّاً له فترة طويلة. وما كان اختيار المكان عبثياً؛ فساحة المرجة كانت قلب المدينة الإداري (حيث السرايا الحكومية والبريد)، ومبنى العابد كان أفخم بناء تجاري في دمشق آنذاك. أدّى آل العابد دوراً في “الرعاية المالية” للحزب. وبرغم أنّ محمّد علي العابد كان يميل للحياد الظاهري، إلّا أنّ مصالح العائلة الطبقية كانت متطابقة تماماً مع أيديولوجيا الحزب الوطني (ليبرالية اقتصادية، محافظة اجتماعية). كان وضع المبنى بتصرّف الحزب، وتسهيل اجتماعاته، وتمويل حملاته الانتخابية، جزءاً من تحالف “المال والسياسة” الذي حكم سوريا في تلك الحقبة.
صحافة “العابد” وصالونات السياسة
لم يكتسب المبنى صفته السياسية من لافتة الحزب فقط، بل ممّا كان يحتويه من مؤسّسات دارت في فلك الحزب الوطني:
- جريدة “الأيّام”: كانت تصدر من مكاتب في مبنى العابد، وهي الصحيفة الناطقة بلسان الحال غير الرسمي للكتلة الوطنية ثم الحزب الوطني (أسّسها نصوح بابيل).
- المكاتب القانونية: ضمّ المبنى مكاتب كبار المحامين الذين كانوا غالباً نوّاباً في البرلمان عن الحزب الوطني، ممّا حوّل ممرّات المبنى إلى “برلمان مصغّر” تُطبخ فيه القوانين والصفقات قبل طرحها تحت قبّة المجلس النيابي.
- فندق ڤيكتوريا (الملاصق): كان جزءاً من أملاك العابد، وشهد الولائم السياسية الكبرى التي كانت تُعقد للاحتفال بذكرى الجلاء أو استقبال الوفود العربية، بتمويل ورعاية من العائلة. كما استقبل الزوّار الدبلوماسيّين في دمشق.
ظلّ مبنى العابد في ساحة المرجة “ترمومتراً” للسياسة السورية؛ فمن شرفاته خُطبت الجماهير، وفي مكاتبه شُكّلت الوزارات (وأسقطت أخرى). كان احتضان العائلة لـ الحزب الوطني دليلاً على ذكاء “رأس المال السياسي” لآل العابد، الذين أدركوا أنّ حماية ثروتهم الطائلة في عهد الاستقلال تتطلّب أن يكونوا في قلب الحزب الحاكم، مانحين إيّاه المقرّ والتمويل، وآخذين منه الحماية والنفوذ، حتى جاءت الوحدة مع مصر (1958) ثم ثورة البعث (1963) لتنهي هذا التحالف وتؤمّم المبنى والحزب معاً.
نازك العابد (1887-1959): “جان دارك العرب”
خلافاً للمسار الدبلوماسي لعائلتها، سلكت نازك طريق النضال الاجتماعي والعسكري. ولدت في دمشق وتلقّت تعليماً رفيعاً، وحصلت على البكالوريوس في الهندسة الزراعية. ثمّ أسست جمعية “نور الفيحاء” (1919)، وشاركت في تأسيس النادي النسائي الشامي، كما قادت وفد النساء السوريّات أمام لجنة “كينگ-كرين” الأمريكية، حيث خلعت حجابها علناً رسالة سياسية تطالب بالاستقلال والعلمانية.
أسّست جمعية “النجمة الحمراء” (سلف الهلال الأحمر)، ومنحها الملك فيصل رتبة «نقيب» في الجيش السوري، لتكون أوّل امرأة تنال هذه الرتبة في سوريا الحديثة. شاركت ميدانيّاً في معركة ميسلون (1920) لإنقاذ الجرحى، وعاشت لاحقاً مطاردة في غوطة دمشق خلال الثورة السورية الكبرى، تدعم الثوار بالسلاح والمؤن، ممّا جعلها أيقونة للتحرّر الوطني والاجتماعي، ومنحتها الصحافة الغربية لقب “جان دارك العرب”.

الجزء الثالث: عائلة غرواي: الريادة الصناعية الدمشقية والوصول إلى القصور الملكية
على النقيض من العائلات التي اعتمدت حصراً على الوساطة التجارية أو الوظائف الحكومية، تمثّل عائلة غرواي Ghraoui نموذجاً للرأسمالية الصناعية الوطنية التي انطلقت من دمشق لغزو الأسواق الأوروپية بمنتج فاخر، محوّلةً الحرف اليدوية الشامية إلى علامة تجارية عالمية تنافس أعرق البيوتات الأوروپية.
التأسيس والتحوّل الصناعي (1805-1930)
تعود جذور النشاط التجاري للعائلة في دمشق إلى عام 1805، حيث بدأت بيت تجاري تقليدي يتعامل بالسلع الأساسية مثل القهوة والشاي والسكر، بالإضافة إلى الفاكهة المجفّفة التي تشتهر بها غوطة دمشق.
جاءت النقلة النوعية الأولى في عام 1891، حين قرّرت العائلة تجاوز دور “التاجر الوسيط” والانتقال إلى “المنتج الصناعي”. بدأت غراوي بتصنيع الفاكهة المجفّفة (خاصّة المشمش والتين) والملبن (قمر الدين) والحلويّات الدمشقية بطرق صناعية ومنظّمة. سمحت هذه الخطوة الاستراتيجية لهم بالتحكّم في سلسلة التوريد وزيادة الهوامش الربحية، ممّا ميّزهم عن باقي تجار السوق الذين اكتفوا ببيع المواد الخام.
صادق غرواي وثورة الشوكولاتة (1930-1945)
التحوّل الأبرز في تاريخ العائلة قاده صادق غرواي في ثلاثينيّات القرن العشرين. خلال رحلة عمل إلى پاريس، اكتشف عالم الشوكولاتة الفاخرة واتّخذ قراراً جريئاً بإدخال هذه الصناعة إلى الشرق الأوسط، في وقت كانت فيه الشوكولاتة تُعدّ سلعة غريبة ونادرة مقارنة بالحلويّات العربية التقليدية.
لم يكتفِ صادق بنقل المنتج، بل ابتكر أسلوباً تسويقيّاً عبقريّاً لفرض “برستيج” العلامة التجارية؛ حيث وَضع مقصّات فضّية صغيرة وفتّاحات رسائل مطلوّة بالذهب داخل عُلَب الشوكولاتة. هذه الحركة حوّلت منتجات غرواي من مجرّد “أغذية” إلى هدايا فاخرة ورموز للمكانة الاجتماعية لدى الطبقة الأرستقراطية في الشام.
التوسّع العالمي والاعتماد الملكي
بخلاف السردية التي تحصر نجاح الشركات السورية في المحيط المحلّي، نجحت عائلة غرواي في اختراق الأسواق الأوروپية في عقر دارها خلال حقبة الانتداب وما بعدها إذ عُرضت منتجات غرواي في أرقى المتاجر الأوروپية في الثلاثينيّات والأربعينيّات، بما في ذلك “فوشون” Fauchon و”هيديار” Hédiard في پاريس، و”فورتنوم أند ماسون” Fortnum & Mason و”هارودز” Harrods في لندن.
بلغت العائلة ذروة المجد التجاري بحصولها على لقب “المورّد الرسمي لجلالة الملكة” Official Supplier to Her Majesty the Queen في تلك الفترة. إذ كانت الملكة إليزابيث الثانية تُعرف بعشقها لشوكولاتة غرواي، لدرجة أنّ السفير السوري في لندن كان يرسل صندوقاً خاصّاً هدية دبلوماسية سنوية، وكانت الملكة تقبله استثناء نادر لقاعدتها برفض الهدايا الغذائية.
الجوائز والاعتراف الدولي
حصدت عائلة غراوي سلسلة من الجوائز التي وثّقت جودتها عالميّاً، ممّا يثبت أنّها لم تكن مجرّد تجارة محلّية، بل صناعة بمعايير عالمية:
- الميدالية الفضّية في معرض بيروت (1921).
- دبلوم الشرف Diplôme d’Honneur (1931).
- الميدالية الذهبية في معرض پاريس (1939).
- دبلوم الشرف في نيويورك (1939).
- جائزة الشرف في صالون الشوكولاتة بپاريس Prix d’Honneur لاحقاً في (2005).
مع الأسف، عوقبت عائلة غراوي على نجاحاتها بالطرد من سوريا بعد تأميم حزب البعث العربي الاشتراكي لأصول العائلة ومصانعها في دمشق عام 1965 وتحويلها إلى شركة مملوكة للدولة هبطت بجودة المنتجات إلى أردأ الممكن.
الصمود وإعادة الانطلاق (ما بعد 2011)
تُظهر قصة العائلة أيضاً مرونة “رأس المال العائلي” في وجه الأزمات السياسية. إذ بعد قرارات التأميم التي طالت الشركة في الستينيات (وتحديداً عام 1961 خلال فترة الوحدة مع مصر، ثم تأكيدها عام 1965)، غادرت العائلة العمل الصناعي المباشر لفترة طويلة. ولم تعد شركة غراوي إلى دمشق لإنتاج الشوكولاتة بشكل رسمي إلّا في عام 1996.
كان بسّام غراوي (ابن صادق) هو الذي أعاد إحياء الشركة. بعد سنوات من توقّف النشاط الصناعي للعائلة في سوريا بسبب قوانين التأميم وضغوط آل الأسد، عاد بسّام غراوي وافتتح مصنعه الجديد في غوطة دمشق عام 1996، مستفيداً من قوانين الاستثمار الجديدة (قانون رقم 10) التي سمحت للقطاع الخاص بالعودة إلى النشاط الصناعي.
بعد الانتفاضة واندلاع الحرب في سوريا عام 2011، اضطرّت العائلة لنقل عمليّاتها، لكنّها لم تنهَر. أعادت تأسيس مصانعها ومتاجرها، متّخذة من بودابست مقرّاً جديداً في عام 2017، مع توسّع في أسواق الخليج (دبي، قطر)، محافظةً على الإرث الدمشقي (الاسم والوصفة) أصل تجاري عابر للحدود.
لم تكن عائلة غرواي مجرّد “كومبرادور” يخدم المصالح الفرنسية، بل كانت تمثّل “البرجوازية الوطنية المنتجة” التي استغلّت الانفتاح العالمي لبناء اسم سوري خالص، فارضةً احترامها في الأسواق الأوروپية والقصور الملكية بجودة منتجها لا بمجرّد الولاء السياسي.

الجزء الرابع: عائلة العقّاد… من “عقد الحرير” إلى إمبراطوريّات النفط والسينما
الأصول والرمزية: التجذّر في دمشق القديمة
يحمل اسم “العقّاد” دلالة مهنية مباشرة تشير إلى حرفة “عقد الحرير” والخيوط، وهي مهنة مركزية في صناعة النسيج الدمشقية والحلبية. وبرغم أنّ بعض السرديّات العائلية (المسلمة والمسيحية) تربط الاسم رمزياً بإرث “أكادي” قديم في المنطقة، غير أنّ هذه خرافات لا أساس لها من الصحّة. نالت العائلة اسم مهنة مثلها مثل أغلب العائلات العربية في الشرق الأوسط. غير أنّ الأهمّية التاريخية الموثّقة للعائلة بدأت مع صعودها التجاري في القرن التاسع عشر.
تتجلّى المكانة الاجتماعية لهذا الصعود في “بيت العقّاد” (مقرّ المعهد الدنماركي حالياً) في دمشق القديمة قرب سوق مدحت باشا. هذا الصرح المعماري المملوكي (بُني حوالي 1470م)، انتقلت ملكيته إلى العائلة في منتصف القرن التاسع عشر. ولم يكن مجرّد سكن، بل مركزاً لإدارة الوجاهة الاجتماعية والصفقات التجارية بمساحة 700 متر مربّع في قلب العصب التجاري للمدينة، ممّا يظهر انتقال العائلة من فئة الحرفيّين إلى طبقة الأعيان ملاّك العقارات.
عائلة العقّاد في الداخل السوري هي في الأساس عائلة “شيوخ كار” صناعيّين، وتحديداً في قطاع النسيج الذي بنى مجد دمشق الاقتصادي.
محور مانشستر: تأسيس الشبكة العالمية
لم تكتفِ العائلة بالسوق المحلّي، بل اندمجت في الدورة الاقتصادية للإمبراطورية البريطانية عبر تأسيس تواجد مادّي في مانشستر. فأسّسوا شركات مثل Al Akkad General Trading بهدف استراتيجي دقيق: تجاوز الوسطاء الأوروپيّين Commission Agents والشراء مباشرة من مصانع لانكشاير.
هذا التموضع سمح لهم بالتحكّم في شقّين؛ الشراء بسعر المصنع لتحقيق هوامش ربح عالية في المشرق. والإشراف على إنتاج أقمشة بمواصفات خاصّة تناسب الذوق المحلّي في المستعمرات (مثل أقمشة Wax Prints لغرب أفريقيا).
الجذور الراسخة: “عقدة الحرير” وصناعة النسيج الدمشقي
قبل أن يهاجر بعض آل عقّاد إلى مانشستر أو أفريقيا، وقبل أن يظهر “أثرياء الحرب”، كان آل العقّاد في دمشق أسياداً لمهنة النُّول والنسيج. الاسم نفسه (العقّاد) مشتقّ من “عقد الخيوط” وصناعة الشراشيب والحرير، وهي حرفة دقيقة كانت حكراً على عائلات محدّدة في سوق “مدحت باشا” و”سوق الحرير”.
من “النول” اليدوي إلى المصانع الآلية (1920-1960)
لم تكن العائلة مجرّد تجّار أقمشة، بل كانوا من الرواد الذين قادوا عملية “ميكنة” الصناعة السورية. يُحسب لآل العقّاد (وتحديداً الفروع التي بقيت في الشاغور والميدان) دورهم الكبير في تطوير وتسويق قماش “الأغباني” (القماش المطرّز بخيوط الحرير الذهبية أو الفضّية) وتحويله من حرفة يدوية محدودة إلى صناعة تصديرية ضخمة تصل إلى مصر وأوروپا.
في فترة الخمسينيات، كانت العائلة تملك وتدير عدّة مصانع للنسيج الآلي في منطقة “القابون” الصناعية وغوطة دمشق. كانت هذه المصانع تُنتج أقمشة “البروكار” الدمشقي الشهير، والساتان، والقطنيّات. وكانت هذه الاستثمارات تمثّل “الرأسمالية الوطنية” التي تشغّل آلاف العمال وتبني اقتصاداً حقيقياً بعيداً عن مضاربات العقارات.
عمالقة سوق “مدحت باشا”
في العرف التجاري الدمشقي، يُعدّ “بيت العقّاد” ركناً أساسيّاً في غرفة تجارة دمشق وغرفة الصناعة. إذ عُرف تجار العائلة (مثل الحاج زهير العقّاد وأبناء عمومته في منتصف القرن العشرين) بأنّهم “مخازن ثقة”. في زمن كانت فيه العقود شفهية (كلمة شرف)، كانت “كلمة العقّاد” في سوق الجملة بمثابة شيك مصدّق. وبالإضافة للنسيج، تخصّصت فروع أخرى من العائلة في تجارة الحبوب والمواد الغذائية (المال القبّان) في سوق البزورية، وكانوا المموّلين الرئيسيّين لمؤونة دمشق من القمح والسكّر، ممثّلين طبقة التجّار التقليديّين المحافظين الذين نأوا بأنفسهم عن التقلّبات السياسية.
الإمبراطورية الأفريقية: من “قطع الغيار” إلى الدبلوماسية
يعد التوسّع في غرب أفريقيا (غانا ونيجيريا) الفصل الأكثر نجاحاً في “رأسمالية الاغتراب” للعائلة. إذ وصل الجد الأكبر للفرع الأفريقي، عبد الرحمن العقّاد Abdel Rahman Accad (مواليد 1924)، إلى ساحل الذهب (غانا) في أربعينيّات القرن العشرين. أسّست العائلة شركة Auto Parts Limited (APL)، التي تطوّرت لتصبح الوكيل الحصري لشركات عالمية مثل “نيسان” و”ڤولكس ڤاگن” (عبر Universal Motors). منحهم هذا سيطرة فعلية على قطاع النقل واللّوجستيات في دولة نامية.
في الواقع ابن عبد الرحمن، صبحي العقّاد Subhi Accad، هو الذي قاد التوسّع الكبير لاحقاً، وأصبح الرئيس التنفيذي لمجموعة العقّاد Accad Group وشركة Universal Motors، التي نجحت في الحصول على وكالة “ڤولكس ڤاگن” وتأسيس مصنع لتجميع السيارات في غانا، بالإضافة إلى وكالة “نيسان” عبر الشركة الأم APL.
لم تكتف أسرة عقّاد غانا بالتجارة، بل دخلت في شراكات عقارية مع الدولة الغانية (مثل مشروع Gulf House). وبرز صبحي العقّاد شخصية دبلوماسية، حيث شغل منصب القنصل الفخري للمكسيك وحاز على أوسمة رفيعة، ممّا يعكس تحوّل التاجر إلى “رجل دولة” في المهجر.
في مسار موازٍ، برز ميشال العقّاد وجه تكنوقراطي للعائلة، حيث شغل مناصب قيادية في “سيتي بنك” Citibank وأدار إعادة هيكلة “بنك الخليج” في الكويت، ممثّلاً اندماج العائلة في النظام المالي العالمي.
العودة إلى سوريا: “رأسمالية المحاسيب” والسياسة
في حين ازدهر الفرع الأفريقي صناعيّين، اتّخذ الفرع الدمشقي مساراً مختلفاً في سوريا الحديثة، ممثّلاً بـ هاشم أنور العقّاد، الذي يجسّد تحوّل العائلات التجارية التقليدية إلى ما يعرف بـ “رأسمالية المحاسيب” Crony Capitalism المتحالفة مع السلطة.
شغل هاشم العقّاد عضوية مجلس الشعب السوري لثلاث دورات (منذ 1994)، ممّا منحه نفوذاً تشريعيّاً لحماية مصالحه. وترأّس “الشركة المتّحدة للنفط” United Oil ومجموعة أنور العقّاد. وبعد عام 2011، أدرج الاتّحاد الأوروپي وبريطانيا اسمه على قوائم العقوبات، ليس فقط لدوره الاقتصادي، بل لتورّطه في تقديم دعم لوجستي لنظام الأسد وتأسيس شركات خدمات أمنية (مثل ProGuard) تعمل قوّات شبه عسكرية لحماية منشآت النفط، ممّا يشير إلى “عسكرة” النشاط التجاري للعائلة.
وبعيداً عن قطاع النفط المثير للجدل، برزت أسماء من العائلة في قطاع الهندسة والبناء كمهنيين رفيعي المستوى. ساهم مهندسون من العائلة في تخطيط وتنفيذ توسّعات عمرانية في دمشق الحديثة (مناطق مثل أبو رمانة والمزّة) خلال السبعينيّات والثمانينيّات، معتمدين على سمعة العائلة القديمة في الالتزام والجودة، وليس على نفوذ السلطة.
اختزال تاريخ آل العقّاد الحديث في سوريا بشخصية “هاشم العقّاد” هو ظلم تاريخي. ففي حين يمثّل هاشم تحوّلات “رأسمالية السلطة” ما بعد السبعينيّات، يمثّل السواد الأعظم من العائلة إرثاً صناعيّاً دمشقيّاً أصيلاً، حافظ على هوية المدينة النسيجية، وصمد في وجه التأميم، ولا يزال يدير مصانع ومتاجر تحظى باحترام “شيخ الكار” في الأسواق العتيقة.
الجناح الثقافي: مصطفى العقّاد
على النقيض من فرع النفط والسياسة، قدّم الفرع الحلبي مصطفى العقّاد (1930-2005) نموذجاً لاستخدام “الحسّ التجاري” لخدمة قضية ثقافية. ابن موظّف الجمارك الحلبي الذي ذهب إلى هوليوود، استخدم الأرباح التجارية الهائلة لسلسلة أفلام الرعب التجارية Halloween لتمويل مشاريع سينمائية رسالية مكلفة وصعبة التسويق مثل “الرسالة” و”أسد الصحراء”، قبل أن ينتهي به المطاف ضحية لتفجير إرهابي في عمّان، تاركاً إرثاً يجمع بين براگماتية التاجر ورؤية المثقّف.

الجزء الخامس: أجنحة الشرق… الشوام في الفلپين وأرخبيل الملايو
إذا كانت مانشستر هي “المصنع”، ومصر هي “المزرعة”، فإن الشرق الأقصى كان “السوق البكر” الذي دخله التجّار الشوام من بوّابة الإمبراطوريّات البحرية (الإسپانية ثمّ الأمريكية في الفلپين، والبريطانية والهولاندية في أرخبيل الملايو). لم يأتِ هؤلاء التجّار مع شركة الهند الشرقية (التي كانت قد حُلّت رسميّاً عام 1858)، لكنّهم ورثوا خطوطها الملاحية واستغلّوا البنية التحتية التي خلّفتها لملء الفراغ التجاري بين أوروپا وآسيا، وقد دمّرت بريطانيا شركتها المتمرّدة EIC.
الفلپين: من “باعة متجوّلين” إلى أباطرة الصناعة (قصّة آل إسماعيل وعوض)
تعدّ الجالية الشامية في الفلپين حالة دراسية فريدة؛ إذ وصلوا في أواخر العهد الاستعماري الإسپاني، وازدهروا في العهد الأمريكي (بعد 1898). عُرفوا محلّيّاً بلقب Turcos (الأتراك) أو Mistiso (المختلطين)، وأدّوا دوراً حاسماً في تحديث الاقتصاد الفلپيني.
تُعدّ عائلة إسماعيل Juan Ysmael & Co النموذج الأبرز للنجاح السوري-اللّبناني في الشرق الأقصى. بدأت العائلة بتجارة المنسوجات واستيراد البضائع الأوروپية، لكنّ طموحها تجاوز التجارة التقليدية. أسّست العائلة شركة Ysmael Steel، التي أصبحت في منتصف القرن العشرين عملاق الصناعة الفلپينية، وحصلت على لقب “أدميرال الصناعة” Admiral.
سيطرت الشركة على سوق الأجهزة الكهربائية (ثلّاجات ومكيّفات) والصناعات المعدنية، مشكّلةً العمود الفقري للتصنيع الوطني في الفلپين ما بعد الاستقلال. واندمجت العائلة في النخبة الإسپانية-الفلپينية Mestizo elite، وأصبحت جزءاً لا يتجزّأ من الطبقة الحاكمة في مانيلا.
وفي حين ركّز آخرون على الصناعة، احتكرت عائلة عوض Awad قطاع المنسوجات والبيع بالتجزئة. واستفادوا من شبكة “الشوام” العالمية لاستيراد الأقمشة المطرّزة والحرير، ونافسوا التجّار الصينيّين الذين كانوا يهيمنون على السوق، مستخدمين تقنيات البيع الحديثة Department Stores التي نقلوها عن الغرب.
سنغافورة وجاوة: في ظلال الإمبراطورية البريطانية والهولاندية
في سنغافورة وإندونيسيا (الهند الشرقية الهولاندية)، تحرّك التجّار الشوام (خاصّة اليهود العراقيّين/السوريّين والمسيحيّين) ضمن الشبكات التي خلّفتها شركة الهند الشرقية البريطانية والهولاندية.
برغم أنّ أصولهم بغدادية، إلا أن عائلة ساسون Sassoon (روتشيلد الشرق) أدارت شبكة تجارية ربطت بومباي وشانگهاي وسنغافورة بأسواق حلب ودمشق. كان التجّار السوريّون يعتمدون على “خطوط ساسون” البحرية والائتمانية لنقل البضائع (الأفيون، الحرير، التوابل) بين الشرق الأقصى والمتوسط.
تخصّص تجّار من سوريا ولبنان في تجارة اللّؤلؤ والأصداف البحرية من بحر سولو Sulu Sea وتصديرها إلى مصانع الأزرار والحلي في پاريس وڤيينا. وكانت هذه التجارة تتطلّب شبكة معقّدة من العلاقات مع الصيّادين المحلّيّين والسلطات الاستعمارية وشركات الشحن الأوروپية.
سرّ النجاح في الشرق: “الوسيط الأبيض”
ما ميّز الشوام في الشرق الأقصى عن غيرهم من المهاجرين الآسيويّين (كالصينيين أو الهنود) هو وضعهم القانوني والقومي “الملتبس” والمفيد. ففي نظر المستعمِر كانوا يُحسبون أقرب إلى الأوروپيّين (بشرة بيضاء، ديانة مسيحية غالباً، ثقافة فرنسية/إنگليزية)، ممّا منحهم امتيازات تفوق السكّان الأصلّيّين. وفي نظر السكّان الأصلّيّين كانوا أقل غطرسة من المستعمر الأبيض، وأكثر مرونة في التعامل التجاري والاجتماعي.
هذا الموقع الوسطي (“المنطقة الرمادية”) سمح لعائلات مثل إسماعيل وشحادة والخوري في مانيلا وسنغافورة بأن يؤدّو دور “وكلاء التحديث”؛ فهم الذين أدخلوا السلع الغربية الحديثة (السيّارات، الأجهزة، الأزياء) إلى الأسواق الآسيوية، مستفيدين من إرث القوانين التجارية والموانئ التي أسّستها شركات الهند الشرقية القديمة.

الجزء السادس: انهيار النموذج والإرث المعاصر (1949-2025)
الانقلاب على “العقد الاجتماعي” (1949-1963)
لم يبدأ انهيار نفوذ العائلات التجارية فجأة مع وصول حزب البعث، بل كان عملية تآكل تدريجي بدأت مع أوّل تدخل عسكري في السياسة. شكّل انقلاب حسني الزعيم عام 1949 نقطة الكسر الأولى في “العقد الاجتماعي” التاريخي بين الدولة والتجار.
في سابقة تاريخية، استدعى حسني الزعيم كبار التجّار (من عائلات مثل الشرباتي والقصّاص) إلى مقرّ الأركان العامة، ليس للتشاور كما كان يحدث في العهد العثماني أو الانتداب، بل لإجبارهم على “إقراض الدولة” لتمويل الجيش، مهدّداً إيّاهم بالمصادرة. كان هذا أوّل مؤشّر على أنّ “حصانة” الطبقة التجارية قد انتهت.
مع توالي الانقلابات (سامي الحنّاوي، أديب الشيشكلي)، انخفضت الاستثمارات الصناعية الخاصّة في سوريا بشكل حاد إلى 9% فقط بحلول عام 1953، حيث أدركت العائلات أنّ البيئة المؤسّسية لم تعد آمنة.
جاءت الضربة الكبرى عبر موجتين:
- الأولى في مصر عام 1961 (قوانين التأميم الناصرية) التي جرّدت عائلات “الشوام” مثل سرسق وصيدناوي ولطف اللّه من ممتلكاتهم وحوّلتهم إلى مهاجرين.
- والثانية في سوريا بعد ثورة 1963، حيث صُنّفت العائلات التجارية “رجعية”، وأُمّمت البنوك الخاصّة (مثل “بنك سوريا والخليج” المملوك لعائلتي العجلاني والميداني) وشركات الصناعات الغذائية (مثل شركة القبّاني).
الشتات: من “تجّار” إلى “إمبراطوريّات مالية”
لم تختفِ هذه العائلات … مع أنّها اختفت من سوريا، إذ تكيّفت عبر “إعادة التموضع” في مراكز مالية عالمية، محوّلة نشاطها من تجارة السلع التقليدية إلى قطاعات أكثر تعقيداً مثل الصيرفة، الصناعات الثقيلة، والعقارات.
آل صفرا (البرازيل/سويسرا): خرجوا من تمويل القوافل في حلب والسلطنة العثمانية، إلى بيروت، ثمّ استقرّوا في البرازيل عام 1952. هناك، أسسوا Banco Safra الذي أصبح من أكبر البنوك الخاصّة في العالم، محافظين على تقاليد “صيرفة حلب” القائمة على الكتمان والسرّية في قلب النظام المالي الغربي.
آل يافث (البرازيل) تحوّلوا من باعة متجوّلين إلى أقطاب صناعة. أسّست نعمة يافث شركة Ypiranga للنسيج، ووصل نفوذ العائلة لدرجة تولي ريكاردو يافث رئاسة “بنك البرازيل” في الخمسينيات.
آل الشاغوري (نيجيريا) استفادوا من الطفرة النفطية وسياسات “النَيجرة”، ليتحوّلوا إلى أقطاب في البناء (مشروع إيكو أتلانتيك) والنفط، متحالفين مع الأنظمة السياسية المتعاقبة في نيجيريا.
آل العقّاد (أفريقيا والخليج) توزّعوا استراتيجيّاً؛ ففي حين بنى صبحي العقّاد إمبراطورية سيّارات في غانا، أصبح ميشال أنطون العقّاد رئيساً تنفيذياً لبنوك كبرى في الكويت والمنطقة.
الإرث المعاصر: وجوه متعدّدة للنفوذ
في عالم اليوم، يتّخذ إرث هذه العائلات ثلاثة أشكال متباينة:
أ. الإرث الثقافي والفكري (القوة الناعمة):
استثمرت بعض العائلات ثروتها في إنتاج معرفي وفنّي عالمي.
- ألبير حوراني: ابن تاجر القطن في مانشستر الذي أصبح مؤرّخ الشرق الأوسط الأوّل في الغرب، موظّفاً فهمه لآليّات عمل عائلته لصياغة نظرية “سياسات الأعيان”.
- مصطفى العقّاد: ابن موظّف الجمارك الحلبي الذي استخدم أرباح أفلام الرعب التجارية في هوليوود لتمويل مشاريع سينمائية رسائلية (“الرسالة”) تدافع عن التراث الإسلامي، واغتيل بسبب مساعيه إنجاز فيلم عن القائد التاريخي صلاح الدين الأيّوبي.
ب. الإرث الاقتصادي “المرن” (الصمود):
حافظت عائلات مثل غرواي على علامتها التجارية برغم الحروب والتأميم والطرد. بعد خروجهم من سوريا، أعادوا تأسيس مصانع الشوكولاتة في بودابست ودبي، محتفظين بالاسم الدمشقي أصل تجاري عابر للحدود.
ج. “رأسمالية المحاسيب” (التحوّل الداخلي):
في الداخل السوري، تحوّل من بقي من هذه العائلات (أو من صعد باسمها) إلى جزء من منظومة اقتصاد الحرب. يمثّل هاشم أنور العقّاد هذا النموذج، حيث جمع بين عضوية مجلس الشعب والسيطرة على قطاعات النفط والخدمات الأمنية ProGuard، ممّا وضعه تحت طائلة العقوبات الدولية، في تحوّل جذري عن دور “التاجر الوجيه” التقليدي.
الدروس التاريخية والاجتماعية
تقدّم قصّة صعود وهبوط (ثم إعادة صعود) هذه العائلات دروساً جوهرية:
رأس المال “جبان” ولكنّه “ذكي”: أثبتت هذه العائلات أنّ الثروة لا يمكن حمايتها في بيئة سياسية غير مستقرّة، لكنّ الشبكات العائلية العابرة للحدود (الشتات) هي “بوليصة التأمين” الأنجع التي سمحت لهم بنقل الثروة من دمشق وحلب إلى لندن وساو پاولو.
أوهام الحياد السياسي: لم تكن هذه العائلات مجرّد كيانات اقتصادية؛ فقد صعدت من خلال القرب من السلطة (عثمانية أو استعمارية)، ودفعت الثمن عندما تغيّرت هذه السلطة. محاولات البعض (مثل جورج لطف الله) شراء المناصب السياسية، أو (مثل هاشم العقاد) الاندماج في السلطة الأمنية، تؤكّد استحالة فصل الاقتصاد عن السياسة في الشرق الأوسط.
العولمة المبكّرة: كان هؤلاء التجّار هم “روّاد العولمة” الأوائل في المنطقة. لقد ربطوا مصيرهم بالاقتصاد العالمي (لانكشاير، مرسيليا) قبل قرن من شيوع المصطلح، وهو ما جعلهم يسبقون مجتمعاتهم المحلّية، ولكن جعلهم هذا أيضاً عرضة لاتّهامات “العمالة” أو “الكومبرادورية” التي لاحقتهم طويلاً.

عن “الكومپرادور” والوطنية… جدلية الثروة والسلطة في المشرق
عندما نعيد قراءة سيرة العائلات السورية واللّبنانية التجارية (من بسترس وسرسق، مروراً بـ العابد وحوراني، وصولاً إلى غرواي والعقّاد)، نجد أنفسنا أمام ما هو أعمق من مجرّد “سردية نجاح مالي”. بل أمام قصّة تحوّل اجتماعي وجيوسياسي لطبقة كاملة، خرجت من رحم الأسواق المسقوفة في حلب ودمشق وبيروت، لتعيد تشكيل نفسها “نخبة عولمة” مبكّرة، سبقت عصر العولمة بعقود.
بنت هذه العائلات مجدها على دور “الوسيط” Comprador؛ فكانت الجسر الذي عبرت عليه الرأسمالية الصناعية الأوروپية إلى الشرق وأفريقيا. من فضلو حوراني والإدلبي في مانشستر الذين أداروا “دبلوماسية القطن”، إلى آل العقّاد في غرب أفريقيا الذين احتكروا قطاع النقل، استفادت هذه الطبقة من البنية التحتية للإمبراطوريّات الغربية. وبرغم أنّ هذا الصعود ارتبط بمنظومة استغلال استعماري غير عادلة، إلا أنّ هذه العائلات أظهرت “وكالة” Agency خاصّة؛ فلم يكونوا مجرّد أدوات، بل فاعلين أسّسوا صناعات وطنية نافست المركز الأوروپي ذاته.
لم تكن حدودهم الغرب فقط، بل الشرق أيضاً. فمن مصانع الصلب التي أسّسها آل إسماعيل في الفلپين، إلى مخازن النسيج في مانيلا، أثبتت هذه العائلات أنّ روح طريق الحرير القديم لم تمت، بل تكيّفت مع بواخر الإمبراطوريّات الحديثة، رابطةً أقصى الشرق بقلب المشرق: المشرق العربي.
يكشف البحث أنّ المال لم يكن غاية بحدّ ذاته، بل رافعة للسلطة. تجلّى ذلك في أقصى صوره مع عائلة العابد، التي ترجمت ثروتها إلى نفوذ في البلاط العثماني، ثمّ رئاسة للجمهورية السورية، وحتّى نضال عسكري ونسوي. يثبت هذا التنوّع أنّ “رأس المال” الشامي لم يكن كتلة صمّاء؛ إذ موّل القومية العربية والاستقلال في مرحلة، وموّل الأنظمة الديكتاتورية وصفقات النفط في مرحلة أخرى.
الدرس التاريخي الأقسى الذي تقدّمه هذه السيرة هو “هشاشة الثروة بلا حماية مؤسّسية”. عندما انهار النظام اللّيبرالي (شبه الديمقراطي) وحلّت محلّه أنظمة الانقلابات والتأميم (1949-1963)، تبخّر النفوذ السياسي لهذه العائلات في الداخل السوري والمصري بين ليلة وضحاها. غير أنّ “الشتات” كان طوق النجاة؛ فالعائلات التي امتلكت أصولاً خارجية وشبكات دولية استطاعت ليس فقط النجاة، بل مضاعفة نفوذها، في حين تآكلت ثروات من رهنوا مصيرهم بالأصول العقارية المحلية.
اليوم، يتجلّى إرث هذه العائلات في مشهد متناقض. عمرانيّاً، تظلّ قصورهم (مثل قصر بسترس، بيت العقّاد، مبنى صيدناوي) شواهد صامتة على حقبة “الأعيان” الذهبية. وثقافيّاً، تركوا بصمة لا تُمحى عبر شخصيّات مثل ألبير حوراني (مؤرّخ الشرق الأوسط) ومصطفى العقّاد (الذي نقل رسالة الإسلام لهوليوود)، مستخدمين الفائض المالي لإنتاج معرفة وثقافة. وسياسيّاً، انقسم الورثة؛ فمنهم من اندمج في مجتمعات المهجر صناعيين ومصرفيّين عالميّين، ومنهم من عاد ليؤدّي أدواراً في “اقتصاد الحرب” والظل.
قصة هذه العائلات هي مرآة لتاريخ المشرق الحديث؛ صعود طموح محمول على أجنحة العولمة، ثمّ اصطدام عنيف بجدران الأيديولوجيا والاستبداد، يليه شتات واسع أعاد تعريف الهوية. أثبتوا أنّ “التاجر الشامي” قادر على بناء إمبراطوريّات عابرة للقارّات، لكنّه يظلّ عاجزاً عن حمايتها في وطنه الأم ما لم تستقر “الدولة” نفسها. عليه أن يمتلك الدولة.
المصادر والمراجع
اعتمد هذا البحث مزاج من الوثائق التاريخية الأوّلية (سجلات غرف التجارة)، والدراسات الأكاديمية المتخصّصة في التاريخ الاقتصادي للشرق الأوسط (مثل أعمال ألبرت حوراني وفيليپ خوري)، بالإضافة إلى تقارير اقتصادية معاصرة ترصد تحوّلات هذه العائلات في القرن الحادي والعشرين.
- حوراني، ألبرت. تاريخ الشعوب العربية. (ترجمة: كمال خولي). بيروت: دار النهار للنشر، 1997. (المرجع الأساس لفهم السياق العام وصعود النخب).
- خوري، فيليب. سوريا والانتداب الفرنسي: سياسة القومية العربية 1920-1945. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1997. (المرجع الأهم لفهم “سياسات الأعيان” ودور عائلات مثل العابد ومردم بك في السياسة).
- فيليب، توماس (Philipp, Thomas). The Syrians in Egypt, 1725-1975. Stuttgart: Franz Steiner Verlag, 1985. (المرجع الأكاديمي الأول عن “الشوام” في مصر، ويغطي عائلات صيدناوي، تقلا، وسرسق).
- عيسوي، شارل. التاريخ الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
- أرسان، أندرو (Arsan, Andrew). Interlopers of Empire: The Lebanese Diaspora in Colonial French West Africa. London: Hurst & Company, 2014. (الكتاب المرجعي الأهم عن الشتات في غرب أفريقيا، ويغطي آليات عمل تجار مثل العقاد وغيرهم).
- Halliday, Fred. “The Millet of Manchester: Arab Merchants and Cotton Trade.” British Journal of Middle Eastern Studies, vol. 19, no. 2, 1992, pp. 159–176. (المقال التأسيسي لمصطلح “ملّة مانشستر”).
- Farnie, D. A. “The Role of Merchants in the Lancashire Cotton Industry, 1850-1914.” In The Manchester School of Economic and Social Studies, 1979. (تفاصيل عن التجار الأجانب وآليات شراء “Grey Goods”).
- Crinson, Mark. “Abode of Chaos: The Manchester Syrian Merchant Houses.” International Journal of Heritage Studies, 2001. (يركز على الجانب المعماري والاجتماعي لحياة التجار في مانشستر).
- Rogan, Eugene. The Fall of the Ottomans: The Great War in the Middle East. Basic Books, 2015. (يغطي سياق الحرب العالمية وسكة حديد الحجاز ودور أحمد عزت باشا العابد).
- Commins, David. Islamic Reform: Politics and Social Change in Late Ottoman Syria. Oxford University Press, 1990. (يتناول الطبقة الدمشقية التقليدية وتحولاتها).
- Thompson, Elizabeth. Colonial Citizens: Republican Rights, Paternal Privilege, and Gender in French Syria and Lebanon. Columbia University Press, 2000. (المرجع الأفضل عن نازك العابد والحركة النسائية وعلاقتها بالطبقة البرجوازية).
- Ghraoui Chocolate Archives. “Histoire de la Maison Ghraoui: 1805-2017”. (كتيبات أرشيفية من الشركة، ومقالات من الصحافة الفرنسية الانتدابية La Syrie).
- Bierwirth, Chris. “The Lebanese Communities of Cote D’Ivoire.” African Affairs, vol. 98, no. 390, 1999. (سياق مشابه لتجارة العقاد في غانا ونيجيريا).
- Akyeampong, Emmanuel. “Race, Identity and Citizenship in Black Africa: The Case of the Lebanese in Ghana.” Africa, vol. 76, no. 3, 2006. (يحلل وضع العائلات الشامية مثل العقاد في غانا سياسياً).
- Clarence-Smith, William Gervase. “Middle Eastern Migrants in the Philippines: Entrepreneurs and Citizens.” Asian Journal of Social Science, 2004. (المرجع الأكاديمي للجزء الخاص بالفلبين وعائلة إسماعيل).
- Lesser, Jeffrey. Turco-Immigrants in Latin America. (عن عائلة جافت في البرازيل).
- Haddad, Bassam. Business Networks in Syria: The Political Economy of Authoritarian Resilience. Stanford University Press, 2011. (المرجع الأهم لفهم “رأسمالية المحاسيب” وشخصيات مثل هاشم العقاد).
- Donati, Caroline. “The Syrian Business Elite: Patronage Networks and War Economy.” SyriaUntold, September 2016.
- Matar, Linda. The Political Economy of Investment in Syria. Palgrave Macmillan, 2016.
- European Union Official Journal. “Council Decision 2011/782/CFSP concerning restrictive measures against Syria.” (للتوثيق القانوني للعقوبات على رجال الأعمال).





اترك رد