من المعروف أن ظهور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري ارتبط ارتباطاً قوياً بعملية نمو الثقافات الوطنية والقومية، وبتطور ثورة وسائل الاتصال الجماهيرية ابتداءاً من اختراع الطباعة مروراً بتطور وسائط الاتصال الإذاعية والتلفزيونية، إلى آخر ما أنتجته تكنولوجيا الاتصال الحديثة من حاسبات إلكترونية وأقمار صناعية مخصصة لأغراض الاتصال، إلى أن توجتها أحدث شبكة عالمية للحاسبات الإلكترونية “شبكة الإنترنيت العالمية” التي ما إن ظهرت حتى أصبحت جزأً لا يتجزأ وطرفاً رئيسياً في شبكة التبادل الإعلامي الدولي بعصر العولمة والانفتاح والتدفق الإعلامي متعدد الأطراف.
وكان المفكرون ينظرون لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري دائماً، على أنها الشريك الفاعل والقوي والمسيطر، الذي يشكل اتجاهات الرأي العام. وعلى الرغم من ذلك فإننا نجد أن القائم بالاتصال يتأثر ويؤثر بالجمهور الإعلامي، في عملية تبادلية تشبه في كثير من جوانبها عملية الاتصال بين فردين، إلا أنه لا يستطيع أن يرى جمهوره، ولا يستطيع أن يكيف نفسه وفقاً لراجع الصدى الذي يصل إليه عبر مختلف الأقنية. لأن عملية التفاعل بين القائم بالاتصال، والجمهور الإعلامي تصبح معقدة جداً عندما يكون القائم بالاتصال مؤسسة ضخمة غاية في التعقيد.
ومن العقبات التي تواجه القائم بالاتصال في محاولاته لمعرفة طبيعة جمهوره الإعلامي، ومدى التأثير الذي يمكن أن توقعه المادة الإعلامية عليه من: 1- أن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري هي مؤسسات ضخمة واسعة الانتشار، وتستخدم لأداء وظيفتها الإعلامية جماعة متميزة اجتماعياً لها مستوى معين من التعليم والثقافة، لا تربطها في أكثر الأحيان أي جوانب مشتركة مع قطاعات واسعة من الجمهور الإعلامي؛ 2- وأن القائم بالاتصال لا يستطيع اختيار الجمهور الذي يود التوجه إليه بدقة؛ 3- ضآلة راجع الصدى المتاح للقائم بالاتصال، رغم الأساليب الحديثة في التعامل مع الجمهور الإعلامي التي أتاحتها وسائل الاتصال الحديثة للقائم بالاتصال (مشاركة الجمهور الإعلامي من أي مكان في العالم عن طريق الاتصال المباشر مع وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري بواسطة أجهزة الهاتف الثابتة والمحمولة والبث الإذاعي والتلفزيوني المباشر، وسهولة استقبال ما يرسله الجمهور الإعلامي من مواد إعلامية بواسطة الفاكس والبريد الإليكتروني، أو التعليق المباشر على المواد المنشورة في شبكة الانترنيت).
ومن المعروف أن التأثيرات في عمليات الاتصال الجماهيري لا تقتصر على تأثير القائم بالاتصال، وتأثير المادة الإعلامية على الجمهور الإعلامي أثناء تلقيه المادة الإعلامية فقط، بل وتتعداها أيضاً إلى تأثير الجمهور الإعلامي على القائم بالاتصال أثناء إعداده للمادة الإعلامية وإرسالها عبر قنوات الاتصال الجماهيري، من خلال توقعات القائم بالاتصال عن ردود الفعل المحتملة من قبل الجمهور الإعلامي. لأن ردود الفعل المحتملة من قبل الجمهور الإعلامي تلعب دوراً كبيراً وإيجابياً في عملية الاتصال.
أهمية دراسة جمهور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري
تهتم وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري كثيراً بمعرفة مدى اتساع جمهورها، والفئات والشرائح التي يتكون منها هذا الجمهور، لعدة أسباب منها: 1- جذب المعلنين، وتحديد السياسة السعرية للإعلان؛ 2- إنتاج مواد وبرامج إعلامية شيقة تجذب الجمهور الإعلامي، وبالتالي تجذب المعلنين؛ 3- إنتاج مواد إعلامية وبرامج شبيهة بتلك المواد والبرامج الناجحة؛ 4- التأكد من مدى الإقبال وقبول المواد والبرامج الإعلامية من قبل الجمهور الإعلامي؛ 5- الاستغناء عن إنتاج المواد الإعلامية والبرامج التي فشلت في كسب الجمهور الإعلامي، أو تلك التي بدأ الجمهور الإعلامي بالانصراف عنها،واستبدالها بالأفضل.
ودراسة جمهور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري مرتبطة تاريخياً بعلم النفس التطبيقي، وأول دراسة علمية لقياس الجمهور الإعلامي للصحافة، كانت الدراسة التي قام بها الباحث الأمريكي جورج جالوب، بجامعة أيوا. وأول دراسة علمية لقياس الجمهور الإعلامي للإذاعة، كانت الدراسة التي قام بها عالما النفس الأمريكيين لوملي، وستانتون. وبدأت بعدها دراسات قياس القراء والمستمعين والمشاهدين بالاتساع والتطور والدقة في الأهداف والمرامي والأبعاد.
ففي مجال قياس عادات القراءة كان جورج جالوب، أول من ابتكر في الثلاثينات من القرن العشرين أسلوباً علمياً للتعرف على عادات قراءة الصحف والمجلات وهو “طريقة التعرف”. عندما كانت وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري آنذاك تعتمد في التعرف على اهتمامات الجمهور الإعلامي على البريد الوارد من الجمهور الإعلامي، وخاصة الشكاوي. أو من خلال استطلاعات الرأي التي كانت تنظمها بين الحين والآخر. أو من خلال دراسة أسباب عدم تجديد الاشتراكات، والمسابقات … الخ.
وقد اعتمد جالوب في طريقته العلمية على أسلوب الاستفتاء المباشر، طالباً من القارئ الإشارة على المواد التي قرأها من الصحيفة التي بين يديه خلال الاستفتاء. وهي طريقة غاية في الصعوبة ومرهقة جداً للباحث.
وقام قسم الأبحاث بكلية الصحافة بجامعة منسوتا في الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك بتطوير أساليب البحث العلمي في هذا الاتجاه، بشكل أكثر دقة وسهولة لدراسة اهتمامات الجمهور الإعلامي (القراء) خلال أواسط القرن العشرين، وبالتحديد من عام 1941 وحتى عام 1972، بإشراف: رالف نافزجر، من عام 1944 وحتى عام 1949، وتشارلس سوانسون، من عام 1949 وحتى عام 1952، وروبيرت جونز، من عام 1952 وحتى عام 1972. وتركزت التطويرات على أساليب جمع المادة ميدانياً، وتبويبها، وقياس عادات المطالعة بشكل أكثر دقة وتفصيلاً من ذي قبل.
كما وقام المركز الأمريكي للتحقق من انتشار الصحف Audit Bureau of circulation بتوفير أول أرقام عن توزيع المجلات الأمريكية. ولكن سرعان ما اكتشف قصور هذه الطريقة، لأن عدد القراء فعلياً هو أكثر من أرقام التوزيع الفعلي، لسبب بسيط أن النسخة الواحدة يطالعها عدة أشخاص. ومن ثم تطورت الأبحاث لتشمل تصنيف الصحف والمجلات وفقاً لعادات المطالعة، إضافة لإلقاء الضوء على نوعية القارئ.
أما في مجال دراسة الجمهور الإعلامي للإذاعة والتلفزيون، فقد بدأت بأبحاث لزرزفيلد، في مركز الأبحاث التطبيقية بجامعة كولومبيا. وقامت بتطويرها فيما بعد مؤسسات الأبحاث التجارية، مستخدمة أساليب متعددة من دراسة عادات الاستماع والمشاهدة، كالمقابلة والحديث التلفوني أثناء بث البرنامج على الهواء كأسلوب Coincidental Method. وتحديد عدد محطات البث، وعدد أجهزة الاستقبال … وغيرها من الأساليب.
كما واهتم الباحث برأي الجمهور الإعلامي بالبرامج المختلفة التي تبثها الإذاعة المسموعة، والإذاعة المرئية. لأن راجع الصدى للقائم بالاتصال ضئيل جداً ولا يعرف كاتب ومعد ومخرج ومقدم البرنامج رأي الجمهور الإعلامي بما قدموه لهم، إن لم يستطلع رأي الجمهور الإعلامي بين الفينة والأخرى للوقوف على آراء المستمعين والمشاهدين من البرامج المختلفة المقدمة لهم. وطبيعي أن آراء الجمهور الإعلامي هي بمثابة المعيار الذي يحدد ملامح قيمه وأذواقه واحتياجاته.
ويقسم الجمهور الإعلامي عادة عند دراسته إلى ثلاثة فئات هي: 1- حسب الجنس، والعمر، والتعليم والدخل المادي؛ 2- حسب الميول الشخصية في التعامل مع وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري المختلفة؛ 3- حسب الاحتياجات الإعلامية وطريقة حصوله عليها.
ومن الدراسات المبكرة في هذا الاتجاه الهام من دراسة الجمهور الإعلامي، الدراسات التي قام بها الباحث الأمريكي ولبر شرام خلال الأربعينات من القرن العشرين، وتناول فيها العلاقة بين العمر والتعليم والوضع الاقتصادي ومطالعة الصحف. وتوصل في نتائج أبحاثه إلى: 1- أن قراءة الأخبار بشكل عام ترتفع طرداً مع ازدياد السن والتعليم، والإمكانيات المادية. وأن قراءة الأخبار تزيد بسرعة كبيرة خلال فترة المراهقة، وتصل أعلى مدى لها خلال فترة العمر من 30 إلى 50 سنة، ثم تبدأ بالهبوط. وأن الحاصلين على التعليم الجامعي هم أكثر قراءة من الحاصلين على التعليم الثانوي؛ 2- وأن القراء صغار السن مابين 10 و 15 عاماً، أكثر اهتماماً بالصور والمواد الفكاهية والطرائف المصورة؛ 3- وأن أقصى مدى في مطالعة الأخبار في سن مبكرة، هي أكثر بين الرجال بالمقارنة مع النساء؛ 4- أن التعليم هو السبب الرئيسي لاختلاف عادات المطالعة بين الرجال والنساء في آن معاً؛ 5- وأن الوضع الاقتصادي يسبب اختلافاً جوهرياً في عادات المطالعة بين الرجال والنساء؛ 6- وأن المراهقون، وذوي التعليم الابتدائي، والجماعات منخفضة الدخل والمستوى الاقتصادي، هم أكثر اهتماماً بمطالعة أخبار الجريمة والكوارث والحوادث من الأخبار الأخرى. ويستمر هذا الوضع بالازدياد حتى سن الثلاثين، حيث يستقر بعد ذلك، ولا يتأثر بتحسن الوضع الاقتصادي، بينما ينخفض مع ارتفاع مستوى التعليم؛ 7- وأن ازدياد مطالعة الافتتاحيات والشؤون العامة مرتبط بازدياد السن والتعليم، وتحسن الوضع الاقتصادي؛ 8- وأن أعلى مستوى لمطالع المواد الفكاهية هي في سن المراهقة، وتبدأ بالانخفاض من سن الخامسة عشرة، وزيادة مستوى التعليم وتحسن الوضع الاقتصادي؛ 9- وأن الاهتمام بالأخبار المصورة تبدأ في سن مبكرة، وتستمر في الزيادة حتى منتصف العمر. ويساهم زيادة مستوى التعليم وتحسن الوضع الاقتصادي في ارتفاعها؛ 10- وأن الاهتمام بالافتتاحيات السياسية يبدأ في سن المراهقة، ويستمر في زيادة ونقصان مع تحسن الوضع الاقتصادي؛ 11- وأن مطالعة أخبار المجتمع تنخفض في سن المراهقة وترتفع بشكل ملحوظ مابين سن الثلاثين، وسن الستين. وتزداد عند النساء مع تحسن الوضع الاقتصادي؛ 12- وأن مطالعة أخبار الرياضة تصل أقصى مدى لها في العقد الثاني من العمر، وخاصة بين طلاب المدارس الإعدادية والثانوية، وتبدأ بعد ذلك بالتناقص تدريجياً. وتتحسن مع تحسن الوضع الاقتصادي؛ 13- وأن مطالعة رسائل القراء المنشورة في الصحف هي أكثر عند كبار السن من الشباب؛ 14- وأن مطالعة الصحف في سن متأخرة هي أكثر منها للترفيه، من أنها مصدراً للمعلومات ووجهات النظر.
كما وتوصلت بحوث ولبر شرام، إلى نتائج تفيد بأهمية: 1- افتتاحيات الصحف والأخبار الرئيسية؛ 2- والصحف التي تهتم بالطرائف والأخبار المصورة؛ 3- وعلاقة الصحف وتعرض القراء لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري الأخرى؛ 4- وطبيعة الأخبار نفسها، التي قسمها ولبر شرام، إلى فئتين متقاربتين من تقسيم سيجموند فرويد، للسلوك الإنساني، لمبدأ الواقع، ومبدأ اللذة (الاستمتاع)، وذكر شرام: “أن القراء والمستمعين يتعاملون مع الأخبار وفق احتياجاتهم ورغباتهم العاجلة أو الآجلة. وأن الأخبار العامة والاقتصادية والمشاكل الاجتماعية والعلوم والتعليم والصحة هي للرغبات والحاجات الآجلة. أما أخبار الجريمة والفساد والحوادث والكوارث الطبيعية والرياضة والترفيه والاهتمامات الاجتماعية والإنسانية فهي لإشباع حاجات ورغبات عاجلة أي مباشرة”؛ 5- وتأثير الجنس على عادات المطالعة؛ 6- وعمق المطالعة؛ 7- والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية؛ 8- وتأثير التعرض لوسائل الإعلام المختلفة؛ 9- وتأثير مضمون المادة الإعلامية على أذواق الجمهور الإعلامي.
الخصائص الشخصية
من الحقائق المعروفة أن الضغوط الاجتماعية التي يتعرض لها الفرد في المجتمع، تولد ردود فعل متباينة لدى الأفراد. وردود الفعل هذه ترتبط ليس بمصدر المادة الإعلامية فقط، بل وبمضمون المادة الإعلامية أيضاً. وتحدد طبيعة ردود الفعل هذه الخصائص الاجتماعية والفردية لكل المتعرضين للمادة الإعلامية.
وتبقى الشخصية الفردية كعامل مؤثر من عوامل الاستعداد للاقتناع وتغيير السلوك والمواقف وفق الإستمالات والحجج المستخدمة في المادة الإعلامية. وقد عكف علماء الاتصال على دراسة الاختلافات الفردية لدى الجمهور الذي تعرض لنفس المواد الإعلامية لمعرفة مدى الاستعداد الفردي لديه. فاكتشفوا نوعين من الاستعداد الفردي للاقتناع بمضمون المادة الإعلامية هما: 1- الاستعداد لتقبل أو رفض وجهة نظر معينة عن موضوع معين تتم مناقشته؛ 2- الاستعداد بشكل عام للاقتناع بصرف النظر عن الموضوع بشكل عام.
ومن السمات الشخصية التي تجعل من الفرد أكثر تقبلاً أو مقاومة للمادة الإعلامية:
1- العلاقة بين المستويات الذهنية والاستعداد للاقتناع: وهي أدلة قدمها هوفلاند، وزملاؤه عن أن: آ – الأفراد الذين يتمتعون بمستوى عالي من الذكاء، ويتأثرون أكثر من الذين يقل مستوى الذكاء عندهم. لأنهم أقدر على استنتاج المواد الإعلامية المعتمدة على حجج منطقية مؤثرة؛ ب – الأفراد الأكثر ذكاء، هم أكثر قدرة على المحاكمة وأقل تأثراً بالمواد الإعلامية السطحية المدعمة بحجج غير منطقية؛
2- والعوامل المتصلة بالحوافز المثيرة للاستعداد العالي للاقتناع: آ – كانخفاض تقدير الفرد لذاته؛ ب – الإحساس بالقلق وعدم الاستقرار؛ ج – خصوبة الخيال؛ د – التفتح الذهني؛ هـ – التأثر بالآخرين.
3- الدوافع المتصلة بالاستعداد المنخفض للاقتناع، وتشمل السمات الشخصية التالية: آ – الشعور بالعداء لآخرين؛ ب – الميل للعزلة الاجتماعية؛ ج – الحالات العصبية الشديدة.
4- الحاجة للمعلومات، وطرق الحصول عليها، وغموض عملية الاتصال، وهي أبحاث عكف عليها الباحثون كوهين، وكلمان، وكوهلر، وتوصلوا عام 1959 إلى أن طبيعة هذه الفئة تركز على التبسيط وتمييز التفاصيل لحاجتهم الماسة لوضوح المادة الإعلامية وليس غموضها.










اترك رد