تقوم كل نماذج الإدراك المعرفي على افتراضات تقول أن الفرد: 1- يسعى لتطوير وإبقاء التوازن بين عناصر معرفته وحالاتها. ويتم إدراك عناصر المعرفة من خلال اتفاقها أو عدم اتفاقها مع ما يعرفه هذا الفرد؛ 2- حين يدرك منبه مختلف عما يعرفه، يشعر بتوتر مؤلم وغير سار؛ 3- وأن التوتر السيكولوجي لدى الفرد يؤدي إلى بذل جهود للتقليل من الاختلاف بين عناصر المعرفة؛ 4- وأن تقليل الاختلافات في إدراك الفرد تقلل بدورها من حالة التوتر لديه. وبهذا يتم إعادة التوازن بين مكونات أو عناصر المعرفة وتبقى درجة التقليل من الاختلافات مرتبطة بضخامة التوتر.
وعلى أساس هذه الافتراضات، تفرز نماذج المعرفة نظريات تنطبق على مختلف الظروف والأحوال بالرغم من أن النتائج المستمدة من نماذج المعرفة هذه، تبدو للوهلة الأولى مختلفة ومتناقضة، إلا أن هذه الاختلافات يمكن تجنبها عن طريق تجديد شروط وظروف الأساليب المختلفة لمعالجة النظرية. ويعرض الجدول التالي مقارنة للشروط والظروف التي تميز نماذج المعرفة المختلفة، كما تنطبق على تغيير الاتجاه:
| الاتجاه الأصلي نحو المصدر | مادة إعلامية إيجابية عن موضوع الاتجاه نحوه: | مادة إعلامية سلبية عن موضوع الاتجاه نحوه: |
| إيجابي سلبي | إيجابي سلبي | |
| التغير في الاتجاه نحو المصدر | ||
| إيجابي سلبي | + — ++ – | — – – ++ |
| التغيير في الاتجاه نحو الموضوع | ||
| سلبي إيجابي | + ++ — – | -+ + + ++ |
ومنه نستنتج أن: 1- نماذج الاتصال الذاتي أو الاتصال بين فردين تختلف. وأن نموذج هيدر، ومبدأ أسجود، ونظرية فستنجر، تركز على البناء السيكولوجي، وبناء المعرفة داخل الفرد. بينما يركز نموذج نيوكومب، على توجيه المشارك في عملية الاتصال. ولهذا يعتبر نموذجه مثالاً للاتصال بين فردين؛ 2- وتختلف عناصر المعرفة في النماذج. فنموذج هيدر، ونموذج نيوكومب، ومبدأ أسجود، أخذت في اعتبارها اتجاه الفرد نحو فرد آخر، واتجاهه نحو شيء آخر. بينما اهتم نموذج فستنجر، بتقييم الفرد لشيئين أو لموضوعين؛ 3- واعتمدت النماذج الأربعة على وجود مادة تربط بين عناصر الإدراك. وهي في نموذج هيدر، المصدر الإعلامي وله اتجاه إيجابي أو سلبي، نحو المتلقي أو شيء معين. وتضمن نموذج نيوكومب، عبارة تختلف في درجتها وتسير في اتجاهات متعددة. بينما افترض مبدأ التآلف عند أسجود، بعض الإلزام إما بالربط بين المصدر والفكرة، أو الفصل بين المصدر والفكرة. ولم يفترض نموذج فستنجر، وجود رابطة محددة بين عناصر الإدراك؛ 4- وإستراتيجية تخفيض التوتر تختلف في جميع النماذج. والإستراتيجية عند هيدر، ونيوكومب، واسجود، تقول بوجود اختلاف في الاتجاهات، يحدث تغيير معين في الاتجاه. أما فستنجر، فالإستراتيجية عنده هي الاختلاف بين الاتجاه المبدئي والسلوك، الذي يحدث تغييراً معيناً في الاتجاه. ولكن هذا التغيير في الاتجاه يحدث فقط عندما تسد أو تبعد قنوات التهرب. ومبدأ سد المنافذ الأخرى يستخدم في النماذج الأربعة؛ 5- ويختلف أسلوب تخفيض التوتر من نموذج لآخر. فعند هيدر، ينتج التغيير عن عملية الاختيار عند الفرد بين اتجاهات عديدة. وبذلك قد يغير الفرد اتجاه واحد أو عدة اتجاهات، وقد يتغير الإدراك عند الفرد أو قد يشوه إدراكه، بهدف إعادة حالة التوازن. أما نيوكومب، فقد اتبع الأسلوب الذي اقترحه هيدر. وافترض نيوكومب، أن الفرد قد يتهرب من تشكيل الاتجاه، سعياً لتحقيق التناظر. بينما أكد مبدأ التآلف عند أسجود، أن كل الاتجاهات ستتعرض للتغيير، وتتجه نحو الوضع الذي يشكل حلاً وسطاً. بينما قدمت نظرية التنافر تبريراً لعنصر اختلاف المعرفة الذي يعتمد السلوك أساساً له، لأن الفرد سيغير اتجاهه ليحقق اتفاق أكثر مع سلوكه. والتغيير ينتج وفق هذا الاتجاه عن الجهود التي تبذل من أجل تبرير السلوك الذي اتبعه، أو القرار الذي أتخذه الفرد؛ 6- وتعتبر معادلات التآلف التي قدمها أسجود، الأكثر دقة في القياس. وتوفر هذه المعادلات قياس دقيق لقدرة النموذج على التنبؤ. كما ويعتبر نموذج نيوكومب والتعديلات التي أدخلها عليه كلاً من كارتريت عام 1956 وهراري عام 1970 دقيقة القياس أيضاً؛ 7- وكلما زادت مرونة النموذج، كلما قلت الدقة فيه. ولهذا يعتبر مبدأ التآلف مبدأً غير مرن، بسبب جمود قدراته على التنبؤ الذي يتراوح فيه بين التدعيم أو عدمه. وتعدد البدائل في نماذج هيدر، ونيوكومب. بينما تعتبر نظرية التنافر أكثر النماذج مرونة لأنها تفسر عملية تغيير الاتجاه.
القائم بالاتصال
في ظروف العولمة التي أحاطت بالعالم من كل جوانبه مع نهاية القرن العشرين أصبحت مؤسسات الإعلام والاتصال المهيمنة عبارة عن شبكات عالمية ضخمة، تتصارع داخلها المصالح الحيوية للدول الغنية المهيمنة عليها من خلال إمكانياتها الاقتصادية والتقنية والتكنولوجية. وتحولت كل مؤسسة إعلام واتصال إلى نظام شديد التعقيد. فشبكات الإنترنيت التي تجمع وتوزع معلومات مكثفة من وإلى جميع أنحاء العالم، رغم المسافات الشاسعة التي تفصل بينها، وتضعها في متناول الراغبين أينما كانوا، تعاني من محدودية الطلب على موادها الإعلامية مقارنة بالعرض الذي يتزايد كل دقيقة. وقد لا ينطبق هذا الوضع على الولايات المتحدة الأمريكية والدول الصناعية المتقدمة، لأن التقدم التكنولوجي المتلاحق في هذه الدول قد غير مسار الإنتاج ونشر المواد الإعلامية من خلال استخدام أجهزة الحاسب الآلي “الكمبيوتر”، والأقمار الصناعية، ووسائل الاتصال المتطورة لجمع ونشر المعلومات التي تطالعنا بها الأخبار اليوم بالحرف والصوت والصورة. وأصبح تدفق المعلومات في وضع يصعب مقاومته مهما بلغت قوة الدولة التي تسعى لاحتواء هذه المعلومات أو مصادرتها.
ولكن هذا الكم الهائل من المعلومات لا يجعلنا نصدق أن كل سكان العالم يستقبلون المعلومات من خلال شبكات الاتصال العالمية. مثال شبكة التلفزيون العالمية CNN، التي تصل أخبارها إلى 3% من سكان العالم فقط، لأن أربعة أخماس سكان العالم لا يملكون أجهزة استقبال تلفزيونية. ورغم النبوءة بزيادة عدد الذين يستخدمون شبكة المعلومات الإلكترونية الانترنيت من خلال أجهزة الحاسب الآلي إلى ستة ملايين نسمة حتى مطلع القرن الحادي والعشرين. إلا أن التقرير السنوي للأخبار السلكية سجل نقصاً في عدد المراسلين والصحفيين في وكالات الأنباء المحلية والعالمية، وحتى في أكبر الشبكات الإخبارية العالمية كـ: رويترز، و CNN، و AFP لتغطية أنباء جميع أنحاء العالم.
ومن الملاحظ أيضاً أن ظهور الإعلام المرئي قد أدى إلى هبوط الطلب على الإعلام المطبوع. فقد ظل عدد نسخ الصحف في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً من عام 1965 وحتى عام 1995 على حاله 59 مليون نسخة، رغم زيادة عدد السكان من 185 مليون نسمة إلى 260 مليون نسمة. أما بالنسبة للمادة الإخبارية ومحتوياتها، فإن التحول من الكلمة المطبوعة إلى الكلمة المرئية أصبح ظاهرة أكبر من كونها مجرد تغيير في وسيلة الإعلام والاتصال الجماهيرية. والكل يعلم بأن جهاز الاستقبال التلفزيوني قد احدث تغييراً جذرياً في طريقة تفاعل الجمهور الإعلامي مع الأحداث. وأن السياسيين والدبلوماسيين فهموا أن التلفزيون أكثر ملامسة للمشاعر والأحاسيس من غيره. وأن له تأثير فعال على صناعة السياسة الخارجية أكثر من أي وسيلة إعلام واتصال جماهيري أخرى. وعلى سبيل المثال حذر السياسيون عبر القنوات التلفزيونية السياسة الخارجية الأمريكية من التورط بأي تدخل عسكري خارجي بعد التدخل العسكري الأمريكي في حرب فيتنام، والهجوم الشرس الذي شنه الرأي العام داخل الولايات المتحدة الأمريكية، على الإدارة الأمريكية. وهي الأسباب نفسها التي دفعت بالرئيس جورج بوش الأب لوقف العمليات العسكرية الناجحة ضد العراق عام 1991 خشية تصاعد سخط الشعب الأمريكي إذا ما تورط أكثر من اللازم في حرب الخليج، وهو الموقف الذي اعتمد عليه الرئيس كلينتون للامتناع عن ما أقدم علية الرئيس جورج بوش الابن عام 2003 بعد التعاطف الذي حصل عليه نتيجة للأحداث الإرهابية التي حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001 وصدمت الشعب الأمريكي ليؤيد بمعظمه اجتياح القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي بموافقة الشرعية الدولية لأفغانستان في نفس العام، والعراق رغم اعتراض الشرعية الدولية عام 2003 وما رافقها حتى من مخالفات صريحة لمبادئ الحقوق الدولية التي تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية نفسها المدافع الأول عنها.
والصورة الإعلامية اليوم تختلف كثيراً عنها بالأمس، بعد انتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفييتي السابق. والتي اعتبرت نقطة تحول في الاستهلاك الإعلامي الأجنبي حتى في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. فقد كانت وسائلها الإعلامية الجماهيرية تركز في السابق على قطبي الحرب الباردة، وكان الجانب الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية يعتبر الجانب الطيب في مضمونها، بينما مثل الإتحاد السوفييتي السابق الجانب الشرير في مضمونها. وكانت الصورة في مضمون المادة الإعلامية تمثل أن الولايات المتحدة الأمريكية تدعو إلى الحرية والديمقراطية وزيادة الثروة والرخاء، وأن التحالف معها إيجابي. بينما انعكست صور الإتحاد السوفييتي السابق في مضمون تلك المادة الإعلامية كمثال لمساوئ النظم الشمولية والقمع والحرمان. وأن التحالف معه سيء.
وأنهى انهيار الإتحاد السوفييتي السابق والمنظومة الاشتراكية التي كان يقودها قضية التحيز في مضمون المادة الإعلامية لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري الأمريكية. وفتر حماس الجمهور الإعلامي داخل الولايات المتحدة الأمريكية نحو أخبار وأحداث الشعوب الأخرى، مع زوال التهديد النووي السوفييتي ضد الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما أثبتته الدراسات العلمية التي نفذتها المنظمات المهنية والعلمية، وتناولت تأثير انتهاء الحرب الباردة على شبكات التلفزيون العالمية، وأظهرت انخفاض كمية المواضيع والأخبار الأجنبية من 35% إلى 23%. بينما كانت هذه الشبكات تخصص خلال السبعينات من القرن العشرين 40% من الوقت المتاح لتغطية الأنباء الأجنبية. وانخفض هذا الوقت عام 1995 إلى 13,5%، كما وتراجعت بعض الشبكات الإخبارية الرئيسية في الولايات المتحدة كـ NBC، و CBS، و ABC عن تسجيل وتغطية الأخبار والأحداث الجارية في الدول الأجنبية، بينما استمرت شبكة CNN في محاولتها تغطية الأنباء العالمية. رغم تزايد عدد الأقمار الصناعية ووسائل الاتصال المتطورة تكنولوجياً.
وعندما ندرس ما يحدث داخل المؤسسات الإعلامية نشعر بمدى تعقد وتشابك أعمالها. ففي داخل تلك المؤسسات الإعلامية تتخذ كل دقيقة قرارات هامة وخطيرة. ونظراً لأهمية تلك القرارات فلابد أن نعرف الأسلوب الذي يتم من خلاله اتخاذ تلك القرارات، ومن يتخذها فعلاً، وطبيعة القائم بالاتصال في تلك المؤسسات، والعوامل التي تؤثر على اختياره للمواد الإعلامية.
ولابد من تحليل مضمون وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري كمؤسسات لها وظيفة اجتماعية، ودراسة دور ومركز القائم بالاتصال، والظروف والعوامل التي تؤثر على اختيار مضمون المادة الإعلامية. وكيف يصنع الصحفيون الأخبار، والجوانب الأخلاقية والمهنية التي يتمسكون بها، وطبيعة السيطرة البيروقراطية المفروضة عليه.
وتعتبر دراسة “مراسلي واشنطن” التي نفذها ليو روستن، عام 1937 أول دراسة كلاسيكية عن سيكولوجية المراسل الصحفي، تناولت بالشرح والتحليل القائمين بالاتصال في الولايات المتحدة الأمريكية. وتتالت الدراسات إلى أن نشر الباحث الأمريكي ديفيد مانج وايت، دراسته “حارس البوابة وانتقاء الأخبار” التي أعطت دفعة قوية لبحوث القائمين بالاتصال.
والفضل الأكبر بتطوير ما عرف بعد ذلك بنظرية “حارس البوابة” يعود لعالم النفس الأمريكي والنمساوي الأصل كورت لوين. وذكر لوين، أن “المادة الإعلامية عبر رحلتها الطويلة حتى تصل للجمهور الإعلامي، تمر في نقاط أو بوابات يتم فيها اتخاذ قرارات تتعلق بما يدخل وما يخرج. وأنه كلما طالت المراحل التي تقطعها الأخبار حتى ظهورها في وسيلة الإعلام والاتصال الجماهيري، كلما ازدادت المواقع التي يصبح فيها من سلطة فرد أو عدة أفراد تقرير ما إذا كانت المادة الإعلامية ستنقل بنفس الشكل التي هي عليه، أو بعد إدخال بعض التغييرات عليها. لهذا أصبح نفوذ من يديرون هذه البوابات والقواعد التي تطبق عليها، والشخصيات التي تملك بحكم عملها سلطة اتخاذ القرار ذات أهمية كبيرة بالنسبة لانتقال المعلومات”.
أي أن دراسات “حارس البوابة” هي دراسات تجريبية ومنتظمة لسلوك أولئك الذين يسيطرون في نقاط مختلفة على مصير المادة الإعلامية.










اترك رد