يركز التحليل الوظيفي على توضيح المهام التي يسعى القائم بالاتصال من خلالها إلى الوظائف التي يريد تحقيقها، والنتائج التي تحدث من دون أن يهدف لها. ولمعرفة الأساليب التي يمكن بموجبها دراسة تأثير وسائل الإعلام الجماهيرية على النظم الاجتماعية، والثقافية، وعلى الأفراد. فإننا نلجأ إلى التحليل الوظيفي الذي قال عنه الباحث الأمريكي الشهير البروفيسور تشارلس رايت: بأنه يهتم بدراسة الوظائف التي تؤديها أي ظاهرة من ظواهر النظام الاجتماعي. وفي هذه الحالة، فإن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري تعتبر من الظواهر التي تؤثر دون أدنى شك في النظام الاجتماعي وأدائه لوظائفه.
وقد ناقش رايت بعض النقاط النظرية والمنهجية المتصلة بتطور النظريات الوظيفية للاتصال الجماهيري، وأشار إلى أن الأسلوب أو المنهاج الوظيفي أستخدم في دراسات كثيرة، لمعرفة جوانب الاتصال الجماهيري المختلفة. واستعان بتلك الدراسات لإيضاح المشكلة التي عالجها، دون التعرض لتلك الدراسات.
والاتصال الجماهيري وفق مفهوم رايت هو: نوع خاص من الاتصال يتضمن ظروفاً معينة للعمل تأخذ في اعتبارها: 1- طبيعة الجمهور الإعلامي، الكبير والمتنوع والمجهول للقائم بالاتصال؛ 2- طبيعة عملية الاتصال، التي تنقل رسائل إعلامية علنية، وتراعي الوقت الذي يمكن من خلاله الوصول لغالبية الجمهور الإعلامي بسرعة وفي نفس الوقت؛ 3- طبيعة القائم بالاتصال، الذي يعمل عادة في مؤسسة إعلامية ضخمة ومعقدة تحتاج لتكاليف باهظة.
ويستخدم التحليل الوظيفي لدراسة نظم معينة، سواء أكانت أفراداً أم جماعات أم نظماً اجتماعية أو ثقافية، لمعرفة نتائج ظواهر اجتماعية تؤثر على الدور الطبيعي لأي نظام.
والخطوة الأولى لاستخدام التحليل الوظيفي في دراسة وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، تنحصر في تحديد نوع المادة القياسية، اللازمة للتحليل. فالاتصال الجماهيري هو عملية اجتماعية متكررة وفقاً لنمط معين، في المجتمعات الحديثة، ويلاءم التحليل الوظيفي معرفة نتائج عملية الاتصال الجماهيري، وتأثير المادة الإعلامية اجتماعياً، لاسيما وأن بعض الباحثين في مجال وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري يعتبرون أن التأثير الاجتماعي لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري مبالغ به.
ومعروف أن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري تصل إلى جمهور واسع، يشمل قطاعات كبيرة من المجتمع المحلي والعالمي بعد التطور الهائل الذي شهدته وسائل الاتصال الجماهيري خلال الربع الأخير من القرن العشرين. ولكن الأرقام الضخمة من الناس الذين يتعرضون يومياً لما تنقله وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، ليست سوى أرقام تحدد الجانب الاستهلاكي لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري. ولا تعكس البتة مدى تأثر هذه الأعداد الضخمة بما تنقله تلك الوسائل على مدار الساعة.
ومعرفتنا بعدد ساعات البث اليومية، وعدد نسخ المطبوعة ومدى انتشارها في الأوساط الاجتماعية لا يوفر لنا حقائق عن تأثير تلك المواد الإعلامية التي نقلت عبر تلك الوسائل وتلقاها الجمهور الإعلامي فعلاً. ولا بد من دراسات دائمة تطلعنا على نتائجها والتأثير الفعلي لتلك المواد الإعلامية على الجمهور الإعلامي.
وبغض النظر عن مبررات القلق الدائم من تأثير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، فالتحليل الوظيفي يحاول قياس تأثيرات عملية الاتصال الجماهيري بشكل عام كعملية اجتماعية تشارك فيها وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، الجمهور الإعلامي. ويعتمد التحليل الوظيفي على القياس والتخيل والتنبؤ والتصور والحدس وما يقدمه من نتائج يخدم بصورة مباشرة عملية تطوير نظرية الاتصال الجماهيري، بناءً على تجارب يمكن إثبات نتائجها.
وهناك نوعاً آخر من التحليل الوظيفي يهتم بدراسة وسيلة أو أكثر من وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري كمادة للتحليل. لتحديد الوظائف التي تقوم بها تلك الوسيلة أو الوسائل ومدى تلبيتها للاحتياجات الإعلامية للمجتمع والأفراد، والعلاقة بين الوسيلة أو الوسائل والجمهور الإعلامي، من خلال تأثيرها الفعلي على عملية الاتصال بشكل عام.
كما ويستخدم التحليل الوظيفي لدراسة مؤسسات الاتصال الجماهيري ودراسة أسلوب العمل الذي يتكرر دائماً وبشكل معين داخل تلك المؤسسة، وفي هذه الحالة يمكن الحصول على مادة علمية أساسية تثبت الافتراضات من خلال دراسة حالة معينة، كما ويمكن إجراء مقارنة بين وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري المختلفة، وتحليل تأثير المواد الإعلامية التي تقدمها تلك الوسائل عن طريق التجربة المباشرة.
ومن الاستخدامات الفعالة للتحليل الوظيفي، دراسة أوجه النشاطات الإعلامية الأساسية التي تتم من خلال وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري. عبر ثلاثة أهداف للاتصال الجماهيري حددها لازويل، في: أ- مراقبة البيئة المحيطة، والتعريف بالظروف العامة (الأخبار)؛ ب- التعليق على الأخبار والظروف المحيطة (مقالات)؛ ج- نقل التراث الاجتماعي من جيل إلى جيل. إضافة لهدف الترفيه والتسلية الذي تقوم به وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري.
ولا يقتصر التحليل الوظيفي على دراسة النتائج المطلوبة فقط، بل يتعداها للقيام بدراسات متكاملة، ولابد هنا من التمييز بين نتائج العملية الإعلامية وأهدافها فليس بالضرورة أن تتفق الأهداف مع نتائج العملية الإعلامية. وتسمى النتائج التي يهدف إليها القائم بالاتصال بالمهام الظاهرة، والنتائج التي تحققت دون أن يهدف إليها القائم بالاتصال بالمهام الخفية.
ولمعرفة النتائج المرغوبة وغير المرغوبة للمواد الإعلامية: أخبار، مقالات، مواد ثقافية وترفيهية، عبر وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، وحدد بعض الباحثين، أثنى عشرة عنصراً من الافتراضات لاستخدامها بشكل مبدئي استكشافي بالأساليب التجريبية، وتضمنت: المهام: الظاهرة، والكامنة، والمطلوبة، وغير المطلوبة؛ والاتصال الجماهيري، الذي يقوم: بالتعريف بالظروف المحيطة (أخبار)، وبنشر المقالات التوجيهية، وبنقل التراث الثقافي، وبالترفيه؛ للتأثير على: المجتمع، والجماعات الفرعية، والأفراد، والنظم الثقافية.










اترك رد