القهوة جزء كبير من تراث العربيّ، يعيشه يوميّاً ويخالط به ظروف يوميّاتها كلّها. في هذه التدوينة أتحدّث في وصفات القهوة العربيّة، وأشرح كذلك آراء العرب الأصيلة في تصميم فنجان القهوة. ومن المهمّ أن أذكر بداية أنّ اسم القهوة القديم بين العرب كان {الشاذليّة}. إذ أنّ كلمة قهوة كانت تسمية لأيّ مشروب يقهى شاربه عن الطعام، أي يسدّ نفسه عن الجوع. ثمّ جاء الشيخ الحضرمي {أبو بكر الشاذلي العدني العيدروس} في القرن 15 واخترع قهوة من طبخ البُن، فصارت تقول الناس {قهوة شاذليّة} يقصدن فيها قهوة البنّ، ثمّ ومع الزمن سقطت كلمة قهوة وبقيت منها {الشاذليّة}، ثمّ عادت في نهاية العصر العثمانيّة وانتشرت كلمة {قهوة} بديلاً عن {الشاذلية}. ومع ذلك يعرف بعض العرب إلى اليوم مشروبات قديمة غيرها من القهوة التي تُصنع من غير البن. آمل لك المتعة من هذه التدوينة، وأدعوك كذلك لقراءة تاريخ القهوة، من طقطق إلى السلام عليكم.
كيف أحضّر قهوتي؟
استعمال الجذوة (الركوة) بين العرب قديم جدّاً، قِدم الأديان التي قدّرت الخمر. واسمها الأقدم بين العرب هو دُلِّة و دَلَّة بمعنى “ذات عنق” عن العربية القديمة في العهد الأگّدي دَلتُ 𒁕 بمعنى عُنق خانق، بوّابة… والكلمة نفسها مصدر اسم دلتا الأنهار.
واسمها جذوة آت من كونها صغيرة الحجم تغرق بين جذوات الفحم الصغيرة المشتعلة. فكان المقصود أنّها قهوة الجذوة (الفحميّة). في شكل مشابه اليوم لقولنا قهوة الرمل.
حتى في ظلّ العهد الإسلامي بقيت قبائل بدو العرب تستعمل الجذوة لتسخين نوع من النبيذ وشرب رشفة صباحية منه، مثل طريقة شربنا للقهوة المرّة اليوم في فناجين القهوة المرّة. وهي خمرة حلوة كان اسمها قهوة وكانت تُصنع من التمر أو الزبيب. وكانت العرب تستصبح برشفة صغيرة منها معتقدة أنّ لهذه العادة آثار صحّيّة تحمي من الأمراض وتطهّر البدن وتقوّي المناعة.
هذه القهوة هي الخمرة التي عرّقها الطبيب العراقي {مُحَمَّد بن يَحْيَى الرَّازِيّ} لمّا كان رئيساً لأهمّ مشافي دمشق في القرن التاسع؛ فعزل الكحول النقي عن العرق عن القهوة وسمّاه الغَول واستعمله في تطهير الجروح وتعقيم مواضع الجراحة. مطوِّراً على طريقة سلفه العراقي {جَابر بن حيّان الكوفي الأَزْدِيُّ} الذي عاش في القرن الثامن وكان الأوّل في تقطير {العرق} وتسميته.
هذا المشروب كان يُستهلك منشّطاً في الصباح، بعادة تشبه إلى حدّ ما عادة الاستصباح بشرب القهوة اليوم. في القرن ١٥ بدأ بدو شمال جزيرة العرب باستعمال الجذوة لتحضير القهوة التي نعرفها اليوم، فمنحوا مشروب الشاذلية اليمني اسم القهوة لأنّهم جعلوا الشاذلية في مكان القهوة وسرّعوا تحضيرها بالطحن الناعم مع استعمال الجذوة، وفي القرن ١٦ شاعت عنهم بين الحضر.
ويقال أنّ قهوة نوى التمر سبقت بوجودها قهوة بنّ الفويّة، فكان مرحلة فاصلة بين قهوة الخمر وقهوة الفويّة الشاذلية… لكن، هذا اعتقاد لم يتوفّر دليل يوثّقه بعد.

وأنوّه أخي الكريم إلى أنّني في هذا المنشور لا أشجّعك على كسر معتقداتك وتجربة ما تراه من المحرّمات. إنّما أنا أسرد التاريخ بتجرّد، كما وصلنا من كتب التراث. فطالمَا أنّك اليوم لا تشرب الخمر وقد أغناك عنها أجدادك بالقهوة المعاصرة، لا تنكر عليهم عاداتهم ونمط حياتهم السالف، خوفاً على حياتك اليوم. فأجدادك هؤلاء هم مصدر عاداتك المعاصرة.
اليوم، يستعمل العرب إبريق الموكا (البراس) الذي اخترعه سنة 1933 مهندس ميكانيك إيطالي جنوبي اسمه ألفونسو بياليتّي Alfonso Bialetti بعد خبرة 24 سنة في الصناعات المعدنية. وأسماه موكا إكراماً لمدينة المخاء اليمنية وتكريماً لدورها في نشر مشروب القهوة في هذا العالم. فهو إيطالي لم ينكر فضل العرب. لم يستعمل اسم بلدته ولا زوجته ولا اسم المدينة الصناعية Omegna التي أسّس فيها مصنعه شمال غرب إيطاليا.
وكان هدف بياليتّي من اختراعه هو توفير طريقة سهلة وسريعة لتحضير الإسپريسّو في المنزل، دون الحاجة لآلة الضغط المكلفة والضخمة آنذاك. ونجح نسبيّاً. ولمّا نشر اختراعه في الولايات المتحدة الأمريكية أسماه Moka Express أي موكا بسرعة، وهذا سبب انتشار تسمية إكسپريسو مقارنة بالإسپريسّو في هذا العالم.
ويعمل إبريق الموكا على تجميع ضغط بخار الماء المتراكم من الحرارة الخفيفة في حجرة الماء السفلى، حتّى إذا ما زاد الضغط عن قدرة احتمال الحجرة، دفع الماء عبر سلّة جريش البن ليستخلص زيوت القهوة من حبيبات الجريش ثمّ يخرج سائل القهوة لتجمّع في الإبريق العلوي، ويتوقّف الاستخلاص.

كيف اختار فنجان قهوتي؟
للكثير من الناس، لا فرق، أشرب قهوتي في أيّ فنجان أو كأس متاح. وتكون النتيجة خالية من المتعة الحقيقيّة لفنجان القهوة. هذه الأناس نفسها قد تذهب إلى مقاه محدّدة لتستمتع فيها بفنجان قهوة، ثمّ تقول عنه {قهوته عظيمة وأطيب من قهوة البيت} ويغيب عن بالها كم تعب صاحب المقهى حتّى اختار فناجينه صح. فمواصفات الفنجان تُؤدّي دوراً كبيراً في كمّ المتعة من فنجان قهوة.
يعتقد البعض أنّ كلمة {فنجان} ذات أصل فارسي هو {پنگان} وهذا غير صحيح. اللغة الفارسيّة أحدث عمراً من كلمة فنجان.
ويعتقد البعض أنّ كلمة {فنجان} ذات أصل إغريقي هو {پِنَخ} πίναξ (فيناخ) وهذا غير صحيح. الكلمة الإغريقيّة تعني لوح الكتابة، وأصلها مصري قديم.
كلمة {فنجان} العربيّة أصلها عربيّ قديم. شكلها السرياني هو {پينكا} ܦܝܢܟܐ عن {پينگا} פינכא عن {پينجه} 𐡐𐡉𐡍𐡂𐡀 الآراميّة، وهذه الأخيرة كانت اسماً لهذا الشيء في الصورة. إذ قبل شيوع الكؤوس والأقداح، كانت العرب تشرب في الپينجه، وحتّى القرون الوسطى. وهي {الطاسة} عند بعض العرب، و{الزبديّة} عند بعضهم الآخر. وكلمة {پينگا} الآراميّة هي الأصل لكلمة {پنگان} الفارسيّة، عبر الپهلويّة.
صاحب التأصيل الخاطئ الأوّل هو معجمي فرنسي من القرن 17. هو ابن اللّورين {فرانسیس منینسکي} Franciscus à Mesgnien Meninski تخصّص بالترجمة ما بين التركيّة واللاتينيّة، واشتغل في السفارة الپولاندية في القسطنطينيّة ودرس فيها اللّغة العثمانيّة، ثمّ نشر سنة 1680 في ڤيينّا معجمه الرباعي (لاتيني-تركي-فارسي-عربي)، ولأنّه لم يدرس السريانيّة ولا الآراميّة، ولا اطّلع على النقوش القديمة، ظنّ أنّ كل تشابه يعود بأصله إلى الفارسيّة، طالما أنّ لغة الدولة العثمانية كانت الفارسيّة قبل أن تتحوّل إلى التركيّة، ولأنّ منینسکي كان يعتقد أنّ اللّغة الفارسيّة أقدم من العربيّة. ثمّ سنة 1866 نقل عن منینسکي المستشرق الألماني {يوليوس تسينكير} Julius Theodor Zenker الذي ترجم معجم منینسکي اللاتيني إلى اللّغة الألمانيّة، وصنع المعجم الرباعي (ألماني-تركي-فارسي-عربي). وعن تسينكير نقل الأوروپيّين جميعاً، ولم تزل هذه المعلومة تدور وتدور حتّى وصلت اليوم معارف العرب. لكنّها لم تزل معلومة غير صحيحة، مبنيّة على افتراض يتوهّم أنّ الفارسيّة أقدم من العربيّة.

اليوم، أكبر مصدر لفناجين القهوة في أوروپا هو إيطاليا. والكثير من الشعوب هنا تستعملها فناجين للخمور، لكن في إيطاليا هي فناجين إسّپريسّو، ولها أكاديميّة خاصّة لتحديد معايير الفنجان ومواصفاته. ويتداول الإيطاليين كذلك أمثالاً في تشبيه الناس إلى القهوة، مثلنا نحن العرب، من أجملها مثلاً هذه الأبيات باللّهجة الناپّولية:
“Ma cu sti mode, oje Bríggeta/ Tazza 'e café parite/ Sotto tenite 'o zzuccaro,/ E 'ncoppa, amara site…”
{بريجيتا، بأخلاقك هكذا أنتِ، كفنجان القهوة الذي تقدمين، السكر مخبّأ عميقاً تحت، وعلى الوجه، مرّة.}… وهي كلمات واحد من أعظم موسيقيّي ناپولي روبيرتو مُرتولو Roberto Murolo في مسرحيّة فنجان قهوة A Tazza ‘E Café (آ تاتسه إكافى).
يقول الإيطالييّن أنّهم تعلّموا آداب فنجان القهوة من العرب، وحتّى اسم هذا الفنجان La Tazza هو من كلمة طاسة العربية. وهذا شيء طبيعي حين تكون القهوة مشروباً عربيّ الأساس. انتشر من المجتمعات العربيّة إلى غيرها، فوصل الإيطاليّين عبر البحر المتوسّط. العرب اختاروا الخزف لفنجان القهوة، وما كان اختياراً عن عبث. الخزف يحافظ على الحرارة لوقت أطول، ما يساعد على تعزيز مذاق القهوة.
وصلت فناجين القهوة الخزفيّة العربيّة أوروپا من حلب في القرن 17، وكانت انتشرت قبلها في المنطقة العربية من أيّام القرن 15. قبلها كان السائد للشرب هو الفنجان الزجاجي، القدح. ولمّا قرأت هذه المعلومات دار فوراً في ذهني سجال واشتعل، {كيف أختار فنجان قهوتي فيحقّق لي أمته تجربة مع شرب فنجان قهوة عربيّة على الأصول؟ } {ما هي الأسس التي اعتمدها عرب القرن 15 حتّى اختاروا فناجينهم؟ وكيف كان منطقهم آنذاك؟ } وإليك ما وجدت…

أوّلاً، حجم فنجان القهوة.
سَعَة فنجان القهوة يجب أن تكون ما بين 50 ملل و 70 ملل. لا أكثر من 70 ولا أقل من 50. إذا كان الفنجان كبيراً سينتشر زيت القهوة على السطح بشكل أسرع فتصير طبقته رقيقة ويتبخّر أسرع. بالتالي، نخسر نكهة القهوة العميقة بعد أوّل رشفة. من جهة ثانية، حين يكون الفنجان كبيراً سيكون بارداً أكثر وسيسحب حرارة القهوة أسرع، وستترسّب حبيباتها على جدرانه أسرع، وسنخسر بالتالي نكهتها. ويمكن حلّ هذه المشكلة من طريق صبّ ماء ساخن في الفناجين لتسخينها قبل صبّ القهوة فيها.
ثانياً، شكل فنجان القهوة.
حتماً ستريد فنجاناً يحضن القهوة فلا يحبسها. حين يكون تشكيل الفنجان بشكل يضيق كلّما نزلنا إلى تحت يكون فنجاناً ممتازاً يسمح لزيت القهوة بالطلوع والتجمّع في الطبقة العلويّة، لا تحت. وعلى هذا، نستمرّ بأخذ أقصى نكهة مع كلّ رشفة. ما اختار العرب قديماً شكل فنجان القهوة العربيّ عن عبث، نجده دائماً بشكل الكوز المقلوب، وقعره خال من الزوايا.
ثالثاً، مادّة فنجان القهوة.
الخزف (الفخّار المزجّج) هو أفضل المواد لفنجان القهوة. ولم يزل اختيار العرب الأوّل من القرن 15 وإلى اليوم. والسبب أنّ الخزف فخّار مصنوع من الطين النقي، ومغلّف بطبقة من الزجاج. هذا الفخّار يحافظ على دوران الحرارة داخل فنجان القهوة باستمرار. وعلى هذا، تبقى حرارة القهوة داخل الفنجان متوازنة لا تتغيّر. هذه التقنيّة لها تأثير كبير على توزّع زيت القهوة اللّذيذ داخل الماء في الفنجان.
رابعاً، شِفَة فنجان القهوة.
مهمّ جدّاً أن تختار فنجاناً بحافّة مريحة لشفاهك. فكلّ رشفة قهوة كأنها قُبلة تؤخذ من شفاه بريدجيت كما يقول الناپولي {روبيرتو مُرتولو}. من الضروري أن تكون الحواف محدّبة بشكل مريح، لا رقيقة حادّة ولا سميكة أكثر من اللّزوم، بشكل يسمح للقهوة أن تتسربل برقّة إلى الفم. فلا تندلق دلقاً ولا تطلع ماء فقط دون زيت القهوة أو حُبيباتها. شفاه الفنجان الغليظة ستحبس حبيبات القهوة في الفنجان وتقدّم لك ماء فقط.
خامساً، يد فنجان القهوة.
تلك الإضافة حيث تمسك الفنجان هي ما يثير فيك المتعة لحمل الفنجان. فعليّاً، هي ما يشجّعك على أن تمسك الفنجان وتشرب القهوة مرّة ثانية وثالثة ورابعة… كلّما كانت يد الفنجان مفلطحة أكثر كلّما ساعدت أصابعك على موازنة الفنجان عليها أكثر. ومن جهة ثانية، يد الفنجان الرفيعة مخيفة لأغلب الناس، لأنّك تشعر وكأنّها ستنكسر بين يديك.

الهيف، الفنجال، فنجان القهوة العربية
وينبغي أن أشير هنا إلى أنّ هذه النصائح الخاصّة بفنجان القهوة تسري ببعضها على فنجان القهوة العربية لكنها لا تسري بكلّها. فنجان القهوة العربية أو الهيف يتميّز بغياب اليد، ومصمّم أساساً لشرب القهوة رشفات، فيوضع فيه مقدار رشفة واحدة فقط، تُشرب، ثم توضع فيه رشفة ثانية، وهو بهذه الطريقة مصمّم لإيواء نكهة القهوة دون تأثير فيها، في حين يحافظ عليها الوعاء (الدلّة) التي تحفظ القهوة. لذلك، لا يهمّ إن كان للفنجال قاعدة سميكة تحفظ الحرارة.
هذا الهيف مصمّم في الأصل لصنف من القهوة لا يُشرب منها غير رشفة رشفتين على الأكثر، لأسباب صحّية وعلاجية. لكنّه شاع اليوم للكثير من أصناف القهوة.

الآن وقد وصفنا فنجان القهوة المفضّل عند العرب، لنتابع الحديث في وصفات القهوة المحبّبة عند العرب.
وصفات القهوة التقليدية بين أيادي العرب
أبدأ مع القهوة الشاميّة، ثمّ الحلبيّة، ثمّ وصفات مختارة متنوّعة من كلّ بلاد العرب.

القهوة الساده شاميّة
القهوة اللي اعتاد السوريّين نكهتها عموماً اسمها القهوة الشاميّة، ومتميّزة عن باقي وصفات القهوة بتنكيهها بالهيل. والقهوة الشاميّة عمليّاً هي تطوير لقهوة البدو الشماليّة التي يسمّيها أهل دمشق {قهوة عربيّة} أو {قهوة مرّة}، في حين يسمّيها بدو الشام بـ{القهوة الساده}. لذلك تتشارك قهوة الشام مع القهوة الشِّمالية ذات الدرجة من تحميص البن وعلى هذا نفس اللّون في الفنجان. وقهوة البدو الشماليّة لونها داكن، مقارنة بغيرها من وصفات القهوة. وبينما اعتاد بدو الشام طبخ القهوة بالجذوة؛ اعتاد الدمشقيّين طبخ القهوة بالدُولة (الدُلّة، الركوة) النحاسيّة، وكانت بالأصل أداة لتسخين نبيذ العنب.
الدمشقيّين لمّا تعرّفوا إلى القهوة من البدو أضافوا لها الهيل سنة 1530، لمّا تأسّس أوّل مقهى بدمشق باسم (قهوة خانة) على ضفّة بردى في مكان قريب من فندق سميرأميس اليوم. وفي تلك الفترة كان الدمشقيّين مولعين بالهيل ويضيفنه لكلّ شيء. وهكذا وُلدت القهوة الشاميّة التي انتشرت في كلّ العثمانيّة تقريباً باسم قهوة عربي أو قهوة شاميّة، حسب من يسمّيها، عربي أو غير عربي. لكن، في مصر نالت اسم قهوة تركي، لأنّ المصريّين في تلك الفترة اعتبرن الشام من المنطقة التركيّة من العثمانية، في حين أن مصر هي العربيّة.
القهوة التجاريّة الدمشقيّة ذاتها انتقلت إلى حلب والقاهرة مع استنساخ تجرِبة المقهى (قهوة خانة) لأنّ هذا المكان كان رمزاً للمعارضة السياسيّة بالحجاز من أيّام المماليك. يعني قبل أوّل مقهى دمشقي بحوالي 17 سنة. علماً أنّ المقاهي وقتها كانت تبيع وصفتين للقهوة، مع هيل وبدون، مع فارق بالثمن. وطبعاً ترد الناس تتفاخر وتتظاهر فتدفع أكثر وتطلب القهوة مع هيل. لأنّ الهيل وقتها كانت مادّة ثمينة مستوردة من الهند.
تُصنع القهوة الشاميّة ومن حوالي المئة السنة من البنّ الأرجنتيني بدل البنّ اليمني. مذ سيطرت بريطانيا على سوق البنّ في دمشق. فتحمّص حبّات البنّ إلى درجة داكنة وتُطحن طحناً ناعماً جدّاً. وسبب اعتياد الطحن الناعم أنّها كانت تطحن في مطاحن حجريّة. ذاتها المستعملة لطحن الزركون والزجاج لصناعة البورسلان. وهي مطاحن تُخرج الطحن أنعم من الحرير بين الأصابع. اليوم تتوفّر مطاحن كهربائية مختلفة لكن بقي الطلب على الطحنة الناعمة للبن.
في نفس الوقت يحمّص الهيل الهندي الأخضر ويُطحن ويُضاف للبن المطحون. القهوة الشامية لا تحمّص البن والهيل مع بعض، ولا تطحنهم مع بعض، إنّما يُخلطون بعد الطحن. ومن الناس من يحبّ نسبة الخلط ثلثين بثلث ومن الناس من يحبّها نص بنص. وإلى اليوم أتذكّر جدّي السوري (رحمه الله) في دمشق حين كان يجلب جبال البن والهيل إلى البيت ثمّ يحمّص ويخلط ويعبّئ في المطربانات النحاسيّة أو الخشبيّة مونة البيت من البن. جدّتي (رحمها الله) كانت تحفظ قليلاً من البن أخضراً على جنب. وكلّما أحبّت أن تصنع قهوتها على كيف، تحمّص بنّاتها وتطحنهنّ بطاحونة خشب صغيرة وتغلي دولتها… كنت أحبّ رائحة هذه الطاحونة الصغيرة. وأتذكّر حين أهداها جدّي لاحقاً طاحونة بن كهربائية صغيرة بدل اليدويّة، تضعها إلى جانبها “بالديوان” وتصنع قهوة على كيفها.
لتقديم القهوة ومهما كانت الكمّية التي تريد شربها، لا نصبّ في كأس كبير. كان من عادة الشوام أن يحضروا الدولة النحاس الكبير إلى الطاولة وتحتها شمعة، ويصبّ منها القليل فالقليل في فناجين صغيرة كي تبقى النكهة غنيّة وعميقة، فلا تضيع في كأس كبير.
وصفات القهوة مختلفة، حسب التحميص، من الوصفات ما يحتاج إلى أن ينزل البن في ماء ساخن، ومن الوصفات ما يحتاج إلى أن ينزل البن في ماء بارد… القهوة الشاميّة بالهيل، ينزل فيها البن على ماء يغلي وتُرفع بعد قلبة (فورة) واحدة، أو ثلاث حسب المِزَاج، ومن الناس من تحبّ أن تتركها لتقلب سبع قلبات لأنّها هكذا تصنع رغوة أكثر. يعني تقريباً بعد نص دقيقة من تنزيل البن في الماء نطفئ النار. لهذا السبب تخرج القهوة ثقيلة وكثيفة وقويّة. عدد القلبات يساهم بكميّة الزيت على وجه الفنجان، فالناس التي تحبّ أن تشربها بسرعة تكثّر من القلبات، والناس التي تحبّ مزمزة القهوة تكتفي بقلبة وحدة.
الناس التي تحبّ قهوتها محلّاة تضيف السكّر إلى الماء قبل غليانه. يعني، بعد يضاف السكّر إلى الماء في الدولة وهو بارد، ثمّ يسخّن إلى درجة الغليان، ثمّ يضاف مسحوق البنّ. هذه الطريقة تغيّر نكهة السكّر وتلطّفه أكثر. ومن الناس من تضيف السكّر بعد أن تقلب القهوة، لكنّ هذه الطريقة تجعل حلاوة السكّر حادّة وغير مستساغة وتخرّب زيت القهوة… هذه الطريقة الأخيرة كان يسمّيها جدّي السوري {قهوة ولّاديّة}… لكن، الغالب بين محبّي القهوة الشاميّة في سوريا هو شربها ساده من دون تحلية.
بكل حال، حتّى سنة 2010 كان معظم البن في أسواق سوريا بن أرجنتيني، نفس مصدر المتّة. هذه الحال تغيّرت لاحقاً. سنة 2019 تعدّدت مصادر البن في سوريا، وصارت النسبة الأعلى بن برازيلي، بعدها بن هندي، وتركي، وكيني، وكولومبي على الترتيب. وقيمة مستوردات سوريا القانونيّة سنويّاً من البن هي حوالي 53 مليون دولار. علماً أنّ البن التركي هو فعليّاً بن مستورد بأغلبه من البرازيل. فتركيا لا تنتج البن.
لذلك، كسوري، إذا كنت في بيتك في المهجر تريد الحصول على نكهة القهوة كما كنت معتاداً عليها في سوريا قبل سنة 2010 اشتر بن أرجنتيني وهلّيه. وإذا كنت تريد الحصول على نفس نكهة ما بعد سنة 2012 فاشتر بن برازيلي وهلّيه. الهيل المعتاد في سوريا هو هيل هندي أخضر، اسمه التجاري هو {الهيل الحقيقي} أو {الهيل الأخضر} واسمه العلمي هو Elettaria cardamomum. علماً أنّ أكبر مصدر للهيل الأخضر في أسواق العالم اليوم هو جزيرة جَنُوب أفريقيّة تملكها فرنسا واسمها جزيرة {ريونيون} Réunion بالإضافة إلى دولة {كوستا ريكا} وسط الأميركيّة.

القهوة حلبيّة… لا تركيّة
تحدّثت كثيراً في القهوة الشاميّة. وهذا ليس حالي وحدي، إذ غالباً ما تتحدّث الناس في القهوة الشاميّة فقط وميزة الهيل فيها، وتسمّيها قهوة عربيّة، وتنسى وجود وصفة خاصّة بمدينة حلب. وهي من الوصفات القديمة في المنطقة العربيّة ومنسيّة مع الأسف. لكن، كيف نسيت الناس هذه الوصفة وكيف تغيّرت الذائقة؟ ولماذا ما عاد الناس تحدّثوا بالقهوة الحلبيّة؟
في غرب أوروپا تنتشر وصفة قهوة باسم {قهوة تركي}. ومن يعيش في تركيا اليوم وجرّب ما تسمّى بالقهوة التركية في أوروپا يعرف أنّه هذه الوصفة غير شائعة في تركيا، وغير مرغوبة من الأساس، إنّما القهوة الشائعة في تركيا فهي الموكا اليمنيّة، وسأتحدّث فيها بعد قليل. لكن، هذه القهوة المنسوبة إلى تركيا في أوروپا هي القهوة الحلبيّة القديمة. وكانت من عادات الحلبيّة زمان أن يشربوا قهوتهم مساء في السهرة أو قبل النوم.
القهوة الحلبيّة هي في الواقع قهوة حامضة محلّاة، وعشّاق الأغاني الحلبيّة القديمة يعرفون كلماتها التي تحكي دائماً عن حلاوة القهوة وكراهة مرارتها. والاختلاف الأساسي ما بين القهوة الحلبيّة والشاميّة هو درجة تحميص البن. سبب تحلية القهوة الحلبية هو وجود النكهة الحامضة فيها، التي تخرج من طبيعة حبّة البن الشقراء، التي تصنع منها قهوة حلب.
حين صنع الحلبيّة القهوة أوّل مرّة تعلمنها من البدو الشرقيّين، وقهوتهم العربية أساسها بن قليل التحميص، إلى درجة أن يشهب لونه؛ ما بين الأخضر الأصلي والبنّي. وما كانت نكهة الهيل شائعة ما بين الحلبيّة في ذلك الزمن فاكتفوا بإضافة السكّر أو العسل إلى القهوة الشقراء، وهكذا صارت القهوة الحلبيّة. هذه القهوة انتشرت في أنحاء أوروپا من إيطاليا في زمن الدولة العثمانيّة في القرن 16، ولمّا كانت الناس تسمّي العثمانية {تركيا} أطلقت على هذه القهوة اسم التركيّة.
من مميّزات القهوة الحلبيّة الشكليّة هو وجود طبقة رغوة كثيفة عليها. هذه العادة لم تزل حيّة إلى اليوم يحافظ عليها الإسپان والمكسيكيّين والكوبيّين… أنّ كأس القهوة يجب أن تكون ذات رغوة تمتع العين.
أمّا كيف تراجعت شهرة القهوة الحلبيّة في حلب نفسها وانقلب المِزَاج إلى القهوة الشاميّة السوداء بالهيل. فعلى الأغلب أنّ السبب هو تاجر حلبي؛ كل ما هو معروف من اسمه هو الاسم الأوّل فقط. هذا التاجر كان اسمه {حكم}، شارك حكواتي دمشقي اسمه {شمس}، وكبرت تجارتهم حتّى صار {حكم} نهاية القرن 16 صاحب أكبر عدد من المقاهي في الدولة العثمانيّة. وهو الذي افتتح أوّل مقهى في القسطنطينيّة سنة 1555.
{حكم الحلبي} التاجر قدّم في مقاهيه وإلى جانب المشروبات الباردة والحلويّات، عدّة وصفات للقهوة، منها الحلبيّة الشقراء والشاميّة بالهيل والعربيّة الساده من دون هيل وغيرها. وكانت القهوة الشاميّة عنده هي الأغلى بسبب وجود الهيل كإضافة فيها. وطالما أنّ الناس تحبّ الظهور بثرائها، صارت القهوة الشاميّة بالهيل هي التي تقدّم للضيف المعزوم في المقهى لأنّها الأغلى. وهكذا اتجهت الذائقة الحلبيّة رويداً رويداً إلى تجاهل القهوة الحلبيّة الشقراء والميل إلى شرب القهوة الشاميّة السوداء. من جهة ثانية، اعتاد أهل حلب على قهوتهم مشروب مسائي، يعني للبيت. أمّا القهوة الشاميّة فقد انتشرت في حلب قهوة صباحيّة أو نهاريّة، يعني في المقهى.
سنة 1585 تعرّف السفير البنديقي {جان-فرانشيسكو موروزيني} Gianfrancesco Morosini بالقهوة وعلى مقاهي التاجر {حكم}، وعرض عليه شراكة لافتتاح مقهى في مدينة البندقيّة. {حكم} رفض العرض وعرض توريد حبّات البن اليمني للتجّار البنادقة فيصنعن بها ما يشاؤون، والبنادقة باعوا البن إلى الإسپان. لكن شاب حلبي آخر، مجهول الاسم اليوم، هاجر إلى البندقيّة بعد خمس عقود (في القرن 17) وافتتح بواحد من موانئها مقهى لخدمة البحّارة العثمانيّين. هذا المحل على ميناء {لا-سِرِنيسّيما} La Serenissima كان أوّل مقهى في أوروپا خارج حدود العثمانيّة، افتُتح سنة 1629 ليُدخل كلمة Cafés إلى اللّغة الڤينيشية (البنديقية) بمعنى مقهى، وهي كلمة محوّرة عن {كهڤه}، طريقة لفظ قهوة بالعثمانيّة.
هذا الشابّ الحلبي قدّم في البندقيّة القهوة العربيّة الساده المرّة، لا الحلبيّة ولا الشاميّة. لذلك، على الأغلب أنّ هذا الشاب كان من نواحي إيالة حلب لكن ليس من مدينة حلب نفسها. وعن القهوة العربيّة اللي قدّمها هذا الحلبي في البندقية تطوّرت القهوة الإيطاليّة ونكهاتها لاحقاً حتّى وصلنا إلى الإسّپريسّو، النسخة الإيطاليّة من قهوة بدو الشام العربيّة الشِّمالية السوداء المرّة. وعنها وعن نكهتها طوّرت شركة نسكافيه الفرنسيّة قهوتها الشهيرة فيما بعد، وأعادتها لنا قهوة داكنة محمّصة زيادة… لكن، مع ذلك، قدّمت نسكافيه لاحقاً نسختها من القهوة الحلبيّة الأصليّة، المعروفة في أوروپا باسم {قهوة تركي}، وهي نسخة نسكافيه گولد.
وصفة القهوة الحلبيّة الأصليّة انتقلت عن طريق خان البنادقة في حلب إلى خان البنادقة في مدينة برشلونة الكتالانيّة، وتطوّرت عنها وصفة القهوة الكتالانيّة {سيگَلو} Cigaló اللي تطوّرت عنها القهوة الكوبيّة-الإسپانية التقليدية {كاراخيّو} Carajillo وهي قهوة لاتينيّة فيها خمور. والتسمية الكوبيّة الإسپانيّة معناها شراب مقوّي، مثل مشروبات الطاقة اليوم… الحلبيّة تركوا قهوتهم، والعالم صنع منها وصفات مختلفة.

وصفات العرب التقليديّة للقهوة
حكينا بالقهوة الشاميّة والحلبيّة، وحكينا قليلاً في أصول وصفاتهم وأصول آداب فنجان القهوة العربي في هذه البلدان. وصار لزاماً أن نحكي بوصفات القهوة العربيّة غيرها، الأصول والفروع عن الوصفات البدويّة الأم. لنرى كيف يمكن لنا أن نطوّر فيها أكثر ونكتشف كيف يمكن أن نستلذ بها أكثر.
أقدم وصفات القهوة الباقية بين العرب على حالها هي وصفة القهوة الذهبيّة الحجازيّة. وهي الوحيدة حاليّاً التي لم تزل تُصنع بالتخمير البارد وليس بالغلي، وهي القهوة التي انتشرت في العالم اليوم باسم {كولدبرو} Cold brew.
في الحجاز يمكن أن يضاف لها بهارات مختلفة مثل الزعفران أو الهيل أو القرفة أو القرنفل. والزعفران مسؤول عن لونها الذهبي. وتُصنع من بن محمّص عشر دقائق فقط حتّى يصبح لونه ذهبي، وبعدها ينجرش جرشة خشنة تضاف أثناءها البهارات، ثمّ يصبّ عليها ماء ساخن وتترك ما بين نصف ساعة إلى ساعة. أخيراً نصفّيها ونشربها لذيذة.
لكن، قهوة التخمير البارد Cold brew العربية اليمانية الأصلية، والمنشرة في أغلب أنحاء عالم اليوم، تكون بالتخمير في مياه باردة فعلاً، بنقع مسحوق البن من تحميصة داكنة في ماء بارد مدة 16 إلى 24 ساعة داخل الثلاجة.

والآن نتمشى طلوعاً من الجَنُوب إلى الشمال…
القهوة اليمنيّة تُصنع من أجود أنواع البن اليمني، وأشهرها البن الخولاني والبن الجبلي. ومن وصفاتها:
- قهوة القشر: قهوة مسائيّة، تُصنع من غلي القشور الخارجيّة لثمرة البُن.
- القهوة البيضاء: هذه القهوة خفيفة جدّاً للذوّاقة وتُصنع من بنّ محمّص على حرارة خفيفة للحفاظ على لونها الفاتح المُميّز وتُبهّر أحياناً بالهيل. طعمها يشبه طعم الجوز مع درجة خفيفة من الحموضة والمرارة.
- القهوة الصباحيّة اليمنيّة: تُنصع من بن تحميص وسط (أشقر داكن) مع إضافة الزنجبيل والسكّر.
- قهوة المخاء (الموكا): تُنصع من بنّ الموكا مع تحميص كامل (بنّي داكن) مع إضافة القرفة والكاكاو والحليب. كرزة الموكا فيها حبّة واحدة كاملة وليس فلقتين كغيرها.
- القهوة الشاذليّة: هي القهوة اللي ابتدعها الشيخ الحضرمي {أبو بكر الشاذلي العدني العيدروس} في القرن 15، وكانت أولى تجارِب القهوة، وكان اسم المشروب {الشاذليّة} قبل شيوع كلمة قهوة. واليوم ضاعت وصفتها الأصليّة، لكن بعض ناس تصنعها من قشر البن فقط، وآخرون يصنعنها من كامل حبة البن قشر ولب، وآخرون يصنعنها من اللبّ فقط، وأهمّ ما فيها خلوّها من البهارات، وحبّتها شقراء كاملة، وطعمها شديد المرار.
قهوة قلب شبه الجزيرة العربية، أو مجازاً القهوة العربيّة، تُصنع من بن أشقر تحميص خفيف لكنّها تُطبخ لوقت طويل، وتُتبّل بالهيل والزعفران والقرنفل والقرفة (كما الحجازيّة) وتقدّم رشفات صغيرة مع التمر والحلويات.
القهوة الخضراء، هي قهوة عربيّة معمولة من البن بلا تحميص، وطعمها حامض مميّز ومختلف عن كلّ أنواع القهوة في العالم. حبوب البن فيها صحيحة أو مجروشة جرشة خشنة، وتنزل على ماء مُغلّى وتُغلى معها ربع ساعة، وتُصب في كأس كبير. عادة ما تشربها الناس مع الحَلْوَيَات، أو تحلّيها بالعسل.
قهوة الجَبَنَة السودانية، هي قهوة تنتشر حيث تنتشر الثقافة النوبيّة، فهي من المشروبات الرسميّة عند قبائل البشاريّين والعبابدة في حلايب وشلاتين، وفي النوبة المصريّة وشرق السودان وإريتريا وإثيوپيا، حيث تسمّى ጀበና، وفي بعض اليمن كذلك. تُصنع من البنّ المحمّص تحميص وسط إلى داكن، ثمّ يدقّ فى مدقّ من خشب الأبنوس مع الزنجبيل وحبّ الهال (حبّهان في مصر والسودان). ثمّ، بعد الدقّ يدلق المسحوق في الجَبَنَة الفخّارية، ليضاف إليه الماء الساخن ثمّ يُحكم إغلاقه، ويُنقع مدفوناً في الفحم حتى ينضج المشروب على مِزَاج شاربه.
القهوة الشِّمالية، وتسمّى كذلك بقهوة البدو الشاميّة أو قهوة بنّ الشمال أو القهوة المرّة. تُصنع من بن تحميص كامل مجروش، ينزل البن في ماء يغلي وتُطبخ بالدلّة على حرارة خفيفة لوقت طويل يمكن أن يمتدّ حتّى ستّ ساعات. وكانت عادة البدو قديماً تركها في جمر المنقل طوال اللّيل لكي يشربنها في الصباح.
القهوة الساده، بنت عمّها للقهوة المرّة، لكن مصنوعة من بن داكن طحنة ناعمة مع إضافة الهيل، ينزل البن في ماء بارد وتُطبخ لوقت طويل، حسب المِزَاج، بين الساعة والثلاث ساعات. شائعة في فلسطين والأردن.
القهوة الشاميّة، بنت خالتها للقهوة المرّة وتحدثت عنها طويلاً قبل قليل.
القهوة اللبنانيّة، هي ذاتها القهوة الشاميّة لكنها تتميّز بخلط درجتين تحميص للبن، أشقر وغامق. وهي بالمناسبة قهوة وليدة منطقة ريف حمْص وليس دولة لبنان المعاصرة. المنطقة بين حمْص ودمشق كانت كلها اسمها لبنان قبل اقتطاع جبل لبنان بمتصرّفيّة فرنسيّة سنة 1862.
القهوة الحلبيّة، بنت عمها للقهوة العربية الشقراء، وتحدثت عنها طويلاً قبل قليل.
القهوة المغربيّة أو القهوة العطريّة، هي القهوة الشاميّة بتوابل أكثر من الهيل، وعادة ما يضاف إليها عدد كبير من التوابل حسب الرغبة. قرفة، يانسون، شمر، هيل، زنجبيل، خولنجان، جوزة الطيب، فلفل أسود، لوز، سمسم… تُجرش التوابل وتضاف بنسبة ربع إلى ملعقة بن. وتتميّز عن الشاميّة بثقلها وقوّتها، عيار الفنجان هو ملعقة كبيرة لا وسط.
أخيراً، تنتشر بين بعض العرب وصفة قهوة عربيّة لكنّها مستوردة من خارج الدول العربيّة، هي قهوة عرب إثيوپيا وبنت مدينة هرر (مدينة الأولياء) العربيّة. اسم الوصفة هو قهوة هرريّة، نسبة إلى اسم مسقط رأسها، وتُصنع من بن هرري غير محمّص، إنّما مجفّف بالشمس. يكون لونه أخضر مصفر. ومن العادات الشائعة في المملكة السعوديّة تحميص البن الهرري أشقر أو أشقر بنّي. لكنّ الأصول أن تكون الحبّة خضراء مشمّسة حتّى صارت ذهبيّة. وطعمها قوي ومميّز وبيشبه طعم الشوكولا.

ختاماً، تنتشر بين بعض العرب مشروبات عربيّة تسمّى قهوة لكن تُصنع من بزور غير البن، مثل قهوة اللّوز أو قهوة نوى التمر أو قهوة الحمّص… وقهوة اللّوز مختلفة عن شراب اللّوز، إنّما فيها رز ولوز وهيل مطحونين مغليّين مع الحليب المحلّى. ومن المهمّ جدّاً جدّاً حين تحتفظ بالبن مطحون في البيت، أن لا يرى الضوء وأن لا يخزّن في البرّاد (الثلّاجة) وأن لا يتعرّض لأشعّة الشمس… وباتّباع هذه العادات يمكن أن يبقى سنيناً مخزّناً ويبقى صالحاً لطبخ القهوة.
احكيلي عن فنجانك المفضّل لشرب القهوة، وما هي قهوتك المفضّلة؟ ولربّما تريد التعرف بتاريخ المقاهي الأولى في هذا العالم
مراجع ومصادر
- هاني الخوري، “تاريخ القهوة وأسرارها في العالم العربي”، دار الفكر المعاصر، 2015.
- عبد الله المسند، “القهوة في الثقافة العربية”، مجلة العربي، العدد 675، 2016.
- رالف س. هاتوكس، “القهوة والقهوة: قصة القهوة العربية”، تَرْجَمَة عادل زعيتر، دار العودة، 2002.
- أحمد القرشي، “القهوة: طقوس وتقاليد”، دار الشروق، 2010.
- عبد الإله الراوي، “موسوعة القهوة: تاريخها وأصولها وطقوسها في العالم”، دار النهضة العربية، 2018.
- سعدي الحلي، “القهوة عبر التاريخ: من البداية حتى العصر الحديث”، دار الساقي، 2011.
- جون كوينتن، “القهوة والإمبراطورية: القصة العالمية للقهوة”، تَرْجَمَة محمد عبد الكريم، دار الفارابي، 2017.
- محمد عبد الفتاح الحمامصي، “القهوة والمقاهي في الأدب العربي”، مكتبة الأنجلو المصرية، 2014.
- أنطوني وايلد، “القهوة: مشروب يحكي التاريخ”، تَرْجَمَة هشام فهمي، دار العلم للملايين، 2005.
- مكتبة المتروبوليتان للفنون، “مَعْرِض الفن الإسلامي وتراث القهوة”، نيويورك، متاحة إلكترونياً عبر موقع المتحف.





اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد