هذا سرد بسيط في حكاية خمس من أشهر المحاشي (الدولمة) في المطابخ العربيّة
وهذه الأكلات جميعاً غير مذكورة في كتاب الطبيخ البغدادي، سواء بنسخة القرن 10 أو بنسخة القرن 13، وعلى هذا فكلها أكلات عرفها العرب بعد هذا التاريخ. عموماً، فكرة لفّ الأرز بورق الخضار هي فكرة شرق آسيوية وصلت الشرق الأوسط مع الترك والمغول، وكذلك أكلات الدولما والصرما بالعموم هي آكلات من بنات تركستان، وكانت بداية عبارة عن حشو كاسات (تيجان) الفلفل الحلو والجزر الأصفر بالأرز واللّحم والبصل.

اليبرق أكلة اخترعها القانون الإسلامي.
سنة 1250 ومع انفراط سلطنة الروم الإسلامية، تأسّست في منطقة گيليگيا (جَنُوب تركيا المعاصرة) إمارة مسلمة أخذت اسم مؤسّسيها؛ آل كريم ٱلدين قرمان باي السالوري التركماني الأوغوزي. وإكراماً له غيّر أولاده من بعده اسم العاصمة من لارندة إلى قرمان.

كانت قرمان أوّل دولة تعتمد اللّغة التركيّة لغة رسميّة في منطقة الأناضول بديلاً عن الفارسيّة السلجوقية، وأوّل دولة في العالم تكتب اللّغة التركية بالحرف العربي-الفارسي. كان جيش الدولة مكوّن من مناصفة ما بين العرب والتركمان، لكن أغلب وزراء الدولة وإقطاعيّيها وتجّارها كانوا من الأرمن المسلمين.
في فترة من حياة هذه الدولة اللي دامت أكثر من قرنين، حرّمت القوانين إنتاج وتجارة الخمور، وكانت زراعات الإمارة تعتمد بأغلبها على زراعة العنب وإنتاج النبيذ، وهو مصدر رزق الإمارة الأول. مع تحريم إنتاج الخمر فقد عدد كبير من المزارعين الأرمن المسيحيّين مصدر رزقهم الوحيد، وكتعويض اخترعت إمامة قرمان أكلة اليبرق لترويج أكل ورق العنب، وبذلك عوّضت الناس التي فقدت مدخولها من النبيذ بمدخول من بيع ورق العنب مع العنب نفسه.
منع إنتاج الخمور في إمارة قرمان كان بضغط من سلطنة المماليك والغاية منه كانت الحدّ من العلاقات التجارية الممتازة ما بين إمارة قرمان وجمهورية البندقية. وكتعويض استأجر المماليك مدينة ألانيا وميناءها من إمارة قرمان، وكان هو الميناء الأساسي للتجّار البناديق في الإمارة. وهكذا كان للسياسة والتنافس الاقتصادي باسم أحكام الإسلام الفضل باختراع الأكلة المفضلة عند السوريّين من بين المحاشي: اليبرق.
تسمية اليبرق أصلها الكلمة العثمانية یپراق عن التركمانية يپراغي وتعني ورقة، والمقصود ورقة دالية العنب. أصل التسمية من التركية القديمة japur-gak وتعني ورقة نبات. ويبراغي ليست كلمة بحد ذاتها بل أيضاً ضمير العائد yaprak ورقة حيث ورقة الشجرة بالتركية هي Ağaç yapraği.

اليلنجي أكلة اخترعها النباتيّين العرب.
على ساحل المتوسط الشرقي عموماً وفي منطقة الجزيرة، وعلى الرغم من قرون من المسيحيّة والإسلام، كانت بعض العادات الفنيقية والآرامية لم تزل تحيا بين الناس، التي تفضّل أكل البقول على اللّحم. وما كانت هذه الناس تكره اللّحم ولا تحرّم أكله. لكن، تفضّل أن تتناول وجبات لحم في مرّات قليلة خلال السنة، في مقابل وجبات يوميّة أغلبها نباتي من البقول أو سمك.
لهذا السبب مثلاً نجد في المنطقة الفنيقية القديمة الكبّة النية بلا لحم. وهذه المنطقة الفنيقية التي أقصدها هي الممتدّة شمالاً من نهر دجلة حتى ساحل سوريا. وكانت عادات التبقّل من مدارس فلاسفة المسلمين في القرون الوسطى، ولعلّ أشهرهم كان آنذاك أَبِي اَلْعَلَاءْ اَلتَّنُوخِي اَلْمَعَرِّي، أشهر فلاسفة المعرّة في القرن الحادي عشر، الذي صرف أكثر من أربع عقود من عمرة لم يذق فيها لحماً أبداً.
في هذه المنطقة أحبّت الناس اليبرق، الاختراع القرماني، لكن صنعت منه نسخة ليس فيها لحم، لكي تناسب ذوقها النباتي، وطالما اعتادت العائلات التركمانية على اليبرق بلحم، فلمّا أكلوا اليبرق العربي بلا لحم قالوا عنه {يلنجي يبرق} يعني ورق عنب كذّابي. وهكذا انتشرت تسمية يلنجي بين الناس، وقصور الناس.
عموماً، شعبية اليلنجي هي اليوم في سوريا وتركيا أعلى من شعبية اليبرق بلحم.
والتبقّل مذهب قديم في المنطقة وبين العرب، دخل الإسلام في مدارس الفلاسفة، وآخر أشهر روّاده وشيخه الأعظم كان أبو العلاء المعرّي، ثم أقصته الخلافة العباسية لمّا تبنّته الخلافة الفاطمية ونادت به، خصوصاً المُعِز والعزيز والحاكم الفاطميِّين. وغالت العبّاسية حتّى حرّمت الفلسفة كلّها. لكن مذهب التبقّل بقي في المغرب العربي حيّاً بأوجه مختلفة حتى القرون الوسطى المتأخّرة، بولوجه بين مدارس الصوفيّين، ولو أنّه في الأساس ضدّ التصوّف.
ومن سنن مدرسة التبقّل الكراهة وعدم التحريم. فكره المعرّي أكل لحم الحيوان وفضّل البقول. وكره أذيّة الحيوان والإساءة إليه. وكره استعمال أعضاء جسم الحيوان في اللّباس. وكره الخمرة ومنعها على نفسه حتّى لو كانت حلالاً. وكره الإفراط من كلّ شيء. وكره الزواج بغير ضرورة. وكره الزواج قبل الأربعين. وكره اختلاف الأعمار الواسع بين المتزوّجين. وكره الزواج بغير عاقر. وكره الإكثار من الأطفال. وكره تعدّد الزوجات. وكره الطلاق من بعد زواج. وأوصى بإبقاء الزوجة مدى العمر ولو لم تنجب. وكره دخول الجواري والغلمان. وكره المنجّمين والتنجيم. وكره خروج المرأة من بيتها بلا ضرورة. وكره إرضاع المرأة غير وليدها. وكره إهمال المرضى والفقراء. وكره زكاة المال وفضّل عليها زكاة العمل، أي أن تخدم الفقير بنفسك صدقة. وكره الكذب. وكره الاعتداء على الغير. ويقول في أنّ اعتقاد الإنسان بأن الكون مخلوق ومكرّس لبني آدم هو اعتقاد فيه إهانة للمولى الخالق. ويكره على الناس صلاة من خالف المكروهات، ومن اشتهى طول العمر، ووفرة المرفّهات. وهو صاحب الرأي في أنّ الضرورات تبيح المحظورات.

الكوسا المحشي أكلة اخترعها الإبداع الحلبي.
سنة 1207 وقّعت حكومة جمهورية البندقية اتفاقية شراكة تجارية مع الملك الظاهر غياث الدين غازي بن الناصر صلاح الدين يُوسُف. وكان آنذاك ملك على حلب. مملكة حلب في ذلك الزمن كانت تشمل على إيالات الموصل والرقة وحلب حتى البحر المتوسط.
بموجب هذه الاتفاقية انفتحت مملكة حلب للتجارة البنديقية وصار للبندقية مركز تجاري في مدينة حلب هو خان البنادقة (البناديق). وكانت للبناديق علاقات تجارية ممتازة بالإمبراطورية الإسپانية، لهذا السبب عوّضت التجارة مع البنادقة عن المقاطعة الإسلامية لإسپانيا والعالم الجديد.
وكانت من الخضراوات اللي استوردها البنادقة في القرن 18 من الپيرو إلى حلب الكوسا. فزرع الحلبيّون الكوسا في سوريا نهاية القرن 18 وحشوه على تقاليد الدولمة. ثم وخلال فترة قصيرة (حوالي 40 سنة) انتشرت زراعة الكوسا في كامل مناطق سوريا والشام وانتشرت معها أكلة الكوسا محشي. وصارت من أفخر أكلات الولائم التي يكرم بها الناس ضيوفها.
اليوم يقدّم السوريّون الكوسا المحشي بطريقتين أساسيّات، مطبوخ بصلصة البندورة (الطماطم) أو بصلصة من اللبن الرائب المطبوخ. ويسمّى شيخ المحشي، أي شيخ كل وصفات المحاشي.

البتنجان المحشي أكلة من التراث العراقي.
الباذنجان ثمرة صينيّة الأصل، بدأت زراعتها حوالي القرن السادس. أي أنّها من الزراعات الحديثة نسبياً. انتقلت هذه الزراعة من الصين إلى الهند، المكان الذي تطوّرت فيه أنواع جديدة هي التي نعرفها اليوم كعرب، وبسرعة وصلت هذه الأنواع من الهند للعراق.
ويقدّر الآثاريّون فترة انتقال زراعة الباذنجان من الصين إلى العراق بحوالي 3 قرون، بالتالي يمكن أن نقول أنّ زراعة هذه الثمرة بدأت في العراق حوالي القرن التاسع، يعني في القرن الثالث من الإسلام.
أقدم مصدر عربي يذكر الباذنجان في الشرق هو كتاب الطبيخ البغدادي من القرن 10، أقدم كتاب طبخ في العالم، ويقول أنّ أوّل من طبخ الباذنجان من العرب هو الأمير العبّاسي إبراهيم بن المهدي، وهذا الرجل توفّي سنة 839. ثمّ غاب ذكر الباذنجان في المشرق حتى القرن 13 حين ورد في كتاب حلبي اسمه {الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيّبات والطيب} لابن العديم الحلبي. الذي احتوى على 15 وصفة للباذنجان.
في الواقع تحاشى العرب الباذنجان حتّى سنة 825 حيث قدّمه الخليفة المأمون في زفافه على خديجة بوران بنت الوزير الحسن بن سهل. إذ قامت بوران بتمليح وشطف الباذنجان لإزالة المرار منه، ثمّ قدّمته في زفافها في بغداد، ومن بعدها انتشرت زراعة الباذنجان في العراق وانتشر منه إلى بقية العرب. ولم يزل الكثير من العرب يلقّبون أطباق الباذنجان باسم البورانيّات. نسبة إلى البوران خديجة.
مع الحكم التركي للخلافة العبّاسية في العراق انتشرت عادات الدولما آتية من وسط آسيا، من تركستان وخراسان، ولمّا أحبّت الناس في العراق فكرة الدولما جرّبت حشو الباذنجان وخرجت بهذه الأكلة الرائعة التي كانت الأم لكل المحاشي العربية فيما بعد. علماً أنّ الدولما التركية (من تركستان) كانت عبارة عن فليفله محشية (فلفل أخضر حلو) وجزر محشي، فقط. والحشوة كانت رز ولحم وبصل، أو جزر وبصل فقط.

الملفوف بنت اللفوف.
الملفوف خضار بريطانية الأصل ليست من الشرق، نقل زراعتها قديماً السلت من بريطانيا إلى الأناضول خلال الألف الثانية قبل الميلاد، ومن ذاك الوقت بدأت تنتشر رويداً رويداً عبر الشرق الأوسط.
ولا يوجد دليل يعطينا تاريخ لف ورق الملفوف على الأرز واللّحم، لكن يمكن القول بسيناريوهين محتملين:
- إمّا أنّ الناس وقد اخترعت اليبرق وأحبّت الفكرة، جرّبت نفس التطبيق على خضار ورقية غير ورق العنب ومنها الملفوف.
- أو أنّ لفّ الملفوف سبق لفّ ورق العنب واليبرق وعلى هذا تكون فكرة الملفوف هي الفكرة الأساسية التي قلّدها الناس لاختراع اليبرق…
لكن تبقى أكلة لذيذة جدّاً، وخاصّة بائتة ثاني يوم من البرّاد (التلّاجة).





اترك رد