معضلة الوعي والفجوة التّطوّريّة
يطرح لغز الوعي البشريّ تساؤلات مستعصية على الفهم حتّى يومنا هذا، ويقف العِلم حائراً أمام التّوسّع المفاجئ في حجم الدّماغ البشريّ. إذ يبلغ حجم أدمغة أسلافنا، قبل مليوني عام تقريباً، حوالي 900 سنتيمتر مكعّب، ليقفز هذا الحجم بشكل مذهل إلى 1600 سنتيمتر مكعّب خلال 100 ألف عام فحسب، ممّا ضاعف الكتلة الدّماغيّة تقريباً.
يستغرق معدّل النّموّ الهائل هذا ملايين السّنين عادةً وفقاً لقوانين الطّبيعة، وليس آلاف السّنين. في حين أسهمت عوامل عدّة في بناء الحضارة البشريّة، مثل استعمال النّار، وصناعة الأدوات، وتناول اللّحوم، إلّا أنّ التّسلسل الزّمنيّ للتّاريخ يبيّن ظهور هذه المكتسبات بعد مرحلة التّوسّع الدّماغيّ، وليس قبله. ودفع هذا التّناقض الزّمنيّ الباحثين إلى استكشاف محفّزات بيئيّة وبيولوجيّة خارجيّة أحدثت هذا التّغيّر الجذريّ في مسار الجنس البشريّ.

الفطريّات ومسار التّاريخ
تستعرض هذه المقالة التّحليليّة تفاصيل {فرضيّة القرد المنتشي} The Stoned Ape Hypothesis، والّتي تبحث في التّأثير المباشر للمركّبات الفطريّة في تشكيل الوعيّ البشريّ. سنتتبّع التّجارب السّريريّة الأولى في منتصف القرن العشرين م، ونحلّل الآليّات العصبيّة الدّقيقة الّتي تعطّل {شبكة الوضع الافتراضيّ} The Default Mode Network، مؤدّية إلى فوضى عصبيّة تعيد ترتيب الاتّصالات الدّماغيّة.
نغوص أعمق في التّاريخ البشريّ، لنستقصي الاستعمالات المتجذّرة لهذه المركّبات في الشعائر الإغريقيّة وشمال العربية القديمة، وممارسات شعوب الآزتيك والمازاتيك، والنّصوص الڤيديّة الهنديّة، وصولاً إلى التّأثيرات المحتملة في الشّرائع القديمة. ثمّ نختتم الدّراسة بتفنيد علميّ موضوعيّ للفرضيّة، لننتقل من التّفسير الجينيّ اللّاماركيّ المرفوض إلى منظور التّطوّر المعرفيّ والاجتماعيّ المنسجم مع المعطيات الرّاهنة.

الباب الأوّل: التّشريح التّطوّريّ وفرضيّة القرد المنتشي
طرح الباحث {تيرينس ماكينا} Terence McKenna فرضيّة جريئة لتفسير التّطوّر الدّماغيّ المتسارع، مستنداً إلى التّجارب الميدانيّة الّتي أنجزها الباحث {رولاند فيشر} Roland Fisher في جامعة هارڤارد Harvard عام 1970 م \ 1390 هـ. أعطى فيشر جرعات موجّهة ومضبوطة من مادّة پسِلوسيبِن Psilocybin لطلّاب الدّراسات العليا، واختبر استجاباتهم البصريّة.
أظهرت النّتائج تحسّناً مذهلاً في حدّة البصر بنسبة بلغت 200% إثر تعاطي الجرعات الصّغيرة. استطاع الطّلّاب تمييز التّفاصيل الدّقيقة، وملاحظة التّباين اللّونيّ بوضوح أكبر، وتتبّع الحركات بدقّة بالغة. فربط ماكينا هذه النّتائج المخبريّة بحياة الإنسان الأوّل، مبرهناً أنّ الرّؤية الحادّة تؤدّي حتماً إلى صيد أنجح، والصّيد الأنجح يوفّر طعاماً أوفر، والطّعام الأوفر يغذّي نموّ الدّماغ ويزيد من حجمه.
عمّق ماكينا نظريّته مقسّماً استهلاك الفطريّات إلى ثلاثة مستويات وظيفيّة متباينة:
- أوّلاً، الجرعات المنخفضة: حسّنت الرّؤية وزادت من اليقظة، ممّا زوّد الصّيّادين بأفضليّة كبرى في تتبّع الفرائس عبر سهول السّاڤانا.
- ثانياً، الجرعات المتوسّطة: أذابت الحواجز الاجتماعيّة المسبّبة للصّراعات، ممّا جعل المجموعات البشريّة أكثر تماسكاً وترابطاً، وعزّز سلوكيّات التّشارك والتّزاوج، ورفع بالتّالي من معدّلات الإنجاب والنّموّ الدّيموغرافيّ.
- ثالثاً، الجرعات العاليّة: أحدثت تجربة نفسيّة عميقة ومكثّفة أدّت إلى تفكيك “الأنا” The Ego. وظهرت أنماط تفكير جديدة تماماً، وأصبح التّفكير المجرّد وفهم الرّمزيات أمراً فطريّاً وطبيعيّاً؛ تحوّلت اللّغة إلى موسيقى، وتطوّرت الموسيقى لتصبح لغة، وتوسّع الوعي البشريّ بشكل غير مسبوق.
رفض ماكينا تصنيف هذه التّأثيرات أعراض جانبيّة فحسب، بل رآها جزءاً من خطّة بيئيّة أوسع. وبنى تفسيره على مراقبة سلوك أسلافنا الّذين تتبّعوا قطعان الماشية البرّيّة عبر القارّة الإفريقيّة. إذ تركت تلك القطعان روثها متناثراً في كلّ مكان، وشكّل هذا الرّوث بيئة مثاليّة لنموّ فطريّات پسِلوسيب كوبينسِس Psilocybe cubensis، وهي الفصيلة ذاتها الّتي درَسَها فيشر في جامعة هارڤارد.
حسب ماكينا؛ التهم البشر الأوائل الجياع كلّ ما وقعت عليه أعينهم، متناولين اللّحوم المتاحة، والفطريّات النّامية في مخلّفات القطعان. وقوبلت هذه الفرضيّة برفض قاطع من المؤسّسة العلميّة الرّسميّة، وأُطلق عليها تهكّماً اسم {فرضيّة القرد المنتشي} The Stoned Ape Hypothesis للتقليل من شأنها، غير أنّ ماكينا تبنّى هذا المسمّى بشغف، مؤمناً أنّ الپسِلوسيبِن لم يغيّر العقل لحظيّاً، بل أسهم في صياغة التّجربة البشريّة برمّتها.

الباب الثّاني: التّحليل العصبيّ وآليّات عمل الدّماغ
طويلاً، وُصف ماكينا بالجنون. لكنّ التّطوّر التّكنولوجيّ أنصف جانباً كبيراً من رؤيته بعد ثلاثين عاماً، حين خضع متطوّعون لأجهزة التّصوير بالرّنين المغناطيسيّ MRI إثر تناولهم الپسِلوسيبِن. وتوقّع علماء الأعصاب رصد انفجارات في النّشاط الدّماغيّ، وزيادة في إطلاق الإشارات العصبيّة، وطاقة مفرطة، وفوضى عارمة. ثمّ أثبتت الصّور الشّعاعيّة نقيض ذلك تماماً؛ ساد هدوء عميق في أرجاء الدّماغ، وانطفأ نشاط منطقة مركزيّة محدّدة بالكامل، تُعرف باسم {شبكة الوضع الافتراضيّ} The Default Mode Network.
تعدّ هذه الشّبكة مركز التّحكّم الرئيس في الدّماغ البشريّ، والصّوت الدّاخليّ المستمرّ، والمحرّك الّذي ينطق بكلمة “أنا” عند التّفكير في الذّات. تصنع هذه الشّبكة الكيان الشّخصيّ والأنا، وترسم الحدود الفاصلة بين الفرد وبقيّة الكون، وتشكّل الإحساس بالشّخصيّة.
يتوقّف هذا النّظام بالكامل تحت تأثير الپسِلوسيبِن، وليس جزئيّاً أو مؤقّتاً، ونتيجة لهذا الإغلاق الشّامل، تبدأ مناطق دماغيّة معزولة عادةً بالتّواصل المباشر. فتشرع القشرة البصريّة في التّفاعل مع مراكز معالجة العواطف، وترتبط مراكز الذّاكرة بالأجزاء المسؤولة عن الوعي الجسديّ.
شبّه الباحث {روبن كارهارت-هاريس} Robin Carhart-Harris من كليّة إمپيريال لندن Imperial College London هذا الحدث في عام 2012 م \ 1433 هـ بمدينة تبني أحياؤها المتفرّقة طرقاً سريعة ومباشرة نحو بعضها بعضاً فجأة، واصفاً الحالة بـ {الفوضى العصبيّة} Neural Anarchy. والواقع أنّها لم تكن فوضى، بل إعادة تنظيم شاملة للبنية العصبيّة. ولا تختفي هذه الوصلات الجديدة بانتهاء مفعول المادّة، إذ تبيّن المسوحات الدّماغيّة بقاء مسارات عصبيّة مستحدثة نشطة لأسابيع، وأحياناً لأشهر متواصلة، وتتّخذ تغيّرات دائمة في بعض الحالات.
أثبتت بحوث جامعة {جونز هوبكنز} Johns Hopkins ظاهرة أشدّ غرابة؛ إذ ظهرت تغيّرات جذريّة ودائمة في شخصيّات الأفراد الّذين تناولوا الپسِلوسيبِن في بيئات خاضعة للرّقابة المباشرة، ولم يقتصر الأمر على تقلّبات مزاجيّة، بل شملت التّغيّرات صلب الشّخصيّة الإنسانيّة. أصبح المشاركون أكثر انفتاحاً، وإبداعاً، وارتباطاً بمحيطهم البشريّ. ويتناقض هذا الاكتشاف مع القاعدة العلميّة القائلة بثبات شخصيّة الفرد بعد بلوغ سنّ الثّلاثين، ممّا يثبت قدرة الپسِلوسيبِن على إعادة كتابة القواعد البيولوجيّة.
يطابق مركّب پسِلوسِن Psilocin، وهو الشّكل النّشط الّذي يتحوّل إليه الپسِلوسيبِن داخل الجسد البشريّ، مستقبلات السّيروتونين Serotonin البشريّة بشكل مثاليّ ومحكم الدّقّة، كالمفتاح المصمّم لِقُفل محدّد بعينه، وليس بشكل تقريبيّ. يوضّح خبير الفطريّات العالميّ {پول ستاميتس} Paul Stamets أنّ هذا التّطابق يتجاوز حدود الصّدفة المجرّدة؛ إذ نتشارك نحو 50 بالمئة من حمضنا النّوويّ DNA مع الفطريّات، برغم انفصال خطّينا التّطوّريّين عن سلف مشترك قبل أكثر من مليار عام. ويستنتج ستاميتس وجود مسار تطوّريّ مشترك جمع البشر والفطريّات عبر العصور، وهو ما يطلق عليه اسم {التّطوّر المشترك} Co-evolution.

الباب الثّالث: التّقاطع الدّينيّ والتّاريخيّ للأسرار المقدّسة
لم تنتظر الشّعوب القديمة اختراع أجهزة التّصوير الدّماغيّ لإدراك القوّة الكامنة في هذه الفطريّات، بل وظّفوها لآلاف السّنين بوصفها تكنولوجيا مقدّسة، وبوّابة للتّواصل مع عوالم خفيّة، ووسيلة لمخاطبة الأسلاف والآلهة.
حُفظت أعظم أسرار الإغريق القديمة لمدّة 2000 عام تحت مسمّى {أسرار إليوسيس} Ἐλευσίνια μυστήρια. وتوافد آلاف الإغريقيّين، من الفلّاحين والأباطرة، والفلاسفة والمحاربين، كلّ شهر أيلول سبتمبر في رحلة حجّ مقدّسة إلى مدينة إليوسيس Ἐλευσίς (Ελευσίνα) لتحقيق غاية واحدة: شرب مشروب كايكيون κυκεών (مخلوطة) لمعاينة الحقيقة المطلقة. وشارك في هذه الشعائر كبار المفكّريّن والقادة، أمثال أفلاطون Πλάτων، وأرسطو Ἀριστοτέλης، وسوفوكليس Σοφοκλῆς، وشيشرون Marcus Tullius Cicero، وكومودوس Lucius Aurelius Commodus، وهادريان Publius Aelius Hadrianus، وماركوس أوريليوس Marcus Aurelius Antoninus. وصمت هؤلاء جميعاً عن تدوين تفاصيل المشاهدات المباشرة، لكنّهم أجمعوا على أثر التّجربة في تغيير حيواتهم للأبد، كاشفة لهم أسرار الموت ومكانتهم الحقيقيّة في الكون الفسيح.
ظلّت مكوّنات مشروب كايكيون لغزاً مبهماً طيلة قرون طويلة، حتّى تمكّن الباحثون في عام 1978 م \ 1398 هـ من فكّ شفرته الزّراعيّة. إذ احتوى الشّراب على إرگوت Ergot، وهو فطر طفيليّ ينمو على محاصيل الحبوب، وتحديداً حبوب الجاودار (الشيلم) Rye، ويحوي مركّب حمض اللّيسرجيك أميد Lysergic acid amide، المعروف بكونه المعادل الطّبيعيّ لمادّة ل.س.د LSD النّفسيّة.

عرفت حضارة الآزتيك Aztecs في قارّة أمريكا قديماً الفطريّات وأطلقت عليها اسم تيوناناكاتل Teonanácatl، ويعني حرفيّاً {لحم الآلهة}. استعمل الآزتيك فصيلة پسِلوسيب مكسيكانا Psilocybe mexicana في شعائرهم الدّينيّة العميقة. وشهد الغزاة الإسپان هذه الممارسات التّعبّديّة في القرن السّادس عشر م (القرن العاشر هـ)، وأصابهم الرّعب التّامّ ممّا رأوه؛ شعوب أصليّة تتناول الفطريّات لتتواصل مباشرة مع معبوداتها، بلا كهنة مرشدين، وبلا وسطاء دينيّين، في اتّصال إلهيّ صريح ومباشر.
فدمّر الإسپان المعابد الفطريّة المكتشفة كافّة، وأحرقوا جميع المخطوطات والوثائق الّتي ذكرتها، وفرضوا عقوبة الموت البشعة على كلّ من يستهلكها. مع ذلك، عجزت قوى الإمبراطوريّة الإسپانيّة عن محو هذا التّراث كليّاً؛ إذ حافظ شعب المازاتيك Mazatec في منطقة واهاكا Oaxaca على حيويّة هذه الشعائر سرّاً، وخبّأوها في أعماق الكهوف الجبليّة النّائية، وتناقلوها عبر أجيال متتابعة من المعالجين الرّوحيّين، حارسين هذه المعرفة الإنسانيّة طوال 400 عام.
يمتدّ هذا الأثر التّاريخيّ بعيداً عن الأمريكيّتين، وتصف النّصوص الڤيديّة القديمة في الهند نباتاً إلهيّاً يُدعى سوما، يمنح الخلود والحكمة المطلقة. وتجادل الأكاديميّون عقوداً طويلة حول ماهيّة سوما، حتّى أجرى الباحث {ر. گوردون واسون} R. Gordon Wasson ربطاً منهجيّاً دقيقاً، مبيّناً تطابق الأوصاف النّصّيّة مع فطر أمانيتا موسكاريا Amanita muscaria، وهو الفطر ذو اللّونين الأحمر والأبيض الحاضر دائماً في القصص الخياليّة الكلاسيكيّة.
استعمل شامانات سيبيريا الفطر ذاته بطريقة غير اعتياديّة؛ أطعموه لقطعان الأيائل، ثمّ شربوا بول هذه الحيوانات، إذ تصفّي أجساد الأيائل السّموم القاتلة، وتحتفظ بالمركّبات ذات التّأثير النّفسيّ الفعّال، ممّا أتاح للشّامانات التّحليق في السّماء وزيارة العوالم الموازية معتمدين على بول الأيائل المصفّى، وهو أصل أسطورة الأيائل الطّائرة الّتي تجوب السّماء.

يتعمّق الارتباط التّاريخيّ للمركّبات النّفسيّة ليصل إلى جذور الحضارات الإنسانيّة المبكّرة في منطقة شمال العربية، وتحديداً في بلاد ما بين النهرين. إذ تكشف الأدلّة الأثريّة واللّغويّة ممارسة شعوب النّهرين لشعائر دينيّة معقّدة استندت إلى استهلاك النّباتات النّفسيّة، وفي طليعتها الفطر المقدّس. وتتبّع الأكاديميّون أصول هذه الشّعائر ضمن {الطّوائف الخصوبيّة} الّتي سادت في شمال العربية قديماً. وأسّس عالم المخطوطات {جون ماركو أليگرو} John Marco Allegro أطروحته الرّاديكاليّة على فقه اللّغة السّومريّة، مجادلاً بظهور أسماء الآلهة والمفاهيم الدّينيّة في حوض النّهرين شيفرات لغويّة تصف فطر أمانيتا موسكاريا Amanita muscaria المنشّط للعقل.
أرجع أليگرو جذور الأساطير الشّرق أوسطيّة المألوفة، كقصّة جنّة عدن، إلى المصطلحات السّومريّة المبكّرة، مستشهداً بمصطلح گِأُنَإِمأَنْ GI-U-NA-IM-AN (گِهُ نَإِمَنْ) الّذي يربط في أصله اللّغويّ بين ساق الفطر وقوّة السّموات، ومصطلح بَرْيَأُنَ BAR-IA-U-NA (بَرِيَـُنَه) الّذي يصف كبسولة الخصوبة أو الرّحم النّباتيّ الّذي ينبثق منه الفطر المقدّس. وظّفت الشّعوب القديمة في الأناضول وبلاد النهرين هذه الفطريّات، إضافةً إلى نباتات مخدّرة أخرى كاللّفّاح ماندراگورا Mandragora والحرمل پيگانوم هارمالا Peganum harmala، لبلوغ حالات الوعي المتغيّر (المنحرف) ضمن احتفالاتهم الّتي اتّسمت بالطّابع الهرْمسيّ والوثنيّ.
استهدفت هذه الممارسات ربط الأفراد بأسلافهم الموتى، ونيل الشّفاء الرّوحيّ، وتفسير الظّواهر الكونيّة المحيطة بهم. كما رسّخت هذه التّجارب المكثّفة رموزاً أسطوريّة تناقلتها الأجيال المتعاقبة، ممّا يبرهن على تجذّر تجربة الفطر المقدّس في البنية الرّوحيّة لحضارات النّهرين العريقة، قبل انتقال تأثيراتها الواضحة إلى نصوص الشّرائع اللّاحقة.
تمتدّ الفرضيّات لتشمل النّصوص المقدّسة في شمال العربية؛ إذ يطرح باحثون احتماليّة لقاء النّبيّ موسى بالخالق عند العلّيقة المشتعلة من طريق شجرة تُعرف باسم أكاسيا، والّتي تحتوي بطبيعتها البيولوجيّة على مركّب د.م.ت DMT. إذ ينتج هذا المركّب عند حرقه واستنشاقه رؤى نفسيّة مكثّفة تستمرّ زمنيّاً لحوالي 15 دقيقة، وهي المدّة الزّمنيّة التّقديريّة للحديث المباشر. كما يحمل خبز {المنّ} الّذي أطعم بني إسرائيل في صحراء التّيه خصائص فطريّة بحتة؛ يظهر فجأة خلال اللّيل، ويشترط جمعه قبل شروق الشّمس، ويولّد رؤى عند متناوليه، وهي الخصائص التّطابقيّة لدورة حياة الفطريّات.
طرح عالم المخطوطات القديمة {جون ماركو أليگرو} John Marco Allegro، المتخصّص في دراسة مخطوطات البحر الميّت، فرضيّة راديكاليّة تنصّ على نشأة المسيحيّة المبكّرة بوصفها طائفة تعبّديّة تتمحور حول الفطريّات، مؤكّداً أنّ العشاء الأخير لم يتألّف من الخبز والخمر العاديين، بل من الفطريّات ذاتها، وأنّ جسد المسيح ودمه رمزان يشيران مباشرة إلى قبّعة وساق فطر أمانيتا موسكاريا Amanita muscaria. ودفع أليگرو ثمناً باهظاً لهذا الاستنتاج، إذ دمّر الڤاتيكان مسيرته الأكاديميّة بالكامل. لكن، يتّضح جليّاً امتلاك جميع الحضارات التّاريخيّة المتعاقبة لمعرفة دقيقة بقوّة الفطريّات، وبذل كلّ سلطة صاعدة جهوداً مضنية لطمس هذه المعرفة السّرّيّة وتدمير إرثها.
يمتدّ التّسلسل التّاريخيّ لفرضيّة أليگرو ليخترق جذور شمال العربية القديم، رابطاً الاستنتاجات الرّاديكاليّة بالشّعائر الخصوبيّة السّومريّة والأگّديّة الّتي تمحورت حول الإلهة عشتار (أو إننّه) وعشيقها تمّوز (أو دوموزيد). ويجسّد تمّوز النّموذج الأصليّ للإله النّباتيّ الّذي يموت ويبعث حيّاً. ويحلّل أليگرو هذه الظّاهرة اشتقاقيّاً وأنثروپولوجيّاً، مبرهناً أنّ شعائر النّدب والاحتفالات النّشويّة المرافقة لعودة تمّوز من العالم السّفليّ لم تكن ممارسات زراعيّة عابرة، بل شعائر نفسيّة مقنّعة. صوّرت الأساطير القديمة المطر المنهمر من إله السّماء بصفة منيّ إلهيّ يخصّب رحم الأرض ليُنتج “ابن الحياة”، وهو اللّقب السّومريّ لتمّوز، والّذي يطابقه أليگرو مباشرةً مع فطر أمانيتا موسكاريا Amanita muscaria المهلوس.

انتقل الإرث المتّصل من العبادات النّشويّة الخصوبيّة إلى الحقبتين الهلنستيّة والرّومانيّة بوساطة الحضارة النّبطيّة في مدينة البتراء وعموم الشّام. إذ عبَد الأنباط إلههم الرئيس ذو الشّرى (ويُعرف أيضاً باسم دوسرة Dusares)، والّذي يدلّ اسمه حرفيّاً على {سيّد جبال الشّراة} (صاحب السراة). طابق ذو الشّرى سلفه تمّوز في كونه إله الجبال والعواصف والنّباتات، والمانح الأوّل للأمطار والوفرة الزّراعيّة. وتزامنت شعائر ذو الشّرى النّبطيّة مع بدايات العهد المسيحيّ، واندمجت تدريجيّاً مع عبادة ديونيسُس Dionysus، إله الخمر والنّشوة والجنون الشعائري في الميثولوجيا الإغريقيّة والرّومانيّة. وتضمّنت الشّعائر النّبطيّة إراقة السّوائل المقدّسة وبلوغ حالات التّسامي الرّوحيّ والاتّصال المباشر بالذّات الإلهيّة.
يربط أليگرو المعطيات الظّاهراتيّة بخيط واحد، مؤكّداً أنّ السّرديّة المسيحيّة المبكّرة لم تنبثق من فراغ تاريخيّ، بل مثّلت النّسخة الأحدث من التّقليد شمال العربي المتواصل. إذ حافظ الإله الميّت والمبعوث دائماً، بدءاً من تمّوز السّومريّ وصولاً إلى ذو الشّرى النّبطيّ، على مكانته شفرة ميثولوجيّة ترمز للفطر المقدّس. وورث المسيح، وفقاً لهذا التّحليل، الصّفات اللّاهوتيّة الدّقيقة لتمّوز وذو الشّرى؛ مجسّداً التّشخيص الباطنيّ النّهائيّ لفطر أمانيتا موسكاريا، وممثّلاً لدورة الموت الإلهيّ والانبعاث النّفسيّ الّتي سعت السّلطات اللّاحقة لطمس معالمها للأبد.
يتطلّب الفهم الدّقيق لانتقال شعائر النّشوة شمال العربية نحو الشّرائع اللّاحقة، تحليل آليّة التّوفيق الدّينيّ الّتي دمجت الإله النّبطيّ ذو الشّرى مع نظيره الإغريقيّ ديونيسُس، المعروف في الميثولوجيا اللّاتينيّة باسم باخوس Bacchus. صوّر الأنباط إلههم ذو الشّرى في البدايات حجراً أصمّاً خالياً من الملامح البشريّة يُعرف باسم {بيت إيل}. ثمّ تسرّب التّأثير الهلنستيّ لاحقاً إلى النّخب النّبطيّة، فدمجوا صفات إلههم المحلّيّ مع صفات ديونيسُس، إله الخمر والجنون الشعائري. وسكّ الأنباط عملات معدنيّة تظهر ذو الشّرى محاطاً برموز ديونيسيّة واضحة كأوراق كرمة العنب ووعاء الشّرب كانثاروس Kantharos.
لم يشكّل هذا الاندماج تبنّياً سطحيّاً لرموز أجنبيّة، بل مثّل توحيداً لاهوتيّاً عميقاً أخفى تحته استمراريّة شعائر الفطر المقدّس. ويجادل علماء النّباتات الإثنية Ethnobotanists بأنّ خمر ديونيسُس مثّل غالباً رمزيّة مشفّرة أو وسطاً ناقلاً لمركّبات أشدّ قوّة من الكحول التّقليديّ. وسعت الأسرار الدّيونيسيّة Διονυσιακά Μυστήρια (دِيُونِيسِيَاكَا مُيستِيرِيَا) إلى إيصال المريد لحالة إنثِوسيازموس ἐνθουσιασμός (حلول الجوهر الإلهيّ في اللّب)، وهي كلمة إغريقية تعني حرفيّاً «حيازة الإله للجسد» أو «حلول الجوهر الإلهيّ في داخل الجسد».
اعتمدت شعائر ذو الشّرى المندمجة بديونيسُس على إراقة السّوائل المقدّسة وتناول جرعات مركّزة ولّدت حالات وعي متغيّر (منحرف أو متبدّل). واستعمل الكهنة نباتات محلّيّة كالحرمل Peganum harmala (پيگانوم هارمالا)، وأنواعاً من شجر الأكاسيا الغنيّة بمركّبات د.م.ت DMT، إضافة إلى استيراد الفطريّات النّفسيّة وتذويبها في النّبيذ المحلّيّ.
وفّر هذا التّماهي الإلهيّ غطاءً سياسيّاً ودينيّاً آمناً للممارسات النّشويّة. لكن، حظرت روما قديماً احتفالات بَكّانَلِيَا Bacchanalia في عام 186 قبل الميلاد، قبل الهجرة النّبويّة بنحو تسع قرون، خوفاً من التّجمّعات السّرّيّة الخارجة عن سيطرة الدّولة الّتي ولّدتْها المركّبات النّفسيّة. دفع هذا القمع المتزايد شّعوب شمال العربية إلى إخفاء شعائر تمّوز القديمة داخل هيكل ديونيسُس المعترف به رسميّاً، ثمّ داخل عبادة ذو الشّرى. طالما كانت هذه العبادة لم تزل شعائر الجيش الرومانية آنها. وبالأخصّ حزب الأرجوانيّين الذي أوصل {فيليپ العرب} إلى السلطة، وكاد يغيّر الديانة الرسمية وعاصمة الإمبراطورية الرومانية كلّها إلى حوران في سوريا.
حفظت هذه الآليّة المعقّدة التّقاليد الإنثيوجينيّة Entheogen، وأمّنت استمراريّة التّواصل المباشر مع العوالم الخفيّة بوساطة النّباتات والفطريّات، مسلّمةً هذا الإرث الرّوحيّ الغنيّ إلى حقبة فجر المسيحيّة، ليظهر مجدّداً في شفرات نصوصها المبكّرة وفقاً لتحليلات {جون ماركو أليگرو} John Marco Allegro.

الباب الرّابع: النّهضة الحديثة وإعادة اكتشاف المادّة
كادت السّلطات التّاريخيّة تنجح في طمس المعرفة تماماً، لولا نشر مجلّة لايف Life Magazine مقالاً مفصّلاً عام 1957 م \ 1376 هـ وصل إلى أيدي 6 ملايين قارئ أمريكيّ، حاملاً عنوان {البحث عن الفطر السّحريّ} Seeking the Magic Mushroom، لتخرج الأسرار القديمة إلى النّور مجدّداً. وقاد هذه النّهضة {ر. گوردون واسون} R. Gordon Wasson، الّذي شغل منصب نائب الرّئيس في مؤسّسة ج.پ.مورگان J.P. Morgan المصرفيّة المرموقة، وهو شخصيّة لا توحي سيرتها المهنيّة بالانغماس في إحياء التّقاليد الفطريّة القديمة. لكن، سافر واسون برفقة زوجته ڤالينتينا Valentina في عام 1955 م \ 1374 هـ، إلى منطقة واهاكا Oaxaca المكسيكيّة لتقصّي شائعات حول شعائر فطريّة مقدّسة نجت من نيران الغزو الإسپانيّ.
عثر الزّوجان على {ماريا سابينا} Maria Sabina، مُعالِجة من شعب المازاتيك، أو ما يُعرف بـ {قُرَنْدِيرَا} Curandera، الّتي توارثت عائلتها حماية التّقاليد الفطريّة جيلاً بعد جيل. منعت ماريا الغرباء عادةً من حضور التّجمّعات، لكنّ شيئاً ما في شخصيّة الزّوجين دفعها لكسر تلك القاعدة الصّارمة. وأصبح واسون، بتاريخ 29 حزيران يونيو 1955 م \ 9 ذو القعدة 1374 هـ، أوّل شخص أبيض معروف يشارك فعليّاً في شعائر فطريّة.
قدّمت له ماريا سابينا فطر پسيلوسيب مكسيكانا Psilocybe mexicana مرتّباً على ورقة شجر، وبدأت بترتيل أغانٍ بلغة المازاتيك وسط غرفة تعبق بدخان البخور. وبدأت الرّؤى البصريّة تتجلّى لِواسون؛ شاهد أنماطاً هندسيّة دقيقة الأبعاد، وقصوراً مشيّدة من الضّوء الخالص، وشعر بمغادرة روحه لجسده المادّيّ، مدركاً للمرّة الأولى المعنى الحقيقيّ لمصطلح {النّشوة} Ecstasy، والّذي لا يمثّل السّعادة فحسب، بل الوقوف الفعليّ خارج الجسد ورؤية الواقع من منظور مستحيل بلوغه عبر الوعي العاديّ. واستمرّت التّجربة ستّ ساعات كاملة، وغيّرت حياة واسون جذريّاً.
نشرت مجلّة لايف Life Magazine تجربة واسون الشّخصيّة عام 1957 م \ 1376 هـ. وقرأ ست ملايين مواطن أمريكيّ عن فطريّات توسّع الوعيّ البشريّ، وتظهر الإله، وتكشف أسرار الحياة والكون ومكانة الإنسان ضمنه، معلنة انطلاق ثورة التّغيير النّفسيّ. فألهم المقال باحثين كُثراً، منهم {تيموثي ليري} Timothy Leary و {ريتشارد ألپيرت} Richard Alpert، اللّذان أطلقا {مشروع هارڤارد پسِلوسيبِن} Harvard Psilocybin Project في عام 1960 م \ 1380 هـ. حين وزّع الباحثان المادّة على طلّاب الدّراسات العليا، والسّجناء، وطلّاب اللّاهوت، وسجّل المشاركون تجارب عميقة واكتشافات غيّرت مجرى حياتهم بالكامل.
بلغت التّجارب ذروتها في ما عُرف بـ {تجربة الجمعة العظيمة} Good Friday Experiment. حين اجتمع 20 طالباً من طلّاب اللّاهوت بتاريخ 20 نيسان أبريل 1962 م \ 15 ذو القعدة 1381 هـ، في كنيسة مارش Marsh Chapel بجامعة بوسطن. وتناول نصف الحاضرين مادّة پسِلوسيبِن، في حين أخذ النّصف الآخر دواءً وهميّاً Placebo. جاءت النّتائج قاطعة وحاسمة؛ أبلغ 9 من أصل 10 طلّاب تناولوا المادّة النّشطة عن مرورهم بتجربة صوفيّة بحتة، وشعور مطلق بالوحدة مع الوجود بِرُمَّته، واتّصال مباشر مع الذّات الإلهيّة. تلاشى مفهوم الزّمن لديهم، وسقطت الحواجز الفاصلة بين الذّات الفرديّة والكون المطلق. وتتبّع الباحثون هؤلاء الطّلّاب بعد مرور 25 عاماً على الحدث، ليجدوهم يصنّفون تجربة ذلك اليوم ضمن أهمّ التّجارب الرّوحيّة في حياتهم قاطبة.
أثار هذا النّجاح السّريع ذعراً بالغاً لدى المؤسّسات الرّسميّة، فحظرت المادّة جنائيّاً بحلول عام 1968 م \ 1388 هـ. وتوقّفت البحوث الأكاديميّة تماماً، وبدا أنّ نهضة الفطريّات انتهت للأبد. في حين استمرّت الممارسات في الخفاء ضمن عيادات المعالجين النّفسيّين السّرّيّة، لمعالجة حالات الاكتئاب، والإدمان، واضطراب ما بعد الصّدمة PTSD، دون القدرة على نشر النّتائج العلميّة الموثّقة.
عاد النّور للبحوث عام 2006 م \ 1427 هـ، حين أصدرت جامعة {جونز هوبكنز} JHU أوّل دراسة قانونيّة في المادّة منذ 40 عاماً. وصدمت النّتائج المنشورة الأوساط الطّبّيّة؛ إذ ولّدت جرعة واحدة تغيّرات إيجابيّة دائمة في الشّخصيّة، وزادت من معدّلات الانفتاح والإبداع والتّواصل. واستجابت هيئة الغذاء والدّواء الأمريكيّة FDA في عام 2018 م \ 1439 هـ وصنّفت المادّة علاج اختراقيّ للاكتئاب المزمّن Breakthrough therapy، محقّقة نسبة شفاء بلغت 70 بالمئة، مقارنة بنسبة 30 بالمئة تحقّقها مضادّات الاكتئاب القياسيّة المثقلة بالأعراض الجانبيّة.
زال خوف مرضى السّرطان بمراحله النّهائيّة من الموت بعد جلسة علاجيّة واحدة، وانخفضت معدّلات الإدمان بشكل حادّ، واختفت أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة، لتعود الفطريّات الّتي غيّرت الوعي البشريّ قبل 100 ألف عام لتغييره مجدّداً في العصر الحديث.

الباب الخامس: التّفنيد العلميّ والانتقال إلى التّطوّر المعرفيّ
أسرت فرضيّة القرد المنتشي عقول الملايين حول العالم، وقدّمت إجابة مبسّطة لأعقد الألغاز البشريّة؛ أنّ الفطريّات السّحريّة منحتنا إنسانيّتنا. وتثبت المعطيات العلميّة الرّاهنة تحسين الپسِلوسيبِن للرّؤية البصريّة بناءً على تجارب {رولاند فيشر}، وتعزيزه للرّوابط الاجتماعيّة، وتفكيكه للحدود الشّخصيّة، وبناءه لمسارات عصبيّة جديدة تؤكّدها صور الدّماغ الحديثة. ويثبت التّاريخ البيئيّ مصادفة البشر الأوائل لفطريّات پسِلوسيب كوبينسِس النّامية في روث الماشية عبر إفريقيا، وتناولهم لها بدافع الجوع الغريزيّ، مصادقاً على فرضيّة ماكينا في هذا الجانب التّاريخيّ.
تصطدم الفرضيّة بمعضلة بيولوجيّة قاصمة؛ لا يورّث الفرد التّغيّرات العصبيّة المكتسبة جرّاء تناول الپسِلوسيبِن إلى أبنائه عبر الجينات. ويندرج هذا المنطق ضمن {التّطوّر اللّاماركيّ} Lamarckian evolution، وهي نظريّة دحضها العِلم تماماً قبل 100 عام. إذ تمنع القوانين الجينيّة توريث الصّفات المكتسبة؛ فتعاطي المنشّطات لبناء عضلات ضخمة لا ينتج أطفالاً مفتولي العضلات، وتعلّم اللّغة الفرنسيّة لا يجعل النّسل ناطقاً بها بالفطرة، وتوسّع الوعي الفرديّ نتيجة استهلاك الفطريّات لا ينتقل جينيّاً إلى الأجيال اللّاحقة.
أخطأ ماكينا أيضاً في تفسير تجارب {رولاند فيشر}، الّذي ركّز بحوثه حصراً على الآليّات الإدراكيّة، ولم يتطرّق مطلقاً إلى نظريّات التّطوّر، فاستغلّ ماكينا البيانات المخبريّة ووجّهها في مسار لم يقصده الباحث الأصليّ.
يبرز تناقض تاريخيّ آخر ينفي التّأثير التّطوّريّ المباشر للمادّة؛ إذ لو قادت المركّبات النّفسيّة عجلة التّطوّر البشريّ الجينيّ، لشهدنا أعلى مستويات الإدراك التّكنولوجيّ والعلميّ لدى المجتمعات الّتي استهلكتها بكثافة وانتظام. إذ استعملت قبائل الآزتيك وشعوب حوض الأمازون وقبائل المازاتيك هذه الفطريّات طوال قرون عدّة، وأنتجت فنوناً بديعة وأساطير دينيّة وأنظمة روحيّة بالغة التّعقيد، إلّا أنّها لم تطوّر قدرات علميّة أو تكنولوجيّة متفوّقة على نظيراتها من المجتمعات الّتي لم تستهلك تلك المركّبات النّفسيّة.

يطرح باحثون معاصرون نموذجاً بديلاً يصحّح مسار الفرضيّة؛ نموذج التّطوّر الثّقافيّ والاجتماعيّ (التطوّر الطائفي) عوضاً عن التّطوّر الجينيّ المباشر. إذ غيّرت الفطريّات برمجيّات العقل البشريّ (مثلاً الـ Software) ولم تغيّر بنيته المادّيّة الصّلبة (مثلاً الـ Hardware).
طوّرت جميع المجتمعات المستهلكة للمركّبات النّفسيّة منظومات موسيقيّة، وفنّيّة، ودينيّة، وأسّست شعائراً وأساطير معقّدة، وبنت هياكل اجتماعيّة متينة حول هذه التّجارب الرّوحيّة المشتركة. إذ لم تمنح الفطريّات الإنسان أدمغة أضخم، بل منحته قلوباً أكثر اتّساعاً وأفكاراً أشدّ عمقاً، لتصبح حالة الوعي المكتسبة {خاصّيّة انبثاقيّة} Emergent property. وتكشف المركّبات النّفسيّة قدرات دماغيّة كامنة بالفعل، كمن يكتشف ميّزة مخفيّة في برنامج حاسوبيّ استعمله طويلاً. وينسجم هذا التّفسير المعرفيّ بدقّة مع الأدلّة السّريريّة الموثّقة، ويفسّر التّغيّرات الشّخصيّة الإيجابيّة طويلة الأمد، وتزايد معدّلات الإبداع، وتقديس كافّة الشّعوب التّاريخيّة لهذه الفطريّات.
يوسّع {پول ستاميتس} مدارك هذه النّظريّة، مؤكّداً استمراريّة التّطوّر المشترك بين الإنسان والفطريّات في العصر الحاليّ، ليس جينيّاً بل معرفيّاً واجتماعيّاً. وتشكّل النّهضة الفطريّة الحديثة محطّة فارقة في مسار المجتمع البشريّ، متجاوزة حدود العلاجات النّفسيّة المجرّدة والتّحفيز الإبداعيّ، لتغوص في صميم الوعي البشريّ ذاته.
طرح ماكينا السّؤال الخاطئ حين بحث في كيفيّة صُنع الفطريّات للوعي البشريّ، فالسّؤال الجوهريّ يتمحور حول ماهيّة الوعي أصلاً، وسرّ التّأثير الجذريّ للفطريّات عليه. ويبقى الوعي البشريّ المعضلة العلميّة المستعصية حتّى بعد عقود طويلة من البحث المضني؛ إذ يستطيع العِلم رسم خرائط تفصيليّة لكلّ خليّة عصبيّة، وتصوير كلّ مشبك عصبيّ، دون فهم الآليّة الخفيّة الّتي تحوّل المادّة البيولوجيّة إلى فكرة مجرّدة.
تخاطب مكوّنات الفطريّات الكيميائيّة نظيرتها في العقل البشريّ مباشرة، محتفظة بهذا الاتّصال العصبيّ العميق برغم الانفصال التّطوّريّ القائم منذ مليار عام. ويمثّل الوعي البشريّ حالة عميقة من العزلة الكونيّة، فالإنسان هو الكائن الوحيد المدرك لوجود هذا الوعي، والمدرك لحتميّة فنائه وانتهائه.
يفسّر هذا الإدراك العميق سبب تقديس المجتمعات الغابرة للفطريّات، ليس انطلاقاً من وهمها بخلق الإنسانيّة، بل لقدرتها الاستثنائيّة على تبديد وحشة الوحدة والانعزال الكونيّ، وإيجاد قنوات اتّصال مع أبعاد متجاوزة، وربط الأفراد بكليّة الوجود الإنسانيّ.
أخطأت فرضيّة القرد المنتشي في جانبها البيولوجيّ، لكنّها أحدثت ثورة حقيقيّة في أنماط التّفكير، مجبرة الباحثين على إعادة تقييم الوعي، وتحليل كيفيّة انبثاقه وتشكّله، ودراسة الرّوابط الاجتماعيّة العميقة، وفهم الاتّصال بشبكة كونيّة أعظم تزخر بالطّاقة، والفكر، والرّحمة، والمحبّة. كما غيّرت هذه الفرضيّة الجريئة مسار البحث العلميّ للأبد، بغضّ النّظر عن مدى صحّتها الجينيّة.

الخاتمة: ما وراء الفرضيّة… الوعي رحلة اتّصال كونيّ
يبرهن التّسلسل التّاريخيّ والعلميّ المسرود سلفاً بطلان حصر {فرضيّة القرد المنتشي} The Stoned Ape Hypothesis في إطار بيولوجيّ ضيّق يفسّر زيادة حجم الدّماغ البشريّ. ويكمن الجوهر الحقيقيّ لهذا البحث الشّامل في كشف الدّافع الإنسانيّ الأزليّ لتجاوز حدود الذّات المادّيّة المنفصلة. إذ شكّلت المركّبات النّفسيّة، بدءاً من فطر أمانيتا موسكاريا Amanita muscaria في سهول سيبيريا ووديان شمال العربيّة، مروراً بمشروب كايكيون κυκεών في الديانة الإغريقية القديمة، وصولاً إلى پسِلوسيبِن Psilocybin في مختبرات العصر الحديث، أداةً محوريّةً استعملها الإنسان لفكّ شفرة العزلة الكونيّة.
يتّضح ممّا سبق عجز التّفسيرات الجينيّة عن تبرير الانبثاق المعرفيّ المفاجئ، لتبرز نظريّة التّطوّر المعرفيّ والاجتماعيّ (التطوّر الطائفي) بديلاً متماسكاً يفسّر قدرة هذه النّباتات على إعادة برمجة العقل البشريّ، وتوسيع مدارك التّعاطف، وبناء هياكل شعائريّة متينة حفظت المعرفة السّرّيّة من الاندثار. ويمثّل استمرار مساعي السّلطات المتعاقبة لطمس هذا الإرث، سواء في الإمبراطوريّة الرّومانيّة أو إبّان الغزو الإسپانيّ، دليلاً صارخاً على القوّة التّحرّريّة الكامنة في هذه التّجارب الرّوحيّة.
نخلص في نهاية هذا التّحليل إلى نتيجة مفصليّة؛ لا تكمن أهمّيّة الفطريّات في منحها الذّكاء لأسلافنا الأوائل، بل في منحهم القدرة على استشعار الانتماء لنسيج كونيّ أعظم. وتفتح النّهضة العلميّة الرّاهنة في دراسة هذه المركّبات نافذةً جديدةً لا تقتصر على معالجة أمراض العصر النّفسيّة المزمنة، بل تعيد طرح السّؤال الفلسفيّ الأقدم المتمثّل في ماهيّة الوعي ذاته. وتظلّ الرّحلة التّطوّريّة للوعي البشريّ مستمرّةً، تقودها رغبة دفينة في كسر حواجز الفرديّة المطلقة، واستعادة الاتّصال العميق الّذي أدركه حرّاس المعرفة المنسيّة فجر التّاريخ.
المراجع العلميّة الأساسية
- McKenna, Terence (1992). Food of the Gods: The Search for the Original Tree of Knowledge. Bantam Books. ~رابط المصدر~
- Carhart-Harris, Robin L., et al. (2012). Neural correlates of the psychedelic state as determined by fMRI studies with psilocybin. Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS). ~رابط المصدر~
- Griffiths, Roland R., et al. (2006). Psilocybin can occasion mystical-type experiences having substantial and sustained personal meaning and spiritual significance. Psychopharmacology, Johns Hopkins University. ~رابط المصدر~
- Wasson, R. Gordon, Hofmann, Albert, & Ruck, Carl A. P. (1978). The Road to Eleusis: Unveiling the Secret of the Mysteries. Harcourt, Brace, Jovanovich. ~رابط المصدر~
- Allegro, John Marco (1970). The Sacred Mushroom and the Cross. Hodder & Stoughton. ~رابط المصدر~
- Wasson, R. Gordon (1957). Seeking the Magic Mushroom. Life Magazine. ~رابط المصدر~
- Pahnke, Walter N. (1963). Drugs and Mysticism: An Analysis of the Relationship between Psychedelic Drugs and the Mystical Consciousness. Harvard University. ~رابط المصدر~





اترك رد