دراسة تبحث التّطابق المذهل في مفردات اللّهجات المحلّيّة بين الجزائر وإقليم الجزيرة العليا، وتستعرض الأصول التّاريخيّة المشتركة وارتحال القبائل لتفسير هذا التّقارب اللّغويّ المتجاوز للمسافات السّياسيّة.
دائماً ما تخفي الأحاديث اليوميّة العابرة أسراراً لغويّة مدهشة. تبدأ قصّتنا هنا بملاحظتي لحوارات النّاس وتفاعلاتهم في مجموعة {معجم اللّّهجات العربيّة} على منصّة فيسبوك. ولفت انتباهي تطابق عجيب في الكلمات اليوميّة ومخارج الحروف بين مناطق متباعدة جغرافيّاً.
{اللّغة مرشدة إلى الواقع الاجتماعيّ، والألفاظ تبني عوالم النّاس وتختزل مسافاتهم الجغرافيّة الشّاسعة في بنية رمزيّة واحدة} ~عالم الأنثروپولوجيا اللّغويّة إدوارد ساپير
ولطرح هذه الفكرة للنّقاش، صمّمت خريطة بصريّة تقارن بين التّباعد الجغرافيّ الشّاسع الّذي يفصل الجزائر عن إقليم الجزيرة العليا الممتدّ في سوريا والعراق وتركيا، وبين التّقارب المذهل في مفردات اللّّهجات المحلّيّة بين هاتين المنطقتين، وشاركتها في مجموعات متعدّدة.

الهدف من هذا الطّرح كان رصد ردود أفعال النّاس حول هذا التّطابق اللّغويّ الّذي يتحدّى مسافات تتجاوز 4000 كيلومتر، وفتح باب النّقاش حول الأصول المشتركة للكلمات المتداولة بعيداً عن اللّغات الرّسميّة المكتوبة. توجّه السّعي نحو سبر أغوار الذّاكرة الشّعبيّة، ومعرفة مدى وعي النّاطقين بهذه اللّّهجات بحجم التّطابق في مصطلحاتهم العاديّة، وكيف صمدت هذه الألفاظ في وجه العزلة الجغرافيّة الطّويلة.
طمح النّقاش إلى تجاوز التّنظير الأكاديميّ، ليلامس الوجدان الجمعيّ، ويستنطق تجارب الأفراد في رحلاتهم وتواصلهم مع بعضهم، ليثبت بالدّليل الملموس بقاء جسور التّواصل اللّغويّ متينة برغم كلّ هذا البعد المكانيّ المفرط.

شهادات حيّة وتطابق عفويّ
{اللّغة في أصلها أداة حياة وفعل وتكيّف، ترافق الإنسان في ترحاله، وتحفظ تاريخه الشّفهيّ وتفاصيل يوميّاته المتعاقبة من التّلاشي} ~برونيسلاڤ مالينوڤسكي
انهالت التّعليقات لتؤكّد صحّة الفكرة بأدلّة واقعيّة من الحياة اليوميّة للنّاس. إذ تفاعل المتابعون بحماس، وسردوا سيلاً من المفردات المتطابقة تماماً بين المشرق والمغرب. فظهرت كلمات مألوفة تتردّد في البيوت والأسواق، مثل كلمة “{شكون}” الّتي يسأل بها النّاس عن هويّة الشّخص، وكلمة “{مْليح}” للدّلالة على الجودة والصّلاح، وكلمة “{حوش}” الّتي تصف جزء من البيت أو فناءه الدّاخليّ، وكلمة “{علاليش}” لجمع الخراف ومفردها {علّوش}.
تجاوز التّطابق المفردات ليصل إلى طريقة النّطق ومخارج الحروف، مثل ظاهرة قلب حرف القاف كافاً، وهذا أسلوب قديم يتردّد بوضوح في لهجات المنطقتين.
لتقديم تفسير لهذا التّقارب المذهل، استند المتابعون إلى حركة التّاريخ ومسار القبائل المهاجرة لطرح فرضيّات تعليليّة. الهجرات القديمة، وعلى رأسها تغريبة بني هلال، انطلقت من المشرق، وعبرت مناطق متعدّدة مثل حوران في الشام والصّعيد المصريّ، قبل أن تستقرّ في المغرب العربيّ وفي الجزائر تحديداً.
تفسّر الرّحلة الطّويلة كيف حمل المهاجرون لغتهم كاملة معهم، ونقلوها معجم حيّ تناقلته الأجيال. وسافرت الكلمات مع أصحابها، واستقرّت في أراضٍ جديدة، وحافظت على جذورها الصّافية بعيداً عن التّبدّل الجذريّ.
وفي خضمّ النّقاش، اتّفق المتابعون على الأثر السّلبيّ للمسلسلات التّلفزيونيّة في طمس التّنوّع اللّغويّ الغنيّ. إذ دأبت الشّاشات على حصر اللّّهجات المحلّيّة في قالب واحد، وسوّقت لهجات العواصم والمدن الكبرى على أنّها اللّسان الوحيد للبلد. هذا التّوجّه الإعلاميّ أخفى لهجات البادية الشاميّة وأرياف سوريا والعراق وعموم الجزيرة العليا، وحرم المشاهد من التّعرّف إلى المفردات الأصيلة الّتي ما زالت تنبض بالحياة في تلك المناطق.
اللّّهجات المهمّشة إعلاميّاً هي بالتّحديد من يحتفظ بالرّوابط الأعمق والمشتركات اللّغويّة الأقوى مع لهجات المغرب الكبير، ولولا التّواصل المباشر بين النّاس، لبقيت هذه المشتركات مخفيّة عن الأنظار.

رأي علوم الألسن والأنثروپولوجيا
{تصون اللّغة التّجربة البشريّة المتوارثة، وتختزن في مفرداتها اليوميّة البسيطة أدقّ تفاصيل الرّوابط التّاريخيّة المشتركة بين الجماعات البشريّة المتباعدة} ~فرانتس بواس
يرى علماء الألسن وفقه اللّغة العربيّة في هذه الظّاهرة تطبيقاً عمليّاً دقيقاً لمبدأ «الاحتفاظ اللّغويّ». إذ إنّ الجماعات البشريّة المهاجرة لا تحمل أمتعتها المادّيّة وتغادر وحسب، بل تتّخذ من لغتها وطناً بديلاً يحمي هويّتها من التّلاشي والذّوبان في المحيط الجديد. وتنصهر في العواصم والمدن الكبرى اللّغات وتتبدّل مفرداتها بوتيرة متسارعة نتيجة الانفتاح التّجاريّ والاحتكاك الإداريّ الواسع. في المقابل، تقف الأطراف الجغرافيّة والأرياف المتباعدة حصون منيعة تحفظ الكلمات القديمة وتطيل عمرها.
التّطابق العميق بين مفردات دير الزّور والموصل وماردين في المشرق، ومفردات وهران وجيجل في المغرب العربيّ، يقدّم دليلاً قاطعاً على صدور هذه اللّّهجات من منبع لغويّ واحد. فالقبائل العربيّة تفرّقت في مساحات الأرض الشّاسعة، لكنّها حافظت على الهيكل العظميّ للكلمة، أي الجذر الثّلاثيّ الأصيل، دون مساس ببنيتها الأساسيّة.
انحصر التّغيير الطّفيف في القشور؛ فتبدّلت سرعة النّطق، واختلفت مخارج بعض الحروف النّاتجة عن التّمازج الطّبيعيّ الطّويل مع الشّعوب الأسبق لتلك المناطق، مثل تفاعل الوافدين مع البربريّة والپونيقيّة واللّاتينية الأفريقيّة في المغرب العربي، أو مع السّريانيّة والآراميّة الأقدم والعربيّة الشمالية القديمة في الجزيرة العليا.
بمقاربة الموضوع من زاوية علم نفس المجتمع والأنثروپولوجيا، يتجاوز هذا التّشارك اللّغويّ حدوده الصّوتيّة ليبني وجداناً جمعيّاً يعبر فوق كلّ الحدود الجغرافيّة. فاللّغة المنطوقة في هذه الحالة تفوق كونها أداة لتبادل المنافع اليوميّة، لتتحوّل إلى أرشيف حيّ وذاكرة شفهيّة تصون أدقّ تفاصيل الحياة البسيطة، وأسماء الأشياء، وعادات المعيشة، وطرائق التّفكير المتوارثة عبر الأجيال.
ارتحال القبائل قديماً واستقرارها في بيئات جديدة أسّسا لروابط قرابة متينة تأبى الزّوال برغم شساعة المسافات المكانيّة. ويظهر أثر هذا الرّابط الرّوحيّ بوضوح جليّ في تفاعلات النّاس؛ فإحساس الفرد في الجزائر بألفة صادقة ودفء مفاجئ تجاه مفردة يتفوّه بها إنسان من أرياف سوريا أو العراق، ينسج رابطة وجدانيّة لا إراديّة في اللّحظة ذاتها. كأنّ هذه الكلمة العابرة تفتح باباً خفيّاً نحو ماضٍ مشترك، وتعيد إحياء صورة الأجداد المهاجرين.
هذا التّآلف العفويّ العميق يذيب الفواصل المكانيّة السّياسيّة الحديثة، ويؤكّد الانتماء الصّريح إلى فضاء إنسانيّ وتاريخيّ واحد، ليجمع النّاس على كلمة مألوفة تعيد وصل ما انقطع من ذاكرتهم الأصيلة، وتبرهن عجز الجغرافيا عن تفريق الوجدان الّذي توحّده اللّغة.

سقوط الدّعايات الانفصاليّة
{تبني اللّغة المنطوقة مجتمعات متخيّلة تتجاوز التّخوم السّياسيّة المرسومة، وتخلق وجداناً جمعيّاً متماسكاً يقاوم كلّ محاولات العزل والتّقسيم} ~عالم الأنثروپولوجيا بينديكت أندرسون
نجحت هذه التّجربة العفويّة نجاحاً باهراً في تفكيك خطابات التّفرقة والدّعايات الانعزاليّة الخبيثة، تلك الّتي تسعى بشتّى الطّرق لتمزيق النّسيج الاجتماعيّ للمنطقة وعزل شعوبها عن جذورهم التّاريخيّة المشتركة. إذ إنّ الأصوات الانفصاليّة تحاول دائماً تصوير التّباعد الجغرافيّ قطيعة حتميّة، وتروّج لفكرة الاختلاف السّطحيّ في اللّّهجات دليل قاطع على انعدام الرّوابط الإنسانيّة. وتستغلّ هذه الخطابات بعض الكلمات الدّخيلة أو تغيّر نبرة الصّوت لتبني جدراناً وهميّة، وتسعى لإقناع النّاس بأنّ المسافات الشّاسعة تعني بالضّرورة اختلافاً جذريّاً في الأصول والانتماء.
لكنّ شهادات النّاس العاديّين العفويّة جاءت لتسقط هذه الادّعاءات بالكامل، ولتثبت هشاشة هذا التّوجّه. فالمشاركون في النّقاش لم يعتمدوا على مقرّرات سياسيّة أو خطابات جاهزة، بل استندوا إلى مخزونهم اليوميّ البسيط في بيوتهم وأسواقهم. وتطابق ألسنتهم في أدقّ تفاصيل حياتهم اليوميّة، واتّفاقهم على معاني مفردات متطابقة تماماً، أثبتا عقم المحاولات الرّامية لسلخهم عن محيطهم الممتدّ. فالكلمات الّتي ينطقها الفلّاح في أرضه أو الأمّ في منزلها لا تكذب، وتأتي محصّنة ضدّ أيّ تزييف أو تلاعب إعلاميّ موجّه.
أثبت هذا النّقاش المفتوح أنّ خرائط السّياسة والتّضاريس القاسية لا تستطيع كسر الرّوابط البشريّة العميقة. فالكلمة المنطوقة بصدق وعفويّة في أقاصي المغرب العربيّ تجد صداها التّامّ والمباشر في أقاصي المشرق العربيّ، متجاوزة آلاف الكيلومترات دون عناء.
هذا الرّنين المشترك ينسف كلّ محاولة بائسة لطمس الهويّة المشتركة والتّاريخ المتّصل، ويؤكّد يقيناً ثابتاً: الرّوح البشريّة تأبى التّقسيم، واللّغة الأصيلة تظلّ الشّاهد الأوّل والأصدق على وحدة هذا الفضاء الإنسانيّ المتماسك برغم بعد المسافات.

مراجع للتوسّع والاستزادة
- كتاب المجتمعات المتخيّلة: تأمّلات في أصل القوميّة وانتشارها للمؤلّف بندكت أندرسن. https://www.versobooks.com/books/2259-imagined-communities
- كتاب اللّغة: مقدّمة لدراسة الكلام للمؤلّف إدورد ساپير. https://archive.org/details/languageintroduc00sapi
- مقال مشكلة المعنى في اللّغات البدائيّة للمؤلّف برونيسلاڤ مالينوڤسكي ضمن كتاب معنى المعنى. https://archive.org/details/meaningofmeaning00ogde
- مقدّمة كتيّب اللّغات الهنديّة الأمريكيّة للمؤلّف فرانتس بواس. https://archive.org/details/handbookofameric01boas
- كتاب اللّغة العربيّة للمؤلّف كيس ڤرستيگ. https://edinburghuniversitypress.com/book-the-arabic-language.html
- كتاب مقدّمة ابن خلدون للمؤلّف عبد الرّحمن ابن خلدون. https://archive.org/details/waq74004
- معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة. https://dohadictionary.org
- موسوعة حلب المقارنة للمؤلّف خير الدّين الأسديّ. https://archive.org/details/Mousou3at_Halab
- كتاب تاريخ اللّغات السّاميّة للمؤلّف إسرائيل ولڤنسون. https://archive.org/details/Tari5-lughat-samia





اترك تعليقاً