اكتشف الفرق التّاريخيّ والعلميّ بين عشبة الزّعتر وخلطة الزّعتر التّجاريّة (الدّقّة). مقال يصحّح المفاهيم الشّائعة ويفنّد أساطير الخصوبة بأدلّة موثّقة.
يكتنف موضوع الزّعتر والدّقّة غموض لغويّ ومفاهيميّ واسع بين النّاس، فتراهم يختلفون حول أصوله ومناطق انتشاره. وينبع هذا الخلاف من الخلط الواضح بين ثلاث معانٍ متداخلة: عشبة الزّعتر النّباتيّة التي تنمو برّيّاً، وخلطة الزّعتر التّجاريّة المركّبة من بهارات متعدّدة، والمنتج المخبوز المعروف بالمناقيش.
يظنّ بعض النّاس خطأً أنّ العشبة والخلطة شيء واحد، وينسبون النّبات إلى بلد واحد، متناسين انتماء هذه العائلة النّباتيّة إلى حوض البحر الأبيض المتوسّط بِرُمَّته.
يهدف هذا المقال إلى تصحيح هذه المفاهيم الشّائعة، وتبيان الأصول التّاريخيّة الصّحيحة، وتوضيح الفروق الدّقيقة بين العشبة والتّابل، بعيداً عن الأساطير والادّعاءات المتداولة.

الأصول التّاريخيّة للخلطة وأسطورة الخصوبة
تعود التّسمية التّاريخيّة للزّعتر إلى أسطورة رومانيّة قديمة روّجت لها روما بعد تأسيس محافظة إيليّة في فلسطين. إذ ربط الرّومان هذه الخلطة بمعبود يُدعى الملاك زاتوريّة أو زاتيريّه أو شاتُريّه Satureja (زعتر الفحل)، وصوّروه رجلاً بقضيب منتصب وأقدام ماعز، ليجعلوا منه رمزاً للخصوبة. واستغلّت العشائر الرّومانيّة، وتحديداً عشيرة إيليّة، هذه الأسطورة لترويج خلطة الزّعتر التّجاريّة في أرجاء الإمبراطوريّة، مدّعيةً أثرها البالغ في إطالة فترة انتصاب الرّجال وزيادة كمّيّة النّطاف.
ويُعتقد رجوع هذا الاسم إلى النّحت اللّغويّ من {ذو عثتَر}، نسبة إلى المعبود العربيّ الكنعانيّ القديم، لتنتقل التّسمية لاحقاً من الخلطة التّجاريّة لتشمل العشبة نفسها، وليس العكس كما يتردّد بين العامّة. ويزخر التّاريخ القديم بحكايات شيّقة حول هذه النّبتة، فربطت شعوب النّهرين ومصر القديمة نبات الصّعتر بملاك أسموه {عثتر صَعِر}، وصنّفه بعض العرب من الجنّ. هنا كلمة {صَعِر} تعني في اللّغة العربيّة المتصلّب أو المنتصب، وعنها أُخذ اسم الجنّيّ في الآراميّة البابليّة.
تماهى هذا الرّبّ في مصر مع الرّبّ {خنُم} أو {قنُم} الذي قدّسه المصريّون شمالاً، ليصبح لاحقاً في إغريقيّة الإسكندريّة الكوينيّة إلهاً للفحولة الذّكوريّة. وأدّى هذا التّقديس إلى منح ملوك مصر لقب ماعز الجبل تشريفاً لقرون طويلة. وتبنّى الإغريق لاحقاً أسطورة صَعِر ونبات الصّعتر وربطوها بملاك أسموه زاتور σάτυρος.
استعمل المصريّون القدماء عشبة زعتر التيم في عمليّات التّحنيط، واستفاد منها الإغريق في حمّاماتهم وأحرقوها بخوراً في معابدهم إيماناً بمنحها الشّجاعة. ويرجع الفضل للرّومان في نشر الزّعتر في أرجاء أوروپا، لاستعمالهم إيّاه في تنقية غرفهم وإضافة نكهة عطريّة إلى الجبن والمشروبات الكحوليّة. وفي العصور الوسطى الأوروپيّة، وضع النّاس هذه العشبة تحت وسائدهم للمساعدة على النّوم ومنع الكوابيس. وكثيراً ما أهدت النّساء أوراق الزّعتر للفرسان والمحاربين اعتقاداً بمنحها الشّجاعة لحامليها. واستعملت العشبة بخوراً يوضع في التّوابيت وقت الجنائز، لضمان عبور آمن للمتوفّى إلى الحياة الآخرة.

التّفريق النّباتيّ الصّارم بين الأصناف
يخلط كثيرون بين الأصناف النّباتيّة، فيتوهّمون اقتصار النّبات على رقعة جغرافيّة ضيّقة، والواقع يؤكّد نموّ نباتات هذه العائلة في مجمل دول حوض البحر الأبيض المتوسّط. كما تفرّق العلوم النّباتيّة بدقّة بين {الزوفا} القديمة التي كانت زاداً للصّيّادين في الشّام قديماً، وبين الزّعتر الزّاحف المعروف باسم {التيم}، و{المردقوش السّوريّ} المعروف باللّاتينيّة باسم {الأوريگانو}.
طوّر المزارعون الفلسطينيّون {المردقوش السّوريّ} (الأوريگانو) قبل نحو 2000 سنة ليصبح المكوّن الرئيس في معظم خلطات الزّعتر الحديثة. ويساهم مناخ جبال فلسطين في نابلس والخليل والقدس وتربتها الكلسيّة الغنيّة مع الرّطوبة المعتدلة في جعل النّبتة تفرز نسباً أعلى من الزّيوت الطّيّارة مثل الثيمول والكارفاكرول، وهذا يفسّر النّكهة الحادّة والرّائحة القويّة للزّعتر الفلسطينيّ.

تطوّر التابل وتنوّعه الإقليميّ
بدأت حكاية خلطة تابل الزعتر في فلسطين تاريخيّاً بتنكيه زيت الزّيتون بعشبة الزوفا وتناولها مع الخبز، لتتطوّر لاحقاً بإضافة السمّاق، ثمّ السّمسم المحمّص، وصولاً إلى شكلها الجافّ المعاصر. وتتشابه الخلطة اللّبنانيّة والأردنيّة كثيراً مع النّسخة الفلسطينيّة بتركيزها على أوراق الزّعتر والسمّاق والسّمسم. في حين تتفرّد سوريا بتنوّع إقليميّ لافت، فتتميّز دمشق بالزّعتر البنّيّ الممزوج بدبس الرّمّان، وتشتهر حلَب بخلطة فاكهيّة معقّدة تضمّ حبّ الرّمّان المجفّف والتّوابل. ولا يقتصر استهلاك الزّعتر في حلَب على الخلطة الجافّة، بل يُقبل الحلبيّون في موسمه على تناول أوراق الزّعتر الأخضر الطّازج مع الجبن وزيت الزّيتون. وتوثّق أسواق حلَب القديمة هذه العراقة بوجود محلّات تاريخيّة متخصّصة توارثت المهنة، مثل الكسحة والقبرصي والنّاصر والحايك.
ينتشر سوء فهم كبير حول استهلاك مصر للزّعتر والدّقّة، فالدّقّة المصريّة التّقليديّة تصنع أساساً من نوى المشمش المجفّف والتّوابل الجافّة، وتختلف كلّيّاً عن الدّقّة الشّاميّة الرّطبة المصنوعة من البقسماط ودبس الفليفلة، وعن الدّقّة الغزّاويّة المعتمدة على القمح المحمّص.
ويظنّ البعض بغياب خلطة الزّعتر الشّاميّة عن مصر تماماً، لكنّ الأدلّة التّاريخيّة تثبت دخولها البلاد منذ قرون، وارتبط تناول الدّقّة والزّعتر في بعض مناطق مصر بالمناسبات الاجتماعيّة والرّوحيّة، وتُقدّم ضيافةً بعد انتهاء حفلات الذّكر الصّوفيّ. كما يمتدّ استهلاك هذه الخلطات بفضل هجرات قبائل الغرب ليغطّي مساحات واسعة تشمل سيوة ومطروح والبحيرة، وصولاً إلى المنيا وأسيوط في الصّعيد. وتكيّفت هذه الخلطات مع المائدة المصريّة لتدخل في تتبيل المخلّلات وتُضاف إلى الجبن القريش والمشّ.
يخطئ البعض بالاعتقاد أنّ دول الخليج والمغرب العربيّ تجهل نبتة الزّعتر. أمّا الزّعتر البرّيّ فيُشرب مشروباً ساخناً في مناطق واسعة تمتدّ من المدينة المنوّرة وتبوك، لتشمل طبرجل وسكاكا ودومة الجندل، وصولاً إلى براري مدينة الطّائف، في حين انتشرت خلطة الزّعتر الشّاميّة في العقود الأخيرة، خاصّةً في الرّياض.
تعرّف دول المغرب العربيّ العشبة البرّيّة جيّداً وتستعملها بهاراً في طبخ اللّحوم والطّواجن، أو مشروباً مفيداً للصحّة، ويشتهر الكسكس الجزائريّ بالزّعتر بكونه طبقاً مميّزاً. أمّا تناول الخلطة التّجاريّة المستوردة مع زيت الزّيتون والخبز يعدّ تقليداً وافداً جديداً على موائد بلدان المغرب العربيّ والعراق في القرن العشرين، وليس تقليداً أصيلاً موروثاً لديهم.

تفنيد المعارف الشّعبيّة الخاطئة والادّعاءات
تنتشر ادّعاءات ساذجة تنسب ابتكار التّابل إلى مدن بعينها استناداً إلى الاسم اللّاتينيّ للمردقوش السّوريّ. لكن، تفنّد الأدلّة التّاريخيّة هذا الزّعم، وتبيّن إطلاق تسمية {سوريا} في العهد اللّاتينيّ على منطقة جغرافيّة واسعة جدّاً ضمّت فلسطين والأردنّ ولبنان وأجزاء من تركيا والعراق.
نشأت الخلطة التّجاريّة المركّبة بدايةً في إمارة القدس الإيليّانيّة قبل الإسلام بنحو 500 سنة. وفي حين تخلو كلّ هذه الأساطير الرّومانيّة القديمة حول الفحولة من أيّ إثبات علميّ رصين. تثبت البحوث الحديثة امتلاك خلطة الزّعتر فوائد صحّيّة موثّقة لا علاقة لها بالخرافات. إذ تزخر أوراق النّبتة بزيوت طيّارة تبلغ نسبتها 0.5 إلى 3.8 بالمئة من كتلة النّبات.
يهيمن الثيمول على هذه الزّيوت بنسبة 37 إلى 55 بالمئة، وهو مركّب فينوليّ أحاديّ التّربين يحمل خصائص مضادّة للأكسدة والميكروبات. ويضاف إليه الكارفاكرول بنسب متفاوتة تصل إلى 45.5 بالمئة في بعض الأصناف النّادرة. كما يحتوي السمّاق المضاف إلى الخلطة على حمض الگاليك والعفصات والأنثوسيانينات بتركيزات عالية جدّاً، وتفوق كمّيّة ڤيتامين سي فيه العديد من الفواكه المعروفة، ممّا يمنح التّابل حموضته المحبّبة. ويغدِق السّمسم المحمّص على الخلطة بروتينات غنيّة بالڤالين والتريبتوفان، ومعادن الكالسيوم والمگنيسيوم والزّنك.

كلمة أخيرة
تتطلّب دراسة عادات الشّعوب الغذائيّة الدّقّة والفصل الحاسم بين العشبة النّباتيّة البرّيّة، وبين الخلطة التّجاريّة المصنّعة بأيادي البشر. فمعرفة الفروق الدّقيقة تقي النّاس شرّ الانجرار وراء الأساطير والادّعاءات الباطلة، وتمنحهم فهماً أعمق لجذور طعامهم الممتدّة في التّاريخ.
تتشارك الشّعوب خيرات الأرض ومنافعها، وتتوارث أجيالها المتعاقبة نكهات تدمج عراقة الماضي بتنوّع الحاضر، لتستمرّ مائدة الزّيتون والزّعتر مجمعاً للبشر المتآلفين على حبّ الطّعام الطّيّب الأصيل.
مصادر ومراجع
- Nasr, S., Jaafar, M., Habchi, R., et al. (2021). Unraveling the beneficial effects of herbal Lebanese mixture “Za’atar”: History, studies, and properties of a potential healthy food ingredient. Journal of Ethnopharmacology, 280, 114456.
- Abu-Lafi, S., Rayan, M., Khasib, S., et al. (2019). Origanum syriacum L. (Za’atar), from Raw to Go: A Review. Plants, 8(11), 489.
- Marchese, A., Barbieri, R., Sanches-Silva, A., et al. (2016). Biological activity of plant-based carvacrol and thymol and their impact on human health and food quality. Trends in Food Science & Technology, 57, 76-92.
- Pourreza, N. (2013). Phytochemical and nutritional properties of sumac (Rhus coriaria): a potential ingredient for developing functional foods. Journal of Medicinal Plants Research, 7(20), 1526-1528.
- Moazzami, A. A., Andersson, R. E., & Kamal-Eldin, A. (2007). Lignans of Sesame (Sesamum indicum L.): A Comprehensive Review. Journal of Agricultural and Food Chemistry, 55(22), 9242-9247.
- Zohary, M. (1993). Flora Palaestina – Part 3. Jerusalem, Israel: The Israel Academy of Sciences and Humanities (زهاري، ميخائيل. النّباتات الفلسطينيّة – الجزء الثّالث).
- Boulos, L. (2002). Flora of Egypt Checklist. Cairo, Egypt: Al Hadara Publishing (بولس، لوتي. فهرس نباتات مصر).
- Gibson, J. C. L. (1978). Canaanite Myths and Legends. Edinburgh: T&T Clark (الأساطير الكنعانيّة والأوگاريتية).
- Drijvers, H. J. W., & Healey, J. F. (1999). The Old Syriac Inscriptions of Edessa and Osrhoene. Leiden: Brill (النّقوش الآراميّة والأصول اللّغويّة).
- ابن البيطار. الجامع لمفردات الأدوية والأغذية.
- ابن سينا. القانون في الطّبّ.
- Plinius Maior. Naturalis Historia.




اترك رد