على المحيط الأطلسي في أعماق الصحراء الكبرى تحتفظ موريتانيا بكنز لغوي نادر، فاللّهجة الحسّانية التي يتحدّث بها أغلب سكّانها تحمل في طياتها أصداء عربية مشرقية عريقة تجعلها أقرب إلى لهجات الخليج العربي واليمن والعراق منها إلى جاراتها في المغرب العربي. هذا التشابه اللّافت يكشف قصّة تاريخية مذهلة تمتدّ عبر القرون، قصّة هجرة وصمود وحفظ للتراث في أقاسي الأرض، قصّة رحلة طويلة ومعقّدة عبر المراحل والقارات.

جذور الحكاية: إقليم البحرين التاريخي
تبدأ القصة الحقيقية للحسّانية في إقليم البحرين التاريخي، ذلك الإقليم الواسع الذي امتدّ شرق شبه الجزيرة العربية من جنوب البصرة عبر ساحل الخليج العربي، شاملاً أراضي الكويت والمنطقة الشرقية السعودية؛ الأحساء والقطيف وجزيرة قطر وجزيرة أوال (البحرين المعاصرة). هناك، في تلك الأراضي الخصبة بالنخيل والمياه، عاشت قبائل بني معقل ومن بينها بنو حسّان، في القرون الأولى للإسلام.
ينتسب بنو حسّان (الحسّانيّون) إلى حسّان بن مختار بن محمد بن معقل بن موسى الهراج بن محمد بن جعفر الأمير بن إبراهيم الأعرابي بن محمد الجواد بن علي الزينبي بن عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب، وهو نسب شريف يربطهم بآل البيت النبوي الكريم. هذا النسب العريق منحهم مكانة رفيعة ودفعهم للحفاظ على هويّتهم الثقافية واللّغوية بعناية استثنائية.

فصل مؤلم: التحالف القرمطي وتداعياته
في أواخر القرن الثالث الهجري وبعد سيطرة الأتراك على العراق وإعادة تنظيم الجيش، شهدت الخلافة العبّاسية ضعفاً واضحاً وإهمالاً للقبائل العربية في الجزيرة، عكس ما كانت عليه الدولة الأموية التي جعلت هذه القبائل عماد جيوشها وفتوحاتها. دفع هذا الإهمال العديد من القبائل، ومن بينها بنو معقل الذين ينتمي إليهم بنو حسّان، للانضمام إلى الحركة القرمطية التي برزت في تلك الفترة.
لم يكن انضمام هذه القبائل للقرامطة نابعاً من اقتناع عقائدي، بل كان تحالفاً سياسيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً مع قوّة صاعدة وعدت بتحسين أوضاعهم. انضمّت قبائل أخرى مثل بني هلال وبني سليم وبنو كلب وفزارة وأشجع، وشكّلوا جميعاً عماد الجيش القرمطي الذي سيطر على مساحات واسعة من شرق الجزيرة العربية وعلى تجارة الخليج العربي البحرية.
الكارثة الكبرى: فتنة مكّة والحجر الأسود
في عام 317 هجرية الموافق 930 ميلادية، ارتكب القرامطة بقيادة أبي طاهر الجنابي أبشع جريمة في التاريخ الإسلامي. في يوم التروية، هاجموا مكّة المكرمة في أثناء موسم الحج، وارتكبوا مذبحة مروّعة قتلوا فيها ثلاثين ألفاً من الحجّاج الآمنين. لم يكتفوا بهذا الفعل الشنيع، بل سرقوا الحجر الأسود من مكانه ونقلوه إلى عاصمتهم {هجر} في الأحساء، ونهبوا كسوة الكعبة وخلعوا بابها.
هذه الجريمة النكراء هزّت العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وكانت بمنزلة القنبلة الموقوتة التي دمّرت سمعة القرامطة ومعهم كل من تحالف معهم. حتى الخليفة الفاطمي العبيدي، الذي كان قرمطي العقيدة، أرسل كتاباً ينكر فيه على قرامطة البحرين فعلتهم الشنيعة ويلعن أبا طاهر ويتبرّأ منه.
انهيار التحالف وبداية النهاية
زادت الأمور تعقيداً عندما سلّم أبو طاهر الجنابي عام 931 ميلادية زمام الدولة في البحرين إلى شاب فارسي ظنّه المهدي المنتظر. بسرعة أثبت هذا القرار وقعه الكارثي، فالشاب الفارسي أعدم أعيان الدولة وسبّ النبي محمد والأنبياء على المنابر، ممّا اضطر أبا طاهر لقتله بعد ثمانين يوماً فقط. هذه الفترة القصيرة أضعفت نفوذ القرامطة إلى حدّ بعيد وكانت إيذاناً ببداية انهيار دولتهم.
بدأت القبائل العربية في البحرين تتمرّد على القرامطة وتطمع في الاستيلاء على الحكم. استولى أبو البهلول العوّام من بني عبد القيس على جزيرة أوال (البحرين الحالية) عام 1058 ميلادية، وثار ابن عياش من بني محارب على القرامطة في القطيف وانتزعها منهم. أخيراً، سقطت دولة القرامطة نهائيّاً عام 1076 ميلادية على يد العيونيّين بمساعدة السلاجقة.

الهجرة الكبرى: رحلة البحث عن موطن جديد
أصبحت القبائل التي تحالفت مع القرامطة، ومن بينها بنو حسّان، في موقف بالغ الحرج. فمن جهة، كانت ملطّخة بسمعة التحالف مع من ارتكب أبشع الجرائم في الحرم المكي، ومن جهة أخرى، كانت مهدّدة بالانتقام من القبائل العربية والقوى السياسية الجديدة التي استولت على المنطقة.
في هذه الظروف الصعبة، لجأ الفاطميّون إلى استقدام هذه القبائل إلى مصر حلّ يخدم مصالحهم المتعدّدة. فنقلوا بني هلال وبني سليم وبني معقل وغيرها إلى صعيد مصر، ثم وجّهوهم فيما بعد إلى المغرب العربي للقضاء على الحركة الاستقلالية التي قادها عاملهم في أفريقية (تونس حالياً).
بدأت الهجرة العظيمة الأولى لبني حسّان من إقليم البحرين إلى المغرب الأقصى عام 1218 ميلادية، تبعتها موجات أخرى امتدّت بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، حملت معها كافة الحسّانيين من نجد والحجاز. هكذا، أبحرت هذه القبائل العربية في الصحراء الواسعة من المشرق العربي نحو المحيط الأطلسي، حاملة معها تراثاً لغويّاً وثقافيّاً مشرقيّاً أصيلاً.
المحطّة الأولى: السوس الأقصى والمغرب الجنوبي
لم تكن موريتانيا الوجهة الأولى لقبائل بني حسّان، بل كانت رحلتهم محطّات متعدّدة عبر المغرب العربي. وصلوا أوّلاً إلى المغرب الأقصى واستقرّوا في مناطق السوس الأقصى، فكانت مواطنهم بنواحي ملوية إلى مصبّه في البحر مع إخوانهم ذوي منصور وعبيد الله.
استصرخهم علي بن يدر الزكندري صاحب السوس من بعد الموحدين للمساعدة في صراعه مع كزولة الظواعن ببسائط السوس وجباله، فصارخوه وارتحلوا إليه بظعونهم. أعجبتهم مواطن السوس لعدم المزاحم من الظعون فيها فأوطنوها وصارت مجالاتهم بقفرها، وغلبوا كزولة وأصاروهم في جملتهم وغلبوا على القصور في سوس ونول ووضعوا عليها الأتاوات.
امتدّت مواطن بني حسّان من درعة والساورة وتيديكلت إلى المحيط الأطلسي، وأنزلوا شيوخهم في بلد نول قاعدة السوس فاستولوا على السوس الأقصى وما إليه. كانوا ينتجعون في الرمال إلى مواطن الملثّمين من كدالة ومستوفة ولمتونة، وهكذا بدأت رحلتهم نحو العمق الصحراوي.
الدفع نحو الصحراء: الضغط المريني والتفكّك الداخلي
لم يدم الاستقرار في السوس طويلاً، ففي سنة 786هـ/1287م اصطدم بهم السلطان المريني أبي يعقوب بن أبي يوسف وألجأهم إلى الفيافي والقفار. هذا الضغط العسكري المريني دفعهم للتعمّق أكثر في الصحراء بحثاً عن مناطق أكثر أماناً وأقلّ تدخّلاً من السلطات المركزية.
زاد من تعقيد الوضع التصدّع الشديد الذي حدث بين الجذمين الكبيرين الشبانات وذوي حسّان، وذلك بفعل الاختلاف حول الموقف من السلطة المرينية ومعارضيها. وقف الشبانات مع الأوّل وبني حسّان مع الأخيرين، ممّا أسفر في النهاية عن تقاسم النفوذ والمجالات بينهما.
كان نصيب الحسّانيين المجال الممتدّ من درعة إلى البحر المحيط إلى مشارف الصحراء، وهي اللّحظة التي رصد فيها ابن خلدون تواجدهم قرب مواطن الملثّمين من كدالة ومسوفة ولمتونة. صاروا “أبعد في القفر”، لتبدأ مرحلة جديدة من رحلتهم الطويلة، هي مرحلة السيطرة على المجال الصحراوي العميق.

الرحلة عبر الصحراء: انتشار متدرّج
خلال مسارها الطويل عبر المغرب العربي، تركت قبائل بني حسّان فروعاً لها في مناطق مختلفة. في كلّ مكان كانوا يعسكرون فيه للاستراحة، كانوا يتركون فرعاً من القبيلة، فانتشرت الحسّانية على طول صحراء المغرب العربي من جنوب تونس والجزائر وليبيا والمغرب، وصولاً إلى الاستقرار النهائي في شمال موريتانيا.
يفسّر هذا الانتشار المتدرّج لماذا نجد اليوم آثار اللّهجة الحسّانية في مناطق متفرقة من المغرب العربي، فاللّهجة انتشرت بطريقة أوسع من انتشار القبائل نفسها. الفروع التي انفصلت عن القبيلة الأم كوّنت مجتمعات حسّانية عاشت في البلدان التي استقرّت فيها واختلطت بقبائلها وسكّانها.
حرب شرببة: الاستقرار النهائي والهيمنة الثقافية
وصلت قبائل بني حسّان إلى المناطق التي تشكّل اليوم موريتانيا والصحراء المغربية في القرن الخامس عشر الميلادي، لكنّ الاستقرار النهائي والهيمنة الثقافية لم يكتملا إلّا بعد حرب شرببة الشهيرة (1644-1674). كانت هذه الحرب نقطة التحوّل الحاسمة في تاريخ المنطقة، حرب استمرّت ثلاثين عاماً بين قبائل صنهاجة المقيمة في المنطقة بقيادة إمام قبيلة لمتونة ناصر الدين، وقبائل المهاجرين العرب من معقل وأهمّها بني حسّان.
انتهت الحرب بهزيمة القبائل البربرية في حلف صنهاجة، وأصبحوا منذ ذلك الحين مضطرّين إلى تسليم أسلحتهم وتقديمهم إلى القبائل العربية المحاربة، الذين دفعوا لهم ضريبة الحرمة. ظلّت القبائل البربرية في أدوار إمّا مزارعين شبه مستقرّين أو صيادين (قبائل الزناجة)، أو أصحاب درجات أعلى في السلّم الاجتماعي مثل قبائل دينية (مرابط أو زاوية).
هذا الانقسام بين المحاربين العرب بني حسّان والمرابطين البربر، بالإضافة إلى الزناجة التابعين، استمرّ في موريتانيا حتّى الاستعمار الفرنسي، عندما فرضت فرنسا نفسها عسكريّاً على جميع القبائل وكسرت بذلك قوّة بني حسّان.

انتشار اللّهجة: الهيمنة الثقافية الناعمة
لا يُعرف تحديداً التاريخ الذي أصبحت فيه اللّغة العربية الدارجة المسمّاة الحسّانية تُحكى في البلاد الموريتانية. لكنّ الراجح أنّ ذلك بدأ تقريبيّاً مع القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي. لكنّه لم يصبح واضحاً جليّاً إلّا مع القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي بعد أن أكملت القبائل الحسّانية سيطرتها على المنطقة.
تخلّى السكّان القدماء عن لهجاتهم القديمة لمصلحة لهجة عربية مضرية متأخّرة هي الحسّانية المنسوبة إلى قبائل بني حسّان، تشبّهاً بالحسّانيّين وطمعاً بالارتقاء الاجتماعي. هذا التحوّل اللّغوي لم يحدث بالقوّة وحدها، بل أيضاً لأن الحسّانية أصبحت لغة السلطة والتجارة والمكانة الاجتماعية في المجتمع الجديد.
كانت هناك حاجة إلى لغة جامعة بدلاً من التعدّدية اللّهجية، خصوصاً خلال مرحلة الانتقال من الاقتصاد الشفاهي إلى الاقتصاد الكتابي. تشكّلت في المجتمع الجديد هرمية اجتماعية تصنّف عناصره إلى محاربين ومشتغلين بالثقافة وتابعين لكليهما، واختار بنو حسّان السلاح واختار الزوايا الخطط الدينية والتربوية.
استراتيجية البقاء: العزلة والحفظ
اختارت قبائل بني حسّان استراتيجية دقيقة للحفاظ على هويّتها المشرقية: العزلة الطوعية والرفض المطلق للاختلاط. تقوقعت هذه القبائل على نفسها ورفضت الاندماج مع القبائل البربرية أو العرب الأصليّين في المناطق التي استقرّت بها، وذلك للمحافظة على لهجتها الحسّانية وعاداتها وتقاليدها المشرقية.
استولوا على تلك البلاد المعروفة حاليّاً بموريتانيا والصحراء المغربية، وفرضوا لهجتهم العربية المعروفة بالحسّانية نسبة إليهم، وأنشأوا الإمارات الحسّانية. أصبحت الحسّانية بديلاً عن البربرية وعربية الفناق التي كانت تتحدّثها القبائل المحلّية.

عوامل الحفظ الاستثنائية
ساعدت عدّة عوامل في المحافظة على الطابع المشرقي الأصيل للّهجة الحسّانية. العزلة الجغرافية في أعماق الصحراء الكبرى وفرت حماية طبيعية ضدّ التأثيرات اللّغوية الخارجية. كما لم تصل الدولة العثمانية إلى موريتانيا، ولم يتجاوز الاستعمار الفرنسي ستين عاماً، بقي خلالها مهمّشاً ومعزولاً من قبل السكّان الذين لم يمنحوه احترامهم أو قبولهم.
هذا التراكم من عوامل الحماية جعل من اللّهجة الحسّانية واحدة من أفصح اللّهجات العربية المعاصرة، فاحتفظت بألفاظها ومصطلحاتها المستمدّة من اللغة العربية القديمة دون تحريف أو تبديل كبير. البعد عن المؤثرات الأجنبية والتمسّك بالتراث اللّغوي الأصيل حوّل الحسّانية إلى متحف حيّ للعربية المشرقية الأصيلة.
شهادة معاصرة على الصلة المفقودة
يؤكّد الأستاذ العالم أعل بيات من جامعة نواكشوط، الذي عاش في منطقة الخليج، هذا التقارب اللّغوي المدهش بشهادة حيّة مؤثّرة. فاجأته السنوات الأولى من إقامته باكتشاف الكثير من المفردات ذات الخصوصية البدوية في اللّهجة الحسّانية التي وجدها شائعة في اللّهجات الخليجية والعراقية وبادية الشام، في الوقت الذي لا تستخدم فيه دول الجوار غير الناطقة بالحسّانية تلك المفردات.
يصف الأستاذ أعل بيات تجربته قائلاً إنه لا يزال يتفاجأ في أثناء حديثه مع الزملاء من الإمارات وعُمان والسعودية بمفردات جديدة هي من صميم اللّهجة الحسّانية وليست معروفة في الأقطار العربية الأخرى. اكتشف أنّ اللّهجة الحسّانية متناثرة بين القبائل العربية في الخليج، فما لم يجده عند قبيلة وجده عند أخرى.
الأمر الأكثر إثارة للدهشة أنّ بعض القبائل الخليجية تستخدم مفردات متطابقة تماماً لفظاً ومعنى مع ما هو موجود في موريتانيا، في الوقت الذي لا تستخدم فيه قبائل أخرى في نفس الدولة الخليجية تلك المفردة، بل أحياناً لا يعرف أبناؤها معناها. هذا التوزّع الجغرافي للمفردات الحسّانية بين قبائل الخليج يؤكّد الأصل المشترك والتاريخ المتشابك.

التحقّق العلمي: الأدلّة الجينية
تؤكّد الدراسات الجينية الحديثة صحّة هذا التواصل التاريخي. في دراسة جينية عن سكّان الجنوب المغربي صدرت عام 2009، فُحص 204 فرد من الناطقين بالعربية في المنطقة والمفترض أنّهم من بني حسّان ومعقل تاريخيّاً، وخلص العلماء إلى أنّهم أقرب جينيّاً للسعوديّين بدرجة أولى، حيث جاء في الدراسة: “تظهر الشجرة التطوّرية قرابة كبيرة بين سكّان جنوب المغرب والسعوديّين”.
فسّرت الدراسة هذا القرب الجيني بين سكّان السوس والمغرب العربي مع عرب الجزيرة العربية بالقبائل العربية التي هاجرت لبلاد المغرب واستوطنت المنطقة خاصة عرب بني معقل وبني هلال، وورد فيها: “في الواقع يمكن أن يكون القرب الجيني بين سكّان سوس وعرب الشرق الأوسط مرتّباً بموجات الهجرة القديمة التي بدأت مع وصول عرب معقل عام 1218م إلى سوس”.

رحلة عبر القارات: من الخليج إلى المحيط
تحكي قصّة اللّهجة الحسّانية رحلة استثنائية عبر القارات، رحلة بدأت في إقليم البحرين التاريخي الواسع وانتهت في أعماق الصحراء الكبرى. مرّت هذه الرحلة بمحطّات عديدة: من التحالف القرمطي المؤلم إلى الهجرة الاضطرارية، من الاستقرار المؤقّت في السوس الأقصى إلى الدفع نحو الصحراء، من الانتشار المتدرّج عبر المغرب العربي إلى الاستقرار النهائي في موريتانيا بعد حرب شرببة.
هذا التاريخ المعقّد يفسّر لماذا انتشرت اللّهجة الحسّانية في مناطق أوسع من انتشار القبائل نفسها، ولماذا نجد آثارها اليوم في أجزاء مختلفة من المغرب العربي، ولماذا احتفظت بخصائصها المشرقية برغم المسافات الجغرافية الشاسعة والقرون الطويلة.
إرث محفوظ في الصحراء
هذا التقارب اللّغوي والجيني المدهش بين الحسّانية الموريتانية واللّهجات الخليجية يفسّر لماذا يستطيع الموريتاني فهم اللّهجة الخليجية أكثر ممّا يفهمها السوري أو المصري الذي لم يتعلّمها. الأمر ليس مصادفة أو تشابهاً عابراً، بل هو شاهد حي على رحلة تاريخية طويلة ومؤلمة، رحلة نفي وهجرة وصمود.
تحكي الحسّانية قصّة قبائل عربية أجبرتها الظروف السياسية القاسية على ترك موطنها الأصلي في المشرق العربي، فحملت معها كنوزها اللّغوية وتراثها الثقافي، وحافظت عليه بعناد استثنائي في عزلة الصحراء. يعيد هذا التراث المحفوظ اليوم ربط الخيوط المقطوعة بين المشرق والمغرب، ويذكّرنا بوحدة الجذور برغم تباعد الديار.

ذاكرة الصحراء الحيّة
تبقى موريتانيا اليوم شاهدة على قدرة الإنسان العربي على الحفاظ على هويّته في أصعب الظروف. في صحرائها الواسعة تتردّد أصداء إقليم البحرين القديم، وفي كلماتها تعيش ذاكرة المشرق العربي. الحسّانية ليست مجرّد لهجة، بل هي وثيقة تاريخية حيّة تحكي قصة شعب رفض أن ينسى من أين جاء، حتى بعد قرون من الغربة ومراحل متعدّدة من الترحال والاستقرار.
هكذا تحوّلت موريتانيا إلى خزانة أمينة للتراث اللّغوي المشرقي، تحتفظ بكنوز من الألفاظ والتراكيب التي ربّما اندثر بعضها حتى في مواطنها الأصلية. هذا الإرث الثمين يذكّرنا بأنّ التاريخ ليس مجرّد أحداث تمرّ، بل ذاكرة حيّة تنبض في كلمات الناس وتنتقل عبر الأجيال، حاملة معها أسرار الماضي وحكمة الأجداد.
قصة الحسّانية تعلّمنا أنّ اللّغة أقوى من السيف في المعارك الحضارية، وأنّ الهوية الثقافية يمكنها أن تصمد في وجه التحدّيات عندما يتسلّح أصحابها بالإرادة والعزيمة. رحلة بني حسّان الطويلة من الخليج إلى المحيط، عبر المحطّات والمراحل المختلفة، تبقى شاهداً على قدرة الشعوب على التكيف والصمود مع الاحتفاظ بجوهرها الأصيل.
في النهاية، تقف موريتانيا اليوم جسر لغوي وثقافي يربط بين تاريخ المشرق وحاضر المغرب، تحمل في صوتها نبرة الخليج وفي كلماتها عبق التاريخ، وتؤكّد أنّ الحدود الجغرافية لا يمكنها أن تقطع الروابط الحضارية العميقة التي تجمع بين أبناء الأمة الواحدة.
المراجع
- ابن خلدون، عبد الرحمن (1408ه/1988م) العنوان: تاريخ ابن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر. الناشر: دار الكتاب اللبناني، بيروت. المصدر الأساسي لتاريخ بني معقل وبني حسان وإقليم البحرين التاريخي
- الناصري، أحمد بن خالد (1315ه/1897م). العنوان: طلعة المشتري في النسب الجعفري. الناشر: المطبعة الملكية، فاس. الملاحظة: رد على ابن خلدون في نسب بني معقل إلى آل البيت.
- المختار بن حامد (2009). العنوان: حياة موريتانيا – الجزء 26: بنو حسان والجزء 30: ممالك السودان وأعلامه. الناشر: مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
- الحسين بن محنض (2010). العنوان: تاريخ موريتانيا القديم والوسيط – الجزء الأول. الناشر: دار الفكر.
- إسلم ولد أحمد الهادي (1997). العنوان: موريتانيا عبر العصور: جمع وترتيب حلقات التاريخ الموريتاني. الناشر: نواكشوط
- Bosch, Elena et al. (2009). العنوان: “Allele frequencies of 15 autosomal STR loci in south Morocco population with phylogenetic structure among worldwide populations”. المجلة: Forensic Science International: Genetics Supplement Series. الملاحظة: الدراسة الجينية المذكورة في النص حول سكان جنوب المغرب.
- فاناكير، كلوديت (1979). العنوان: “موريتانيا إلى القرن العشرين”. المؤلَّف الجماعي: التعرف على موريتانيا Introduction à la Mauritanie. الناشر: المعهد الوطني للبحث العلمي، فرنسا.
- أعل بيات (2024). العنوان: “الهجرة الحسانية إلى موريتانيا: مسار طويل من التأثير والتأثر». المجلة: Megazine. التاريخ: سبتمبر 2024
- حماه الله ولد السالم (2024). العنوان: “كتابة تاريخ موريتانيا: ملامح المحطات الكبرى». المجلة: Megazine. التاريخ: سبتمبر 2024
- بوشطارت، عبدالله (2015). العنوان: “حرب شُرْبُبَّة واغتيال الامازيغية في موريتانيا». المجلة: جريدة سوس بلوس الإخبارية. التاريخ: ديسمبر 2015
- آل ثاني، عبد الله جاسم علي (2008). العنوان: الحياة السياسية والاقتصادية في إقليم البحرين وعمان بين القرنين الخامس والسابع الهجري. الناشر: دار العلوم العربية، بيروت. رقم ISBN: 978-9953-0-1188-2
- خليل، محمد محمود (2006). العنوان: تاريخ الخليج وشرق الجزيرة العربية المسمى: إقليم بلاد البحرين في ظل حكم الدويلات العربية. الناشر: مكتبة مدبولي. رقم ISBN: 977-208-592-5
- ولد اصنيبه، اعلي (2021). العنوان: “نبذة تاريخية عن القبائل الموريتانية”. المجلة: أقلام. التاريخ: مايو 2021
- ولد بيات، أعل. الصفة: أستاذ بجامعة نواكشوط العصرية. الملاحظة: شاهد معاصر على التقارب اللغوي بين الحسانية ولهجات الخليج (مذكور في النص)
- مودات، العقيد (القرن 15-16). المصدر: مراجع تاريخية عن وجود أولاد دليم وأولاد بربش ولوداية في الجنوب المغربي
- ليون الأفريقي (القرن 16). العنوان: وصف أفريقيا. الملاحظة: ذكر أخذ لوداية الإتاوة على سكان وادي نون وولاتة
- الهادي، محمد المختار سيدي محمد. الصفة: أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة نواكشوط. الملاحظة: متخصص في تاريخ موريتانيا المعاصر
- ولد حامد، المختار. العنوان: دراسات في تاريخ موريتانيا. الملاحظة: مؤرخ موريتاني معاصر، ترجح كونه مؤلف معتمد
- مجلة المستقبل العربي. مقالات متنوعة: عن تاريخ وثقافة موريتانيا والمغرب العربي
- مجلة الدارة: مقالات تاريخية: حول الحج والرحلات الشنقيطية





اترك رد