يزعجني من بعض السّوريّين المغتربين ظاهرة مستفزّة جدّاً بطلها «المغترب المفتّش»، الّذي يذهب في زيارة قصيرة إلى سوريا ليمتّع نفسه بـ «سياحة المعاناة». فيسافر هذا النّاشط السّوريّ في زيارة سياحيّة قصيرة إلى دمشق، لا أبعد من ذلك، ليعود إلينا متقمّصاً دور الخبير والسّائح السّياسيّ.
وانتقادي هنا موجّه للمادح والقادح على السّواء، فحال سوريا تؤخذ من أهلها، والسّوريّ المقيم في سوريا قادر على التّعبير عن حالته وحياته بنفسه، ولا ينتظر منك أيّها المغترب تقييماً لها، ولا ينتظر تقييماً لإنجازاته وللنّسبة المئويّة الّتي حقّقها من قيمك الشّخصيّة حتّى اليوم. فسوريا ليست متحفاً للحرب، وأهلنا ليسوا مادّة للتّقييم الأخلاقيّ، بل نحتاج جميعاً إلى التّضامن الحقيقيّ والعمل الفعليّ، لا إلى نظرات الاستعلاء وسياحة المعاناة الّتي تحوّل مأساة شعب إلى قصّة نجمع بها التّفاعلات.

المغترب المفتّش والاستشراق الدّاخليّ
يزور هذا الشّخص وطنه الأمّ ليس بدافع الشّوق أو الانتماء، بل بعقليّة المبعوث الرّسميّ أو المراقب الدّوليّ، يضع نفسه في موضع القاضي الّذي يقيّم أحوال النّاس وسلوكيّاتهم، ويكتب (لمتابعيه على فيٓسبوك) تقارير مفصّلة يقيّم فيها أداء الحكومة الانتقاليّة، وحالة المعارضة، ونظافة الشّوارع، والأهمّ من ذلك يقيّم أخلاق النّاس، متناسياً كونه جزءاً من هذا النّسيج، ليصدر أحكاماً مبنيّة على زيارة قصيرة لا تتجاوز أيّاماً قليلة.
يزعجني هذا السّلوك جدّاً بسبب ما يحمله من نظرة استعلاء غير مبرّرة، يمارس أصحابها شكلاً فجّاً من الاستشراق الدّاخليّ أو الذّاتيّ. الزّائر العابر ينظر إلى أهله وبلده بنظرة الفوقيّة، وكأنّ المقيمين في الدّاخل عيّنات في مختبر أو كائنات في حديقة حيوانات نراقبها ونكتب عنها التّقييمات.
برأيي، تنبع هذه النّظرة الفوقيّة من شعور كاذب بالتّفوّق الأخلاقيّ والمعرفيّ يكتسبه “الناشط” المغترب نتيجة عيشه في ظروف أكثر استقراراً، فينظر إلى من بقوا في الدّاخل نظرة دونيّة، ويصوّرهم مسلوبي الإرادة والوعي، وكأنّهم كائنات تحتاج إلى تقييمه وتوجيهه، متناسياً أثمان النّجاة والصّمود الّتي دفعوها على مدار 15 عاماً.
عاش السّوريّون في الدّاخل 15 عاماً من أهوال الحرب، ودفعوا أثماناً باهظة للنّجاة، وتأتي هذه المنشورات لتسلبهم إرادتهم وتختزل معاناتهم وآمالهم في محتوىً للاستعراض على فيٓسبوك.

سياحة المعاناة والسّائح السّياسيّ
تمثّل هذه الأفعال حالة استغلال صريحة لأوجاع النّاس وآثار الحروب لجعلها مادّة للتّرفيه النّفسيّ أو الاستعراض الشّخصيّ، فيأتي الزّائر ليتفرّج على الخراب والمشاقّ اليوميّة الّتي يكابدها أهل البلد، ويلتقط الصّور ويكتب المنشورات ليحصد التّفاعلات، جاعلاً مأساة الآخرين مسرحاً لإشباع فضوله.
ويترافق ذلك مع دور السّائح السّياسيّ الّذي يمارسه الفرد مدّعياً امتلاك رؤية تحليليّة عميقة لكونه يعيش خارج مكان الحدث، يتجوّل في الشّوارع ليطلق أحكاماً سياسيّة واجتماعيّة جاهزة حول المعارضة والحكومة والمجتمع، متجاهلاً التّعقيدات الّتي يعيشها السّكّان، ومكتفياً بنظرة استشراقيّة متعالية من الخارج.

ادّعاء الفهم المطلق
العيش في الخارج وحده لا يمنح أحداً وعياً سياسيّاً أعمق أو تفوّقاً أخلاقيّاً، والابتعاد عن مكان الحدث لا يعني فهماً أفضل للحدث. بل يقع البعض ضحيّة ادّعاء الفهم المطلق، وهو الوهم الّذي يصيب من يراقبون الأحداث من بعيد، فيظنّون ابتعادهم عن التّفاصيل اليوميّة المرهقة يمنحهم صفاءً ذهنيّاً وقدرة أكبر على التّحليل، ويصدرون آراءهم على أنّها حقائق نهائيّة غير قابلة للنّقاش، رافضين الاستماع لأصحاب التّجربة الحقيقيّة المكتوين بنار الحدث.

تخفيف الشّعور بالذّنب وتبرير الخيارات
في العمق، يخفي هذا الاستعراض شماتة مبطّنة ومحاولة لتبرير خياراتهم الشّخصيّة بالبقاء بعيداً. إذ إنّي أرى زاوية واضحة من الشّماتة المبطّنة في هذا السّلوك، حتّى لو لم يعترف أصحابها بذلك أبداً، شماتة تأخذ شكلاً نفسيّاً معقّداً لا يعني بالضّرورة الفرح المباشر بالأذى، بل محاولة لتبرير خياراتهم الشّخصيّة.
يحتاج المغترب الّذي بنى حياة مريحة خارج سوريا أحياناً إلى طمأنة نفسه بصحّة قرار خروجه وبقائه في الخارج، فحين يكتب هذا المفتّش عن سوء الأوضاع، وتراجع الأخلاق، وانهيار المرافق، يرسل رسالة غير مباشرة مفادها: انظروا إلى الخراب الّذي نجوت منه.
يغذّي هذا الاستعراض شعوراً بالتّفوّق النّفسيّ، ويخلق مسافة مريحة بينه والمأساة، ليؤكّد لنفسه وللآخرين وجوده في موقع أفضل. فيكتب بعض المغتربين هذه التّقارير العلنيّة آليّة لتخفيف الشّعور بالذّنب، وهي آليّة دفاعيّة نفسيّة يلجأ إليها من غادروا البلد للهروب من عبء البقاء بعيداً وقت الأزمات، فيكتبون مواقف استعراضيّة ليقنعوا أنفسهم والآخرين ببقائهم شركاء في القضيّة، محاولين تغطية غيابهم الفعليّ بحضور افتراضيّ صاخب.

التّصفيق الافتراضيّ والهروب من المسؤوليّة
الأنكى من ذلك هم من يشاركون بالتّعليقات من السّوريّين المغتربين، يشكرون هذا المغترب المفتّش على تقريره، لكأنّ سوريا خلت من أقاربهم وأهاليهم وأصدقاء الطّفولة القادرين على تقديم أجوبة وإيضاحات أفضل … لو يُسألون.
بموازاة ذلك، يشارك المعلّقون الّذين يهلّلون له في هذه الشّماتة اللّاواعية، ويبحثون بدورهم عن المبرّر ذاته، متجاهلين أهاليهم في الدّاخل لأنّ التّواصل الحقيقيّ معهم سيفرض التزامات ثقيلة، ولذلك يفضّلون التّصفيق لتقرير سياحيّ يعفيهم من المسؤوليّة ويشعرهم بالرّضى عن ذواتهم.
النّتيجة جارحة لمن بقي في الدّاخل، ولمن عانى وتعب واشتغل لمصلحة سوريا سرّاً وعلانيّةً بعيداً عن الاستعراض وادّعاء الفهم المطلق، ممّا يعمّق الفجوة بدلاً من بناء جسور الدّعم والمساندة الّتي يحتاجها أبناء البلد حقّاً.

البديل الأدبي والتّضامن الفعليّ
ما السّلوك السّليم الّذي يجب أن يحلّ مكان هذه التّقييمات الجارحة؟ سوريا المتعبة تحتاج اليوم إلى العمل الجادّ واليد الحانية، ولا تحتاج تنظيراً فارغاً من أبراج عاجيّة. فالبداية تكون بالتّخلّي عن التّعالي، وإدراك أنّ من صمدوا 15 عاماً يمتلكون صلابة استثنائيّة وروحاً محبّة للحياة؛ يجب أن نتعلّم منها ونحترمها، بدلاً من وضعها تحت مجهر الفحص.
حين يزور المغترب بلده، يجب أن يكون هدفه جبر الخواطر وبثّ الأمل في النّفوس، فالكلمة الطّيّبة تصنع فارقاً كبيراً، والصّمت خيار أفضل بكثير من توجيه النّقد لأشخاص استنزفتهم قسوة الأيّام. والسّلوك الوطنيّ الصّادق يظهر في تقديم الدّعم المادّيّ والمعنويّ للأقارب والجيران والمحتاجين، والمساهمة الفعليّة في تخفيف مرارة العيش، لا في تحويل أوجاعهم إلى محتوىً للاستعراض.
نحتاج إلى نقد بنّاء يهدف للإصلاح الحقيقيّ بعيداً عن الاستعراض العلنيّ الّذي يغذّي الأنا ويوسّع الفجوة بين أبناء البلد. فالانتماء الصّادق يفرض علينا التّشارك في تحمّل المسؤوليّة، وسؤال أهل الدّاخل عن احتياجاتهم الفعليّة والاستماع إليهم بتواضع، لنكون عوناً لهم وسنداً حقيقيّاً يتجاوز العالم الافتراضيّ نحو واقع ملموس.

تعاريف
إليك تعريفاً عميقاً لكلّ سمة من السّمات الواردة في التدوينة، لتكون واضحة ومحدّدة:
المغترب المفتّش
هو الشّخص الّذي يزور وطنه الأمّ ليس بدافع الشّوق أو الانتماء، بل بعقليّة المبعوث الرّسميّ أو المراقب الدّوليّ. يضع نفسه في موضع القاضي الّذي يقيّم أحوال النّاس وسلوكيّاتهم، متناسياً كونه جزءاً من هذا النّسيج، ليصدر أحكاماً مبنيّة على زيارة قصيرة لا تتجاوز أيّاماً قليلة.
سياحة المعاناة
هي حالة استغلال أوجاع النّاس وآثار الحروب لجعلها مادّة للتّرفيه النّفسيّ أو الاستعراض الشّخصيّ. يأتي الزّائر ليتفرّج على الخراب والمشاقّ اليوميّة الّتي يكابدها أهل البلد، ويلتقط الصّور ويكتب المنشورات ليحصد التّفاعلات، جاعلاً مأساة الآخرين مسرحاً لإشباع فضوله.
السّائح السّياسيّ
هو الفرد الّذي يدّعي امتلاك رؤية تحليليّة عميقة لكونه يعيش خارج مكان الحدث. يتجوّل في الشّوارع ليطلق أحكاماً سياسيّة واجتماعيّة جاهزة حول المعارضة والحكومة والمجتمع، متجاهلاً التّعقيدات الّتي يعيشها السّكّان، ومكتفياً بنظرة استشراقيّة من الخارج.
نظرة الفوقيّة والاستعلاء
هي شعور كاذب بالتّفوّق الأخلاقيّ والمعرفيّ يكتسبه المغترب نتيجة عيشه في ظروف أكثر استقراراً. ينظر إلى من بقوا في الدّاخل نظرة دونيّة، مسلوبي الإرادة والوعي، وكأنّهم كائنات تحتاج إلى تقييمه وتوجيهه، متناسياً أثمان النّجاة والصّمود الّتي دفعوها على مدار 15 عاماً.
تخفيف الشّعور بالذّنب
هو آليّة دفاعيّة نفسيّة يلجأ إليها من غادروا البلد للهروب من عبء البقاء بعيداً وقت الأزمات. يكتبون تقارير ومواقف استعراضيّة ليقنعوا أنفسهم والآخرين ببقائهم شركاء في القضيّة، محاولين تغطية غيابهم الفعليّ بحضور افتراضيّ صاخب.
ادّعاء الفهم المطلق
هو الوهم الّذي يصيب بعض من يراقبون الأحداث من بعيد، فيظنّون ابتعادهم عن التّفاصيل اليوميّة المرهقة يمنحهم صفاءً ذهنيّاً وقدرة أكبر على التّحليل. يصدرون آراءهم على أنّها حقائق نهائيّة غير قابلة للنّقاش، رافضين الاستماع لأصحاب التّجربة الحقيقيّة المكتوين بنار الحدث.
الاستشراق الدّاخليّ
هو تبنّي المغترب لعدسة الأجنبيّ في النّظر إلى مجتمعه الأمّ، ليتعامل مع أبناء بلده بوصفهم «الآخر» المختلف. يجرّد هذا السّلوك المقيمين في الدّاخل من إرادتهم وفاعليّتهم، ويحوّلهم مادّةً صامتةً للرّصد والتّحليل، ليؤكّد المراقب من مسافته الآمنة تمايزه وانفصاله المتعالي عن واقعهم، متقمّصاً دور المستكشف الّذي يدرس عيّناتٍ بشريّةً بدلاً من التّفاعل مع أقرانه.





اترك رد