تتبّع جذور الشّعيريّة والمعكرونة بدءاً من بابل القديمة وصولاً إلى بنزرت التّونسيّة وانتقالها نحو إيطاليا. اكتشف أسرار العولة، ومقرونة الدّار التّقليديّة، وتاريخ صناعة العجائن.
يغيب عن أذهان الأغلبيّة أنّ أصل الشّعيريّة يعود أساساً إلى المعكرونة المنزليّة العربيّة الأصيّلة بصنفيها الرّفيع والثّخين. إذ شكّل الصّنف الثّخين غذاء العرب الأوّل ومؤونتهم الأساسيّة لقرون طويلة قبل انتشار استهلاك الأرزّ في المنطقة. ولمّا وصل الأرزّ لاحقاً إلى الموائد العربيّة، دمجت العرب الصّنف الرّفيع من هذه الشّعيريّة معه لإنتاج طبق الأرزّ بشعيريّة الشّائع جدّاً اليوم في بلاد المشرق. ويمثّل هذا التّاريخ الجذور الأولى لصنوف الشّعيريّة والمعكرونة الحديثة.
ومن المدهش هو بقاء هذا الإرث العريق حيّاً نابضاً، رافضاً الاندثار أو التّواري بين سطور التّاريخ المنسيّة، لكن على الطرف الغربي من المتوسّط. ففي ولاية {بنزرت} التّونسيّة، تواصل النّساء صنع هذه المعكرونة العربيّة الأصيلة بأيديهنّ داخل البيوت، ويحافظن على الأساليب المتوارثة ببراعة تبعث على الإعجاب. فذلك الصّنف العتيق الّذي غادر المتوسّط يوماً نحو إيطاليا ليغدو أيقونة عالميّة، ما زال يُعجن ويُشكّل في {بنزرت} بنفس المكوّنات والطّريقة اليدويّة الّتي عرفها العرب قبل أكثر من 4000 عام، ليبقى شاهداً حيّاً ومدهشاً على أصالة مطبخ عريق عجزت المصانع الحديثة عن محو بصمته.

مؤونة العرب الأولى
تتّصل جذور هذه العجائن التّاريخيّة بشمال العربيّة القديم، وتحديداً بالدّيانة البابليّة الّتي صنّفت أطباق المعجّنات من شعائرها الدينية. عُرفت هناك طبخة {الإطريّة}، وهي تسمية تشير إلى شرائط العجين الجافّة، إلى جانب {الرّشتة} وهي شرائط العجين الطّازجة.
شملت العادات البابليّة القديمة أكل {الإطريّة} و{الرّشتة} مع البقوليّات كالعدس والفول في أعياد الرّبيع، واعتاد حجّاج بابل حمل ربطات الإطريّة المجفّفة معهم في طريق عودتهم إلى ديارهم لتناولها مع عائلاتهم.
يناقض هذا التّاريخ الموثّق الرّوايات الأكاديميّة الغربيّة الّتي تنسب الشّعيريّة خطأ إلى الصّين استناداً إلى حكاية {ماركو پولو} الأسطوريّة، وإلى وعاء خزفيّ واحد عُثر عليه في موقع {لاجيا} الأثريّ. إذ ينفي مؤرّخو الطّعام هذه الرّواية الصّينيّة لأنّ الأثر المكتشف مصنوع من الدّخن لا القمح، ولأنّ تكوين النّشاء فيه يختلف تماماً عن {الشّعيريّة} و{الإطريّة}، ممّا يؤكّد خروج المعكرونة من بلاد البحر الأبيض المتوسّط حصراً.

رحلة العجائن من سوريا وتونس إلى إيطاليا وجذور التّسمية
بدأت رحلة الشّعيريّة إلى أوروپّا لمّا نزحت عائلات عربيّة مسيحيّة من سوريا واستقرّت في جنوب إيطاليا، هرباً من حرب الأعوام 26 الّتي دارت رحاها بين سنتيّ 21 ق.هـ و 6 هـ \ 602 و 628 م. حمل هؤلاء النّازحون معهم أطباق الشّعيريّة المحلّيّة، فظهر في جنوب إيطاليا طبق {شيشَري إ تريه} Ciceri E Tria المكوّن من حمّص وإطريّة، والّذي يُؤكل بالملعقة لا بالشّوكة.
ترافق ذلك مع حفظ بيوت ولاية {بنزرت} التّونسيّة للعجائن القديمة وجعلها حيّة، لتنتقل لاحقاً من تونس إلى إيطاليا عبر جزيرة صقليّة ومدينة {پُوليَا} إبّان الحكم العربيّ. إذ كبرت الجالية العربيّة المسيحيّة في پُوليَا وتجذّرت في عهد دولة الأغالبة، واستمرّ وجودها حتّى العصر النّورمانيّ. ونقلت هذه الجالية معها أسرار صناعة الشّعيريّة وعلّمتها للإيطاليّين.
صارت هذه العجائن تُعرف في إيطاليا باسم {مِينكْيَارِدّي} Minchiareddhi، لكنّ أسماءها الأخرى مثل {مقرونة} أو {مكّروني} maccaruni ترجع إلى أصل عربيّ خالص. تعود كلمة {مكّروني} الإيطاليّة إلى كلمة {مَكّه} العامّيّة اللّاتينية الّتي استعملها النّاس في روما بمعنى الكبس والمعس، لتطابق تماماً معنى الفعل العربيّ {مَعَكَ}. وتُصنع الشّعيريّة بمعك العجينة باليد، ليكون المعنى الحرفيّ لكلمة {مكّروني} هو {الممعوكة}.

صناعة نِسائيّة متوارثة وتطوّر الصّناعة في صِقِلِّيَّة
في بيوت العرب ومن عاش في كنفهم؛ اختصّت النّساء بصناعة هذه العجائن، وما زالت هذه المهارة المنزليّة حيّة بقوّة في تونس وعموم شمال أفريقيا حتّى اليوم. وبينما، تحوّلت هذه الصّناعة في إيطاليا إلى تخصّص الرّجال داخل المصانع، لكنّها بقيت في العالم العربيّ عملاً نِسائيّاً يتوارثه الأجيال، وتراجعت عنه الصناعة لمصلحة أنواع أخرى.
شهدت جزيرة {صِقِلِّيَّة} تطوّراً هائلاً في صناعة الشّعيريّة بعد الفتح العربيّ وتأسيس {إمارة صِقِلِّيَّة} الإسلاميّة. إذ بُنيت في الجزيرة مصانع حديثة تعتمد طاقة الماء لإنتاج العجائن بتنظيم متطوّر.

استُبدلت الحنطة والقمح الطّريّ بسميد القمح القاسي لإنتاج الإطريّة. وأضحت هذه الصّناعة رافداً أساسيّاً للدّخل الوطنيّ للإمارة، وتعمل طوال 24 ساعة يوميّاً لتصدير الإنتاج إلى كلّ الآفاق في بلاد المسلمين والنّصارى. وحافظ النّورمان على هذه الصّناعة لاحقاً، ووثّق الجغرافيّ {الإدريسيّ} عام 548 هـ \ 1154 م حركة الأرحاء المائيّة في مدينة {پَلَرم} Palermo وإنتاجها الغزير من الإطريّة المجهّزة للتّصدير الخارجيّ.
تمتدّ جذور هذه الصّناعة اليدويّة النّسائيّة إلى مناطق عربيّة أخرى وتتنوّع طرق طبخها. ففي قرى مدينة {إربد} الحورانية شمال الأردن (وسط الشام)، دأبت الجدّات على فتل الشّعيريّة يدويّاً وتحميصها بمحماسة القهوة الواسعة. وتُطبخ هذه الشّعيريّة لاحقاً في مرق البندورة مع أقراص الكبّة المحشوّة باللّحم والبصل. وهذا الانتشار الواسع دليلٌ آخر على تجذّر الشّعيريّة في المطبخ العربيّ بمختلف أقاليمه، من المشرق إلى المغرب.
تتّسع هذه الدّائرة الجغرافيّة لتشمل باقي بلاد الشّام، وتظهر أطباق متنوّعة تعتمد أساساً على العجائن المنزليّة مثل الرّشتة، وحرّاق إصبعه، وستّ زبقي، والرّقاقة. تُصنع في فلسطين الشّعيريّة الرّفيعة يدويّاً، إلى جانب الرّشتة العريضة الّتي تشابه اليوم عجائن الفيتوتشيني الإيطاليّة (الإطرية). وتمتدّ هذه الصّناعة التّشاركيّة إلى شرق سوريا في دير الزّور، وصولاً إلى الموصل في العراق.
تتشارك النّسوة الجارات في فتل الرّشتة من دقيق القمح الكامل، مع دهن أطراف الأصابع بسمن الغنم لمنحها نكهة غنيّة، قبل إرسالها إلى أفران السّوق لتجفيفها وحفظها مونة طوال العام. ويصل امتداد هذه العجائن التّاريخيّة إلى الصّعيد المصريّ باسم المخروطة. وتواصل النّساء في اليمن حتّى اليوم صناعة هذه العجائن يدويّاً، وفتلها في أطباق مصنوعة من العزف أو سعف النّخيل، ليؤكّد هذا الانتشار الواسع تجذّر الصّناعة في مختلف الأقاليم.

مقرونة الدّار البنزرتيّة… تحضير يدويّ وشعائر عائليّة متوارثة
تُعرف هذه المعجّنات العريقة في ولاية {بنزرت} بتسميات متعدّدة، مثل {مقرونة الدّار}، و{مقرونة السّمّار}، و{مقرونة الإبرة}، وتُسمّى أيضاً {النّجارة البنزرتيّة}. وتتجاوز العجائن التّونسيّة مقرونة الدّار لتشمل أشكالاً أخرى مثل {الحلالم}، و{النّواصر}، و{المحمصة}، و{الرّشتة القابسيّة}. ويبدأ تحضيرها بعجن السّميد أو القمح مع الدّقيق والماء والملح لتشكيل عجينة متماسكة. ثمّ تأخذ النّساء قطعاً صغيرة من العجين ويلففنها بمهارة تامّة حول عود نباتيّ رفيع يُسمّى {السّمّارة}، أو يشكّلنها فوق شبكة الغربال، لتأخذ شكل خيوط أو أنابيب دقيقة ومجوّفة. وتستعمل النّساء أداة خشبيّة تُسمّى عود الرّشتة لرقّ العجين، وهي الأداة ذاتها المستعملة في تحضير البقلاوة التّونسيّة.
لا يُفهم هذا التّحضير بوصفه وصفة طعام عاديّة، بل جزءٌ أصيلٌ من عادات المونة المنزليّة أو ما يُعرف تونسيّاً بـ {العولة}. إذ تجتمع النّساء في البيت ضمن شعائر تحضير جماعيّ تملؤها الألفة، والمشاركة، والأحاديث المتبادلة. وتتوارث العائلات هذه المهارة جيلاً بعد جيل، ويُنظر إليها بوصفها علامة جليّة على الكرم، وحسن التّدبير الغذائيّ، وقوّة الرّوابط الأسريّة.
تُطبخ هذه المقرونة التّقليديّة بصّبغة طماطم عاقدة ومركّزة، تفوح منها روائح الثّوم، والزّيت، والهريسة، والبهارات التّونسيّة الأصيلة. ويُضاف إلى هذه الصّبغة الغنيّة لحم الخروف الّذي يُسمّى محليّاً العلّوش، أو الدّجاج البلديّ المعروف باسم السّردوك العربيّ. وتكتمل نكهة الطّبق بإضافة خضار موسميّة متنوّعة مثل الجزر الّذي يُعرف باسم السّفناريّة، والبطاطا، والخرشف، وحبّات الحمّص. وتراعي العائلات في بنزرت تقليداً محليّاً صارماً بتقديم هذا الطّبق دون إضافة البيض المسلوق، لتبقى النّكهة خالصة لمزيج الخضار واللّحم.
يقتضي هذا العمل التّشاركيّ وقتاً طويلاً وصبراً جميلاً، وتضفي هذه اللّمّة النّسائيّة بركة خاصّة وقيمة معنويّة عالية على المعجّنات، ممّا دفع جهات توثيق عالميّة لإدراجها ضمن التّراث الغذائيّ المهدّد بالاندثار في حال غياب هذه المهارات المنزليّة.
تتّفق دول المغرب العربيّ على الحفاظ التّامّ على هذا الإرث الغذائيّ. إذ تُعرف العجائن في ليبيا والمغرب باسم الدّويدة. وتُصنع الدّويدة اللّيبيّة من مزيج الدّقيق والسّميد، وتُشكّل باليد لتوضع لاحقاً على الغربال حتّى تجفّ تماماً، لتُطبخ في مرق وتصبح أكلة جارية، أو تُحضّر على طريقة المبكبكة الشّهيرة.
تزخر الجزائر بتنوّع مذهل في أسماء العجائن التّقليديّة وتفاصيل طبخها، بأسماء متعدّدة مثل المقرنة، والمقرون الأعمى، والقوارط، والتّليتلي، واللّغريتليّة الّتي تشتهر بها قسنطينة وعنّابة. وتُعرف في العاصمة والبليدة باسم مقرون برّ التّرك والمقرطفة لانتشارها في المناطق الّتي سكنها الأتراك، إضافة إلى الدّويدة الجيجليّة البالغة الرّقّة. وتُطبخ هذه العجائن الجزائريّة غالباً في مرق أبيض، ليعود هذا التّقليد إلى عصور خلت سبقت وصول الطّماطم إلى المنطقة.
بالعودة إلى مخطوطة كتاب {فضالة الخوان في طيّبات الطّعام والألوان} الّذي ألّفه {ابن رزين التّجيبيّ} في القرن 7 هـ \ 13 م، نجد تفاصيل دقيقة عن كيفيّة تحضير الأنواع الأولى من المعكرونة التّقليديّة، وتحديداً ما عُرف باسم الفداوش والإطريّة.
يصف التّجيبيّ طريقة طبخ الفداوش بوضع قطع اللّحم، وخاصّة لحم الضّأن المحبّب لنكهته الغنيّة، في قدر مع الزّيت والبصل والملح والفلفل الأسود والكزبرة اليابسة. ويُطبخ اللّحم ببطء شديد على نار هادئة حتّى ينضج تماماً، ثمّ يُضاف إليه الماء ليغلي، وتُرمى فيه العجائن المصنوعة من دقيق القمح المرقوق والمقطّع. تُترك لتنضج وتتشرّب نكهة مرق اللّحم العميقة، ويُضاف إليها الزّعفران ليمنحها اللّون الذّهبيّ المميّز.

تظهر الوصفات القديمة تقنيات طهي متنوّعة لسدّ غياب المكوّنات الّتي وصلت لاحقاً من الأمريكتين. إذ مزج الطّبّاخون بين المذاقين المالح والحلو عبر إضافة العسل أو السّكّر إلى بعض الأطباق، ولجأوا إلى الخلّ أو عصير الرّمّان وعصير الحصرم لمنح الطّبق حموضة تغني عن صبغة الطّماطم الحمراء. وكانت تُرشّ أحياناً الجبنة المبشورة على وجه الطّبق قبل تقديمه ساخناً لتكثيف القوام وإضافة طبقة غنيّة من المذاق.
بناءً على هذا الجهد الطّويل والمكوّنات الغنيّة، لا يُصنّف هذا الطّبق ضمن الوجبات السّريعة أو طعام الأيّام العاديّة، بل وجبة فاخرة ومميّزة. فيزيّن هذا الطّبق موائد الأعياد والمناسبات العائليّة الكبيرة، ويُحضّر خصّيصاً وجبة سحور غنيّة ومغذّية في شهر رمضان المبارك، ليجمع أفراد العائلة حول مائدة تنبض بالأصالة والتّاريخ.

التّجفيف والتّخزين الصّحيح لضمان الجودة
يستوجب حفظ {مقرونة الدّار} تجفيفاً كاملاً يمنع تعفّنها أو التصاقها، لتكون جاهزة للتّخزين الطّويل. وتبدأ هذه المرحلة بفرد قطع المعجّنات لتشكّل طبقة متفرّقة فقط على قماش نظيف، أو صينيّة واسعة، أو رفّ تجفيف مخصّص. ويوجب الأمر اختيار مكان معتدل الحرارة ومهوّى جيّداً، مع الحرص التّامّ على إبعاد العجائن عن أشعّة الشّمس المباشرة القويّة الّتي تفسد قوامها.
يستغرق التّجفيف الهوائيّ وقتاً يمتدّ من 12 إلى 24 ساعة. وتزيد هذه المدّة الزّمنيّة حسب نسبة رطوبة الجوّ وسماكة القطع المصنوعة، وفي حال كانت رطوبة المكان عالية، يُنصح بإطالة مدّة التّجفيف أو الاستعانة بتهوية خفيفة إضافيّة. ويُفضّل تقليب القطع وتحريكها بين حين وآخر لضمان جفاف الوجهين بالتّساوي.
يظهر نجاح عمليّة التّجفيف عبر علامات واضحة؛ حين يصبح السّطح مطفيّاً فاقداً للمعان، وتغدو القطعة قاسية خفيفة الوزن لا تلتصق بالأصابع. لا تترك القطعة الجاهزة أيّ إحساس بالبرودة الرّطبة أو اللّزوجة عند لمسها، ويصدر عنها صوت جافّ واضح عند جمع 2 أو 3 قطع معاً. والعلامة الأهمّ هي اختبار الكسر؛ فإذا انكسرت القطعة بنظافة وفوراً عند ثنيها بدلاً من أن تنحني بمرونة، يثبت هذا الأمر جفافها الكامل.
نظراً لسماكة المقرونة البنزرتيّة الطّويلة مقارنة بالشّعيريّة العاديّة الرّفيعة، تفقد الأطراف رطوبتها قبل الوسط أحياناً. يفرض هذا الأمر اختبار واحدة من أثخن القطع ومحاولة كسرها من المنتصف للتّأكّد من جفاف قلبها تماماً من أيّ ليونة أو رطوبة داخليّة خفيّة.
تُترك المقرونة بعد ثبوت جفافها قليلاً في الهواء الطّلق خطوة أخيرة، قبل تعبئتها في وعاء محكم الإغلاق مثل مرطبان زجاجيّ أو علبة غذائيّة جافّة. وتوضع الأوعية في خزانة باردة وجافّة ومظلمة لحمايتها من الحشرات والرّطوبة، لتدوم جودتها العالية ومذاقها الأصيل لمدّة تصل حتّى 6 أشهر. ويُستحسن التّخلّص منها فوراً إذا ظهرت أيّ رائحة غير طبيعيّة أو تكتّل داخل الوعاء لاحقاً.

التّجفيف الدّقيق بمستويات حرارة منخفضة
في حاضرنا، تُتيح أجهزة التّجفيف المنزليّة الحديثة التّحكّم الدّقيق بدرجات الحرارة ومستويات الرّطوبة. إذ يضمن ضبط الحرارة على درجات منخفضة ومحدّدة، مثل 35 إلى 40 درجة مئويّة، سحب الرّطوبة ببطء من العجائن أو الخضار مثل الطّماطم، ممّا يحفظ النّكهات العميقة ويمنع تشكّل العفن. وتوفّر المراوح الدّاخليّة توزيعاً متساوياً للهواء، لتخرج المنتجات مجفّفة تماماً وبجودة عالية.
كما تُسهم آلات التّفريغ من الهواء في إطالة عمر الأطعمة المجفّفة بأمان. إذ يسحب الجهاز الأكسجين بالكامل من الأكياس المخصّصة، ليمنع تأكسد المكوّنات ويحميها من الرّطوبة الخارجيّة والحشرات. وللتّأكّد من جفاف الموادّ قبل تخزينها، يُنصح باستعمال موازين رقميّة دقيقة بالغرامات لقياس وزن المكوّنات قبل التّجفيف وبعده، للتّحقّق من نسبة تبخّر الماء بدقّة.
لحفظ العجائن التّقليديّة مثل الفداوش والإطريّة لفترات تمتدّ أشهراً عديدة، جفّفها ببطء شديد. اضبط جهاز التّجفيف على درجة حرارة تتراوح بين 35 و 40 درجة مئويّة. فتسحب هذه الحرارة المنخفضة الرّطوبة من العجين تدريجيّاً، وتمنع تشقّق السّطح الخارجيّ الّذي يحدث غالباً عند التّجفيف السّريع. وللحصول على نتائج مثاليّة، زِن العجائن بميزان رقميّ حسّاس قبل التّجفيف وبعده، للتّأكّد من تبخّر الماء تماماً.
بعد التّأكّد من جفاف العجائن، تأتي خطوة التّغليف لسحب الأكسجين بالكامل. استعمل آلة التّفريغ من الهواء مع أكياس بلاستيكيّة مخصّصة لحفظ الأطعمة. إذ يمنع سحب الهواء تأكسد المكوّنات، ويحمي العجائن من الرّطوبة الخارجيّة الّتي تسبّب العفن، ويبعد الحشرات بشكل نهائيّ.
لتخزين العجائن دون تجفيفها، يوفّر التّجميد السّريع حلّاً عمليّاً ممتازاً. رتّب قطع العجين الطّازجة في صينيّة واسعة، وأدخلها إلى المجمّدة مدّة 1 إلى 2 ساعة حتّى تتصلّب تماماً. ثمّ انقُلها بعد ذلك إلى أكياس مفرّغة من الهواء أو أوعية محكمة الإغلاق، وأعدها إلى المجمّدة. وتمنع هذه الطّريقة التصاق القطع ببعضها، وتحافظ على قوامها الطّازج عند سلقها لاحقاً.
يتطلّب الحفظ الطّويل بيئة خالية من التّقلّبات المناخيّة. لذا، ضع الأكياس المفرّغة أو الأوعية الزّجاجيّة المحكمة في خزائن مظلمة وباردة، بعيداً عن أشعّة الشّمس المباشرة ومصادر الحرارة. واستعمل مستشعرات رطوبة صغيرة داخل الخزائن لمراقبة البيئة المحيطة، وتحقّق من بقاء نسبة الرّطوبة منخفضة باستمرار.

كلمة أخيرة … وثيقة تاريخيّة مطبوخة
تظلّ الشّعيريّة بفرعيها الرّفيع والثّخين شرياناً نابضاً يربط تاريخ المآكل العربيّة بحاضرها. إذ انطلقت هذه العجائن من حضارة بابل القديمة ورفيقتها الفينيقية قبل أكثر من 4000 سنة، وعبرت المتوسّط في أمتعة النّازحين والمهاجرين، لتبني مجداً غذائيّاً وصناعيّاً في إيطاليا وأوروپّا. ويبرهن هذا المسار التّاريخيّ الطّويل على الجذور العربيّة الخالصة لصنوف المعكرونة، ويدحض الرّوايات الّتي تنسبها إلى مناطق أخرى بعيدة لم تعرف القمح قديماً.
وبرغم تحوّل صناعة العجائن إلى آلات المصانع الكبرى، حفظت النّساء في ولاية بنزرت التّونسيّة، وفي بعض قرى الشام، هذا الإرث حيّاً في البيوت. مقرونة الدّار البنزرتيّة ليست طعاماً يسدّ الجوع فحسب، بل هي وثيقة تاريخيّة مطبوخة تنقل لنا طعم الكرم، ودفء اللّمّة العائليّة، وبراعة الأيادي الّتي صانت مؤونة العرب الأولى لتبقى حاضرة وملهمة على موائدنا حتّى اليوم.
مصادر ومراجع
- مقالة علميّة منشورة في دوريّة نيچر Nature الأكاديميّة حول اكتشاف أقدم معكرونة مصنوعة من الدّخن في موقع لاجيا الأثريّ، بدلاً من القمح، ممّا ينفي أسطورة ماركو پولو. https://www.nature.com/articles/437967a
- كتاب فضالة الخوان في طيّبات الطّعام والألوان، تأليف ابن رزين التّجيبيّ. يوثّق الكتاب وصفات تحضير الفداوش والإطريّة في القرن 7 هـ \ 13 م. https://archive.org/details/FidhalatAlKhiwan
- كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، تأليف الإدريسيّ. يصف حركة الأرحاء المائيّة وإنتاج الإطريّة وتصديرها في مدينة پاليرمو في صِقِلِّيَّة سنة 548 هـ \ 1154 م. https://archive.org/details/nuzhat-al-mushtaq
- كتاب المعكرونة قصّة طعام عالميّ Pasta: The Story of a Universal Food، تأليف سيلڤانو سيرڤينتي وفرانسواز سابان. يوثّق الكتاب رحلة العجائن من الشّرق نحو إيطاليا ويشرح جذور أطباق شيشَري إ تريه التّاريخيّة. الكتاب صادر عن مطبعة جامعة كولومبيا الأكاديميّة. https://cup.columbia.edu/book/pasta/9780231124423
- موسوعة أكسفورد للطّعام The Oxford Companion to Food، تأليف آلان ديڤيدسون. مرجع أكاديميّ يشرح أصل كلمة مكّروني وجذورها اللّغويّة وتطوّر صناعة الشّعيريّة في صقليّة. https://archive.org/details/oxfordcompaniont0000davi_m0l8
- تقرير إخباريّ من وكالة تونس إفريقيا للأنباء يوثّق تحضير العولة ومقرونة الدّار وتفاصيل صناعتها المنزليّة في ولاية بنزرت التّونسيّة. https://www.tap.info.tn/ar
- دراسات حول تاريخ الطّعام العربيّ للباحث چارلز پيري منشورة في دوريّة پيتيت پروپو كولينير Petits Propos Culinaires. تفصّل هذه الدّراسات الأكاديميّة طرق فتل الشّعيريّة المنزليّة في الشّام وارتباطها بتاريخ الإطريّة. https://awwfs.org/ppc/




اترك رد