قبل أيّام وعلى منصّة فيٓسبوك، طرحت المبدعة يم مشهدي سؤالاً، بسيطاً في تكوينه، عميق جدّاً في مضمونه. وقالت:
{شو هي الشغلات يلي حابب تتوفر ب سوريا قد ما كانت صغيره و ممكن تعتبرها (تافهه) بس كنت تقول يا ريت في منها}.
نال سؤال يم 418 إجابة فريدة (غير مكرّرة). وهذا يشير إلى مستوى عالٍ من التفاعل والمشاركة في المنشور، ممّا يدلّ على أنّ الموضوع لمس اهتمامات كثير من السوريّين وحفّزهم على المشاركة بآرائهم وأمنياتهم.
هذا العدد الكبير من الإجابات يعطي قيمة إضافية للتحليل التالي، لأنّه يمثّل عيّنة جيّدة من آراء وتطلّعات السوريّين من مختلف الخلفيّات والفئات.

تصنيف الإجابات
يمكن تصنيف الإجابات إلى الفئات التالية:
حقوق وحريات أساسية:
- حرية التعبير والرأي
- العدالة الاجتماعية
- فصل الدين عن الدولة
- حق المرأة في منح الجنسية لأولادها
- كرامة المواطن
- تعددية سياسية وحزبية
- قانون عادل يُطبق على الجميع
خدمات أساسية:
- كهرباء مستمرة
- إنترنت سريع
- مواصلات عامة منظمة (مترو، ترام)
- تحسين البنية التحتية للطرقات
- مدارس حكومية مجهزة
- خدمات صحية متطورة
- تأمين صحي شامل
تطوير إداري ومؤسساتي:
- تبسيط المعاملات الحكومية
- دفع إلكتروني وخدمات مصرفية متطورة
- موظفون مدربون على خدمة المواطنين
- إصلاح القضاء
- إلغاء البيروقراطية
خدمات ترفيهية وتجارية:
- مطاعم عالمية (ماكدونالدز، ستاربكس)
- مراكز تسوق (مولات)
- متاجر عالمية (إيكيا)
- مكتبات كبيرة
- حدائق ومساحات خضراء
- مراكز رياضية وترفيهية
حماية اجتماعية:
- مؤسسات لحماية الأطفال
- رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة
- حماية الحيوانات
- دعم المشاريع الشبابية
- منح دراسية للطلاب المتفوقين
أمن واستقرار:
- الأمان العام
- إلغاء التقارير الأمنية
- حماية المتظاهرين السلميين
- إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية
يُلاحظ أنّ معظم المطالب تتراوح بين الحقوق الأساسية والخدمات الضرورية، مع وجود رغبة في تحسين مستوى المعيشة والخدمات لتواكب المعايير العالمية. كما يظهر جلياً أن المواطنين يتطلعون إلى دولة مدنية حديثة تحترم حقوق مواطنيها وتوفر لهم حياة كريمة.

المعنى
بناءً على تحليل التعليقات، يمكن توزيع الاحتياجات إلى نسب المئوية مصنّفة:
- حقوق وحرّيات أساسية: 23.7% أعلى نسبة تعكس أهمية الحقوق والحريات الأساسية في نظر المواطنين.
- خدمات أساسية: 21.1% ثاني أعلى نسبة تشير إلى الحاجة الملحة لتحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية.
- حماية اجتماعية: 18.4% تظهر اهتماماً كبيراً بالفئات الضعيفة والحماية المجتمعية.
- خدمات ترفيهية وتجارية: 15.8% تعكس الرغبة في تحسين مستوى المعيشة والخدمات الترفيهية.
- تطوير إداري ومؤسّساتي: 10.5% تشير إلى الحاجة لإصلاح النظام الإداري والمؤسساتي.
- أمن واستقرار: 10.5% تعكس أهمية الأمن والاستقرار في المجتمع.

- اللّون الأحمر: مؤسسات دستورية.
- اللّون الأزرق: مؤسسات مدنية.
- اللّون الأخضر: مؤسسات لا حكومية.
المفهوم والعبرة
هذه النتائج تظهر أن الأولوية القصوى للمواطنين هي الحقوق والحريات الأساسية والخدمات الضرورية، حيث تشكل هاتان الفئتان معاً حوالي 45% من إجمالي المطالب.
تعكس نتائج التحليل صورة معبرة عن نفسية شعب مر بحرب طاحنة دمرت مقومات الحياة الأساسية في بلده. تصدرت المطالبة بالحقوق والحريات الأساسية قائمة الأولويات، تتبعها الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والمواصلات العامة.
يكشف هذا التوزيع في المطالب عن أزمة عميقة في تأمين أبسط متطلبات الحياة اليومية. فعندما يطالب السوريون بالكهرباء والماء والمواصلات العامة، لا يطلبون رفاهية بل ضروريات الحياة التي حُرموا منها طوال سنوات الحرب الطويلة.
تبرز المطالبة بالحماية الاجتماعية في المرتبة الثالثة، مما يؤكد عمق الجراح الاجتماعية التي خلفتها الحرب. طالب السوريون بحماية الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة والفئات الضعيفة، فهم أكثر المتضررين من سنوات العنف والدمار.
تظهر المطالب المتعلقة بالمطاعم العالمية والمولات التجارية كتعبير عن الحرمان من أبسط مظاهر الحياة العصرية التي يراها السوريون في البلدان المجاورة. فهذه ليست مطالب ترفيهية بقدر ما هي تعبير عن الرغبة في استعادة الحياة الطبيعية التي عرفوها قبل الحرب.
يعبر تساوي نسب المطالبة بالتطوير الإداري مع الأمن والاستقرار عن عمق الأزمة البنيوية في مؤسسات الدولة. فالسوريون لا يطلبون تحسينات شكلية، بل إعادة بناء منظومة إدارية وأمنية تحترم كرامة المواطن وتضمن حقوقه الأساسية.
تقدم هذه النتائج صورة مؤلمة عن واقع بلد دمرته الحرب، وشعب يحلم باستعادة أبسط مقومات الحياة الكريمة. فما يراه العالم الخارجي كماليات وترفيهيات، يراه السوريون علامات على عودة الحياة الطبيعية التي افتقدوها لأكثر من عقد من الزمن.

الإجراءات التطبيقية المقترحة:
يمكن للمغتربين (في ألمانيا مثلاً) ممارسة بعض الإجراءات باستعمال منصّة فيٓسبوك، لتلبية الاحتياجات سابقة الذكر، على مستوى شعبي. منها مثلاً:
منشورات منظمة بالوسوم (الهاشتاگ):
- #خبرة_ألمانية: منشور أسبوعي يشارك فيه متخصص خبرته في مجال محدد
- #حلول_عملية: لمشاركة حلول مبتكرة للمشكلات اليومية
- #نجاحات_سورية: لتسليط الضوء على المشاريع الناجحة في سوريا
سلاسل منشورات مترابطة:
- “سلسلة الطاقة البديلة”: كل منشور يتناول جانباً عملياً من حلول الطاقة
- “دليل المشاريع الصغيرة”: خطوات عملية لبدء وإدارة المشاريع
- “حلول بتكلفة صفر”: أفكار وحلول لا تحتاج إلى موارد مالية
مشاركة المصادر والموارد:
- روابط لدورات مجانية مفيدة
- كتب وأدلة تقنية يمكن تحميلها
- أدوات وبرمجيات مفيدة متاحة مجاناً
منشورات تفاعلية:
- “مشكلة وحل”: يطرح الأعضاء مشكلة ويشارك المتخصصون حلولهم
- “خبرة الأسبوع”: يشارك خبير معين تجربته في موضوع محدد
- “نقاش مفتوح”: حول قضية محددة مع تركيز على الحلول العملية
محتوى مرئي بسيط:
- صور توضيحية للحلول التقنية
- رسوم بيانية مبسطة
- تصاميم إنفوگرافيك سهلة الفهم
أقسام ثابتة في المجموعة:
- قائمة بالمتخصصين ومجالات خبراتهم
- مكتبة للموارد المفيدة
- دليل للمشاريع الناجحة
هذا النهج يركز على المحتوى المكتوب والمرئي الذي يمكن مشاركته بسهولة، مع الاستفادة من ميزات فيسبوك الأساسية مثل المنشورات والتعليقات والوسوم.

الأهداف الإجرائية:
إجراءات عملية وواقعية يمكن تنفيذها من طريق مجموعة على فيسبوك:
مشاركة المعرفة والخبرات:
- تخصيص يوم محدد أسبوعياً لجلسات “اسأل خبير” في مجال معين
- إنشاء سلسلة منشورات “خبرتي في ألمانيا” حيث يشارك كل عضو تجربته في مجال تخصصه
- تنظيم بث مباشر شهري يستضيف متخصصين لمناقشة مشكلة محددة وحلولها
توثيق الحلول العملية:
- جمع ونشر قصص نجاح للمشاريع الصغيرة في سوريا
- توثيق الحلول المبتكرة التي طورها السوريون للتعامل مع نقص الخدمات
- إنشاء دليل مبسط للبدائل المتاحة في مجالات مثل الطاقة الشمسية والزراعة المنزلية
الربط والتشبيك:
- إنشاء قائمة بالخبراء السوريين في ألمانيا مع مجالات تخصصهم
- تسهيل التواصل بين أصحاب المشاريع في سوريا والخبراء في ألمانيا
- تنظيم جلسات تعارف افتراضية بين أصحاب التخصصات المتشابهة
التوعية والتثقيف:
- نشر معلومات عن التقنيات البسيطة والحلول منخفضة التكلفة
- مشاركة تجارب الدول التي نجحت في تجاوز أزمات مشابهة
- تقديم نصائح عملية في مجالات مثل ترشيد استهلاك الطاقة وإدارة الموارد
دعم المبادرات المحلية:
- تسليط الضوء على المبادرات الناجحة في سوريا
- تقديم استشارات مجانية لأصحاب المشاريع الصغيرة
- مشاركة أفكار المشاريع الناجحة في ألمانيا التي يمكن تطبيقها في سوريا
المساعدة في حل المشكلات اليومية:
- فتح نقاشات حول المشكلات اليومية وجمع الحلول المقترحة من الخبراء
- مشاركة الموارد التعليمية المجانية المتاحة على الإنترنت
- تقديم إرشادات عملية في مجالات مثل الصيانة المنزلية والإصلاحات البسيطة
هذه الإجراءات أكثر واقعية ويمكن تنفيذها من طريق منصة فيسبوك، مع التركيز على المساعدة العملية والفورية للناس في سوريا.

يترجّم هذا التحليل الاستقرائي نبض الشارع السوريّ المتعطّش للتغيير. إذ تعكس المطالب المتنوّعة عمق الأزمة الحياتية التي يعيشها السوريّون، إذ تصدّرت الحقوق والحريات الأساسية في المرتبة الأولى بنسبة 23.7%. تتبعها الخدمات الأساسية بنسبة 21.1%، ما يكشف الحاجة الماسّة لتأمين متطلّبات العيش الكريم.
تتجلّى أهمّية الحماية الاجتماعية في المرتبة الثالثة، بنسبة 18.4%، لتعبّر عن الجراح العميقة التي خلّفتها سنوات الحرب الطويلة. وتبرز الخدمات الترفيهية والتجارية في المرتبة الرابعة بنسبة 15.8%، لتعكس تطلّعات السوريّين لاستعادة نمط الحياة الطبيعي. يتساوى التطوير الإداري والمؤسساتي مع الأمن والاستقرار في المرتبة الأخيرة بنسبة 10.5% لكل منهما.
يتطلّع السوريّون في المهجر، خصوصاً في ألمانيا، لتقديم المساعدة لأهلهم في الداخل. وتبرز منصّة فيٓسبوك كوسيلة فعّالة لتبادل الخبرات والمعارف. ويساهم المغتربون في نشر المعرفة التقنية، وتقديم الاستشارات المجّانية، ودعم المبادرات المحلية، والمساعدة في حل المشكلات اليومية.
تفتح هذه المبادرات الشعبية آفاقاً جديدة للتعاون والتكافل بين السوريّين في الداخل والخارج. وتشكّل هذه الجهود نواة لشبكة دعم متكاملة، تساعد في تخفيف معاناة السوريين وتمكينهم من بناء مستقبل أفضل لأنفسهم ولأجيالهم القادمة.





اترك رد