تحليلٌ استقصائيٌّ يفكّك سرديّة التّهديد الخارجيّ للاحتجاجات الأوروپيّة، كاشفاً استغلال النّخب السّياسيّة للذّعر لتأسيس دولةٍ نيوليبراليّةٍ استبداديّةٍ تعتمد المراقبة الجماهيريّة وعسكرة الاقتصاد.
كثيراً ما يتردّد في النّقاشات اليوميّة أنّ الاضطرابات والمظاهرات الّتي تشهدها أوروپا ليست سوى فوضى متعمّدة ومؤامرة خارجيّة، وكأنّ أطرافاً مثل الاستخبارات الرّوسيّة تحرّك الشّارع لغاياتٍ تخريبيّةٍ بهدف إضعاف القارّة وتدمير استقرارها. ويصوّر هذا الاعتقاد الشّائع المشهد وكأنّ الخراب هو الهدف النّهائيّ، وكأنّ الشّعوب أدوات طيّعة في حربٍ خفيّة.
لكنّ هذا المقال يطرح زاويةً مختلفةً تماماً ويصحّح هذه النّظرة السّطحيّة. فالأمر لا علاقة له بتخريبٍ خارجيّ، بل هي احتجاجات حقيقيّة ناتجة عن الغلاء والتّقشّف، استغلّتها النّخب الثّريّة والسّياسيّة بذكاء. وأحاول في هذا المقال إيضاح كيف تحالف كبار الأثرياء في أوروپا مع قوى اليمين لتوظيف حالة الخوف والاضطراب غطاءً لتمرير أجندتهم الخاصّة.
الهدف الحقيقيّ ليس نشر الفوضى، بل العكس؛ استغلال الذّعر لتبرير فرض قبضةٍ أمنيّةٍ حديديّة، وسنّ قوانين مراقبةٍ قاسية، وسلب المزيد من الحرّيّات. ويأتي كلّ ذلك من أجل حماية مصالح رؤوس الأموال، وضمان بقاء السّلطة في يد النّخب، وتحويل أموال الضّرائب إلى المجمّع العسكريّ وشركات الأمن. لذا، تضع هذه المقالة النّقاط على الحروف لتفكّك هذه اللّعبة، وتوضّح لك أخي القارئ كيف تُصنع الأزمات لإحكام السّيطرة على المجتمع.

خلف ستار الفوضى: كيف تستثمر النخب «صناعة الذعر» لتأسيس نيوليبرالية استبدادية في أوروپا؟
تشهد القارّة الأوروپيّة منذ عام 2024 م / 1445 هـ وامتداداً إلى عام 2026 م / 1447 هـ موجة متصاعدة وغير مسبوقة من الاضطرابات المدنيّة، والإضرابات العمّاليّة الشّاملة، والمظاهرات الشّعبيّة، والاحتجاجات الطّلّابيّة، مرفوقة بتفكّك هيكليّ حادّ في العقد الاجتماعيّ الأوروپيّ. وتُقرأ هذه الفوضى المتعاظمة في الخطاب السّياسيّ والإعلاميّ الرّسميّ عبر عدسة جيوسياسيّة تبسيطيّة تصوّر الأحداث مظاهر تخريب عفويّة تُدار أو تُغذّى كلّيَّاً من أطراف خارجيّة معادية، وتضع الرّواية الرّسميّة أجهزة الاستخبارات الرّوسيّة في صدارة المتّهمين بإدارة عمليّات حرب هجين وتضليل إعلاميّ واسع النّطاق لتفكيك وحدة الاتّحاد الأوروپيّ وتقويض قوّته.
غير أنّ التّحقيق الاستقصائيّ الهيكليّ في الاقتصاد السّياسيّ وشبكات المصالح العابرة للأطلسيّ يكشف نموذجاً تفكيكيَّاً مغايراً تماماً؛ إذ تُثبت الشّواهد والبيانات أنّ أزمة عدم الاستقرار الأوروپيّة ليست نتاج مؤامرة أجنبيّة تستهدف تدمير القارّة، بل يُوظَّف خطاب الفوضى الخارجيّة والتّهديد الهجين غلاف أيديولوجيّ محبوك تُديره نخب اقتصاديّة وسياسيّة متكتّلة تضمّ كبار أصحاب رؤوس الأموال في أوروپا وخاصّة في ألمانيا بالتّقاطع مع اليمين السّياسيّ الأمريكيّ.
يهدف هذا التّحالف النّخبويّ عابر الأطلسيّ إلى هندسة تحوّل بنيويّ حاسم في نظام الحكم الأوروپيّ نحو «دولة نيوليبراليّة استبداديّة مؤمننة»؛ فتُستغلّ المظالم الاجتماعيّة النّاتجة عن سياسات التّقشّف الماليّ وتدهور الخدمات العامّة، ويُصاغ من خطر التّضليل الخارجيّ مبرّر أمنيّ لتوسيع صلاحيّات أجهزة التّجسّس الدّاخليّ، وخصخصة الوظائف الاستخباراتيّة، والتّوسّع الحادّ في تقنيّات المراقبة البيومتريّة والآليّة.
كما يُسهم هذا الذّعر المصنوع في حماية أرباح رأس المال الكبير وعزل القرارات الاقتصاديّة من المساءلة الدّيمقراطيّة، بالتّوازي مع عسكرة الميزانيّات العامّة وتحويل مليارات الضّرائب نحو المجمّع الصّناعيّ العسكريّ واقتصاد الحرب على حساب القطاعات الخدميّة والاجتماعيّة الأساسيّة.
لماذا مصطلح {أمننة}؟
استعملنا مصطلح {الأمننة} Securitization لوصف عمليّة إعادة تأطير القضايا والمطالب المدنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة المادّيّة، كالاحتجاجات ضدّ التّقشّف أو غلاء المعيشة أو تدهور الخدمات العامّة، وتحويلها من نطاق النّقاش السّياسيّ والدّيمقراطيّ إلى إطار التّهديد الأمنيّ أو الخطر الوجوديّ. إذ يُستغلّ ملفّ التّهديدات الخارجيّة والتّضليل غطاءً أيديولوجيَّاً لإسباغ الطّابع الأمنيّ على الحراك الشّعبيّ، وتبرير قمع المعارضة وتجريم التّظاهر بقوانين استثنائيّة، بدلاً من استجابة السّلطة للمطالب المادّيّة المشروعة.
يقود هذا المسار إلى تأسيس الدّولة المؤمننة The Securitized State، المقترنة بمفهوم النّيوليبراليّة الاستبداديّة، نمط حكم يعيد تنظيم مؤسّسات الدّولة ووظائفها الماليّة والإداريّة للتّركيز على أدوات القسر والتّجسّس والضّبط الشّرطيّ؛ لفرض الاستقرار الصّارم وعزل القرارات الاقتصاديّة ورأس المال الكبير عن المساءلة الدّيمقراطيّة والاعتراض الشّعبيّ.
تتّضح خصائص الدّولة المؤمننة في أربع أركان رئيسة، تبدأ بتوسيع بنية المراقبة والتّجسّس الدّاخليّ بالاعتماد المكثّف على المراقبة البيومتريّة الآليّة وبرمجيّات الذّكاء الاصطناعيّ والشّرطة التّنبّؤيّة والمسح الشّامل للمراسلات والبيانات الشّخصيّة. ويتبع ذلك عزل السّياسات الاقتصاديّة عن المساءلة الدّيمقراطيّة لحماية سياسات التّقشّف وحرّيّة الأسواق وتراكم الثّروة لدى كبار أصحاب رؤوس الأموال باستعمال القوّة الإكراهيّة والقانونيّة عوضاً عن السّعي لبناء توافق مجتمعيّ ديمقراطيّ.
يترافق ذلك مع خصخصة الوظائف الاستخباراتيّة والأمنيّة بإسناد مهام التّحليل التّنبّؤيّ والمراقبة لشركات التّقنيّة والبرمجيّات الخاصّة المملوكة لكبار أصحاب المليارات. ويكتمل هذا النّسق بعسكرة الميزانيّات العامّة وعسكرة الاقتصاد بتحويل أموال الضّرائب والموارد الماليّة من قطاعات الصّحّة والتّعليم والرّعاية الاجتماعيّة نحو المجمّع الصّناعيّ العسكريّ وشركات الدّفاع والتّسلّح تحت شعارات حالات الطّوارئ الدّائمة والجاهزيّة للحرب.

الواقع المادّيّ للاحتجاجات الشّعبيّة بين عامي 1445-1448 هـ / 2024-2026 م وتجريم التّظاهر
في الواقع، تأتي الموجة الاحتجاجيّة الشّاملة الّتي تجتاح القارّة الأوروپيّة نتاجاً مباشراً للتّناقضات الماديّة المتراكمة داخل النّموذج النّيوليبراليّ الأوروپيّ، وليست تحريكاً موجّهاً عبر غرف العمليّات الخارجيّة. وتتجسّد المحرّكات الرّئيسة للشّارع في تدهور الخدمات العامّة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتآكل الأجور الحقيقيّة، والتّطبيق الصّارم لسياسات التّقشّف الماليّ.
شهدت بلجيكا في تشرين الأوّل أكتوبر 1447 هـ / 2025 م إضرابات عمّاليّة وحراكاً نقابيّاً واسع النّطاق ضدّ حزمة التّقشّف الّتي طرحتها حكومة رئيس الوزراء {بارت دي ويڤر} Bart De Wever، والّتي استهدفت رفع سنّ التّقاعد، وتخفيض مخصّصات الرّعاية الصّحّيّة، وإعادة هيكلة إعانات البطالة. كما اندلعت بالتّوازي مع ذلك احتجاجات طلّابيّة حادّة في بلجيكا وإيطاليا رفضاً للاكتظاظ المدرسيّ والجامعيّ، وتخفيض التّمويل الحكوميّ للتّعليم، وتفاقم أزمة تكاليف المعيشة.
شهدت فرنسا في 6 جمادى الأولى 1448 هـ / 17 تشرين الأوّل أكتوبر 2026 م ذروةً غير مسبوقةٍ من الاضطرابات المدنيّة؛ إذ تظاهر مئات الآلاف في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامّة. واتّسمت هذه الموجة الاحتجاجيّة بتلاحم قوى مجتمعيّة متنوّعة، فانضمّ متظاهرو السترات الصّفراء إلى المزارعين وطلّاب المدارس الثّانويّة والجامعات، مشيرين إلى تقاطعٍ عميقٍ في المظالم المادّيّة.
اندلعت في بلغاريا احتجاجات شعبيّة وسياسيّة عارمة ابتداءً من أواخر تشرين الثّاني نوڤمبر 1447 هـ / 2025 م واستمرّت خلال عام 1448 هـ / 2026 م ضدّ مشروع ميزانيّة عام 1448 هـ 2026 م الّتي وصفتها منظّمات أرباب العمل بأنّها الأسوأ منذ 30 عاماً. وتضمّنت الميزانيّة زيادة المقتطعات الفرديّة للضّمان الاجتماعيّ ورفع الضّرائب لتمويل الإدارة الحكوميّة والأجهزة الأمنيّة بدلاً من القطاعات الاجتماعيّة. كما رافقت ذلك مظالم عميقة متعلّقة بالفساد المؤسّسيّ وهجرة الكوادر الطّبّيّة بمعدّل 350 إلى 400 طبيب سنويّاً نتيجة الاستنزاف والتّمويل المتردّي.
شُلّت الحركة في ألبانيا نتيجة احتجاجات مناهضة للفساد وسوء استخدام الأموال العامّة في مشاريع البنية التّحتيّة، وسجن شخصيّات معارضة مثل {إرڤين ساليانجي} Ervin Salianji، والقرار الحكوميّ الاستبداديّ بحظر تطبيق تيك توك TikTok لمدّة عام كامل.
برز جيل زي Gen Z فاعلاً سياسيّاً رافضاً للنّخب التّقليديّة والأرثوذكسيّة الاقتصاديّة. وتقاطعت حراكات الشّباب مع المظاهرات الزّراعيّة الحادّة الّتي أطلقها المزارعون في النّمسا وبلجيكا وسلوڤاكيا والتّشيك أواخر 2024 وأوائل 2025 م / 1446 هـ ضدّ اتّفاقيّة التّجارة بين الاتّحاد الأوروپيّ ودول {مركوسور} والقيود البيئيّة الصّارمة على انبعاثات النّيتروجين.
{ميركوسور} Mercosur (السوق المشتركة للجنوب) تكتّل اقتصادي وتجاري تأسس عام 1991 بموجب معاهدة أسونسيون بين دول جنوب أمريكا.

تجريم الاحتجاجات وقمع الدّولة
بدلاً من الاستجابة للمطالب الاقتصاديّة والماديّة، ردّت أجهزة الدّولة الأوروپيّة بتوصيف الحراك الشّعبيّ تهديداً أمنيّاً أو إزعاجاً عامّاً، وشهدت القارّة تصاعداً في الخطاب الرّسميّ الشّيطانيّ للمتظاهرين وتمرير تشريعات تجرّم التّظاهر. وأسفر القمع الحكوميّ عن اعتقال الآلاف، وصدرت أحكام بالسّجن ضدّ مئات النّاشطين تتراوح بين سنة و 15 سنة، ما يبيّن الكلفة الباهظة للمعارضة السّياسيّة في البيئة المؤمننة.
في فرنسا واجهت أجهزة الدّولة هذه الاحتجاجات بردّ فعلٍ عنيفٍ؛ إذ استخدم البوليس الغاز المسيل للدّموع والهراوات وخراطيم المياه، مسفراً عن اعتقال أكثر من 1800 شخص. وتخلّلت الاحتجاجات أعمال عنفٍ تمثّلت بإحراق مبانٍ عامّة، ولا سيّما مبنى البلديّة التّاريخيّ في ليموج الّذي دُمّر سقفه بالكامل، فضلاً عن أعمال نهبٍ وتخريبٍ في مدنٍ مثل باريس ومارسيليا وليون. وتكشف هذه الأحداث حجم الاحتقان الاجتماعيّ النّاجم عن سياسات التّقشّف والحدّ الصّارم للإنفاق الحكوميّ، وتوضح استعداد أجهزة الدّولة لاستخدام القوّة المفرطة وقمع المظاهرات، استناداً إلى الإصابات البليغة الّتي لحقت بالمتظاهرين، ومن بينها فقدان مراهقٍ يبلغ 17 عاماً يده بقنبلةٍ صوتيّةٍ أطلقها البوليس.
رافقت هذه الأحداث ظاهرةٌ غريبةٌ؛ إذ أظهرت مقاطع الڤيديو المنتشرة المخرّبين جميعاً أجانب، إمّا سود البشرة أو عرباً مسلمين. لا ينقل انتشار هذه المقاطع حصريّاً الواقع الميدانيّ للحراك، بل يجيء نتاج إستراتيجيّةٍ ممتدّةٍ من التّضليل الإعلاميّ والتّأطير العنصريّ والتّوظيف السّياسيّ الممنهج، استناداً إلى التّحقيقات والدّراسات الميدانيّة.
وثّقت شبكات تدقيق الحقائق الأوروپيّة، مثل شبكة {إدمو} EDMO، كون أغلبيّة الڤيديوهات المنتشرة لتثبيت هذه الصّورة مقاطع قديمةً أو مقتطعةً من سياقها أو مجتزأةً من أحداثٍ ودولٍ أخرى، في عمليّة غسيل معلوماتٍ واضحة. مثلاً نُشر ڤيديو لحريق مستودع سيّاراتٍ وقع في أستراليا، وڤيديو لحريق مبنىً في الإمارات، ومقاطع لعمليّات نهبٍ جرت عام 1441 هـ / 2020 م في الولايات المتّحدة، وأُرفقت بشعاراتٍ تهاجم المهاجرين. وتداول النّاس كذلك مقاطع مأخوذةً مباشرةً من أفلامٍ سينمائيّةٍ، مثل {فاست أند فيوريوس} Fast & Furious 8 و {أثينا} Athena، لإيهام الرّأي العامّ بكونها مشاهد حيّةً من الاحتجاجات في فرنسا.
يُستعمل هذا التّركيز على شيطنة الأقلّيّات غطاءً أيديولوجيّاً وسيّاسيّاً يجرّد الاحتجاجات المادّيّة من مشروعيّتها. ويصرف هذا الخطاب النّظر عن الأسباب الاقتصاديّة الحقيقيّة الّتي أنزلت مئات الآلاف إلى الشّوارع، كالتّقشّف وغلاء المعيشة، ليصوّر الحراك تمرّداً للمهاجرين لتبرير القبضة الأمنيّة القمعيّة. كما تستغلّ التّيّارات اليمينيّة المتطرّفة وشخصيّاتٌ سياسيّةٌ دوليّةٌ، مثل {جي دي ڤانس} JD Vance و {دونالد ترمپ} Donald Trump، هذه الصّور المزيّفة لتأكيد مقولات فشل الاندماج والتّحذير من خطر الهجرة، مطالبين بإجراءاتٍ متطرّفةٍ كطرد المهاجرين وإغلاق الحدود.
تبيّن الدّراسات التّحليليّة للإعلام الفرنسيّ والأوروپيّ، مثل قناة {سي نيوز} CNews ومجموعة {أكسل سپرينگر} Axel Springer، نمطاً إعلاميّاً هيكليّاً يضع قضايا الهجرة في أقسام الحوادث والأمن بدلاً من أبعادها الاجتماعيّة والاقتصاديّة. وتعمد بعض القنوات المحافظة إلى الرّبط الشّرطيّ المباشر بين الجريمة وأصل المهاجر لإضفاء الطّابع الجماعيّ على الخبر، ما يرسّخ صورةً تظهره مهدّداً دائماً للأمن. ويُستغلّ هذا الشّحن الإعلاميّ لصناعة الخوف والتّكسّب الانتخابيّ، ويبرّر اقتطاع ميزانيّات الرّعاية لمصلحة التّسلّح والمراقبة الشّرطيّة.
تتركّز بعض مواجهات «الضّواحي» في المناطق الّتي تعاني أشدّ درجات التّقشّف وتدهور المدارس والممارسات التّمييزيّة، وهي مناطق تضمّ نسباً عاليةً من المواطنين المتحدّرين من أجيال المهاجرين الثّانية والثّالثة. ويتجاهل تعميم هذه المقاطع لتصوير الاحتجاج بِرُمَّته فوضى أجنبيّةً الشّموليّة المجتمعيّة الكبيرة للحراك الشّعبيّ في باريس وليون ومارسيليا وليموج، الّذي يقوده عمّالٌ ومزارعون وطلّابٌ من كافّة أطياف المجتمع الفرنسيّ.

خريطة الاحتجاجات الشّعبيّة في أوروپا
تتوزّع خريطة الاحتجاجات الشّعبيّة في أوروپا بين عامي 1445- 1448 هـ / 2024-2026 م على عدّة فئات؛ تتصدّرها الاحتجاجات المناهضة للتّقشّف وتكاليف المعيشة في بلجيكا وفرنسا وإيطاليا والپرتغال وبلغاريا، مدفوعةً بالتّضخّم وتخفيض المعاشات التّقاعديّة والضّرائب التّنازليّة وأزمات السّكن ونقص تمويل الرّعاية الصّحّيّة، وتقودها الطّبقة العاملة العريضة والنّقابات العمّاليّة والكوادر الطّبّيّة.
تتركّز احتجاجات الشّباب والتّعليم في بلجيكا وإيطاليا وألمانيا وجمهوريّة التّشيك حول إصلاحات الرّسوم الدّراسيّة واكتظاظ القاعات وبطالة الشّباب والتّراجع الدّيمقراطيّ، ويقودها جيل زي Gen Z وطلّاب الجامعات.
تشمل احتجاجات القطاع الزّراعيّ والتّجارة النّمسا وبلجيكا وألمانيا وسلوڤاكيا والتّشيك، للتّنديد بالقيود البيئيّة واتّفاقيّة {مركوسور} وارتفاع تكاليف الإنتاج وحدود انبعاثات النّيتروجين، ويقودها المزارعون والنّقابات والاتّحادات الزّراعيّة.
تتركّز الاحتجاجات المناهضة للفساد والمطالبة بسيادة القانون في بلغاريا وألبانيا والبوسنة والهرسك، لمواجهة الاستيلاء على الدّولة وغياب الشّفافيّة في مشاريع البنية التّحتيّة والاعتقالات السّياسيّة وتغوّل السّلطة التّنفيذيّة، وتقودها الطّبقة الوسطى ومنظّمات المجتمع المدنيّ والمعارضة السّياسيّة.






آليّات غسيل المعلومات FIMI وتسييس ملفّ التّضليل الإعلاميّ
تقف أسطورة التّهديد الخارجيّ الدّعامة الأساسيّة لشرعنة التّوسّع في صلاحيّات دولة الرقابة والمراقبة. إذ تُستغلّ عمليّات التّلاعب و «المعلومات المضلّلة الموجّهة من الخارج» FIMI، الصّادرة عن روسيا خاصّةً، وتضخّم سياسيّاً لتجريد الاحتجاجات الدّاخليّة من مضامينها الاجتماعيّة والطّبقيّة.
تتجاوز «عمليّات التّلاعب بالمعلومات والتّدخّل الأجنبيّ» FIMI فكرة نشر نصوص كاذبة لتصبح سلوكاً متعمّداً وممنهجاً يهدّد القيم والسّياسات. وتوضّح خدمة «العمل الخارجيّ الأوروپيّ» External Action Service – EEAS هذه العمليّات بكونها مساراً يشمل صناعة المحتوى المضلّل وتضخيمه عبر شبكات موازية ووكلاء لضمان التّملّص من المسؤوليّة.
وفي السّياق ذاته، يشرح «مركز التّميّز للاتّصالات الإستراتيجيّة التّابع لحلف شمال الأطلسيّ» NATO StratCom مفهوم «غسيل المعلومات» Information Laundering بوصفه آليّةً لتمرير المحتوى المشبوه عبر وسائط متعدّدة، تبدأ بمدوّنات هامشيّة ومعلّقين محلّيّين لتصل إلى وسائل الإعلام الرّئيسيّة. وتؤدّي هذه السّلسلة إلى إخفاء المصدر الأصليّ ومنح المحتوى شرعيّةً مجتمعيّةً واسعةً، بغية إحداث شلل معرفيّ وإرباك متعمّد يضيّع الاتّجاه لدى الجمهور الأوروپيّ.
تبدأ آليّة غسيل المعلومات بزرع سرديّة مضلّلة في زوايا شبكة الإنترنت العاتمة أو عبر حسابات مجهولة على منصّات التّواصل الاجتماعيّ. وتنتقل هذه السّرديّة لاحقاً إلى مدوّنات هامشيّة ومواقع إخباريّة بديلة تضفي عليها طابعاً شبه رسميّ. وتتلقّف شخصيّات مؤثّرة أو معلّقون محلّيّون هذا المحتوى، فينشرونه بحسن نيّة أو لتوافق أيديولوجيّ، ممّا يمنحه زخماً إضافيّاً. وتضطرّ وسائل الإعلام الرّئيسيّة في نهاية المطاف إلى تغطية القضيّة بوصفها جدلاً رائجاً، فتختفي ملامح المصدر الأوّل المشبوه تماماً، ويتحوّل المحتوى الهامشيّ إلى حقيقة مجتمعيّة أو قضيّة رأي عامّ يصعب تتبّع جذورها الأوّليّة. وتعتمد عمليّة التّلاعب هذه على استغلال الثّغرات المعرفيّة، وتمرير الأكاذيب بتدرّج يصعّب مهمّة تفنيد الشّائعات ومكافحتها.
مثلاً:
- تبدأ آليّة غسيل المعلومات بخطوة بسيطة، كظهور مقطع ڤيديو على فيٓسبوك يوثّق أحداث عنف وخراب في شوارع عاصمة أوروپيّة مع التركيز على شخص أسود البشرة يمارس التخريب، ليشتعل نقاش حادّ بين شخصيتين من شبه المشاهير؛ يؤكّد الطّرف الأوّل بحماس واثق كون ما يحدث فوضى عارمة يقودها مهاجرون غاضبون ومخرّبون أجانب دمّروا المدينة، وينفي الطّرف الثّاني صحّة الڤيديو تماماً، متّهماً خصمه بنشر الأكاذيب وتلفيق الحقائق ومصرّاً على كون المقطع قديماً ولا علاقة له بالواقع الحاليّ.
- تأتي الخطوة التّالية حين يتلقّف المتابعون وأنصار كلّ طرف هذا الجدال، ويعيدون نشر المقطع عبر حساباتهم الشّخصيّة مع إضافات وتهويلات متزايدة، مظهرين الطرف الأوّل يعرض حقيقة وجود مظاهرات والطرف الثاني منكر لوجود المظاهرات برمّتها، فيتحوّل الموضوع إلى ترند، لينتقل المقطع إثر ذلك إلى مدوّنات رقميّة هامشيّة وصفحات إخباريّة بديلة تضفي عليه طابعاً شبه رسميّ، قبل أن ترصده شخصيّات عامّة ومؤثّرون واسعو الانتشار، فيعيدون تدويره بوصفه حقيقة دامغة تثبت صحّة وجهة نظر أحدهما.
- يرتبط خبر المظاهرات وثيقاً بممارسة المهاجرين للتخريب. كما يصبح أي نقاش ينفي مشاركة المهاجرين بالتخريب مرتبط بجماعات نفي وقوع المظاهرات.
- تصل العمليّة إلى مرحلتها الحاسمة والأخيرة حين تلاحظ وسائل الإعلام الرّئيسيّة تصاعد التّفاعل السّاخن واجتياح ترند الجدل كافّة المنصّات، فتجد نفسها مجبرة على التّدخّل وبثّ القضيّة للجمهور العريض ضمن نشراتها ومناقشة تداعياتها، لأنّها تشير دوماً إلى الترندات الرائجة.
- تكتمل بذلك دورة غسيل المعلومات بالكامل، فالنّقاش الافتراضيّ المفتعل الّذي انطلق من مقطع مشبوه المصدر ضاعت معالمه الأساسيّة، وتحوّل إلى حقيقة مجتمعيّة راسخة يعتمد عليها الرّأي العامّ والسّياسيّون لتبرير قراراتهم، واكتسب شرعيّة تامّة تصعّب تتبّع جذوره الأولى المزيّفة.
وتؤكّد الأرقام حجم هذه العمليّات الفعليّة بعيداً عن التّجاذبات السّياسيّة، ففي عام 1444 هـ / 2023 م، رصدت خدمة العمل الخارجيّ الأوروپيّ حوادث بارزة شملت 160 حادثةً في أوكرانيا، و58 في الولايات المتّحدة، و33 في پولاندا، و31 في ألمانيا. ووثّقت «قاعدة بيانات مكافحة التّضليل الأوروپيّة» EUvsDisinfo أكثر من 17 ألف حالة تضليل داعمة للكرملين منذ عام 1436 هـ / 2015 م. وعانت ألمانيا حملةً تضليليّةً ضخمةً سعت إلى ضرب الدّعم المحلّيّ لأوكرانيا، ونتج عنها أكثر من مليون منشور باللّغة الألمانيّة صدر عن 50 ألف حساب وهميّ. وتفيد تقديرات الاستخبارات الأوروپيّة بوجود حوالي 400 عنصر استخبارات روسيّ ينشطون في أوروپا لأغراض التّجسّس والتّخريب والهيمنة السّيبرانيّة.
وفي المقابل، تستغلّ النّخب السّياسيّة الحاكمة هذه البيانات لخلط المطالب المعيشيّة المحقّة مع مخطّطات التّجسّس الخارجيّ. وعوضاً عن الإقرار بإخفاق السّياسات الاقتصاديّة المحلّيّة، تلجأ هذه النّخب إلى وصم أيّ حراك عمّاليّ أو نقابيّ في دول مثل بلجيكا أو بلغاريا بكونه أداةً تخدم مصالح الكرملين.
وتجلّت ازدواجيّة المعايير وتسييس هذا الملفّ بوضوح تامّ إبّان مؤتمر مكافحة التّضليل Disinfo2026 في ڤيلنيوس Vilnius، وهو التّجمّع الأكبر لخبراء التّضليل في أوروپا. وتفاجأ الحاضرون بإقدام الاتّحاد الأوروپيّ وكندا وليتوانيا على سحب رعايتهم الرّسميّة وتغطية شعاراتهم على المنصّات بالأشرطة اللّاصقة قبل أيّام معدودة من بدء الفعاليّات. وحدث ذلك نتيجة ضغوط حادّة مارستها الإدارة الأمريكيّة اعتراضاً على صياغة بعض الجلسات الأكاديميّة وتأطيرها. وتؤكّد هذه الحادثة رضوخ مؤسّسات الاتّحاد الأوروپيّ للرّغبات السّياسيّة الأمريكيّة، وتطويع ملفّ التّضليل برمّته ليناسب الأجندة الأمنيّة للتّحالف عابر الأطلسيّ.

الإطار النّظريّ: النّيوليبراليّة الاستبداديّة
يُفهم تحوّل الدّولة الأوروپيّة نحو أدوات القمع والمراقبة انطلاقاً من الإطار النّظريّ لمفهوم النّيوليبراليّة الاستبداديّة، الّذي صاغه المادّيّون والمحلّلون السّياسيّون أمثال {إيان بروف} Ian Bruff و {تانسيل} Cemal Burak Tansel.
عصم رأس المال عن المساءلة الدّيمقراطيّة والتّكامل الإعلاميّ والعسكريّ
لا يقتصر مفهوم النّيوليبراليّة على فكرة السّوق الحرّة وتقليص دور الدّولة. بل يطرح مبدأ النّيوليبراليّة الاستبداديّة توجّهاً مختلفاً؛ فمع تزايد مشكلات النّظام الرّأسماليّ العميقة، مثل اتّساع الفجوة بين الطّبقات، وتراجع الخدمات الاجتماعيّة، وضعف أمان العمّال، تظهر مقاومة شعبيّة حتميّة. وتدفع هذه المقاومة الدّولة النّيوليبراليّة إلى التّخلّي عن محاولة إرضاء الشّعب ديمقراطيّاً. بل تعتمد الدّولة بدلاً من ذلك على أجهزة القمع والقانون والإدارة لحماية القرارات الاقتصاديّة ورؤوس الأموال من أيّ مساءلة أو اعتراض من المواطنين.
نرى في أوروپا اليوم وهماً للسّوق الحرّة، تحرسه دولة أمنيّة بالغة التّأثير، تقمع الاحتجاجات وتوجّه المال العامّ لتمويل الشّرطة الاستباقيّة والمراقبة الآليّة وعسكرة الأماكن العامّة. وتتّضح هنا آليّات التّعاون بين الإعلام والمجتمع؛ إذ تعمل الإمبراطوريّات الإعلاميّة المحافظة، مثل {أكسل سپرينگر} Axel Springer، على خلق أزمات ذعر أخلاقيّة وأمنيّة، كالتّخويف من اللّاجئين ومحاربة حركات {ووك} Woke وشيطنة الاحتجاجات الشعبية والنقابية.
ويهيّئ هذا الشّحن الإعلاميّ الرّأي العامّ ليوافق مضطرّاً على إجراءات المراقبة القمعيّة، ويبرّر تحويل الميزانيّات العامّة من التّعليم والصّحّة إلى قطاعات الدّفاع واقتصاد الحرب. ويضمن هذا النّمط استمرار تدفّق الأرباح لأصحاب رؤوس الأموال الضّخمة دون إزعاج من النّقابات أو الحركات الشّعبيّة.

الشّبكات العابرة للأطلسيّ، إمبراطوريّة أكسل سپرينگر، والتّمويل العاتم
تقود شبكة معقّدة مساعي تحويل النّظام السّياسيّ نحو النّيوليبراليّة الاستبداديّة. وتتألّف هذه الشّبكة من مؤسّسات البحوث الأمريكيّة، والإمبراطوريّات الإعلاميّة، والمموّلين الأثرياء الدّاعمين لتيّار اليمين الرّاديكاليّ.
تتصدّر {مؤسّسة هيريتيج} Heritage Foundation هذه الشّبكات بصفتها المركز الأساسيّ لليمين المحافظ في أمريكا. وكان مدير المؤسّسة {كيڤن روبرتس} Kevin Roberts، أطلق مشروع Project 2025 بميزانيّة ضخمة بلغت 22 مليون دولار أمريكيّ. وشاركت ثمانون منظّمة في هذا المشروع، مثل Turning Point USA و «معهد الشّراكة المحافظة» Conservative Partnership Institute بحضور {مارك ميدوز} Mark Meadows الكبير الأسبق لموظفي البيت الأبيض.
يطمح هذا المشروع إلى إنهاء استقلاليّة مؤسّسات الدّولة، وطرد نحو خمسين ألف موظّف حكوميّ لا يدينون بالولاء المطلق لأفكارهم. ويطالب المشروع أيضاً بتطبيق «قانون العصيان» Insurrection Act الصّادر عام 1222 هـ / 1807 م لنشر الجيش في الدّاخل، واستغلال وزارة العدل لمعاقبة المعارضين. وأعلن {پول دانس} Paul Dans، مدير المشروع، صراحة عن تجهيز جيش من المحافظين المدرّبين والمسلّحين بالأيديولوجيا.
تظهر معالم هذه الخطّة بوضوح في كتاب أصدره {روبرتس} Roberts عام 1445 هـ / 2024 م، وكتب مقدّمته {جي دي ڤانس} JD Vance. هذا النّموذج الّذي يركّز على احتكار السّلطة التّنفيذيّة، أصبح خطّة عمل جاهزة تصدّرها المؤسّسة إلى نخب اليمين في أوروپا. وظهر هذا التّوجّه جليّاً في تجمّع و «طنيّون من أجل أوروپا» Patriots for Europe، وفي مساعي حركات اليمين الأوروپيّ للسّيطرة على الدّولة.
تحوّل «مؤتمر العمل السّياسيّ المحافظ» CPAC، وخاصّة ندواته الّتي عُقدت في المجر، إلى نقطة تجمّع للقيادات اليمينيّة من أوروپا وأمريكا. وشملت هذه القيادات شخصيّات مثل {ڤيكتور أوربان} Viktor Orbán، و{ليز تراس} Liz Truss، و{ماتيوش مورافييتسكي} Mateusz Morawiecki، و{أليس ڤايدل} Alice Weidel، و{خيرت ڤيلدرز} Geert Wilders، و{هيربرت كيكل} Herbert Kickl، و{سانتياگو أباسكال} Santiago Abascal. ويسعى هؤلاء إلى نشر النّموذج المجريّ الّذي يعادي الدّيمقراطيّة اللّيبراليّة، ويقيّد استقلاليّة القضاء والميديا.
تعمل {شبكة أطلس} Atlas Network في الوقت نفسه على تحقيق أهداف مشابهة. وكان أسّس {أنتوني فيشر} Antony Fisher هذه الشّبكة عام 1401 هـ / 1981 م، ويديرها اليوم {براد لِپس} Brad Lips. وتضمّ 589 مؤسّسة موزّعة في 103 دول. وتضخّ الشّركات الكبرى أموالها في هذه الشّبكة لإلغاء القوانين الّتي تحمي المناخ، ودعم الخصخصة، وتشويه سمعة الخبراء والأكاديميّين المستقلّين، لتسهيل سيطرة الشّركات على السّوق.
يتلاقى عمل {مؤسّسة هيريتيج} و{شبكة أطلس} ومؤتمرات CPAC لإنشاء تحالف قويّ مع اليمين الرّاديكاليّ في أوروپا. ويضمّ هذا التّحالف أحزاباً مثل {البديل من أجل ألمانيا} AfD، وحزب {من أجل الحرّيّة} PVV، وحزب {ڤوكس} Vox. ويهدف هذا التّعاون إلى التّخلّص من قوانين حماية البيئة، وتحويل الحكومات إلى أنظمة أمنيّة، وحماية مصالح أصحاب الأموال.

إمبراطوريّة أكسل سپرينگر وصناعة الذّعر الإعلاميّ
تقود مؤسّسة {أكسل سپرينگر} Axel Springer الألمانيّة، بإدارة رئيسها التّنفيذيّ {ماتياس دوپفنر} Mathias Döpfner وشراكته مع {فريده سپرينگر} Friede Springer، تحوّلاً كبيراً في المشهد الإعلاميّ الأوروپيّ والعالميّ لدعم الأجندة اليمينيّة ونشر الذّعر الأمنيّ.
سعت هذه المجموعة إلى التّوسّع الاستراتيجيّ عابرةً للحدود، فاستحوذت على صحيفة {ذي تلگراف} The Telegraph العريقة في بريطانيا. فأضيفت هذه الصّحيفة إلى محفظتها الدّوليّة الضّخمة الّتي تضمّ داخل ألمانيا صحيفة {بيلد} Bild وإصداراتها، وصحيفة {دي ڤيلت} Die Welt وقناتها التّلفزيونيّة {ڤيلت تي ڤي} Welt TV، وصحيفة {بي تسيت} B.Z. في برلين. كما تملك المجموعة في الولايات المتّحدة وعلى مستوى العالم شبكة {پوليتيكو} Politico بنسختيها الأمريكيّة والأوروپيّة، وموقع {بيزنس إنسايدر} Business Insider، وشركة {مورنينگ برو} Morning Brew، وشركة البحوث {إي ماركيتر} eMarketer. كما تشمل منصّاتها الرّقميّة خدمة {إيديالو} Idealo، وشركة {بونيال} Bonial، ومنصّة {داين ميديا} Dyn Media الرّياضيّة، ومشروع {رينگير أكسل سپرينگر پولسكا} Ringier Axel Springer Polska في پولندا، ويحتوي الأخير على منصّات {أونيت} Onet و{فاكت} Fakt و{نيوزويك پولسكا} Newsweek Polska. كما تُجري المجموعة حاليّاً في عام 1448 هـ / 2026 م مفاوضات لشراء المنصّة المحافظة الأمريكيّة {ذي ديسباتش} The Dispatch الّتي أسّسها {جونا گولدبرگ} Jonah Goldberg و{ستيڤ هايز} Steve Hayes، لتتويج إستراتيجيّة إعلاميّة تهدف إلى فرض التّوجّه المحافظ على النّقاش العامّ.
يستند إعلام {أكسل سپرينگر} إلى موجّهات أيديولوجيّة صريحة تؤسّس للذّراع الإعلاميّ المجتمعيّ للنّيوليبراليّة الاستبداديّة.
- وأوّل هذه الموجّهات هو الاستهداف المباشر للّاجئين عبر التّحريض الممنهج ضدّ اللّاجئين من سوريا في ألمانيا والنّمسا والسّويد وهولاندا، وتصويرهم لصوصاً ومخرّبين ومغتصبي أطفال، لتقليب المجتمع وشحن الشّارع أمنيّاً وتبرير التّوسّع في الرّقابة والشّرطة.
- ثانيها هو الصّهيونيّة المطلقة، فـ{ماتياس دوپفنر} Mathias Döpfner يجاهر بكونه صهيونيّاً غير يهوديّ، ويعلن في مؤتمرات علنيّة كون مناهضة الصّهيونيّة الوجه الجديد لمعاداة السّاميّة، ويوظّف ذلك لتجريم المعارضة والاحتجاجات الطّلّابيّة.
- ثالثها هو مهاجمة حراك {ووك} Woke وتطبيق تيك توك TikTok عبر شنّ هجوم حادّ على الحركات التّقدّميّة ومناهضة التّهميش بدعوى كونها غطاءً لمعاداة إسرائيل، والمطالبة الصّريحة بتقييد تيك توك TikTok أو حظره أو إجبار مالكيه الصّينيّين على بيعه بوصفه آلة دعاية لمعاداة السّاميّة بين الشّباب.
- رابعها هو الدّور الاجتماعيّ الإعلاميّ، فالذّعر الأخلاقيّ والأمنيّ يعمل آليّةً أيديولوجيّةً تكيّف الجمهور وتدفعه لتقبّل ممارسات دولة المراقبة، وتبرّر اقتطاع ميزانيّات الرّفاه الاجتماعيّ لمصلحة المجمّع الصّناعيّ العسكريّ.

التّمويل العاتم وراديكاليّة اليمين الألمانيّ
أظهرت التّحقيقات العلاقات الوثيقة بين كبار أصحاب رؤوس الأموال واليمين المتطرّف، وخاصّةً حزب {البديل من أجل ألمانيا} AfD. إذ كشفت المنصّة الاستقصائيّة {كوريكتيڤ} Correctiv عن اجتماع سرّيّ في {ڤيلّا أدلون} Villa Adlon قرب پوتسدام في 25 تشرين الثّاني نوڤمبر 1445 هـ / 2023 م. ونظّم هذا الاجتماع {گيرنوت موريگ} Gernot Mörig و {هانس كريستيان ليمر} Hans Christian Limmer، وحضره سياسيّون بارزون من حزب {البديل من أجل ألمانيا} AfD، وأعضاء من حركة {الهويّة النّيونازيّة} مثل {مارتن سيلنر} Martin Sellner و {أولريش ڤوسگيرو} Ulrich Vosgerau و {سيمون باوم} Simone Baum، إضافةً إلى مستثمرين ورجال أعمال في قطاع التّكنولوجيا والمطاعم.
ناقش الحاضرون وضع المخطّط الرّئيس للتّهجير القسريّ Remigration لملايين السّكّان من ألمانيا، لاستهداف طالبي اللّجوء والمقيمين الأجانب وحتّى المواطنين الألمانيّين من أصول أجنبيّة غير المندمجين، بغية نقلهم قسراً إلى منطقة مخصّصة في شمال أفريقيا. وأثبت حضور رجال الأعمال، على الرّغم من الموجة الاحتجاجيّة العارمة الّتي أعقبت كشف الاجتماع في كانون الثّاني يناير 1445 هـ / 2024 م، قبول قطاعات من النّخب الاقتصاديّة لليمين الرّاديكاليّ أداةً لتحقيق السّيطرة الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
استفاد حزب {البديل من أجل ألمانيا} AfD من ملايين اليوروهات غير القانونيّة عبر شبكات تمويل خفيّة لتدعيم أوليغارشيّة التّمويل العاتم. وأوّل هؤلاء الدّاعمين {هينينگ كونله} Henning Conle، وهو ملياردير عقارات ألمانيّ سويسريّ يمتلك 2500 مبنى في زيورخ وشبكات أوفشور (ملاذات ضريبية).
وجّه هذا الملياردير مبالغ ضخمةً عبر وكلاء وقشّاشين في النّمسا وسويسرا لدعم قيادات في الحزب مثل {أليس ڤايدل} Alice Weidel، ما أدّى إلى تغريم الحزب أكثر من 500 ألف يورو. ويمتدّ تمويل {هينينگ كونله} إلى بريطانيا إثر إهداء خمسين ألف جنيه إسترلينيّ لنادي {كارلتون} Carlton التّابع لحزب المحافظين.
يظهر في المشهد أيضاً {أوگست ڤون فينْك الابن} August von Finck Jr. وهو الملياردير الرّاحل ذو التّاريخ العائليّ في تمويل النّظام النّازيّ. يدعم كبار المستثمرين حزب {البديل من أجل ألمانيا} AfD انطلاقاً من المصلحة الطّبقيّة؛ لأنّ الحزب، على الرّغم من خطابه الشّعبويّ المناهض للنّخب، يتبنّى برنامجاً اقتصاديّاً يخدم الأثرياء حصراً، عن طريق فرض خفض حادّ للضّرائب، وتفكيك كامل للقيود على الأسواق الماليّة، وإلغاء القوانين والتّشريعات البيئيّة.

بنية دولة المراقبة وخصخصة الاستخبارات
تتّجه الدّول الأوروپيّة، وفي طليعتها ألمانيا، نحو بناء دولة مراقبة فائقة التّطوّر بهدف حماية نظام رأس المال وتطويق التّوتّرات الاقتصاديّة.
أقرّت الحكومة الاتّحاديّة في ألمانيا في عام 1448 هـ / 2026 م الإصدار الثّاني من الحزمة الأمنيّة وتعديلات قانون البوليس الاتّحاديّ BKA، مكرّسةً عصر المراقبة الجماهيريّة الآليّة. وشرعنت هذه التّعديلات أدوات التّعرّف البيومتريّ الذّكيّ على الوجوه باستخدام تقنيّات الذّكاء الاصطناعيّ في الفضاء العامّ والإنترنت، وأجازت توظيف برامج التّجسّس الحكوميّة وزرع برمجيّات الاختراق على أجهزة الأفراد المستهدفين. ويتّسع نطاق المراقبة ليطال المشتبه بهم وما يُعرف بشخوص الاتّصال، مستعيناً بتقنيّات التّحليل الآليّ للبيانات والطّائرات المسيّرة ومصايد أرقام الهواتف IMSI Catchers.
تعتمد الشّرطة الألمانيّة في ولايات باڤاريا وهيسن وشمال الرّاين على نظام {گوثام} Gotham لتنفيذ عمليّاتها الاستخباريّة. وكانت طوّرت شركة {پالانتير تكنولوجيز} Palantir Technologies هذا النّظام ليجمع قواعد بيانات ضخمة، تشمل السّجلّات الجنائيّة والعناوين والعلاقات الاجتماعيّة. ويعالج النّظام هذه البيانات بخوارزميّات غير معلنة لتصنيف الأفراد بوصفهم تهديدات محتملة قبل وقوع الجريمة. وتعود ملكيّة الشّركة إلى الملياردير اليمينيّ {پيتر ثيل} Peter Thiel، المعروف بتمويله لحركة {ماگا} MAGA وتشكيكه في إمكانيّة التّوافق بين الحرّيّة والدّيمقراطيّة.
حركة {ماگا} MAGA – Make America Great Again حركة سياسيّة وشعبويّة يمينيّة في الولايات المتّحدة؛ نشأت شعاراً انتخابيّاً لـ{دونالد ترمپ} عام 2015م وتطوّرت لتصبح التيّار الأكثر نفوذاً داخل الحزب الجمهوري، وترتكز على دعم واسع من الإنجيليّين الپروتستانت وتيّار «القومية المسيحية». وتعارض العولمة واتّفاقيّات التجارة الحرّة، وتطالب بفرض قيود صارمة ضدّ الهجرة، وتعتمد الإعلام البديل والتحالف مع أحزاب اليمين الأوروپي عبر شبكات فكرية ومؤتمرات دولية.
يظهر مسار خصخصة التّجسّس جليّاً عند تتبّع مسيرة المستشار النّمساويّ السّابق {سباستيان كورتس} Sebastian Kurz. إذ استقال {كورتس} إثر فضائح فساد في استطلاعات الرّأي، لينضمّ بعدها إلى شركة {ثيل كاپيتال} Thiel Capital بصفة موجّه إستراتيجيّ. وتطوّر التّعاون بين الرّجلين ليؤسّسا شركة الأمن السّيبرانيّ {دريم سيكيوريتي} Dream Security، بالاعتماد على خبراء سابقين من مجموعة NSO Group الإسرائيليّة، وهي الجهة المصنّعة لبرنامج التّجسّس {پيگاسوس} Pegasus. كما أنتج هذا التّحالف مجمّعاً تقنيّاً وأمنيّاً عابراً للحدود، يربط النّخب التّنفيذيّة في أوروپا بشركات التّجسّس الخاصّة.
تُظهر الطّعون القضائيّة الّتي قادتها منظّمة «حقوق الحرّيّة» GFF وجود احتكاك هيكليّ حادّ بين الحدود الدّستوريّة الّتي يفرضها القضاء وإصرار السّلطة التّنفيذيّة على الالتفاف المتكرّر على القرارات القضائيّة وإعادة صياغة القوانين للإبقاء على تقنيّات المراقبة.
أصدرت المحكمة الدّستوريّة الألمانيّة BVerfG في 16 شباط فبراير 1444 هـ / 2023 م حكمها في المرجعين القضائيّين 1 BvR 1547/19 و 1 BvR 2634/20 بشأن قوانين الشّرطة في هيسن وهامبورگ المتعلّقة ببرنامج {پالانتير} Palantir و {هيسنداتا} Hessendata. وقضت المحكمة بعدم دستوريّة التّحليل الآليّ للبيانات دون وجود خطر محدّد وواضح يهدّد مصالح قانونيّة جسيمة كالحياة أو أمن الدّولة، ورأت فيه انتهاكاً لحقّ تقرير المصير المعلوماتيّ. وأجبر هذا الحكم الولايات على تعديل القوانين، وسط محاولات حكوميّة مستمرّة للالتفاف عليه عبر صياغات قانونيّة مرنة للإبقاء على نظام {پالانتير} Palantir مفعّلاً.
أصدرت المحكمة الدّستوريّة الألمانيّة في 1 تشرين الأوّل أكتوبر 1446 هـ / 2024 م حكمها في المرجع القضائيّ 1 BvR 1160/19 بشأن قانون مكتب البوليس الاتّحاديّ BKA. وقضت المحكمة بوجوب إثبات صلة وثيقة ومحدّدة بالجريمة لتسويغ المراقبة السّرّيّة للأشخاص المتّصلين، وفرضت بروتوكولات صارمة للحذف الفوريّ للبيانات غير ذات الصّلة. وقيّد هذا الحكم قدرة مكتب البوليس الاتّحاديّ BKA على الاحتفاظ بقواعد بيانات احتياطيّة شاملة، وشكّك في التّوسّع غير المحدود لبرامج التّجسّس الحكوميّة Staatstrojaner (Bundestrojaner).

المراقبة السّوبر وطنيّة
ظهر على المستوى الأوروپيّ تشريع مخصّص لمكافحة استغلال الأطفال الإلكترونيّ يُعرف باسم {چات كونترول} Chat Control. ويُلزم هذا التّشريع شركات التّقنيّة بإجراء مسح ضوئيّ مباشر ومستمرّ لجميع الرّسائل الخاصّة والصّور والإيميلات العائدة للمواطنين. ويفرض غرامات ماليّة تبلغ ستّة بالمئة من الدّخل العالميّ السّنويّ على الشّركات الرّافضة للامتثال، فضلاً عن إلغائه سرّيّة الهويّة في التّطبيقات الرّقميّة.
واجه المشروع معارضة واضحة، إذ رفضته لجنة الحرّيّات المدنيّة {ليبه} LIBE في البرلمان الأوروپيّ، وصوّت 311 نائباً ضدّ التّمديد الاستثنائيّ له في نيسان أپريل 1447 هـ / 2026 م. ودفع هذا الرّفض المجلس الأوروپيّ في تمّوز يوليو 1448 هـ / 2026 م للّجوء إلى إجراءات العجالة بغية تجاوز اللّجان البرلمانيّة.
أثمرت هذه الخطوة عن إقرار البرلمان الأوروپيّ للإصدار الأوّل لمشروع {چات كونترول} Chat Control 1.0 في 23 تمّوز يوليو 1448 هـ / 2026 م، ليسري العمل به حتّى نيسان أپريل 1449 هـ / 2028 م. ومُرّر المشروع إجرائيّاً على الرّغم من معارضة أغلبيّة النّوّاب الحاضرين، فصوّت 314 نائباً بالرّفض مقابل 276 مؤيّداً. وجاء هذا الإقرار نتيجة غياب الأغلبيّة المطلقة اللّازمة للإلغاء، ما أسّس قانونيّاً للتّفتيش التّلقائيّ الشّامل للمراسلات الخاصّة.

أمننة الاقتصاد واقتصاد الحرب
تؤلّف عسكرة الاقتصاد الصّعيد الأخير للإستراتيجيّة النّيوليبراليّة الاستبداديّة، إذ يُعاد توجيه الثّروة العامّة ونزع السّلاح الاجتماعيّ لمصلحة المجمّع الصّناعيّ العسكريّ.
أعلنت ألمانيا في عقب أزمة شرق أوروپا عن نقطة تحوّل إستراتيجيّة عُرفت باسم {تسايتنڤينده} Zeitenwende. ارتفعت على إثرها الميزانيّة العسكريّة الألمانيّة من 56 مليار يورو في عام 1443 هـ / 2022 م إلى 86 مليار يورو في عام 1445 هـ / 2024 م. وتتّجه التّوقّعات نحو بلوغ هذه الميزانيّة 152 مليار يورو بحلول عام 1450 هـ / 2029 م، تلبيةً لهدف {حلف النّاتو} NATO المتمثّل بتخصيص خمسة بالمئة من النّاتج المحلّيّ بحلول عام 1456 هـ / 2035 م. ولتجاوز كوابح الدّيون الدّستوريّة، أنشأت الحكومة صندوقاً استثنائيّاً خصّصت فيه مئة مليار يورو للجيش الاتّحاديّ.
أمّا على مستوى الاتّحاد الأوروپيّ، فبلغ الإنفاق الدّفاعيّ 418 مليار يورو في عام 1446 هـ / 2025 م، مع توقّعات بارتفاعه إلى 454 مليار يورو في عام 1447 هـ / 2026 م، ليؤلّف بذلك نسبة 2.4٪ من النّاتج المحلّيّ الإجماليّ الأوروپيّ. وانعكس هذا الإنفاق بوضوح على نموّ شركة {راينميتال} Rheinmetall الألمانيّة للصّناعات العسكريّة، الّتي تتوقّع نموّاً سنويّاً في طلبيّاتها بقيمة 16 ملياراً و 800 مليون دولار أمريكيّ. ويأتي هذا النّموّ مترافقاً مع توسّع الشّركة في إنتاج الأقمار الصّناعيّة SAR والزّوارق الحربيّة، إلى جانب زيادة قدرة إنتاج الذّخيرة الأوروپيّة من 300 ألف جولة في عام 1443 هـ / 2022 م إلى مليوني جولة بنهاية عام 1446 هـ / 2025 م.

تنظيم SAFE الأوروپيّ وشعار الجاهزيّة للحرب
تُوّج هذا التّوجّه بتمرير تشريع عمل أمنيّ لأوروپا عُرف باسم {سيف} SAFE في 27 أيّار مايو 1446 هـ / 2025 م. واستند هذا التّشريع إلى المادّة 122 من معاهدة عمل الاتّحاد الأوروپيّ TFEU، وهي المادّة الخاصّة بحالات الطّوارئ الاقتصاديّة الشّديدة.
يقدّم التّنظيم قروضاً تبلغ قيمتها 150 مليار يورو للدّول الأعضاء بغية تمويل المشتريات الدّفاعيّة المشتركة. ويرتكز على افتراض قانونيّ بوجود حالة أزمة دائمة، ما يتيح تجاوز قواعد المناقصات والشّفافيّة العامّة، واللّجوء إلى التّفاوض المباشر دون نشر. ويشترط التّنظيم أيضاً ألّا تقلّ نسبة المكوّن المحلّيّ عن 65٪ من القيمة داخل الاتّحاد الأوروپيّ، سعياً لحماية أرباح شركات السّلاح الأوروپيّة.
يُوظّف شعار الجاهزيّة للحرب {كريگزتوشتيگكايت} Kriegstüchtigkeit لتسويغ تحويل الأزمات المتعدّدة إلى حالة طوارئ دائمة. ويهدف هذا التّوجّه إلى شرعنة اقتطاع ميزانيّات الرّعاية الاجتماعيّة والصّحّة والتّعليم، وتحويل المليارات إعاناتٍ دائمةً للشّركات الدّفاعيّة والتّكنولوجيّة.
تشمل هذه الجهود مبادرة {الجاهزيّة 2030} Readiness 2030 ومشروع إعادة تسليح الاتّحاد الأوروپيّ ReArm EU، سعياً لتعبئة ماليّة شاملة تبلغ 800 مليار Euro على مستوى الاتّحاد بأسره. وتعتمد هذه المبادرة آليّة الدّمج الهيكليّ لتخطيط الإنتاج الدّفاعيّ ضمن السّوق الأوروپيّة المشتركة، هادفةً إلى إحياء السّوق الصّناعيّ إحياءً شاملاً بالاستناد إلى {النّظريّة الكينزيّة} Keynesian في شقّها العسكريّ.
لضمان انسياب الخاتمة ومصفوفة الأسئلة بوضوح وسلاسة طبيعيّة، أزلتُ الكلمات الممنوعة (مثل: مجرّد، يمثّل، وغيرها)، وحوّلت الأرقام الفلكيّة إلى كلمات، مع ضبط المصطلحات الأجنبيّة والتّشديد والتّنوين وفق القواعد الّتي نتّبعها:

الرّواية مقابل الواقع: تفكيك الإجابات السّطحيّة
يُثبت التّحليل الهيكليّ الشّامل أنّ الاضطرابات الّتي تجتاح العواصم الأوروپيّة من برلين إلى بروكسل وصوفيا وپاريس ليست مؤامرةً مدبّرةً من الكرملين لإشاعة الفوضى، بل هي نتيجة حتميّة لنموذج اقتصاديّ نيوليبراليّ مأزوم يفرض التّقشّف ويراكم الثّروة لدى الفئات الأوليگارشيّة.
تحالفت النّخب الاقتصاديّة الأوروپيّة، ردّاً على المقاومة الشّعبيّة المشروعة، مع شبكات اليمين عابر الأطلسيّ لبناء دولة نيوليبراليّة استبداديّة. وتُستغلّ شمّاعة التّضليل والتّهديد الخارجيّ غطاءً أيديولوجيّاً لتمرير قوانين التّجسّس الرّقميّ، وخصخصة الاستخبارات لمصلحة مليارديرات التّكنولوجيا، وتوجيه المال العامّ نحو اقتصاد الحرب والمجمّع الصّناعيّ العسكريّ، ما يعزل السّياسات الاقتصاديّة والعسكريّة تماماً عن أيّ إمكانيّة للمساءلة أو الاعتراض الدّيمقراطيّ.
هل الاحتجاجات الأوروپيّة تحريك وتوجيه من المخابرات الرّوسيّة؟
تدّعي الرّواية الرّسميّة والسّطحيّة أنّ الاحتجاجات نتاج حرب هجين، وتضليل إعلاميّ تديره روسيا لإشاعة الفوضى وتفكيك الاتّحاد الأوروپيّ. لكن تظهر الحقيقة التّحليليّة الهيكليّة المستندة إلى المصادر خلاف ذلك؛ فالاحتجاجات ذات جذور مادّيّة داخليّة محضة. إذ نتجت هذه التّحرّكات عن رفع سنّ التّقاعد وتدهور قطاع الصّحّة في بلجيكا، والفساد وزيادة الضّرائب على الأفراد لتمويل الأمن بدلاً من الخدمات في بلغاريا، والقيود البيئيّة والتّجاريّة الّتي تضرّ المزارعين. تُستغلّ شمّاعة التّضليل الخارجيّ لشيطنة المتظاهرين وتجريد مطالبهم المعيشيّة من أبعادها الطّبقيّة.
هل القوانين الأمنيّة الجديدة، مثل Chat Control وقانون البوليس الاتّحاديّ BKA، هدفها الحصريّ حماية الأطفال ومكافحة الإرهاب؟
تروّج الرّواية الرّسميّة أهدافاً معلنة لهذه التّشريعات تتمحور حول حماية القاصرين من الاستغلال، وتعزيز قدرات الشّرطة لملاحقة الجرائم شديدة الْخَطَر والإرهاب. لكن تبيّن الحقيقة التّحليليّة الهيكليّة أنّ هذه التّشريعات أداة لمراقبة المجتمع وقمع المعارضة. وتكرّس هذه القوانين المراقبة الجماهيريّة البيومتريّة، والتّحليل الخوارزميّ، والتّجسّس على شخوص الاتّصال دون شبهة. كما أكّدت المحكمة الدّستوريّة الاتّحاديّة الألمانيّة BVerfG عدم دستوريّة وسائل مشابهة، مثل {پالانتير} Palantir، لكونها تنتهك حقّ تقرير المصير المعلوماتيّ من دون خطر محدّد يهدّد مصالح قانونيّة جسيمة.
ما السّبب الحقيقيّ لدعم بعض أصحاب الملايين والشّركات لليمين المتطرّف، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا AfD، على الرّغم من خطابه الشّعبويّ؟
تزعم الرّواية الرّسميّة أنّ حزب {البديل من أجل ألمانيا} AfD حركة شعبويّة مناهضة للنّخب وأصحاب رؤوس الأموال وتدافع عن المواطن العاديّ. لكن تكشف الحقيقة التّحليليّة الهيكليّة عن تلاقي مصالح طبقيّة وأيديولوجيّة. إذ يدعم مليارديرات مثل {هينينگ كونله} Henning Conle و {ڤون فينْك} von Finck هذا الحزب رغبةً في برنامجه الاقتصاديّ الحقيقيّ الّذي يطالب بخفض حادّ لضرائب أصحاب الملايين، وإلغاء القيود البيئيّة، وتفكيك الأسواق الماليّة. وتُوظّف الشّوڤينيّة Chauvinism والعداء للّاجئين غطاءً لجمع أصوات الطّبقة العاملة.
كيف يستفيد كبار المستثمرين والشّركات العابرة للأطلسيّ من شعار الجاهزيّة للحرب؟
تطرح الرّواية الرّسميّة فكرة الجاهزيّة للحرب بوصفها إستراتيجيّة ضروريّة للدّفاع الوطنيّ وحماية أوروپا من العدوان الخارجيّ الدّاهم. لكنّ الحقيقة التّحليليّة الهيكليّة توضّح أنّ هذا الشّعار أداةٌ لإعادة توزيع الثّروة العامّة لمصلحة المجمّع العسكريّ. ويُوظّف الشّعار لتعريف الأزمة طوارئ دائمة، ما يبرّر اقتطاع ميزانيّات التّعليم والرّفاه الاجتماعيّ وتوجيه مليارات القروض، مثل تنظيم {سيف} SAFE البالغ 150 مليار يورو والصّندوق الألمانيّ البالغ مئة مليار يورو، مباشرةً لتعظيم أرباح شركات السّلاح مثل {راينميتال} Rheinmetall مع إعفائها من الشّفافيّة والمناقصات.

في الختام، الهدف الأسمى: السّيطرة وليس الخراب
الفوضى والخراب ليسا الهدف النّهائيّ أبداً، ولا توجد مؤامرة خارجيّة تسعى لتدمير أوروپا.
تنبع المظاهرات من غضبٍ شعبيٍّ حقيقيٍّ نتيجة الغلاء والتّقشّف. وبواسطة وسائل الإعلام التي تملكها؛ تستغلّ النّخب السّياسيّة وأصحاب المليارات حالة الخوف، وتضخّم فكرة الخطر الأجنبيّ وتتعمّد شيطنة اللّاجئين والمهاجرين (الأجانب)، لتبرير تحويل القارّة إلى دولةٍ مؤمننةٍ بوليسيّةٍ صارمةٍ.
يُوظَّف هذا الخداع لصرف النّظر عن الفشل الاقتصاديّ، وتتلخّص الغاية الحقيقيّة في سنّ قوانين مراقبةٍ قاسيةٍ، وإسكات المعارضة الدّيمقراطيّة، وتوجيه أموال الضّرائب نحو شركات التّسلّح والأمن. ويضمن ذلك حماية الثّروة والسّلطة وبقاءهما في أيدي قلّةٍ قليلةٍ بمنأى عن غضب الشّارع المتصاعد.
ما يحدث هو التّجسيد الأسمى لـ «الفكر القوميّ» (القوميّة اليمينيّة الرّاديكاليّة أو الشّوڤينيّة).
فالفكر القوميّ يعتمد هيكليّاً على تحديد هويّةٍ نقيّةٍ وإبراز «عدوٍّ» يهدّدها (كاللّاجئين والمهاجرين والخطر الخارجيّ) لحشد الجماهير. ويقدّس مفهوم الدّولة القويّة أمنيّاً وعسكريّاً لحماية هذه الهويّة، ممّا يجعله مستعدّاً للتّضحية بالحقوق المدنيّة والخدمات الاجتماعيّة في سبيل فرض النّظام الصّارم.
وهنا تتقاطع مصالح أصحاب الفكر القوميّ مع أصحاب المليارات بشكلٍ مثاليّ. من جهة، يحصل القوميّون على الدّولة الأمنيّة، والحدود المغلقة، والسّياسات الصّارمة المعادية للمهاجرين الّتي تؤلّف جوهر أيديولوجيّتهم. ومن جهة ثانية، يحصل الأثرياء على حمايةٍ لثرواتهم، وتوجيهٍ لأموال الدّولة نحو شركات التّسلّح والمراقبة الّتي يملكونها، والأهمّ: إلهاء الشّعب عن قضايا التّوزيع العادل للثّروة (وهي القضايا الّتي يتبنّاها الفكر «الوطنيّ» المعنيّ برفاهيّة المواطنين).
لذا، فما يحدث اليوم في أوروپا الغربية بالفعل تطبيقٌ مثاليٌّ للتّوجّه القوميّ، حيث تُستثمر عصبيّة الهويّة أداةً لإحكام القبضة الاستبداديّة.
تتقاطع أوروپا في مسارها الحاليّ مع جوهر النّموذج الشّرق أوسطيّ الكلاسيكيّ في عدّة نقاطٍ مفصليّةٍ، لكنّها تغلّف هذا التّحوّل بواجهةٍ ليبراليّةٍ مؤسّساتيّةٍ. وتتجلّى حالة الطّوارئ الدّائمة قاسماً مشتركاً واضحاً؛ فكما تعتمد الأنظمة في الشّرق الأوسط على ذريعة مكافحة الإرهاب لفرض قوانين استثنائيّةٍ لا تنتهي، تستخدم أوروپا اليوم شعارات الجاهزيّة للحرب والخطر الرّوسيّ لفرض سياساتٍ أمنيّةٍ وتجاوز آليّات الشّفافيّة الماليّة الدّيمقراطيّة.
ويترافق ذلك مع تزاوج الثّروة والسّلطة، لتظهر في كلا النّموذجين هيمنة طغمةٍ ماليّةٍ وسياسيّةٍ تعزل القرارات الاقتصاديّة عن أيّ مساءلةٍ شعبيّةٍ، وتُسخّر موارد الدّولة لحماية كبار المستثمرين بدلاً من توفير الخدمات العامّة.
ويؤدّي هذا المسار إلى أمننة المطالب المعيشيّة، فتُحوَّل الاحتجاجات على الغلاء وتدهور الخدمات إلى قضايا أمنيّةٍ، ويُتّهم المحتجّون والعمّال في أوروپا بخدمة أجنداتٍ تخريبيّةٍ خارجيّةٍ أو تأجيج الفوضى، تماماً كما تُتّهم المعارضة في الشّرق الأوسط بالخيانة.
تختلف أوروپا في اعتمادها على الاستبداد الرّقميّ بدلاً من القمع التّقليديّ الفجّ؛ فلا تحتاج إلى الدّبّابات في الشّوارع للحفاظ على السّيطرة. وتعتمد الدّول الأوروپيّة على الدّيكتاتوريّة الخوارزميّة بدلاً من المخبرين التّقليديّين، وتلجأ إلى الشّرطة التّنبّؤيّة وأنظمة الذّكاء الاصطناعيّ وقوانين المسح الشّامل للمراسلات لفرض رقابةٍ استباقيّةٍ لا مرئيّةٍ.
تحافظ القارّة على صناديق الاقتراع والبرلمانات وتداول السّلطة لتفريغ الدّيمقراطيّة من محتواها، وتجعلها مؤسّساتٍ بلا أنيابٍ، فمهما تغيّر الحزب الحاكم، يظلّ الهيكل الاقتصاديّ الأمنيّ ثابتاً، وتستمرّ سياسات التّقشّف وعسكرة الميزانيّة. ويعيش المواطن الأوروپيّ هكذا في سجنٍ رقميٍّ واقتصاديٍّ محكمٍ، متوهّماً ممارسة حرّيّته كاملةً داخل نظامٍ ديمقراطيٍّ.
المصادر والمراجع
- “صحافة الهجرة” في فرنسا: المهاجر بوصفه “مُشكِلًا” | معهد الجزيرة للإعلام https://institute.aljazeera.net/ar/ajmi-research/news-media-journalism-immigration-france
- 5 انقسامات.. كيف تحولت MAGA من قوة موحدة إلى ساحة صراع داخلي؟ – الشرق للأخبار https://asharq.com/politics/89321/maga-trump-republicans-divisions/
- Are immigrants more likely to commit crimes? Evidence from France – Antonio Casella https://www.researchgate.net/publication/46528159_Are_immigrants_more_likely_to_commit_crimes_Evidence_from_France
- EU-Mercosur trade: facts and figures – Consilium https://www.consilium.europa.eu/en/infographics/eu-mercosur-trade/
- Exaggeration, racism and xenophobia characterize disinformation on the demonstrations in France – EDMO.eu https://edmo.eu/2023/07/07/exaggeration-racism-and-xenophobia-characterize-disinformation-on-the-demonstrations-in-france/
- French police arrest 1,800 after violent clashes and looting mar protests – Sentinel Colorado https://www.sentinelcolorado.com/world-news/french-police-arrest-1800-after-violent-clashes-and-looting-mar-protests/
- JD Vance blames immigration for the violence in France – Informat.ro https://informat.ro/jd-vance-blames-immigration-violence-france/
- La lutte contre la manipulation de l’information | Direction Générale de la Sécurité Intérieure https://www.dgsi.interieur.gouv.fr/nos-missions/lutte-contre-les-ingerences-etrangeres/la-lutte-contre-la-manipulation-de-linformation
- MAGA movement – Wikipedia https://en.wikipedia.org/wiki/MAGA_movement
- Mercosur – Wikipedia https://en.wikipedia.org/wiki/Mercosur
- The Revival of Economic Nationalism and the Global Trading System | Cardozo Law Review https://www.cardozolawreview.com/the-revival-of-economic-nationalism-and-the-global-trading-system/
- The Symbolic Politics of Status in the MAGA Movement – Cambridge University Press & Assessment https://www.cambridge.org/core/journals/perspectives-on-politics/article/symbolic-politics-of-status-in-the-maga-movement/
- US Vice President Vance blames immigration, problems of ‘assimilation’ for violence in France – Arab News https://www.arabnews.com/node/2331561/world
- Vingt ans après les émeutes de 2005, quel traitement médiatique pour les banlieues? https://www.inina.fr/2025/11/02/vingt-ans-apres-les-emeutes-de-2005-quel-traitement-mediatique-pour-les-banlieues/
- Violence in France: The Far-Right Blames Ethnicity and Religion to Promote “Remigration” https://www.counterpunch.org/2023/07/11/violence-in-france-the-far-right-blames-ethnicity-and-religion-to-promote-remigration/
- Émeutes urbaines, sciences sociales et action publique – Cairn https://shs.cairn.info/revue-mouvements-2024-1-page-15
- أكثر من 6500 موقوف في احتجاجات طلاب فرنسا.. 87% منهم قاصرون – برلمان.كوم https://barlamane.com/أكثر-من-6500-موقوف-في-احتجاجات-طلاب-فرنسا/
- اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى – ويكيبيديا https://ar.wikipedia.org/wiki/اجعل_أمريكا_عظيمة_مرة_أخرى
- احتجاجات فرنسا تشعل حرب اتهامات… من يُحمّل من مسؤولية العنف؟ – النهار https://www.annahar.com/arabic/section/77-دوليات/231018-احتجاجات-فرنسا
- الإعلام الأوروبي وصناعة اتجاهات الرأي حول قضايا اللجوء: دراسة تحليلية لعينة من التقارير الصحفية، قناة “سي نيوز” الفرنسية أنموذجا – CERIST https://asjp.cerist.dz/en/article/203457
- تيار MAGA في الولايات المتحدة النشأة والامتداد والتحول في نظرته لـ “إسرائيل” https://dirasat.net/post/1282
- تَمثُّلات الإعلام الفرنسي لهجمات باريس: تمجيد الأنا والتخويف من الآخر | مركز الجزيرة للدراسات https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/12/20151221111623318285.html
- حركة ماغا.. منظمة سياسية تبنت شعار ترامب الانتخابي | موسوعة – الجزيرة نت https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2024/7/16/حركة-ماغا-منظمة-سياسية-تبنت-شعار
- دور وسائل التواصل الاجتماعي في احتجاجات الجيل زد: طبيعة الاستخدام والمسار المستقبلي https://www.ecssr.ae/ar/publication/gen-z-protests-social-media/
- فانس يربط عنف فرنسا بالهجرة ويحذر الأمريكيين من “هذا المستقبل” | أخبار – الجزيرة نت https://www.aljazeera.net/news/2023/7/3/فانس-يربط-عنف-فرنسا-بالهجرة
- فرنسا على وقع احتجاجات عارمة.. مئات الآلاف في الشوارع وأعمال نهب وحرق تطال مدناً كبرى وسط تصاعد التوتر السياسي – تنوير https://tanwer.ma/فرنسا-على-وقع-احتجاجات-عارمة/
- فرنسا.. أعمال عنف واحتجاجات واسعة تنتهي بتدمير مبنى البلدية التاريخي في ليموج – جريدة السفير 24 Assafir https://assafir24.ma/فرنسا-أعمال-عنف-وااحتجاجات-واسعة/
- كاتبة بريطانية: حركة ماغا تلتهم نفسها وقد تُسقط ترامب | أخبار – الجزيرة نت https://www.aljazeera.net/news/2024/9/12/كاتبة-بريطانية-حركة-ماغا-تلتهم-نفسها
- ماغا تأكل نفسها.. الرئيس الأمريكي يواجه ما صنعت يداه | سياسة – الجزيرة نت https://www.aljazeera.net/politics/2024/9/15/ماغا-تأكل-نفسها-الرئيس-الأمريكي
- معاينة الشعبوية في السياسة الأميركية: حالة إدارة الرئيس دونالد ترامب (2021-2017) https://ojs.acrps.ai/index.php/siyasat/article/view/2890
- من أشعل فرنسا؟ عنف 17 أكتوبر يضع الجميع تحت المساءلة | سياسة – الجزيرة نت https://www.aljazeera.net/politics/2026/10/18/من-أشعل-فرنسا-عنف-17-أكتوبر
- نهب وحرق.. توقيف نحو 2000 شخص في “احتجاجات فرنسا” – سكاي نيوز عربية https://www.skynewsarabia.com/world/1633890-نهب-وحرق-توقيف-2000-شخص-احتجاجات-فرنسا
- Russian Foreign Information Manipulation and Interference (FIMI) https://euawareness.org/analytics/russian-foreign-information-manipulation-and-interference-fimi-operations-in-the-post-soviet-neighbourhood/
- Foreign interference in EU democratic processes – European Parliament https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/ATAG/2023/747908/EPRS_ATA(2023)747908_EN.pdf
- Countering Foreign Information Manipulation and Interference – KAS https://www.kas.de/documents/d/canada/eu-kas-report_fimi-and-european-elections
- Authoritarian Neoliberalism: Philosophies, Practices, Contestations – Routledge https://www.routledge.com/Authoritarian-Neoliberalism-Philosophies-Practices-Contestations/Bruff-Tansel/p/book/9781032088020
- Authoritarian Neoliberalism: Towards a New Research Agenda – ResearchGate https://www.researchgate.net/publication/326914669_Authoritarian_Neoliberalism_Towards_a_New_Research_Agenda
- Security assistance, authoritarian neoliberalism and racial capitalism – Taylor & Francis https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/14747731.2026.2637996
- Global Protest Tracker – Carnegie Endowment for International Peace https://carnegieendowment.org/features/global-protest-tracker
- Secret plan against Germany – correctiv.org https://correctiv.org/en/latest-stories/2024/01/15/secret-plan-against-germany/
- Das Potsdamer Treffen, die AfD und die „Remigration“ – Deutschlandfunk https://www.deutschlandfunk.de/potsdamer-treffen-remigration-afd-100.html
- Black box Palantir: To Karlsruhe against mass data mining – GFF https://freiheitsrechte.org/en/themen/freiheit-im-digitalen-zeitalter/palantir-bayern
- Judgment of 16 February 2023 – Bundesverfassungsgericht https://www.bundesverfassungsgericht.de/SharedDocs/Entscheidungen/EN/2023/02/rs20230216_1bvr154719en.html
- Judgment of 1 October 2024 – Bundesverfassungsgericht https://www.bundesverfassungsgericht.de/SharedDocs/Entscheidungen/EN/2024/10/rs20241001_1bvr116019en.html
- Chat Control 2026: What It Means for Encryption – Wire https://wire.com/en/blog/chat-control-explained
- Fight Chat Control – Protect Digital Privacy in the EU https://fightchatcontrol.eu/
- Military spending fuels Rheinmetall’s rise – Le Monde diplomatique https://mondediplo.com/2026/09/07rheinmetall





اترك تعليقاً