في أيّار مايو من العام 2026 م \ ذي القعدة 1447 هـ، اكتملت فصول جديدة من التاريخ السوريّ بانسحاب الجيش الأميركيّ انسحاباً كاملاً من الأراضي السوريّة. يفتح هذا الحدث باب الذاكرة لتقليب صفحات 15 سنة مضت. ففي أوّل سنتين من ثورة الكرامة السوريّة، ما بين 2011 و 2013، تبادل الشعب السوريّ أمنيات مختلفة لحلّ المشكلة السوريّة.
تجسّدت المشكلة آنذاك في شدّة إجرام نظام الأسد واستقوائه بتقليب الطوائف على بعضها. وقادت تلك الفظائع بعض السوريّين إلى درجة تمنّي التدخّل الأجنبيّ، بحثاً عن أيّ طريق للخلاص من شرور الأسد ومخطّطاته القبيحة للبلد.

مقدّمة
وللغوص في عمق هذه الظاهرة السيكولوجيّة والسياسيّة المعقّدة، علينا تفكيك حالة العقل الجمعيّ السوريّ في تلك المرحلة. فلم تكن تلك الأمنيات نتاجاً لرغبة في التبعيّة، بل تولّدت عن يأس رهيب سبّبته آلة القتل الممنهجة الّتي سحقت المدن وأهلها. وغدا البحث عن منقذ خارجيّ آليّة دفاع نفسيّ، وملاذاً للتمسّك بأيّ أمل يوقف شلّال الدمّ النازف.
وفي خضمّ ذلك الألم، محا السوريّون من عقولهم حدود الجغرافيا السياسيّة، وبدأوا بنسج خيالات جيوسياسيّة تستند إلى ذاكرة تاريخيّة متباينة، ومصالح استراتيجيّة متقاطعة مع دول الجوار العربيّ والإقليميّ. كلّ واحدة من تلك الأحلام حملت في طيّاتها رؤية فريدة لسبل الخلاص، وتفسيراً سيكولوجيّاً لآليّة تقييم السوريّين لمكانة وطنهم. سنستعرض تاليّاً ثلاث مسارات أساسيّة صاغت خريطة الأمنيات السوريّة آنذاك، تمهيداً لفهم كيفيّة صياغة شكل سوريّا الديموقراطيّة المنشودة.

التحالف الأردنيّ العربيّ: عمق الجوار وحنين الذاكرة
تمنّت مجموعة من السوريّين آنذاك انتشار الجيش الأردنيّ من الجنوب، وفرض الأمن في سوريّا، وصولاً إلى زوال الحدود وعودة المملكة الهاشميّة إلى دمشق. وصعد بعض هذه المجموعة بخيالاته حتّى تخيّل تحالفاً دوليّاً يجمع جيوش الأردنّ والسعوديّة ومصر ليدخلوا سوريّا معاً ويبتروا خطر الحرب عن البلد.
عاطفيّاً، ينبع هذا التمنّي من الحنين إلى روابط تاريخيّة قديمة تجمع بلاد الشام، واسترجاعاً لذاكرة العهد الهاشميّ القصير في دمشق الّذي يمثّل في الوجدان الجمعيّ فترة استقلال عربيّ نقيّ. استراتيجيّاً، رأى أصحاب هذه الأمنيّة في الجوار الأردنيّ عمقاً عربيّاً قادراً على لجم التمدّد الإيرانيّ، وتأسيساً لكتلة عربيّة متراصّة تحمي دمشق من مطامع التدخّلات الدوليّة الأبعد.
تأصيلاً لهذا التوجّه السيكولوجيّ والسياسيّ، نرى ميل هذه الفئة من الشعب السوريّ إلى استدعاء هويّة أوسع من حدود الدولة الوطنيّة الّتي رسمتها اتفاقيّات القرن الـ 20. إذ ساهم انهيار مؤسّسات الدولة وعنف النظام الحاكم في دفع هؤلاء نحو البحث عن ملاذ آمن في فكرة العروبة المشرقيّة. ويمثّل الأردنّ في هذا السياق امتداداً ديموغرافيّاً واجتماعيّاً لشعوب جنوب سوريّا ووسطها، ممّا يسهّل تقبّل فكرة الاندماج أو الوصاية المؤقّتة. ويضاف إلى ذلك رغبة دفينة في العودة إلى نقطة صفر تاريخيّة، لتصحيح مسار التاريخ وتأسيس دولة عربيّة كبرى تقف سدّاً منيعاً في وجه المشاريع الإقليميّة الأخرى.
على الصعيد الحاضر في عام 2026، ومع الانسحاب الأميركيّ وتغيّر موازين القوى، يشكّل وجود هذه الفئة داخل النسيج السوريّ عاملاً سياسيّاً مؤثّراً. إذ تدفع هذه المجموعة باتّجاه تعزيز العلاقات مع المحيط العربيّ، وترى في الدعم الاقتصاديّ والسياسيّ الخليجيّ والأردنيّ والمصريّ طوق نجاة لا غنى عنه لإعادة إعمار سوريّا. ويواجه هذا الميل تحدّيات داخليّة تتجسّد في حساسيّة فئات سوريّة أخرى تجاه أيّ تدخّل خارجيّ، ممّا يخلق تجاذبات سياسيّة حادّة بين تيّار ينادي بالعمق العربيّ وتيّارات أخرى تفضّل الانكفاء على الذات أو الانفتاح على محاور مختلفة.
مستقبلاً، سيفرض هذا التوجّه أثره الواضح على شكل الحياة الحزبيّة في سوريّا الديموقراطيّة. فستتأسّس أحزاب وتكتّلات سياسيّة تتبنّى صراحة خيار الاندماج الاقتصاديّ والأمنيّ مع الجوار العربيّ، على الأقل على المستوى الإقليمي. وستطالب بصياغة سياسة خارجيّة تبتعد عن المحور الإيرانيّ ابتعاداً تامّاً.
يحمل هذا التوجّه مخاطر تتعلّق برهن القرار الوطنيّ السوريّ بتوازنات العواصم الإقليميّة. إذ إنّ نجاح سوريّا في تجاوز محنتها يستلزم من هذه الفئة استثمار رغبتها في الانتماء العربيّ لبناء شراكات متكافئة، بدلاً من استبدال هيمنة بهيمنة أخرى. وستبني هذه الديناميكيّة نظاماً سياسيّاً سوريّاً يوازن مصلحة الحفاظ على السيادة الوطنيّة ومصلحة الاستفادة من روابط الجوار العربيّ، وصولاً إلى استقرار مستدام.

التدخّل التركيّ: المظلّة السنّيّة والامتداد الأوروپيّ
حلمت مجموعة أخرى من السوريّين باجتياح الجيش التركيّ الأراضي السوريّة واصلاً حتّى دمشق، ليزيل السرطان الأسديّ الإيرانيّ ويعيد السلام على شعبيّ تركيا وسوريّا معاً. وترافقت هذه الأمنيّة مع رغبة في تجديد روح الماضي العثمانيّ وإعادة سوريّا إلى إطارها الأوروپيّ المتوسّطيّ.
من الناحيّة العاطفيّة، لامست هذه الرغبة وتراً دينيّاً وتاريخيّاً، بحثاً عن مظلّة سنّيّة قويّة توازي الغطرسة الطائفيّة المدعومة من طهران. وفي ميزان المصالح الاستراتيجيّة، تجلّت الفكرة في استغلال ثقل تركيا العسكريّ والاقتصاديّ لإنهاء الصراع، وربط الجغرافيا السوريّة بعجلة التقدّم الاقتصاديّ الأوروپيّ، ممّا يضمن إعادة إعمار سريعة واستقراراً مدعوماً من حلف شمال الأطلسيّ.
استكمالاً لقراءة هذا الميل السيكولوجيّ، نجد أنّ رغبة هذه الشريحة تنبثق من شعور عميق باليتم السياسيّ إبّان السنوات الأولى للثورة. إذ دفع التغوّل الإيرانيّ الطائفيّ الشرس هؤلاء إلى البحث عن توازن قوى إقليميّ، فرأوا في تركيا ثقلاً ديموغرافيّاً وعسكريّاً قادراً على كبح جماح المحور الداعم لنظام الأسد. وتماهت هذه الحاجة الأمنيّة مع حنين تاريخيّ لفضاء عثمانيّ جامع، ليس بالضرورة بصيغته الإمبراطوريّة القديمة، بل بنسخته الحديثة الّتي تدمج الهويّة السنّيّة مع الحداثة الأوروپيّة. فمثّل هذا الحلم محاولة واضحة للهروب من واقع مشرقيّ محطّم نحو فضاء متوسّطيّ واعد بالاستقرار والرفاه.
اليوم، تترك هذه الأمنيات المتجذّرة أثراً بالغاً في المشهد السوريّ تزامناً مع الانسحاب العسكريّ الأميركيّ الكامل. إذ تحوّلت هذه الفئة من السوريّين إلى كتلة ضاغطة سياسيّاً واقتصاديّاً، تدعو إلى ربط المصالح السوريّة بعجلة الاقتصاد التركيّ، وتطالب بشراكات أمنيّة عميقة مع أنقرة لتأمين حدود سوريّا الشماليّة. لكن، يصطدم هذا التوجّه برفض شرائح سوريّة أخرى تتوجّس من طموحات تركيا الجيوسياسيّة وتخشى ذوبان الشخصيّة الوطنيّة السوريّة في فلك الجار الشماليّ القويّ، ممّا يخلق استقطاباً حادّاً في مسار صياغة العقد الاجتماعيّ السوريّ الجديد.
على المدى المستقبليّ، سيرسم استمرار وجود هذه الفئة ملامح جزء مهمّ من الخريطة الحزبيّة في سوريّا الديموقراطيّة. إذ ستنشط تيّارات سياسيّة تتبنّى برنامجاً استراتيجيّاً يدعو إلى الانضمام إلى تحالفات دفاعيّة واقتصاديّة مع تركيا، بوصفها بوّابة سوريّا نحو القارّة الأوروپيّة وحلف شمال الأطلسيّ.
يكمن التحدّي الاستراتيجيّ هنا في كيفيّة إدارة هذه العلاقة لتكون شراكة ندّيّة تحمي استقلال القرار السوريّ، وتمنع تحوّل البلاد إلى حديقة خلفيّة تابعة لأنقرة. فنجاح الأحزاب المستقبليّة الّتي تتبنّى هذه الرؤية يشترط قدرتها التامّة على توظيف النفوذ التركيّ لخدمة المصالح الوطنيّة السوريّة، وتأسيس توازن استراتيجيّ داخليّ يحمي البلاد من التبعيّة المطلقة لأيّ محور خارجيّ.

التحالف السعوديّ المصريّ: استعادة دور الكبار
مالت مجموعة ثالثة من الشعب إلى تمنّي تحالف قوّات سعوديّة مصريّة بقيادة مشتركة تدخل سوريّا من البرّ والبحر، فتلجم الشبّيحة إلى جحورهم، وتطرد الدواعش إلى مهاجرهم، وتفرض الأمن والأمان والاستقرار في المنطقة. لكن، توخّت هذه الأمنيّة تطوير دولة مؤسّسات جديدة خاليّة من العصبيّة والطائفيّة.
جذور هذه الرغبة عاطفيّاً وتاريخيّاً تعود إلى الإيمان بدور الدول الكبرى في العالم العربيّ، فمصر والسعوديّة يمثّلان ثقل العروبة ومركز القرار. واستراتيجيّاً، مثّل هذا الخيار الحلّ العربيّ الأمثل لإنهاء التدخّلات الإقليميّة غير العربيّة، وضماناً لعدم ارتهان سوريّا لأيّ قوى أجنبيّة تسعى لفرض أجنداتها الخاصّة، مع التركيز على بناء هيكل حكوميّ مؤسّساتيّ بعيد عن المحاصّصات الميلّشياويّة.
بالغوص في البنيّة السيكولوجيّة لهذه الشريحة السوريّة، نلحظ تعلّقاً عميقاً بنموذج الدولة المركزيّة القويّة. إذ ولّد الخوف من التفكّك الميلّشياويّ والانهيار المجتمعيّ رغبة عارمة في تدخّل قوّتين إقليميّتين تمتلكان جيوشاً نظاميّة ضخمة وإرثاً طويلاً في إدارة المؤسّسات. ولم يكن هذا التمنّي بحثاً عن نفوذ أجنبيّ، بل محاولة لاستنساخ نموذج الاستقرار المتمثّل في السعوديّة ومصر، هرباً من فوضى الفصائل وميلشيات إيران.
نصل إلى عام 2026 م \ 1447 هـ، لنرى واقعاً سياسيّاً معقّداً يفرض تحدّيات جمّة على هذه الفئة. إذ اصطدمت آمال هؤلاء بمواقف سياسيّة قاسية، أبرزها اصطفاف النظام المصريّ لسنوات إلى جانب نظام بشّار الأسد المنهار، وتوتّر العلاقات الحاليّة بين القاهرة والحكومة الانتقاليّة السوريّة. ويضاف إلى ذلك التناقض الواضح في المشهد، ففي وقت يسعى فيه أحمد الشرع، بوزنه الحاليّ في المعادلة السوريّة، إلى نسج علاقات قويّة بمصر لبناء شرعيّة إقليميّة وإبعاد شبح العزلة، تقف الخلافات السياسيّة حجر عثرة.
أحدث هذا التناقض صدمة نفسيّة وسياسيّة لدى أصحاب هذا التوجّه، ممّا أجبرهم على إعادة تقييم معنى العمق العربيّ ليصبح مبنيّاً على المصالح المشتركة الخالصة، لا على العواطف القوميّة والتاريخيّة المجرّدة من المكاسب.
استراتيجيّاً وفي المستقبل القريب، سيتبلور دور هذه الفئة لتشكّل نواة لتيّارات سياسيّة وأحزاب وطنيّة في سوريّا الديموقراطيّة. ستنادي هذه الأحزاب ببناء جيش وطنيّ احترافيّ بعقيدة صارمة، وسترفض رفضاً قاطعاً أيّ محاصّصات ميلشياويّة. وستسعى هذه القوى الحزبيّة إلى إعادة سوريّا إلى مقعدها الفاعل في المنظومة العربيّة، واضعة علاقاتها بالرياض والقاهرة في قمّة أولويّاتها الدبلوماسيّة، حتّى مع استمرار الخلافات الحاليّة مع الحكومة الانتقاليّة. ستبني هذه الأحزاب برامجها على البراغماتيّة السياسيّة والمصالح الاقتصاديّة المشتركة، متجاوزة مرارات الماضي القريب، لضمان دعم عربيّ وازن يوازن النفوذين التركيّ والإيرانيّ، ويحصّن مسار التحوّل الديموقراطيّ بمؤسّسات صلبة تمنع الانزلاق مجدّداً نحو الفوضى.

الرؤية الاقتصاديّة: السوق المشتركة بديل للحرب
بعيداً عن التدخّلات العسكريّة، أمنيتي الشخصيّة تتمحور حول فتح الحدود بين الدول المذكورة، سوريا والأردن وتركيا والسعودية ومصر، إضافة إلى العراق، لتشكيل سوق مشتركة وقوّة اقتصاديّة تنافس بجدارة في هذا العالم. وترتكز رؤيتي هذه على فهم حقيقيّ لمحرّكات القوّة في القرن الـ 21، فالاقتصاد هو قاطرة السياسة.
تحويل المنطقة إلى كتلة اقتصاديّة متكاملة يضمن تذويب الاحتقانات السياسيّة، ويخلق مصالح مشتركة عابرة للحدود تمنع عودة الحروب، وتؤسّس لسلام دائم مبنيّ على الرفاهيّة المشتركة والمنفعة المتبادلة. شخصيّاً، أتمنّى أن تتبع سوريّا نموذج أوزبكستان المعاصر، فتضع الدولة نفسها في مكان وسط لا يتبع أيّاً من الإمبراطوريّات ولا يعاديها.
في الزمن الحاضر، تكتسب هذه الرؤية بعداً تطبيقيّاً ملموساً يتجاوز حدود التمنيّ، لا سيّما مع الانسحاب العسكريّ الأميركيّ الكامل والقرارات الحاسمة الصادرة اليوم عن الرئيس الأميركيّ دونالد ترمپ. إذ تمنح هذه القرارات التعديلات التشريعيّة الأخيرة قوّة نفاذ فوريّة، موجّهة صياغة الواقع الأمنيّ والسياديّ السوريّ نحو مسار جديد ينزع فتيل الاحتراب الداخليّ. ويتجلّى ذلك في إقرار خطّة شاملة لدمج الوحدات العسكريّة التابعة لقوّات تنظيم قسد في هيكليّة وزارة الدفاع السوريّة، وتعيين قياداتها في مناصب مؤثّرة، صياغةً لجيش مهنيّ موحّد عابر للطوائف والإثنيّات يخضع بالكامل للسيطرة المدنيّة، ويحمي استقرار البلاد دون ارتهان لكيانات موازية.
تكتمل ركائز هذه السيادة بصدور توجيهات أميركيّة صارمة لتقليص النفوذ الروسيّ، والعمل المشترك مع الحكومة السوريّة الجديدة لتأمين خروج القوّات الروسيّة من قاعدتي حميميم وطرطوس، بعد سنوات من استغلال هذه القواعد لقمع السوريّين وإمداد الوكلاء الإقليميّين بالسلاح. إنهاء هذا التواجد الإمبراطوريّ يزيل العقبة الأكبر أمام استقلال القرار الوطنيّ، ويمنح أطروحتي في تبنّي نموذج أوزبكستان قوّة دفع حقيقيّة على أرض الواقع.
زوال القواعد الأجنبيّة ودمج القوى العسكريّة في مؤسّسة دفاعيّة موحّدة يمهّدان الطريق أمام الأحزاب المستقبليّة في سوريّا الديموقراطيّة لتبنّي برامج التنمية الاقتصاديّة والحياد الإيجابيّ خيارات مصيريّة. ويتيح هذا المناخ السياديّ الجديد الشروع في بناء السوق المشتركة، وتحويل سوريّا من ساحة لتصادم الجيوش إلى حلقة وصل تجاريّة كبرى تنعم بالاستقرار والرفاه الجمعيّ.

الأثر السيكولوجيّ والاستراتيجيّ على مستقبل الديموقراطيّة
سيكولوجيّاً، تكشف هذه الأمنيات المتعدّدة في بدايات الثورة عن حالة من الصدمة العميقة واليأس من القدرة الذاتيّة على الخلاص من نظام بالغ الوحشيّة. إذ بحث السوريّون عن منقذ خارجيّ يجسّد حالة طبيعيّة لشعب أعزل يواجه آلة قتل ممنهجة. لكن، مع المتغيّرات الجذريّة في عام 2026، ولا سيّما القرارات الأميركيّة الصادرة اليوم الّتي تؤسّس لإنهاء الوجود العسكريّ الروسيّ ودمج الفصائل كافّة في جيش وطنيّ موحّد، بات لزاماً التخلّص من هذه العقدة النفسيّة.
يترك استمرار التعلّق بالمخلّص الخارجيّ أثراً استراتيجيّاً بالغ الخطورة على مستقبل سوريّا الديموقراطيّ وعلى أحزابها المستقبليّة. إذ إنّ توقّع الحلول الجاهزة من الخارج يضعف بناء الهويّة السياسيّة الوطنيّة المتماسكة، ويجعل الكيانات الحزبيّة عرضة للارتهان لإرادات العواصم الإقليميّة. ونجاح التحوّل الديموقراطيّ يتطلّب اليوم استغلال هذه اللّحظة السياديّة لإحداث قطيعة نفسيّة كاملة مع فكرة الوصاية الخارجيّة، وتوجّهاً صريحاً نحو بناء شرعيّة داخليّة تستمدّ قوّتها من المؤسّسات الوطنيّة الجديدة ومن إرادة المواطن السوريّ الحرّ.

خاتمة
اليوم، تقف سوريّا على أعتاب مرحلة سياديّة حاسمة. تحوّل مسار الاستقرار من أمنيات بعيدة إلى واقع ملموس يبدأ بتفكيك الاحتلالات الأجنبيّة، ومغادرة القيادات والعناصر الدّخيلة الّتي هيمنت على ميلشيا قسد، ودمج العناصر السّوريّة حصراً في جيش وطنيّ موحّد، مترافقاً مع استيعاب التّحدّيات الّتي يفرضها تساهل أحمد الشّرع في تجنيس بعض المقاتلين.
فلم يبق في سوريّا احتلال أجنبيّ إلّا ميلّشيا قسد شمالاً وإسرائيل جنوباً. ويمثّل رحيل هذه القوى المتبقّيّة شرطاً حتميّاً ليتحقّق الأمان والاستقرار، وتبدأ سوريّا مسيرتها في تطوّر طبيعيّ حرّ. يتزامن ذلك مع وضع خطط واضحة لخروج الجيش الرّوسيّ من قاعدتي حميميم وطرطوس. ولم يبق في سوريّا اليوم احتلال أجنبيّ سوى إسرائيل، الدّولة الأجنبيّة الوحيدة الّتي لم تزل تحتلّ أراضيَ سوريّةً وتطالب بالمزيد، وتسلّح ميلشيات الهجري في السّويداء وتدفعها لطلب الانفصال.
يمثّل إنهاء هذا الاحتلال وتحقيق الخطوات السّابقة واستيعاب دروس 15 سنة مضت شرطاً حتميّاً لتبدأ سوريّا مسيرتها في تطوّر طبيعيّ حرّ. ويفرض هذا الواقع الجديد على السّوريّين جميعاً إدراك ضرورة العمل المشترك، وتحويل أحلام الخلاص القديمة إلى برامج عمل سياسيّة واقتصاديّة وطنيّة، تنهض بالبلاد نحو مستقبل يليق بتضحيات أبنائها.
مصادر ومراجع
- Reuters — US withdrawing all forces from Syria, WSJ reports — https://www.reuters.com/world/middle-east/us-withdrawing-all-forces-syria-wsj-reports-2026-02-18/
- Reuters — Russia withdrawing troops from airport in northeast Syria, sources say — https://www.reuters.com/world/russia-withdrawing-troops-airport-northeast-syria-sources-say-2026-01-26/
- Reuters — Exclusive: U.S. military completes pullback from northeast Syria, Esper says — https://www.reuters.com/article/world/exclusive-us-military-completes-pullback-from-northeast-syria-esper-says-idUSKBN1Y90CT/
- Reuters — Trump starts withdrawal of U.S. forces from Syria, claims victory — https://www.reuters.com/article/world/trump-starts-withdrawal-of-us-forces-from-syria-claims-victory-idUSKBN1OI1KT/
- AP News — US completes withdrawal from key base in Syria as part of a larger drawdown — https://apnews.com/article/syria-us-troops-qasrak-withdrawal-e6985ad6a517ddbfefc64ccb6a9e57ef
- AP News — Syrian Kurdish forces reach agreement with Damascus to merge with national army, commander says — https://apnews.com/article/syria-kurds-sdf-mazloum-abdi-army-merger-alsharaa-8de0ee121b7a475fbbc27cbe46784f32
- AP News — Kurdish-led force and Syrian government reach new agreement to stabilize ceasefire — https://apnews.com/article/syria-ceasefire-sdf-integration-44da669e838078e386813d1a1c64f17f
- Al Jazeera — Arab League brings Syria back into its fold after 12 years — https://www.aljazeera.com/news/2023/5/7/arab-league-agrees-to-bring-syria-back-into-its-fold
- Al Jazeera — Arab nations discuss Syria return to Arab League in Saudi Arabia — https://www.aljazeera.com/news/2023/4/14/arab-nations-discuss-syria-return-to-arab-league-in-saudi-arabia
- Al Jazeera — Egypt foreign minister visits Syria for first time since 2011 — https://www.aljazeera.com/news/2023/2/27/egypts-foreign-minister-visits-syria-for-first-time-since-war
- Cambridge University Press — Militarising Counter-Revolution (Chapter 5) — https://www.cambridge.org/core/books/age-of-counterrevolution/militarising-counterrevolution/36E3F377C72AF4B34D7AB3522143D518
- Cambridge University Press — The Sectarianization of the Syrian War | Beyond Sunni and Shia — https://academic.oup.com/book/25962/chapter/193758649
- Cambridge University Press — New Identity Regimes (Chapter 13) — https://www.cambridge.org/core/books/civil-war-in-syria/new-identity-regimes/65D1A12C7F71851A0D10C6A7591C612E
- Cambridge University Press — Syria (Chapter 6) — https://www.cambridge.org/core/books/struggle-for-supremacy-in-the-middle-east/syria/23FF0DB2726153611578148201D31AD3
- Oxford University Press — Syria and the French, 1918–1946 — https://academic.oup.com/book/2425/chapter/142660290
- Journal / JSTOR — Syria and the French Mandate — https://www.jstor.org/stable/2603401
- University of Tennessee / METU thesis — political opposition against the french rule in mandate syria — https://etd.lib.metu.edu.tr/upload/12625018/index.pdf
- University of St. Andrews / RMSI Research — Russian-Syrian Naval and Air Basing Agreements, 2015–2020 — https://digital-commons.usnwc.edu/rmsi_research/4/
- INSS — Geopolitics, Fragmentation, and the Syrian Civil War — https://www.inss.org.il/strategic_assessment/beyond-sectarianism-geopolitics-fragmentation-and-the-syrian-civil-war/
- Washington Institute — Sectarianism in Syria’s Civil War: A Geopolitical Study — https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/sectarianism-syrias-civil-war-geopolitical-study
- Britannica — Syria — https://www.britannica.com/place/Syria
- Britannica — A brief history of Syria — https://www.britannica.com/summary/Syria
- Britannica — History of Syria — https://www.britannica.com/topic/history-of-Syria
- Britannica — Damascus / History — https://www.britannica.com/place/Damascus/History
- Britannica — Syria — Umayyad Dynasty — https://www.britannica.com/place/Syria/The-Umayyads
- Britannica — Syria — Hellenistic and Roman periods — https://www.britannica.com/place/Syria/Hellenistic-and-Roman-periods
- Britannica — Syrian Civil War — https://www.britannica.com/event/Syrian-Civil-War





اترك رد