بحث تاريخيّ شامل يوثّق مسيرة المستعمرة الأميركيّة في القدس منذ تأسيسها عام 1881 م / 1298 هـ، ويفصّل أدوار آل ڤيستر وآل سپافورد، والتّحوّلات الجيوسياسيّة في الشّام حتّى تقسيم المدينة.
في عام 1881 م / 1298 هـ، شهدت مدينة القدس وصول مجموعة من المغتربين الأميركيّين القادمين من مدينة شيكاگو، هرباً من فواجع شخصيّة متلاحقة، ليؤسّسوا مجتمعاً مسيحيّاً حمل اسم {المستعمرة الأميركيّة في القدس} The American Colony in Jerusalem.
بدأت هذه الجماعة مسيرتها بنمط حياة «مشاعيّ» داخل أسوار البلدة القديمة، رافضة الانخراط في أيّ نشاط تبشيريّ، ممّا منحها قبولاً واسعاً بين سكّان المدينة بمختلف توجّهاتهم. وبمرور السّنوات، وانضمام مهاجرين سويديّين في عام 1896 م / 1313 هـ، تطوّرت النّواة الصّغيرة إلى كيان اقتصاديّ وزراعيّ وخيريّ ضخم اتّخذ من {قصر الباشا} خارج الأسوار مقرّاً له.

تاريخ هذه الجماعة في الواقع تراث آل {ڤيستر} و {سپافورد} في مدينة القدس، ويخضع لتقييم متعدّد الأوجه، ويصدق الرّأي القائل بتبعيّة الحكم لموقع النّاظر وزاويته. إذ يرى المدافعون عن إرثهم أصحاباً وحلفاء للإنسانيّة، مستندين إلى سجلّ حافل بالأعمال الإغاثيّة إبّان الحرب العالميّة الأولى، وتأسيس مستشفى للأطفال، ورفض التّبشير الدّينيّ. كما أنقذت العائلة آلاف الأرواح من الجوع والمرض، وحفظت ذاكرة بلاد الشّام البصريّة في أرشيف فوتوگرافيّ ضخم، لتنسج علاقات وثيقة بالسّكّان العرب.
وفي الضّفّة المقابلة، يقرأ النّاقدون سلوك العائلة قراءة تشير إلى استغلال ناعم وتواطؤ مصلحيّ. إذ راكم آل ڤيستر نفوذهم باستثمار حاجة السّكّان وتراجع العائلات الفلسطينيّة، فاشتروا قصر الباشا إثر إفلاس عائلة {الحسينيّ}، وتاجروا بالآثار مصدّرين إيّاها إلى المتاحف الغربيّة. وبلغت الپراگماتيّة لديهم حدّ التّعاون الاستخباراتيّ مع الاحتلال البريطانيّ لضمان استمراريّة مشاريعهم، متّخذين من الحياد درعاً يحميهم من تبعات النّزاعات الكبرى الّتي سحقت أصحاب الأرض.
تجسّد سيرة آل {ڤيستر} و {سپافورد} والمستعمرة الأميركيّة مسار كيان تحوّل من طوباويّة دينيّة إلى مؤسّسة نفعيّة تتقن فنّ البقاء. كما وظّفت العائلة خدماتها الجليلة أداةً سياسيّة مكّنتها من النّجاة وسط تعاقب الإمبراطوريّات والحروب العاصفة. ويبقى إرثهم مزيجاً معقّداً يجمع بين يد تداوي الجراح، وعقل يستثمر في الأزمات، تاركاً التّاريخ مفتوحاً لمحاكمات لا تنتهي.
تستعرض هذه المقالة مسار المستعمرة عبر تحوّلات جيوسياسيّة كبرى عصفت بالشّرق الأوسط، بدءاً من نهايات العهد العثمانيّ، مروراً بالانتداب البريطانيّ وحرب 1948 م / 1367 هـ، وصولاً إلى تقسيم القدس، مبيّناً كيف وظّفت المستعمرة أرشيفها الفوتوگرافيّ الاستثنائيّ وخدماتها الطّبّيّة الإغاثيّة لضمان بقائها، لتستقرّ أخيراً بوصفها فندقاً عالميّاً أصبح واحة حياد نادرة وسط النّزاعات المستمرّة.

المقدّمة: الجذور والرّؤية الطّوباويّة
تعدّ {المستعمرة الأميركيّة في القدس} The American Colony in Jerusalem إحدى أبرز الظّواهر الاجتماعيّة، والدّينيّة، والفكريّة الّتي شهدتها منطقة الشّرق الأوسط في أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20 ميلاديّ (أواخر ستّينيّات القرن 13 الهجريّ وثلاثينيّات القرن 14 الهجريّ).
تأسّس هذا المجتمع الطّوباويّ المسيحيّ في عام 1881 م / 1298 هـ، على يد مجموعة صغيرة من المغتربين الأميركيّين القادمين من مدينة شيكاگو Chicago، بقيادة المحامي {هوراشيو گيتس سپافورد} Horatio Gates Spafford وزوجته ذات الأصول النّرويجيّة {آنا توبين لارسن سپافورد} Anna Tobine Larsen Spafford.

لم تكن المستعمرة إرساليّة دينيّة تقليديّة تهدف إلى الاستقطاب العقائديّ فحسب، بل تميّزت برفضها القاطع لمبدأ التّبشير الدّينيّ، وهو ما يفسّر القبول الواسع والتّرحيب الدّافئ الّذي حظيت به من قبل السّكّان المقدسيّين بمختلف طوائفهم، سواء كانوا مسلمين، أو مسيحيّين، أو يهوداً. إذ اعتمد المؤسّسون الأوائل نمط حياة «مشاعيّ» Communal، مستلهمين نموذج الكنيسة المسيحيّة الأولى، وتشاركوا الموارد الماليّة ضمن «محفظة مشتركة» Communal Purse، وتقاسموا المهامّ اليوميّة، بل وتبنّوا «العزوبيّة» Celibacy في مراحلهم التّأسيسيّة جزء من تكريس الذّات للخدمة الرّوحيّة.
نمط الحياة المشاعيّ Communal living أسلوب عيش جماعيّ يقوم على إلغاء الملكيّة الفرديّة للأموال والممتلكات لمصلحة المجموعة ككلّ. فيتقاسم الأفراد بموجبه الموارد الماليّة، والمسكن، والوجبات الغذائيّة، والمسؤوليّات اليوميّة، فتصبّ جميع المداخيل في صندوق أو محفظة مشتركة Communal Purse، ليعاد توزيعها وفق احتياجات الجميع بالتّساوي، مستنداً إلى نموذج الكنيسة المسيحيّة الأولى في التّعاضد والتّكافل، مع تقديم مصلحة الجماعة وبقائها على الرّغبات الشّخصيّة المستقلّة.
ونرى من التّحليل المعمّق لمسيرة هذا المجتمع تحوّلاً تدريجيّاً ومعقّداً؛ فمن جماعة «مسيانيّة» Millenarian صغيرة تنتظر العودة الثّانية للمسيح وتعيش في منزل مستأجر داخل أسوار البلدة القديمة، تطوّرت المستعمرة لتصبح مؤسّسة اقتصاديّة، وزراعيّة، وخيريّة ضخمة. كما تركت هذه الجماعة أرشيفاً فوتوگرافيّاً وتاريخيّاً لا يقدّر بثمن، يوثّق أدقّ تفاصيل الحياة في فلسطين والمنطقة المحيطة، قبل أن يتحوّل مقرّها الرئيس الباذخ خارج أسوار المدينة إلى إحدى أشهر وأعرق الفنادق الفاخرة في المنطقة.

والجماعة المسيانيّة Millenarian تيّار دينيّ يرتكز إيمانه على توقّع حدوث تحوّل جذريّ وشيك وخارق في التّاريخ الإنسانيّ يقوده المسيح المخلّص. وتعتقد هذه الجماعات بنزول المسيح في عودته الثّانية الثّابتة في نبوءات العهد الجديد، إيذاناً بانتهاء عصر الآلام وبدء حكم أرضيّ مقدّس يسوده العدل والسّلام لـ 1000 عام، وتُعرف هذه الرّؤية بالألفيّة Millennialism. ويتّسم أتباع هذه الحركات بالاستعداد الرّوحيّ المستمرّ لنهاية الزّمان، واختيار العيش في أماكن ذات رمزيّة نبويّة، مثل مدينة القدس، انتظارا لتحقّق هذه الوعود الخلاصيّة.
تتلاقى «الحركة المسيانيّة» Millenarianism مع «الفكر المهدويّ» في التّراث الإسلاميّ، إذ يشتركان في الإيمان بحتميّة التّدخّل الإلهيّ في آخر الزّمان لإنقاذ البشريّة من الظّلم والفساد. ويترقّب المسلمون ظهور {المهديّ}، شخصيّة مخلّصة من آل بيت النّبيّ من نسل ابنته فاطمة الزّهراء. يخرج في مرحلة تُملأ فيها الأرض جوراً، ليقود حركة تجديد دينيّ وعدالة اجتماعيّة شاملة. ويتزامن هذا الخروج مع نزول النّبيّ {عيسى المسيح}، ليقاتل «المسيح الدّجّال»، ويؤسّس حقبة من السّلام والرّخاء تتطابق جوهريّاً مع فكرة الألفيّة السّعيدة في الفكر المسيانيّ.
ويكمن اختلاف بين السّنّة والشّيعة في هويّة المهديّ وتوقيت ولادته. إ٫ يرى أهل السّنّة أنّه رجل من آل البيت سيولد في المستقبل، ويعيش حياة طبيعيّة، ويصلحه اللّه في ليلة ليقود المسلمين ويملأ الأرض عدلاً. في المقابل، تعتقد الشّيعة الاثنا عشريّة أنّه الإمام 12، {محمّد بن الحسن العسكريّ}، الّذي وُلد سنة 255 هـ / 869 م، وغاب غيبة كبرى، وسيعود للظّهور في آخر الزّمان في مثل ظهور المسيح.
تجلّى هذا الفكر في التّاريخ الإسلاميّ عبر حركات دينيّة متعدّدة، أبرزها {الثّورة المهدويّة} في السّودان أواخر القرن 19 الميلاديّ / 13 الهجريّ بقيادة {محمّد أحمد المهديّ}، الّذي قاد تمرّداً ضدّ الحكم، وادّعى أنّه المخلّص المنتظر. وتتشابه هذه الحركات مع المستعمرة الأميركيّة في انسلاخ أتباعها عن مجتمعاتهم التّقليديّة، وتجمّعهم في مناطق جغرافيّة محدّدة، واعتمادهم على نصوص دينيّة ونبوءات لتفسير الأحداث والكوارث المحيطة بهم بوصفها علامات لقرب النّهاية.

بوتقة المآسي من شيكاگو إلى الأراضي المقدّسة
حريق شيكاگو وفاجعة المحيط الأطلسيّ
لفهم الدّوافع النّفسيّة واللّاهوتيّة العميقة الّتي قادت عائلة {سپافورد} Spafford لترك حياة الرّفاهيّة في الولايات المتّحدة وتأسيس مجتمع طوباويّ في القدس، يجب تتبّع سلسلة الكوارث الشّخصيّة الّتي عصفت بهم. إ٫ كان {هوراشيو سپافورد} Horatio Spafford محامياً ناجحاً، وشيخاً متديّناً في الكنيسة المشيخيّة Presbyterian Church، يعيش حياة مستقرّة في منطقة {ليك ڤيو} Lake View في شيكاگو Chicago. وفي عام 1871 م / 1288 هـ، أتى حريق شيكاگو العظيم Great Chicago Fire على أجزاء واسعة من المدينة، ممّا أسفر عن خسائر ماليّة وعقاريّة فادحة لعائلة {سپافورد}، الّتي أمضت العامين التّاليين في جهود الإغاثة الطّاحنة لمساعدة المتضرّرين من الحريق.
بحثاً عن التّعافي الجسديّ والنّفسيّ من آثار الإرهاق، خطّطت العائلة لقضاء إجازة طويلة في أوروپا في أواخر عام 1873 م / 1290 هـ. وبسبب التزامات عمل عقاريّة طارئة، تخلّف {هوراشيو} في شيكاگو، وأبحرت آنا مع بناتها الأربع الصّغيرات {آني} Annie، و{ماگي} Maggie، و{بيسي} Bessie، و{تانيتا} Tanetta على متن السّفينة البخاريّة الفاخرة {ڤيل دو هاڤر} Ville du Havre. وفي 21 تشرين الثّاني نوڤمبر 1873 م / 1 شوّال 1290 هـ (أوّل أيّام عيد الفطر)، وفي منتصف المحيط الأطلسيّ، تعرّضت السّفينة لاصطدام كارثيّ بسفينة شراعيّة بريطانيّة مصنوعة من الحديد تُدعى {لوكهيرن} Lochearn، وغرقت في غضون 12 دقيقة فقط.
انتشلت فرق الإنقاذ {آنا سپافورد} وهي فاقدة للوعي متشبّثة بقطعة خشب طافية، وابتلع المحيط بناتها الأربع. وعند وصولها إلى اليابسة في {كارديف} Cardiff بـ{ويلز} Wales بعد 9 أيّام من المعاناة، أرسلت {آنا} برقيّة مقتضبة إلى زوجها تحمل كلمات محفورة في الذّاكرة التّاريخيّة للمستعمرة: «نجوت وحدي ماذا أفعل!» Saved alone. What shall I do. فانطلق {هوراشيو} فوراً للالتحاق بزوجته، وفي أثناء مرور سفينته فوق الموقع التّقريبيّ لغرق بناته، البالغ عمق المياه فيه 3 أميال، استلهم مشاعره ليكتب قصيدته الشّهيرة الّتي تحوّلت لاحقاً إلى ترنيمة كنسيّة عالميّة تنشد حتّى اليوم بعنوان «كلّ شيء بخير مع روحي» It Is Well with My Soul.

التّحوّل الرّوحيّ والتّوجّه نحو القدس
بعد عودتهما إلى شيكاگو، رزق الزّوجان بـ 3 أطفال آخرين: {هوراشيو الابن} Horatio Jr، و{بيرثا} Bertha، و{گريٓس} Grace. لكنّ دورة الفواجع لم تتوقّف، وتوفّى {هوراشيو الابن} بمرض الحمّى القرمزيّة عام 1880 م / 1297 هـ ولم يتجاوز 4 سنوات من عمره. وأدّت هذه الصّدمات المتتالية، مقرونة بنزعة دينيّة عميقة، إلى تعميق الفكر الخلاصيّ والمسيانيّ لدى {هوراشيو سپافورد}، فبات يبحث عن إجابات في النّبوءات القديمة.
تأثّر {هوراشيو} بشدّة بالتّيّارات الفكريّة الّتي ربطت بين النّبوءات التّوراتيّة والأحداث المعاصرة. ومن أبرز المؤثّرين فيه كان عالم الفلك الاسكتلنديّ {تشارلز پيازا سميث} Charles Piazza Smith، الّذي التقاه {هوراشيو} في لندن London عام 1870 م / 1287 هـ. وكان روّج {سميث} لفرضيّة غريبة تفيد بأنّ القياسات الهندسيّة لكلّ ممرّ وغرفة في الهرم الأكبر في الجيزة بمصر تحمل دلالات ونبوءات مرتبطة بالكتاب المقدّس. بدأ {هوراشيو}، بعقليّته القانونيّة الّتي تبحث عن الدّقّة، بمتابعة دوريّات متخصّصة مثل {راحتنا} Our Rest و{علامات الأوقات} Signs of the Times، وانغمس في دراسة العهد القديم، نسخة الملك جيمس.
أثمر هذا البحث عن رسم أعضاء من دائرته «خريطة نبويّة» تفصيليّة للقدس المستقبليّة، استناداً إلى نصوص من سفري {إرميا} الإصحاح 31: 38-40 و{زكريّا}، تحدّد جغرافيّة المدينة في العصر المسيانيّ المنتظر، وتشمل مواقع مثل {برج حننئيل}، و{باب الزّاوية}، و{تلّ جارب}. هذا الإيمان الرّاسخ بأنّ القدس مركز الأحداث الكونيّة القادمة، دفع مجموعة من 18 شخصاً، في صيف عام 1881 م / 1298 هـ، إلى اتّخاذ قرار الهجرة نحو الأراضي المقدّسة.

البدايات في البلدة القديمة وتكوين النّواة
تألّفت المجموعة التّأسيسيّة للمستعمرة من رجال ونساء وأطفال من روّاد الاجتماعات الدّينيّة في منزل عائلة {سپافورد} Spafford في شيكاگو. وبجانب الزّوجين {سپافورد} وابنتيهما {بيرثا} Bertha و{گريٓس} Grace، ضمّت المجموعة شخصيّات محوريّة مثل {ماري وايتينگ} Mary Whiting و{جون وايتينگ} John C. Whiting وابنتهما الصّغيرة {روث} Ruth، و{ويليام رودي} William Rudy الّذي تولّى إدارة الشّؤون الماليّة، والأرملة الثّريّة {أميليا إليزابيث گولد} Amelia Elizabeth Gould، و{روب لورانس} Rob Lawrence ابن شقيق {هوراشيو} Horatio، و{مارگريت لي} Margaret Lee المعروفة باسم {ماگي} Maggie شقيقة {هوراشيو}، بالإضافة إلى عائلة {پيٓج} Page المؤلّفة من {أوتيس} Otis و{ليزي} Lizzie وابنتهما {فلورا} Flora، والممرّضة {آنيّ أيكن} Annie Aiken.
استأجرت هذه المجموعة من المغتربين الأميركيّين منزلاً يقع على سور البلدة القديمة في الحيّ الإسلاميّ، بين {باب السّاهرة} و{باب العامود} (بوّابة دمشق ونابلس). جسّدت حياتهم في هذا المنزل ترجمة فعليّة لفهمهم للمسيحيّة المبكّرة؛ عاشوا وتعبّدوا بشكل تعاونيّ، متخلّين عن الملكيّة الفرديّة لمصلحة المصلحة الجماعيّة.
في سنواتهم الأولى، أظهر الزّوجان {سپافورد} انفتاحاً لافتاً تبيّن في تبنّي شابّ يهودي يُدعى {يعقوب إلياهو} Jacob Eliahu Spafford، وهو ابن لعائلة يهوديّة سفارديّة من تركيا تعرّفوا إليه عبر {جمعيّة يهود لندن} London Society for Promoting Christianity Amongst the Jews. وأصبح يعقوب، بفضل مهاراته اللّغويّة المتعدّدة، ركيزة أساسيّة في إدارة الشّؤون التّجاريّة للمستعمرة حتّى وفاته بعد عقود. وشهد العام الأوّل أيضاً ولادة {جون د. وايتينگ} John D. Whiting، ابن {ماري وجون وايتينگ}، الّذي كبر ليتزوّج من {گريٓس سپافورد} في عام 1909 م / 1327 هـ، ويصبح لاحقاً من أهمّ قادة الجيل الثّاني في المستعمرة.

الانخراط في المجتمع المحلّيّ والإغاثة المبكّرة
يدلّ تحليل السّلوك الاجتماعيّ للمستعمرة على تبنّي إستراتيجيّة الحياد الإيجابيّ. فنظراً لعدم وجود أجندة تبشيريّة أو رغبة في استقطاب الأتباع، استطاع أعضاء المستعمرة بناء علاقات وثيقة ومبنيّة على الاحترام المتبادل مع المسؤولين العثمانيّين، وشيوخ البدو، ورجال الأعمال، والقيادات الدّينيّة. وانكبّ الأعضاء على دراسة اللّغة العربيّة، وبدأوا بتقديم الدّعم للفقراء وزيارة المرضى، وأسّسوا مدرسة للأطفال وعملوا معلّمين في المدارس العربيّة واليهوديّة الفلسطينية.
من الأحداث التّاريخيّة الّتي تبيّن هذا التّوجّه، استقبالهم ودعمهم لمجموعة من اليهود اليمنيّين الفقراء الّذين وصلوا إلى القدس في أيّار مايو 1882 م / 1299 هـ. إذ ظنّ هؤلاء المهاجرون، الّذين عُرفوا باسم {الجاديت} لادّعائهم الانتساب إلى {سبط جاد} التّاريخيّ، أنّ الوقت حان للعودة إلى الأرض المقدّسة. فوفّرت لهم المستعمرة المأوى والطّعام حتّى استطاعوا الاستقرار. وتقديراً لهذا الدّعم، قدّم {الجاديت} مباركة رسميّة لعائلة {سپافورد}، وهي مباركة وُثّقت وحُفظت داخل الكتاب المقدّس الشّخصيّ لـ {هوراشيو سپافورد}، والمحفوظ اليوم في الأرشيف.

التّحدّيات القنصليّة والمواجهات الدّبلوماسيّة
لم تكن مسيرة المستعمرة خالية من الصّراعات المؤسّسيّة. إذ واجهت المجموعة عداءً صريحاً ومضايقات مستمرّة من قبل سلسلة من القناصل الأميركيّين في القدس، وعلى رأسهم {سيلاه ميريل} Selah Merrill و{إدوين والاس} Edwin Wallace. وكان هؤلاء القناصل ينظرون بعين الرّيبة إلى أسلوب الحياة المشاعيّ والعزوبيّة الطّوعيّة الّتي مارستها المستعمرة، وعدّوها ممارسات غير تقليديّة وخارجة عن المألوف البروتستانتيّ.
وصلت العداوة إلى تشويه القنصل {سيلاه ميريل} سمعة المستعمرة رسميّاً بأبشع الأوصاف، وعرقلة مصالحها الإداريّة والقانونيّة. فردّت المستعمرة بتقديم التماسات وشكاوى متكرّرة، توّجت في آذار مارس 1906 م / 1324 هـ بتقديم عريضة رسميّة إلى الرّئيس الأميركيّ {ثيودور روزڤلت} Theodore Roosevelt تطالب بالتّدخّل لوقف التّجاوزات الرّسميّة للقنصل {ميريل}.
جاء الانفراج الحقيقيّ وردّ الاعتبار الكلّيّ للمستعمرة إثر نشر الصّحفيّ {ألكسندر هيوم فورد} Alexander Hume Ford مقالاً استقصائيّاً مطوّلاً بعنوان {مستعمرتنا الأميركيّة في القدس} Our American Colony at Jerusalem في عدد كانون الأوّل ديسمبر 1906 م / 1324 هـ من مجلّة {أپلتون} Appleton’s Magazine. أشاد المقال بالأعمال الخيريّة والرّوح المسيحيّة للمستعمرة، وفضح في المقابل تصرّفات القناصل الأميركيّين، ممّا أدّى إلى تبرئة ساحة المستعمرة أمام الرّأي العامّ والإدارة الأميركيّة في واشنطن.

التّوسّع الدّيموگرافيّ والاقتصاديّ والتّدفّق السّويديّ
يُعدّ عام 1896 م / 1313 هـ نقطة تحوّل ديموگرافيّة واقتصاديّة جذريّة، أنقذت المستعمرة من مصير الزّوال الّذي واجهته مجتمعات طوباويّة مماثلة افتقرت إلى المهارات العمليّة. في عام 1888 م / 1305 هـ، توفّى المؤسّس {هوراشيو سپافورد} Horatio Spafford عن عمر يناهز 60 عاماً. إثر ذلك، وخلال زيارة أجرتها أرملته {آنا سپافورد} Anna Spafford إلى شيكاگو عام 1894 م / 1311 هـ، تواصلت مع {أولاف هنريك لارسون} Olaf Henrik Larsson، زعيم تجمّع كنسيّ إنجيليّ سويديّ.

تأثّر {لارسون} وأتباعه بشدّة بالرّسالة الخلاصيّة لـ{آنا} وبقصّة نجاتها المعجزة من الغرق. في ربيع وصيف عام 1896 م، تدفّق العشرات من المزارعين والحرفيّين السّويديّين القادمين من منطقة {ناس} Näs في مقاطعة {دالارنا} Dalarna بالسّويد، ومن التّجمّعات السّويديّة في شيكاگو، للانضمام إلى المستعمرة في القدس. وكان من بين القادمين مزارع بارز يُدعى {تيپرس لارس لارسون} Tipers Lars Larsson. فحوّل هذا التّدفّق المجتمع الصّغير إلى مستعمرة أميركيّة سويديّة مزدوجة التّوجّهات، ورفع عدد الأعضاء دراماتيكيّاً إلى أكثر من 130 فرداً.
تكمن الأهمّيّة السّوسيولوجيّة لهذا التّدفّق في التّكامل المهنيّ. إذ تألّفت النّخبة الأميركيّة المؤسّسة غالباً من محامين، ورجال أعمال، ومعلّمين، يفتقرون للخبرة الزّراعيّة والحرفيّة. في المقابل، جلب السّويديّون معهم أدوات زراعيّة متطوّرة، ومناويل نسيج يدويّة، وآلات حياكة، ومعدّات نجارة، ممّا أرسى قواعد اقتصاديّة صلبة للمستعمرة.
شملت أبرز الأنشطة والمساهمات بعد عام 1896 م قطاعات متعدّدة. ففي قطاع الزّراعة وتربية الماشية، أُسّست مزرعة حديثة لتربية الأبقار والخنازير لتلبية الاحتياجات الغذائيّة المتزايدة للمجتمع، وزُرعت حقول القمح. أمّا في قطاع الصّناعات الغذائيّة، أُنشئت ملحمة جزّارة، ومعمل حديث للألبان، ومخبز ينتج خبزاً على الطّراز الأوروپيّ لتوريده للمطاعم المحلّيّة في القدس.
وفيما يخصّ الحرف اليدويّة والصّناعيّة، أُسّست ورش للنّجارة لصناعة الأثاث والأطر الخشبيّة للصّور، وورش للحدادة والسّمكرة. وعملت النّساء السّويديّات في قطاع النّسيج والأشغال اليدويّة على غزل النّسيج، وصناعة الدّانتيل الذي أطلقن عليه {شغل الإبرة الفلسطينيّة} Palestine Point Lace. وتوسّع النّشاط ليشمل التّجارة الدّوليّة عبر جمع زهور الكتاب المقدّس، وتجفيفها، وبيعها للسّيّاح والحجّاج في بطاقات وألبومات مزخرفة.

قصر الباشا الانتقال وتأسيس البنية التّحتيّة التّجاريّة
مع تضخّم عدد السّكّان وتوسّع الأنشطة الحرفيّة والزّراعيّة، أصبحت المساحة المستأجرة في البلدة القديمة عاجزة تماماً عن استيعاب المستعمرة. فدفع هذا القيادة للبحث عن مقرّ جديد وواسع خارج أسوار القدس القديمة. وقع الاختيار على عقار ضخم يقع في {حيّ الشّيخ جرّاح} على طريق نابلس، وهو قصر بناه وتملّكه {رباح داود أمين أفندي الحسينيّ}، إحدى أعيان القدس.
من التّحليل المعماريّ للمبنى، الّذي بات يُعرف باسم {قصر الباشا} The Pasha’s Palace، نرى أنّه شُيّد في مرحلته الأولى بين عامي 1864 م / 1281 هـ و1876 م / 1293 هـ مسكن فخم يوضّح العمارة الإقليميّة التّقليديّة المعتمدة على الحجر الجيريّ المحلّيّ ذي التّقطيع الخشن، والمتميّز بالأقبية المتقاطعة. إذ عاش {رباح أفندي} في القصر حياة بطريركيّة محاطاً بزوجاته الأربع وخدمه وحاشيته. وبعد زواجه الرّابع بفترة وجيزة، توفّى {رباح أفندي}، وفقدت عائلته ثروتها، ممّا جعل المبنى عرضة للإيجار.
استأجرت المستعمرة القصر في البداية عام 1896 م، وبدأت بتعديله ليناسب الحياة المشاعيّة، ثمّ اشترته بالكامل في عام 1910 م / 1328 هـ. فنفّذت المستعمرة المرحلة الثّانية من البناء، وأضافت توسّعات معماريّة باستخدام حجر جيريّ رماديّ دقيق القطع، شملت طوابق علويّة وأروقة مقبّبة وساحات فناء مركزيّة. وتحوّل هذا المجمّع إلى مركز شامل يضمّ السّكن المشترك، وورش العمل، ونزلاً Hostel لاستقبال الزّوّار الأجانب والشّخصيّات البارزة، مثل البارون {أفلاطون ڤون أوستينوڤ} Baron Plato von Ustinov.
بالتّوازي مع هذا التّوسّع العقاريّ، أسّست المستعمرة كياناً تجاريّاً في البلدة القديمة بالقرب من {باب الخليل} تحت اسم {متجر المستعمرة الأميركيّة} The American Colony Store. وتعزّزت إدارة هذا المتجر بشكل احترافيّ بعد زواج {بيرثا سپافورد} Bertha Spafford من العضو السّويسريّ الألمانيّ {فريدريك ڤيستر} Frederick Vester في آذار مارس 1904 م / 1322 هـ، ودُمج المتجر مع أعمال عائلة {ڤيستر} ليُعرف عالميّاً باسم {فريدريك ڤيستر وشركاه} Fr. Vester & Co.
أصبح المتجر مقصداً عالميّاً لبيع التّحف، والحرف اليدويّة، والمنسوجات، والقطع الأثريّة. وتوسّعت أعماله لتشمل تزويد المتاحف العالميّة الكبرى بالآثار، كما يوثّق جرد رسميّ للقطع الأثريّة القديمة المشحونة إلى {الدّكتور گوردون} Dr. Gordon في {متحف جامعة پنسلڤانيا} University of Pennsylvania Museum في أيلول سپتمبر 1913 م / 1331 هـ.

قسم التّصوير الفوتوگرافيّ توثيق بصريّ لتاريخ الشّرق الأوسط
أرسى النّشاط الزّراعيّ والتّجاريّ البقاء المادّيّ للمستعمرة، وخلّد قسم التّصوير الفوتوگرافيّ التّابع للمستعمرة الأميركيّة American Colony Photo Department اسمها في سجلّات التّاريخ الأكاديميّ والتّوثيقيّ. إذ انطلق هذا القسم في عام 1898 م / 1315 هـ بدافع براگماتيّ، واشترت المجموعة كاميرا قديمة خصّيصاً لتوثيق الزّيارة التّاريخيّة للقيصر الألمانيّ {ڤيلهلم الثّاني} Kaiser Wilhelm II إلى مدينة القدس. وسرعان ما تطوّر هذا الجهد العفويّ ليصبح واحدة من أهمّ وأدقّ وكالات التّصوير في عموم الشّرق الأوسط.
عمل المصوّرون في المستعمرة انطلاقاً من إحساس عميق برسالتهم الرّوحيّة والتّاريخيّة. فلم ينحصر عملهم في جدران الاستديو، بل حملوا معدّاتهم الثّقيلة وجابوا مناطق واسعة شملت فلسطين، وسوريا، ولبنان، ومصر، والعراق، والأردن، وصولاً إلى دول شرق إفريقيا مثل السّودان، وكينيا، وتنزانيا، وأوغندا. وثّقوا المناظر الطّبيعيّة، والتّقاليد البدويّة، والأحداث السّياسيّة والعسكريّة، والمواقع الأثريّة مثل تنقيبات مدرسة البحوث الشّرقية الأميركيّة American School of Oriental Research في تلّ بيت مرسيم.

روّاد التّصوير وتطوّر التّقنيّات
تميّز قسم التّصوير بتعاقب أجيال من المصوّرين الموهوبين الّذين انتموا للمستعمرة، وكان لكلّ منهم بصمته الخاصّة. وبرز {إليجاه مايرز} (إلياهو) Elijah Meyers بصفته المؤسّس الفعليّ للقسم، وهو مهاجر من أصول هنديّة ويهوديّ متحوّل للمسيحيّة، امتلك خبرة سابقة في التّصوير الفوتوگرافيّ ونقلها للأعضاء الشّباب. وتسلّم {لويس لارسون} Lewis Larsson رئاسة القسم في عام 1904 م واستمرّ لـ 30 عاماً، وهو شابّ سويديّ موهوب وثّق أحداث الحرب العالميّة الأولى وسقوط الحكم العثمانيّ ببراعة استثنائيّة، وشغل منصب قنصل السّويد في فلسطين بين عامي 1920 م / 1338 هـ و1925 م / 1343 هـ.
وصل {ج. إريك ماتسون} G. Eric Matson طفلاً من السّويد عام 1896 م، وبدأ العمل في الغرفة المظلمة في سنّ المراهقة، وتميّز مع زوجته الأميركيّة {إديث يانتيس} Edith Yantiss بالابتكار التّقنيّ، مثل التّلوين الزّيتيّ اليدويّ للصّور، والتّصوير المجسّم 3D، والتّصوير بالأشعّة تحت الحمراء، والتّصوير الجوّيّ للشّرق الأوسط. وساهم {جون د. وايتينگ} John D. Whiting، بجانب عمله الدّبلوماسيّ نائباً للقنصل الأميركيّ، في التّصوير الطّبوگرافيّ والأثريّ، ونشر مقالات موثّقة بالصّور في مجلّة {ناشيونال جيوگرافيك} National Geographic. وإلى جانب هؤلاء، برز مصوّرون فلسطينيّون تتلمذوا في القسم مثل {حنّا صافية} Hanna Safieh و{جوزيف جريس} Joseph H. Giries.
أنتج القسم بطاقات بريديّة بتقنيّة الحفر الضّوئيّ، مستعينين أحياناً بأعمال مصوّرين آخرين مثل {س. نارينسكي} S. Narinsky. وفي ثلاثينيّات وأربعينيّات القرن العشرين ميلاديّة، ومع التّغيّرات الهيكليّة في المستعمرة ومغادرة {لويس لارسون}، تولّى {إريك ماتسون} إدارة القسم، ثمّ أسّس مؤسّسته المستقلّة {خدمة ماتسون للتّصوير} Matson Photo Service. وعلى إثر تصاعد العنف في القدس قبل حرب 1948 م / 1367 هـ، انتقل {إريك وإديث ماتسون} إلى جنوب كاليفورنيا في الولايات المتّحدة، حاملين معهم هذا الكنز البصريّ.
استمرّت العائلة في بيع الصّور حتّى تبرّعت، بين عامي 1966-1981 م / 1386-1401 هـ، بهذا الأرشيف الضّخم الّذي تجاوز 22000 صورة سلبيّة زجاجيّة وفيلميّة وموادّ شفّافة ملوّنة إلى {مكتبة الكونگرس} الأميركيّ Library of Congress. ويُعدّ هذا الأرشيف اليوم نافذة بصريّة استثنائيّة، ومصدراً لا غنى عنه للباحثين لدراسة الشّرق الأوسط في أواخر العهد العثمانيّ وفترة الانتداب البريطانيّ.

الأزمات الكبرى واختبار الحياد غزو الجراد والحرب العالميّة الأولى
طاعون الجراد 1915
خضعت قدرات المستعمرة التّنظيميّة والتّوثيقيّة لاختبار غير مسبوق في عام 1915 م / 1333 هـ، وقت تعرّض القدس وعموم الشّام لكارثة طبيعيّة مروّعة تجلّت في غزو أسراب ضخمة من الجراد الصّحراويّ. ووصف شهود العيان غير العرب الكارثة بأنّها توراتيّة. إذ كتب {جون وايتينگ} John Whiting في مقال شامل نُشر في مجلّة {ناشيونال جيوگرافيك} National Geographic في كانون الأوّل ديسمبر 1915 م، واصفاً كيف غطّت الحشرات السّماء وخطوط السّكك الحديديّة، وجرّدت الأشجار من أوراقها، واقتحمت خلايا النّحل. وذكر أنّ الجراد كان من الشّراهة بحيث يمكنه أن ينقضّ على طفل رضيع غير محروس ويلتهم عينيه في غضون دقائق معدودة.
في محاولة يائسة لاحتواء الكارثة، أصدر {جمال پاشا}، القائد العامّ للجيش الرّابع العثمانيّ والحاكم العسكريّ لسوريا والجزيرة العربيّة، أوامر صارمة لجميع السّكّان بجمع وإتلاف بيض الجراد بمعدّل 0.5 كيلوگرام لكلّ شخص يافع أو بالغ. وهي مهمّة شبه مستحيلة نظراً لصلابة التّربة الصّخريّة الّتي تدفن فيها إناث الجراد بيوضها.
ولإدراك {جمال پاشا} لأهمّيّة التّوثيق العلميّ والإعلاميّ، طلب شخصيّاً من قسم التّصوير في المستعمرة الأميركيّة توثيق هذه الكارثة ومراحل مكافحتها. فاستجاب المصوّرون بإنتاج {ألبوم الجراد} Locust Album الشّهير، الّذي ضمّ صوراً فوتوگرافيّة معالجة وملوّنة يدويّاً، أظهرت الأشجار قبل وبعد الغزو، وتفاصيل جهود صيد الحشرات باستخدام الفخاخ والأسيجة، وصوراً استديوهاتيّة لتطوّر حشرة الجراد في مراحلها المختلفة. وكان هذا الألبوم، الّذي أُرسل للخارج، أداة بالغة الأهمّيّة لنشر الوعي بحجم المأساة البيئيّة والمجاعة الوشيكة، وأسهم في استقطاب المساعدات الإغاثيّة الغربيّة.

الإغاثة والخدمات الطّبّيّة خلال الحرب العالميّة الأولى 1914-1918
وقت اندلاع الحرب العالميّة الأولى، أثبتت المستعمرة مرونة دبلوماسيّة وإنسانيّة استثنائيّة. فبفضل إتقان قادتها للّغة العربيّة، وامتلاكهم شبكة علاقات قويّة بالقيادة العثمانيّة، بما في ذلك العلاقة الشّخصيّة الودّيّة بـ {جمال پاشا}، حافظت المستعمرة على حيادها وكرّست جهودها للإغاثة. وحماهم هذا الموقف المعتدل من التّرحيل أو التّجنيد الإجباريّ الّذي طال العديد من رعايا الدّول الأجنبيّة المعارضة.
في نيسان أپريل 1917 م / 1335 هـ، ومع تزايد أعداد الضّحايا وتراجع القوّات العثمانيّة، تطوّعت المستعمرة لتحمّل مسؤوليّة طبّيّة هائلة، وأدارت 6 مستشفيات عسكريّة عثمانيّة مكتظّة بالجرحى والمصابين بالأمراض المعدية في القدس. كما نظّمت المستعمرة أيضاً مطابخ للحساء لإطعام آلاف الجياع من سكّان المدينة. وتكوّن هذا الحساء أساساً من العدس المجروش المخفّف بالماء، أو جريش القمح والبرغل، وأحياناً الشّعير، مضافاً إليه قليل من البصل أو بقايا الخضراوات الشّتويّة المتوفّرة في البساتين المحيطة. وندر استعمال اللّحوم أو الدّهون الحيوانيّة ندرة شديدة لانقطاع الإمدادات واستيلاء الجيوش على المؤن والمواشي، ممّا جعل الحساء أقرب إلى مرق مائيّ نباتيّ بسيط. كان الهدف الأساسيّ من هذه المطابخ الخيريّة سدّ الرّمق وإبقاء آلاف النّاس على قيد الحياة بأقلّ التّكاليف الممكنة، وليس تقديم وجبات متكاملة غذائيّاً.
ومع انهيار الحكم العثمانيّ ودخول القوّات البريطانيّة بقيادة الجنرال {إدموند ألنبي} Edmund Allenby إلى القدس في 11 كانون الأوّل ديسمبر 1917 م / 1336 هـ، سارعت المستعمرة لتقديم خدماتها الخيريّة للحكّام الجدد لضمان استمراريّة الإغاثة. وبفضل خبرة {جون وايتينگ} العميقة بالطّبوگرافيا والعادات الفلسطينيّة، ولشغله سابقاً منصب نائب القنصل الأميركيّ بين عامي 1908- 1917 م / 1326- 1335 هـ، عيّنه الحكم العسكريّ البريطانيّ نائباً لرئيس المخابرات في المدينة.
تحوّلت المستعمرة إلى قناة رئيسة لتدفّق أموال الإغاثة من منظّمات عالميّة مثل {صندوق إغاثة سوريا وفلسطين} Syria and Palestine Relief Fund. وتولّت المستعمرة إدارة ميتم كريستيان هيرالد Christian Herald Orphanage، الّذي وفّر الرّعاية والمأوى للأطفال الّذين يتّموا جرّاء الحرب، وهو جهد وُثّق بعناية في سجلّات وألبومات صور تاريخيّة.

النّضج المؤسّسيّ والتّوريث القياديّ
شهدت فترة الانتداب البريطانيّ تحوّلات هيكليّة في تركيبة المستعمرة وفلسفتها. ففي عام 1923 م / 1341 هـ، توفّت المؤسّسة القويّة {آنا سپافورد} Anna Spafford، ممّا وضع نهاية لحقبة القيادة الكاريزميّة الرّوحيّة. فتولّت ابنتها {بيرثا سپافورد ڤيستر} Bertha Spafford Vester مقاليد القيادة، وأدارت شؤون المجتمع الإداريّة والتّجاريّة بكفاءة عالية بالتّعاون مع شخصيّات مثل {جون وايتينگ} و{يعقوب سپافورد} Jacob Spafford.
في هذه المرحلة، تراجع الطّابع الطّوباويّ والعقائديّ الدّينيّ، وتخلّى الأعضاء عمليّاً عن العزوبيّة الإجباريّة، لتتحوّل المستعمرة تدريجيّاً إلى مؤسّسة شبه علمانيّة تركّز على الاحترافيّة في الأنشطة التّجاريّة متجر المستعمرة والفندق والخدمات الاجتماعيّة.

مستشفى ومركز سپافورد للأطفال
في عام 1925 م / 1343 هـ، وتخليداً لذكرى والدتها {آنا}، أسّست {بيرثا ڤيستر} {دار آنا سپافورد للأطفال الرضّع} Anna Spafford Baby Home في البلدة القديمة. وركّزت الدّار في سنواتها الأولى على توفير الرّعاية الصّحّيّة والمأوى للأيتام واللّقطاء. ومع توالي الأزمات وتزايد الاحتياجات الطّبّيّة للمجتمع المقدسيّ، خضع المبنى لتحديثات شاملة في عام 1952 م / 1371 هـ ليتحوّل إلى {مستشفى سپافورد للأطفال} Spafford Children’s Hospital، وأُضيفت إليه مرافق متقدّمة شملت غرف عمليّات جراحيّة، وعيادة خارجيّة، وقسماً للتّصوير بالأشعّة السّينيّة X-ray، ومركز تدريب الأمومة في عام 1953 م / 1372 هـ.
أسهمت نخبة من الأطبّاء الفلسطينيّين، مثل الدّكتور {حسن الدّجاني} والدّكتور {محمود الدّجاني}، ومن ثمّ الدّكتورة {جانتين الدّجاني}، في إدارة هذه المرافق الطّبّيّة سنوات طويلة. وبحلول عام 1970 م / 1390 هـ، ومع تزايد الحاجة للخدمات الوقائيّة، تحوّلت المؤسّسة إلى {مركز سپافورد للأطفال} Spafford Children’s Center. واستمرّ المركز، بإدارة أفراد من العائلة مثل {آنا گريٓس ليند} Anna Grace Lind، في تقديم الرّعاية الطّبّيّة الوقائيّة، والدّعم النّفسيّ والاجتماعيّ، والبرامج التّعليميّة للأطفال الفلسطينيّين وعائلاتهم في القدس، مقدّماً خدماته لأكثر من 30000 طفل وعائلة سنويّاً.

النّكبة، تقسيم القدس، وتغيّر الحدود
لم تكن المستعمرة محصّنة ضدّ التّداعيات الاقتصاديّة والسّياسيّة العالميّة. فخلال أزمة الكساد الكبير Great Depression في الثّلاثينيّات، عانت مشاريع المستعمرة ماليّاً، ممّا اضطرّهم في عام 1931 م / 1350 هـ لبيع فرع المتجر في نيويورك لصهر العائلة، {نيلز ليند} Nils Lind. وتراجعت النّشاطات الزّراعيّة تدريجيّاً بسبب التّطوّر العمرانيّ لمدينة القدس المحيطة بالعقار، وأُغلقت آخر مظاهر المزرعة المتمثّلة في حظيرة تربية الخنازير نهائيّاً في عام 1954 م / 1373 هـ.
ومع تصاعد العنف بين العرب المسلمين والمسيحيّين من جهة واليهود المستوطنين من جهة إبّان فترة الانتداب وصولاً إلى انفجار حرب 1948 م / 1367 هـ النّكبة، وجدت المستعمرة الأميركيّة نفسها حرفيّاً في قلب المعركة الجغرافيّة. التزمت المستعمرة بحيادها المطلق، رافضة الانحياز لأيّ طرف، حتّى عندما تعرّضت مبانيها في {قصر الباشا} لأضرار بالغة جرّاء القصف المباشر بقذائف الهاون.
خلال تلك المعارك الطّاحنة، حوّلت المستعمرة أجزاء من مبناها الرئيس إلى محطّة إخلاء طارئة تابعة للصّليب الأحمر الدّوليّ. وعملت ممرّضات المستعمرة، وعلى رأسهنّ {ماري فرانجي} Nurse Mary، زوجة بوّاب المستعمرة {حنّا فرانجي} Hanna Frangi، على مدار السّاعة لإنقاذ ورعاية الجرحى والمصابين الّذين سقطوا في محيطهم.
بعد توقيع اتّفاقيّة الهدنة عام 1949 م / 1368 هـ، استيقظت المستعمرة لتجد أنّ مدينة القدس قُسّمت بخطّ سياسيّ وعسكريّ يفصل بين الجانبين الأردنيّ والإسرائيليّ. وبذلك، وقعت مباني المستعمرة الأميركيّة في {منطقة الشّيخ جرّاح} في القدس الشّرقية على خطّ التّماسّ المباشر المحاذي للمنطقة الحرام No Man’s Land الّتي امتدّت باتّجاه حيّ {ميّا شعاريم}.
وُضعت القدس الشّرقية والضّفّة الغربيّة تحت الإدارة الأردنيّة، ممّا جعل المستعمرة تشهد تغيير السّيادة السّياسيّة للمرّة الثالثة في تاريخها من الحكم العثمانيّ، ثمّ الانتداب البريطانيّ، فالإدارة الأردنيّة، ولاحقاً الإسرائيليّة بعد حرب 1967 م / 1387 هـ، وكلّ ذلك وهم مقيمون على قطعة الأرض ذاتها.

محطّات جيوسياسيّة وتأثيرها المباشر على عمليّات المستعمرة
أثّرت عدّة محطّات جيوسياسيّة على عمليّات المستعمرة تأثيراً مباشراً في فترات زمنيّة مختلفة. ففي فترة الحكم العثمانيّ بين عامي 1914-1918 م / 1332-1336 هـ، أدارت المستعمرة 6 مستشفيات عسكريّة ووثّقت غزو الجراد. ومع دخول الجنرال {ألنبي} Allenby بين عامي 1917-1922 م / 1335-1340 هـ، تحوّلت المستعمرة لمركز استخباراتيّ وإغاثيّ، وأدارت {ميتم كريستيان هيرالد} Christian Herald.
وخلال ثورة فلسطين والاضطرابات بين عامي 1936-1946 م / 1354-1365 هـ، غادر بعض المصوّرين، مثل {إريك ماتسون} Eric Matson، إلى الولايات المتّحدة. وفي حرب 1948 م، أنشأت المستعمرة محطّة إخلاء للصّليب الأحمر وسط القصف. وعقب تقسيم القدس بين عامي 1949-1967 م / 1368-1387 هـ، وقعت المستعمرة جغرافيّاً على حافّة {المنطقة الحرام}. وأخيراً في نكسة حزيران عام 1967 م، تعرّض الفندق للقصف وتحوّل لمركز محايد للصّحفيّين.

فندق المستعمرة الأميركيّة واحة الحياد والإرث الأرشيفي
استقبلت المستعمرة الأميركيّة The American Colony ضيوفها أوّل مرّة عام 1902 م / 1320 هـ. إذ حدث ذلك حين بحث البارون {پلاتو ڤون أوستينوڤ} Baron Plato Von Ustinov عن مكان ملائم في مدينة القدس لإيواء زوّاره القادمين من أوروپا وأميركا. والبارون هو مالك فندق {دو پارك} Hotel Du Park في مدينة يافا، وجدّ {پيتر أوستينوڤ} Peter Ustinov.
لم تتوفّر آنذاك أماكن كثيرة تناسب السّيّاح الغربيّين، وكانت شهور الشّتاء الوقت الوحيد البارد بما يكفي للزّيارة. ولاستيعاب هؤلاء الضّيوف الوافدين من مدينة يافا خلال هذا الموسم، تشارك أعضاء المستعمرة غرفهم مؤقّتاً. وهكذا بدأت قصّة ضيافة السيّاح في المستعمرة الأميركيّة في القدس.
ومع تضاؤل عدد أفراد المجتمع الأصليّين بسبب التّقدّم في السّنّ، والوفيّات، مثل وفاة {فريدريك ڤيستر} Frederick Vester بأزمة قلبيّة عام 1942 م / 1361 هـ، و{جون د. وايتينگ} John D. Whiting عام 1951 م / 1370 هـ، وهجرة الأجيال الشّابّة، بدأت المستعمرة بتعديل نموذجها التّشغيليّ لضمان الاستمراريّة الاقتصاديّة. ففي أواخر خمسينيّات وأوائل ستّينيّات القرن 20، افتتحت إدارة المستعمرة أماكن الإقامة في {قصر الباشا} رسميّاً للجمهور تحت اسم {فندق المستعمرة الأميركيّة} American Colony Hotel.
في عام 1962 م / 1381 هـ، انتقل {هوراشيو ڤيستر} Horatio Vester، الابن المحامي لـ{بيرثا} Bertha و{فريدريك ڤيستر}، وزوجته البريطانيّة {ڤالنتين ڤيستر} Valentine Vester من إنگلترا إلى القدس لإدارة الفندق احترافيّاً. استمرّ {هوراشيو} في إدارته حتّى تقاعده عام 1980 م / 1400 هـ، وسلّمت العائلة إدارة العمليّات اليوميّة للفندق إلى {فنادق گاور} السّويسريّة Gauer، واحتفظ أحفاد المؤسّسين بملكيّة الفندق وعضويّة مجلس الإدارة. وواصلت {ڤالنتين ڤيستر} الإشراف الرّوحيّ والفعليّ على الفندق ممثّلة للعائلة، وعاشت فيه حتّى وفاتها عام 2008 م / 1429 هـ.
أدّى الفندق خلال نكسة حزيران 1967 م / 1387 هـ، والسّنوات والعقود التّالية، دوراً دبلوماسيّاً فريداً. إذ تحوّل إلى ملتقى محايد وآمن للصّحفيّين الأجانب والمراسلين الحربيّين، ومندوبي الصّليب الأحمر، والدّبلوماسيّين، وحتّى للسّياسيّين من أطراف النّزاع. ولا يزال الفندق حتّى اليوم نقطة جذب استثنائيّة، وواحة حياد نادرة في قلب مدينة القدس المضطربة، ويلتقي فيه الفلسطينيّون والإسرائيليّون والدّوليّون.










الإرث الأدبيّ والأرشيفيّ
لضمان حفظ سرديّة هذا المجتمع الفريد وحمايته من النّسيان، عمدت {بيرثا سپافورد ڤيستر} Bertha Spafford Vester، قبل وفاتها في عام 1968 م / 1388 هـ، إلى نشر النّسخة الأميركيّة من كتاب مذكّراتها الشّهير {قدسنا: عائلة أميركيّة في المدينة المقدّسة} 1881-1949 Our Jerusalem An American Family in the Holy City في عام 1950 م / 1369 هـ عن دار {دابلداي} Doubleday للنّشر، مع مقدّمة للكاتب {لويل توماس} Lowell Thomas. وأتاح هذا الكتاب سرداً عائليّاً دافئاً لتاريخ المستعمرة، ونقل تجاربهم للأجيال اللّاحقة.
يكمن الإرث الحقيقيّ والأكثر قيمة أكاديميّاً للمستعمرة في الأرشيف المادّيّ الاستثنائيّ الّذي خلّفته. إذ يحتفظ أرشيف {فندق المستعمرة الأميركيّة في القدس} اليوم بكمّ هائل من الوثائق واليوميّات والرّسائل والمصنوعات اليدويّة، ويشرف عليه مختصّون محلّيّون ودوليّون.
استقرّ الجزء الأعظم والمنهجيّ من تاريخ المستعمرة في عهدة مكتبة الكونگرس الأميركيّ في واشنطن. ويضمّ هذا الصّرح أرشيفاً مقسّماً إلى أجزاء تشمل {الملفّ الموضعيّ} Topical File، و{قدسنا} Our Jerusalem، و{يوميّات بيرثا سپافورد ڤيستر} Bertha Spafford Vester Diaries. وتحوي هذه الأجزاء يوميّات المؤسّسين، مثل يوميّات {هوراشيو سپافورد} Horatio Spafford المكتوبة بخطّ يده عام 1882 م / 1299 هـ، و{الخرائط النّبويّة}، ومسوّدات التّرانيم الأصليّة، وسجلّات المستشفيات ودور الأيتام، والمراسلات القنصليّة والدّبلوماسيّة، والبطاقات البريديّة.
يتوّج هذه المجموعات مجموعة صور {ج. إريك وإديث ماتسون} G. Eric and Edith Matson Photograph Collection، الّتي تبرّعت بها العائلة لمكتبة الكونگرس تباعاً، وتحوي أكثر من 22000 صورة سلبيّة توثّق كلّ شاردة وواردة في الشّرق الأوسط لعقود طويلة. ويتيح هذا الأرشيف المؤسّسيّ الضّخم للباحثين والمؤرّخين اليوم الوصول إلى تفاصيل نادرة وحيّة للمشهد الفكريّ والسّياسيّ والاقتصاديّ لبلاد الشّام في منعطف حرج ومضطرب من تاريخه الحديث.

استنتاجات تحليليّة
تبيّن مسيرة المستعمرة الأميركيّة في القدس عن رؤى تاريخيّة وسوسيولوجيّة عميقة تتجاوز سرد الوقائع.
المرونة التّكيّفيّة شرطاً للبقاء
انهارت معظم المجتمعات الطّوباويّة الدّينيّة النّاشئة في القرن 19 بسبب عزلتها وسذاجتها أو افتقارها للمقوّمات الاقتصاديّة. ونجت المستعمرة الأميركيّة بفضل قدرتها الاستثنائيّة على التّكيّف. إذ بدأت المستعمرة طائفة دينيّة مسيانيّة بحتة تبحث عن النّجاة الأخرويّة، وبانضمام الفلّاحين والحرفيّين السّويديّين في عام 1896 م / 1313 هـ، أدركت المستعمرة أهمّيّة الاكتفاء الذّاتيّ والاقتصاد العمليّ. فتحوّل اللّاهوت من انتظار سلبيّ لنهاية الأيّام إلى خلاص مجتمعيّ عمليّ يُترجم بتأسيس المدارس، والمستشفيات، والمخابز، والمتاجر التّجاريّة الدّوليّة.

الاحتكار المعرفيّ والتّوثيق أداة نفوذ جيوسياسيّة
لم يكن تأسيس قسم التّصوير في عام 1898 م / 1315 هـ نشاطاً ربحيّاً بحتاً، بل كان أداة إستراتيجيّة لترسيخ الوجود وحماية المجتمع. وبتلبية طلبات الإمبراطوريّة العثمانيّة العاجلة، مثل توثيق الجراد لـ{جمال پاشا} وإدارة المستشفيات العسكريّة، وتلبية احتياجات الإدارة البريطانيّة المتعاقبة وتعيين {وايتينگ} Whiting في المخابرات، خلقت المستعمرة لنفسها درعاً جيوسياسيّاً. ومنحهم هذا الاحتكار للتّوثيق واللّغة المحلّيّة حصانة من التّرحيل أو الاعتقال الّذي طال أقرانهم من الأجانب خلال الحروب، وجعلهم شركاء معلوماتيّين لا غنى عنهم لأيّ إدارة عسكريّة تحكم القدس.

الحياد الإيجابيّ إستراتيجيّة وسط صراع الهويّات
على عكس الإرساليّات الغربيّة التّقليديّة المصطدمة بالسّكّان المحلّيّين بمحاولات التّبشير المباشر واستقطاب الأتباع، تبنّت المستعمرة مبدأ خدمة الجميع عرباً مسلمين ومسيحيّين، ويهوداً، وأتراكاً، دون مساس بالمعتقدات المحلّيّة. ولم يوفّر هذا الحياد الإيجابيّ الفعّال لهم قبولاً اجتماعيّاً واسعاً في أيّامهم الأولى فحسب، بل استمرّ نواة فلسفيّة سمحت بتحوّل مبناهم في منتصف القرن 20 إلى فندق المستعمرة الأميركيّة. وأصبح هذا الفندق لعقود المنصّة الوحيدة تقريباً القادرة على جمع أطراف النّزاع الفلسطينيّ الإسرائيليّ والصّحفيّين الدّوليّين تحت سقف واحد في بيئة آمنة وذات موثوقيّة عالية.

في الختام
في تاريخ المستعمرة الأميركيّة The American Colony جوانب مضيئة نالت استحسان السّكّان الفلسطينيّين. مثلاً رفض المؤسّسين القاطع لمبدأ التّبشير الدّينيّ، ممّا أكسبهم قبولاً واسعاً بين المقدسيّين مسلمين ومسيحيّين ويهود. وانكباب الأعضاء على دراسة اللّغة العربيّة، وتقديم الدّعم للفقراء، وزيارة المرضى، وتأسيس مدرسة للأطفال، واشتغالهم معلّمين في المدارس الفلسطينيّة.
وتجلّت إسهاماتهم الإنسانيّة الكبرى إبّان الحرب العالميّة الأولى، حين أداروا 6 مستشفيات عسكريّة عثمانيّة مكتظّة بالجرحى، ونظّموا مطابخ لإطعام آلاف الجياع. ثمّ واصلت المستعمرة دورها الإغاثيّ بتأسيس {مستشفى سپافورد للأطفال} Spafford Children’s Hospital الّذي قدّم الرّعاية الطّبّيّة والدّعم النّفسيّ لأكثر من 30 ألف طفل وعائلة فلسطينيّة سنويّاً.
وخلال حرب 1948 م / 1367 هـ، حوّلوا مبناهم إلى محطّة إخلاء تابعة للصّليب الأحمر الدّوليّ لإنقاذ الجرحى. وأخيراً، وثّق قسم التّصوير الفوتوگرافيّ التّابع لهم تاريخ الشّرق الأوسط بصريّاً، تاركاً أرشيفاً يضمّ أكثر من 22000 صورة تحفظ ذاكرة المكان.
وفي المقابل، نرى ممارسات ومواقف يراها العرب مثالب أو تدخّلات غير محمودة. إذ انطلقت المستعمرة من رؤية مسيانيّة Millenarian تبحث عن الخلاص الأخرويّ في القدس، واستندت إلى خرائط نبويّة لتحديد مواقعها، وهو توجّه دينيّ غربيّ يبعث على الرّيبة.
كما استغلّت المستعمرة تراجع نفوذ بعض العائلات المحلّيّة، فاشترت {قصر الباشا} من عائلة {الحسينيّ} بعد فقدانها ثروتها لتتّخذه مقرّاً لها. واتَّجر في الآثار الفلسطينيّة والعربيّة، وزوّدوا المتاحف العالميّة الكبرى بها. وتعاونت قيادات المستعمرة مع سلطات الاحتلال المتعاقبة لضمان بقائها، وظهر ذلك حين عيّن الحكم العسكريّ البريطانيّ {جون وايتينگ} John Whiting نائباً لرئيس المخابرات في المدينة بفضل خبرته بالطّبوگرافيا والعادات الفلسطينيّة.
وأخيراً، غلّبت المستعمرة مصالحها التّجاريّة وبقاءها على الانحياز لقضايا السّكّان، متّخذة من الحياد الإيجابيّ غطاءً للعمل مع جميع السّلطات، وصولاً إلى تحويل إرثها إلى فندق المستعمرة الأميركيّة American Colony Hotel الّذي يجمع أطراف النّزاع كافّة.
كيف نحكم على تراث آل ڤيستر؟ أعداء أم أصحاب؟ تبقى الإجابة حكماً على مكان الناظر إلى المسألة.
المصادر
- About this Collection | American Colony in Jerusalem, 1870 to 2006, https://www.loc.gov/collections/american-colony-in-jerusalem/about-this-collection/
- https://en.wikipedia.org/wiki/American_Colony,_Jerusalem
- The American Colony in Jerusalem Overview – Library of Congress, https://www.loc.gov/exhibits/americancolony/amcolony-overview.html
- Jerusalem | American Colony in Jerusalem, 1870 to 2006, https://www.loc.gov/collections/american-colony-in-jerusalem/articles-and-essays/a-community-in-jerusalem/jerusalem/
- In the Holy Land – The American Colony in Jerusalem | Exhibitions, https://www.loc.gov/exhibits/americancolony/amcolony-holyland.html
- Christianity – The Library of Congress, https://www.loc.gov/aba/publications/FreeLCC/LCC_BR-BX2024TEXT.pdf
- The American Colony at Work – The American Colony in Jerusalem, https://www.loc.gov/exhibits/americancolony/amcolony-atwork.html
- The American Colony in Jerusalem Continuing Relief Work, https://www.loc.gov/exhibits/americancolony/amcolony-relief.html
- American Colony Hotel – Wikipedia, https://en.wikipedia.org/wiki/American_Colony_Hotel
- The American Colony: A Christian Utopian Society in Jerusalem in, https://brewminate.com/the-american-colony-a-christian-utopian-society-in-jerusalem-in-1881/
- The AmericAn colony, https://document-tc.galaxy.tf/wdpdf-aeefm3xz4yaek50cjmd5ypdmk/history_cms-document.pdf
- Preserving the Past with an Eye to the Future – This Week in Palestine, https://thisweekinpalestine.com/wp-content/uploads/2022/06/006.pdf
- Family Tragedy – The American Colony in Jerusalem | Exhibitions, https://www.loc.gov/exhibits/americancolony/amcolony-family.html
- American Colony in Jerusalem Collection: Part I – Library of Congress, https://www.loc.gov/item/mamcol.030/
- The Bertha Vester Diaries | Articles and Essays | American Colony in, https://www.loc.gov/collections/american-colony-in-jerusalem/articles-and-essays/the-bertha-vester-diaries/
- The American Colony in Jerusalem Exhibition Items, https://www.loc.gov/exhibits/americancolony/amcolony-checklist.html
- The Swedes | American Colony in Jerusalem, 1870 to 2006, https://www.loc.gov/collections/american-colony-in-jerusalem/articles-and-essays/a-community-in-jerusalem/the-swedes/
- Matson (G. Eric and Edith) Photograph Collection, https://www.loc.gov/pictures/collection/matpc/colony.html
- The Unusual Origins of an Iconic East Jerusalem Hotel, https://www.jerusalemstory.com/en/blog/unusual-origins-iconic-east-jerusalem-hotel
- Home in Jerusalem: the American Colony and Palestinian suburban, https://sites.duke.edu/annabelwharton/files/2015/08/WhartonHomeJerusalemFinalPdf.pdf
- Matson photograph collection – Library of Congress, https://www.loc.gov/pictures/item/2005676184/
- Excavations. Tell Beit Mirsim, (Kirjath Sepher). Excavators, https://www.loc.gov/pictures/item/2019706460/
- The Locust Plague – The American Colony in Jerusalem | Exhibitions, https://www.loc.gov/exhibits/americancolony/amcolony-locust.html
- Visual materials from the papers of John D. Whiting, https://www.loc.gov/pictures/item/2008676355/
- 1930 to 1980 | American Colony in Jerusalem, 1870 to 2006, https://www.loc.gov/collections/american-colony-in-jerusalem/articles-and-essays/american-colony-in-jerusalem-timeline-1828-1980/1930-to-1980/
- The Matson Photo Service – Wikipedia, https://en.wikipedia.org/wiki/The_Matson_Photo_Service
- Matson (G. Eric and Edith) Photograph Collection, https://www.loc.gov/pictures/collection/matpc/background.html
- The Locust Plague of 1915 Photograph Album | Articles and Essays, https://www.loc.gov/collections/american-colony-in-jerusalem/articles-and-essays/the-locust-plague-of-1915-photograph-album/
- The American Colony in Jerusalem World War I – Library of Congress, https://www.loc.gov/exhibits/americancolony/amcolony-ww1.html
- The American Colony in Jerusalem Wartime Aid, https://www.loc.gov/exhibits/americancolony/amcolony-aid.html
- From commune to oasis: Postcards from the American Colony, https://www.timesofisrael.com/postcards-from-the-american-colony/
- Portraits of the Vester and Whiting families and other members of the, https://www.loc.gov/pictures/item/2007675260/
- Conquest Through Immigration, https://archive.org/download/ConquestThroughImmigration/Conquest_Through_Immigration_-_George_W._Robnett.pdf
- Preserving the Past with an Eye to the Future – This Week in Palestine, https://thisweekinpalestine.com/preserving-the-past-with-an-eye-to-the-future/
- Jerusalem’s religious pilgrims who built a photographic empire, https://www.middleeasteye.net/features/jerusalems-religious-pilgrims-who-built-photographic-empire





اترك رد