تأمّلات شخصيّة تناقش أثر التّغيّر المناخيّ على زراعة القهوة، انطلاقاً من حصاد بنّ أرابيكا في صقلّيّة الإيطاليّة، وصولاً إلى الآمال المعلّقة على السّاحل السّوريّ، والمخاوف المحيطة بمستقبل مزارع اليمن.
أحبّ القهوة حبّاً عميقاً لا يوصف. وبرغم نشأتي في مدينة دمشق، تميل ذائقتي المقهواة إلى الأسلوب الحلبيّ العريق. إذ إنّ القهوة الحلبيّة الّتي نسيها أهلها اليوم أميَل إلى مزاجي المسائيّ من مزاج القهوة الشّاميّة الصّباحيّ. هذه القهوة الحلبيّة الشّهباء الشّقراء تأتي بغير هيل ولا إضافات، خالية من كلّ شيء سوى طعم مزّ بحموضة تفتقر إلى المرارة، ممزوجة بالعسل. ومزازتها في ذوق أهل الطّرب تطلب تحلية خفيفة، باستثناء من ألف نكهة النّبيذ المزّ ضعيف التّحلية.
تنجذب ميولي كذلك إلى الطّعم المرّ الواضح. ولأنّ وقت قهوتي يحلّ ليلاً، في وقت أنفر فيه من طعم السّكّر، ألجأ في مساءاتي إلى قهوة البنّ العربيّة الأصيلة. أبحث دائماً عن نكهة حبّات الموكا ذات النّواة الواحدة، الّتي تمنحني، متى عاملتها بحبّ وعناية واهتمام، فنجاناً بلون عيون حبيبتي البنّيّة، يحمل في طيّاته طعم شوكولا نبيلة، يبدأ بمرارة راقية وأنيقة، ثمّ يطبع حلاوة رقيقة على لساني قبل الختام والمغادرة إلى قلبي.
تفرض آداب القهوة العربيّة الرّقيقة معاملتها كما العربيّات برقّة تليق بهنّ، بهدوء تامّ بعيداً عن ضغط الحرارة العالية، مع طول بال تستحقّ نتيجته الصّبر الطّويل. لتخرج ما في جوفها بفورة هادئة متأنّية، تملأ فنجاني بنكهات الصّفاء وكلّ ما يُرضي الذّائقة. هذه النّكهة الأصيلة لا تأتينا في الأصل إلّا من أراضي اليمن.

مفاجأة صقلّيّة مدهشة
تتأجّج هذه العاطفة اليوم وتتداخل الأفكار مع توارد أخبار زراعيّة استثنائيّة من جزيرة صقلّيّة الإيطاليّة أوائل شهر تشرين الأوّل أكتوبر 2026 / ربيع الآخر 1448. أثمرت مزرعة تقع في ضواحي مدينة پاليرمو أوّل محصول من حبوب قهوة أرابيكا تُزرع وتُحصد بالكامل داخل الأراضي الإيطاليّة. وتحقّق هذا الإنجاز المدهش في أراضي عائلة موريتّينو نتيجة للاحتباس الحراريّ الّذي نقل درجات الحرارة الاستوائيّة إلى مناطق جنوب إيطاليا.
أثمرت المزرعة الصّقلّيّة الواقعة في منطقة سان لورينزو آي كولّي، الّتي ترتفع مئات الأمتار القليلة عن مستوى سطح البحر، حوالي 100 كغ من ثمار البنّ المعروفة بالكرز. وأنتجت هذه الثّمار بعد معالجتها ما يزيد قليلاً عن 15 كغ من حبوب البنّ المحمّصة. وكانت شاركت جامعة پاليرمو وحديقتها النّباتيّة في هذا المشروع لدراسة تكيّف المحاصيل الاستوائيّة مع مناخ البحر المتوسّط الجديد.
يبتعد هذا النّجاح حاليّاً عن الإنتاج التّجاريّ الواسع من ناحية الحجم، لكنّه يخبّئ قيمة علميّة ورمزيّة هائلة. إذ طوّرت القهوة المنتجة في پاليرمو نكهات عطريّة مميّزة تذكّر بطعم الزّبيب، لتختلف بذلك عن الحبوب المزروعة في المناطق التّقليديّة.

الشّغف المتوسّطيّ والنّكهات المفضّلة
يبعث هذا النّبأ فرحاً كبيراً في النّفس، فالشّعب الإيطاليّ يحمل غراماً فريداً للقهوة يفوق أيّ شعب أوروپيّ آخر، وهو عشق نشاركه إيّاهم نحن العرب بكلّ تفاصيله. إذ تشير الإحصاءات إلى شرب 3 من كلّ 4 إيطاليّين للقهوة بانتظام، ويرى نصفهم هذا المشروب رمزاً لأسلوب الحياة في البلاد. كما يشرب 83 بالمئة من محبّي الإسپريسو قهوتهم كلّ يوم، في المنزل والمقاهي، باستعمال وعاء الموكا أو آلات الكبسولات الحديثة. ويتجاوز شرب القهوة هناك العادة اليوميّة ليغدو أسلوب حياة، فالنّسبة العظمى من الإيطاليّين تهتمّ بجودة حبوب البنّ العربية (أرابيكا)، وتهتمّ بنكهتها العطريّة، وترغب بمعرفة مصدرها ومسارها من المزرعة إلى الفنجان.
سكنت فترة مع صديقة إيطاليّة من روما، ولطالما لفتتني بتقييمها للنّاس بناءً على علاقتهم بالقهوة. ففي إحدى المرّات أعجبها شابّ برلينيّ، وبدأت بينهما مواعدة، لتنقطع فجأةً في يوم الموعد الثّاني، وتعود مسرعةً إلى البيت. كانت أليسّاندرا شديدة الغضب في ذلك اليوم، وهي تشكو لي «كيف يكره هذا الأحمق القهوة! أيّ الرّجال يكون إذا كان لا يقدّر فنجان القهوة!». هذا الاهتمام البالغ بالتّفاصيل يذكّرني باهتمامنا في الشّام بنوعيّة البنّ، ودرجة تحميصه، وطريقة غليه، سواء في الرّكوة النّحاسيّة أو وعاء الموكا الإيطاليّ الّذي صار جزءاً من مطابخنا. وكيف نقيّم الناس حسب علاقتهم بالقهوة.
بناءً على هذا الشّغف الكبير، تتصدّر إيطاليا دول الاتّحاد الأوروپيّ في إنتاج القهوة المحمّصة بكمّيّة تجاوزت 400 طنّ في عام 2025. وتعتمد صناعة القهوة الوطنيّة الإيطاليّة على استيراد البنّ الأخضر غير المحمّص، وتضمّ حوالي 1000 محمصة تدرّ مبيعات سنويّة تقارب 5.9 مليار يورو. لذا فرؤية إيطاليا قادرة على إنتاج قهوتها من ترابها يبعث بهجة حقيقيّةً في النّفس، لإدراك أثر هذا النجاح على نفوس الإيطاليّين.
في رحلة بحثي الدّائمة عن القهوة الّتي ترضي هذا الشّغف، تبقى أقرب الاختيارات إلى قلبي هي القهوة البركانيّة من كوستا ريكا پيبرّي، وهي حبوب بنّ تُحصد في ارتفاعات عالية من التّربة البركانيّة، ما يمنحها نكهة فريدة مشرقة وحلوة. ثمّ بعدها قهوة «الأردن كولومبيا» من محامص ستمپتاون كوفي وهي قهوة فريدة تفاجئ الشّارب في مراحل رشفتها بنكهات التّفّاح الأحمر، والسّكّر البنّيّ، والعنب. ثمّ بعدها قهوة «الثّلاث الأفارقة» من بلو بوتل كوفي وهي خلطة من حبوب البنّ العربيّة عالية الجودة من 3 دول إفريقيّة، تعطي كوب قهوة حلو بغير سكّر، مشرق وغنيّ. ثمّ بعدها قهوة خلطة كورسيكا من لا كولومب وهي قهوة داكنة مع لمسة من الكراميل، والشّوكولا الدّاكنة، والكرز الأحمر.

أمل واعد يزهر في سواحل سوريا
غيّر الاحتباس الحراريّ خريطة الزّراعة العالميّة بشكل جذريّ. إذ ساعد ارتفاع الحرارة مناطق في جنوب إنگلترا على إنتاج نبيذ فوّار، دافعاً مناطق النّموّ التّقليديّة نحو الشّمال. وانتقال زراعة القهوة من المناطق الاستوائيّة إلى حوض البحر المتوسّط قفزة زراعيّة كبرى تفوق ذلك التّغيّر.
يغمر النّفس شعور دافئ بالبهجة والأمل عند التّفكير في إمكانيّة نقل هذه التّجربة النّاجحة إلى السّاحل السّوريّ. إذ تتشابه الظّروف المناخيّة في حوض البحر الأبيض المتوسّط إلى حدّ بعيد، ونجاح زراعة البنّ في صقلّيّة يفتح باباً واسعاً لرؤية شجيرات القهوة تنمو وتثمر في سوريا قريباً. وتشهد الأراضي السّاحليّة السّوريّة في السّنوات القليلة الماضية نجاحاً ملحوظاً في زراعة محاصيل استوائيّة لم تكن مألوفة سابقاً، مثل المانگو والأڤوگادو، ممّا يجعل فكرة زراعة البنّ واقعيّةً وممكنة التّطبيق.
تخيُّل مشهد جبال السّاحل ومدرّجاته الخضراء وهي تزدان بشجيرات البنّ يبعث سروراً استثنائيّاً، ويمنح وعوداً بمستقبل يحمل تنوّعاً اقتصاديّاً وزراعيّاً جديداً يخفّف من وطأة الصّعوبات الاقتصاديّة الّتي يعيشها المزارعون هناك. لا سيّما وأنّ السّوريّين مستهلك شره للقهوة، ومحبّ لقهوة بنّ الأرابيكا أكثر من غيره.

مخاوف وهواجس صوب بنّ اليمن
يصاحب هذا الفرح قلق عميق ينتابني عند التّفكير في التّبعات الاقتصاديّة والتّاريخيّة لهذا التّحوّل، خصوصاً على مستقبل بنّ اليمن المشهور بجودته العالية وتاريخه الطّويل.
ارتبط اسم اليمن بالقهوة قروناً طويلة، وصارت موانئها نقطة انطلاق لهذا المشروب السّاحر نحو كافّة أرجاء العالم. وتعتمد زراعة كرز القهوة تقليديّاً على المناطق الاستوائيّة والاستوائيّة المحاذية لخطّ الاستواء، الّتي تتمتّع بارتفاع درجات الحرارة والرّطوبة وهطول الأمطار المستمرّ. وتتركّز الدّول الرّئيسيّة المنتجة والمصدّرة للبنّ في أمريكا اللّاتينيّة وإفريقيا وآسيا.
تتصدّر البرازيل وكولومبيا وپيرو وكوستاريكا الإنتاج في أمريكا اللّاتينيّة، وتظهر إثيوپيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا في إفريقيا، وڤيتنام وإندونيسيا في آسيا. وتُزرع قهوة أرابيكا، الّتي تعطي جودة أعلى، في مناطق أكثر ارتفاعاً مقارنة بقهوة روبوستا.
إذا نجحت دول المتوسّط في تحقيق إنتاج تجاريّ ضخم، فما هو مصير المزارعين في اليمن وباقي الدّول التّقليديّة المنتجة؟ تبدّل خريطة الإنتاج ينذر بتغيّرات جذريّة في سوق القهوة العالميّ، ويهدّد مصادر رزق مجتمعات زراعيّة كاملة تعتمد حصراً على هذا المحصول.

تحدّيات بيئيّة ومائيّة متوسّطيّة
يجب تقييم أيّ آفاق تجاريّة لزراعة القهوة خارج مناطقها التّقليديّة بناءً على مدى استدامتها البيئيّة. إذ تتطلّب معالجة حبوب البنّ بعد الحصاد استهلاك كمّيّات كبيرة من المياه، تتراوح بين 50 و 200 لتر لكلّ 1 كغ من البنّ الأخضر. وينتج عن هذه المعالجة مياه صرف يمكن أن تؤذي النّظم البيئيّة المحلّيّة إذا لم تُعالج بطريقة صحيحة.
غياب الأمطار الاستوائيّة الغزيرة الّتي تعتمد عليها مزارع البنّ التّقليديّة يضع المزارعين في إيطاليا، ومستقبلاً في السّاحل السّوريّ وبلدان المغرب العربي، أمام مواجهة مباشرة مع خطر الجفاف الموسميّ المتزايد. وتظهر هنا أهمّيّة دمج التّحدّي الزّراعيّ بتحدٍّ تكنولوجيّ، والبحث عن حلول ذكيّة لتقليل استهلاك المياه اللّازمة لنموّ المحصول ومعالجته.

الرّشفة الأخيرة
يظلّ لي الأمل بأنّ ارتفاعات البراكين في كوستاريكا، وحقول القهوة في كولومبيا، والأفارقة الثّلاثة، وكورسيكا، ستعود إلى أمازون أوروپا لتفوح منها رائحة القهوة الّتي أتنفّسها في مساءاتي الهادئة. مع أملي بشراء قهوة إيطاليّة حُصدت في أرض إيطاليّة، ولربّما قريباً أرض سوريّة ولبنانيّة. وحتّى ذلك الحين، سأحتفظ بذكرى النّكهات والأوقات الجميلة الّتي قضيتها مع كلّ كوب قهوة على حدة.
ليست القهوة مشروباً عاديّاً، بل هي رفيقة الحياة، الصّديقة الّتي تواسينا في لحظات الوحدة، الشّريكة الّتي تشاركنا أفراحنا وأحزاننا. هي إحدى الشّعائر الّتي تؤلّف جزءاً من حياتنا اليوميّة، وجزء من هويّتنا وتاريخنا. ومع كلّ غروب شمس، أتمنّى أن يعود الغد بنكهات القهوة الجديدة الّتي يمكنني اكتشافها والتّمتّع بها. وحتّى ذلك الحين، سأواصل البحث والتّجربة، لأنّ القهوة، مثل الحياة، رحلة لا نهائيّة من الاكتشاف والمتعة.
سواء كنتم تفضّلون قهوتكم سوداء قويّة، أو معلّلة بالحليب، أو محلّاة بالعسل والسّكّر، أو حتّى بدونه، أتمنّى لكم كلّ السّعادة والمتعة مع كلّ رشفة. وتذكّروا دائماً أنّ هناك عالماً كاملاً من النّكهات والرّوائح تنتظر اكتشافكم في كلّ مرّة تشربون فيها القهوة.
القهوة والاستمتاع بالحياة، كليهما، هبة جميلة من الطّبيعة لنا جميعاً.
المصادر
- الأخبار العامّة المتداولة: استعنت بالمعلومات المعروفة عالميّاً حول تجربة عائلة موريتّينو الزّراعيّة في مدينة پاليرمو الإيطاليّة، وذلك لصياغة النّبذة الإخباريّة.
- تقرير يورونيوز – Palermo, first coffee grown and harvested in Italy: warmer climate is changing farming





اترك تعليقاً