الاتجاه النظري الفلسفي للدراسات الإعلامية
استخدم اصطلاح “أبحاث الاتصال الجماهيري” في مطلع ثلاثينات القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية. ولكننا لا نستطيع اعتبار هذا التاريخ بداية حقيقية للأبحاث العلمية في مجال علوم الإعلام والاتصال الجماهيري. لأن الاهتمام بفهم وتفسير عملية الاتصال الجماهيري بدأ قبل ذلك بكثير فأرسطو، (284-322 ق.م) مثلاً عرَّف في كتابه “فن البلاغة”، دراسة البلاغة (أي الاتصال بمفهوم اليوم) بأنه: ” البحث عن جميع وسائل الإقناع المتوافرة”، وحدد عملية الاتصال الجماهيري بالمواقف التالية: 1- متحدث، 2- حديث، 3- مستمع.
في الوقت الذي كان الاتصال الجماهيري فيه يعتمد على فن الخطابة لتحقيق أغراض الاتصال السياسي في المدينة الإغريقية الصغيرة. ولم تخرج النماذج الاتصالية فيما بعد عن الإطار العام الذي وضعه وسار عليه أرسطو.
حتى جاء ابن خلدون، الذي عرف “الموقف الاتصالي” في مقدمته على الشكل التالي: الراوي – المرسل – الذي لا يعرف القصد مما عاين أو سمع، فينقل الخبر كما يظن ويخمن ليقع في الكذب في كثير من الأحيان، والرسالة التي من الضروري مناقشتها في ذاتها للوقوف على مدى اتفاقها مع طبيعة الأمور، ومع الظروف والملابسات التي يحكيها الراوي – المرسل – ومناقشة مادة تلك الرواية – الرسالة، وقد أوجب ابن خلدون على المستقبل أن يتأكد من أمانة الراوي – المرسل، وصدقه وسلامة ذهنه، وطهارة عقيدته، ومتانة خلقه، وقيمته الشخصية.
أما بدايات الاهتمام بالأبحاث الإعلامية والاتصالية العلمية الحديثة فتعود لأوائل القرن العشرين، التي بدأت كما سبق وأشرنا بالدراسات التاريخية والفلسفية والقانونية والأدبية. ورافق ذلك ظهور أولى الكتب عن الرأي العام، وكان أهمها كتاب جابريل تارد، “الرأي العام” الذي ظهر في عام 1910، وكتاب جراهام ولاس، “الطبيعة البشرية في مجال السياسة” الذي ظهر في عام 1909، ومن الكتب الهامة التي تناولت دور الجماعات المنظمة في عملية اتخاذ القرار كتاب بنتلي، “عملية الحكم” الذي صدر في عام 1908، وتناول موضوع ما عرف فيما بعد بجماعات الضغط الاجتماعي وعلاقتها بالرأي العام وبالسياسة.
وشكلت الحرب العالمية الأولى نقطة البداية التي سمحت للدول الكبرى وخاصة بريطانيا باستخدام الإعلام والاتصال الجماهيري كسلاح للتأثير على العقول عن طريق الدعاية المنظمة من خلال الإعلام الموجه، وازداد الاهتمام بعد ذلك تباعاً بدراسة الإعلام والاتصال الجماهيري بشكل لم يسبق له نظير. ولفتت الحرب أنظار الباحثين إلى أبعاد جديدة للعمل الدعائي، وازداد الاهتمام بوسائل الاتصال الجماهيري وأساليب التأثير على الرأي العام واعتبرت الفترة الممتدة من عام 1920 وحتى عام 1930 نقطة التحول الهامة على طريق الدراسات العلمية الإعلامية والاتصالية، وبداية حقيقية لتطبيق مناهج البحوث التجريبية الحديثة في مجال دراسة الإعلام والاتصال الجماهيري ووسائله وأساليبه وتقنياته.
وكانت بعد الحرب العالمية الأولى قد صدرت عدة مؤلفات لباحثين أمثال: جورج كريل، وهارولد لازويلد، وج. برنشتورف، وجورج ديمرشيل، وهانز ثيم، وشونمان، وكميل ستيوارت، وادغار شترن، وولتر ليبمان. وفرضت الحاجة ضرورة استخدام طرق جديدة في البحث العلمي لمعرفة أفضل طرق جذب المعلنين، ولكن الدفعة القوية للبحث العلمي في مجال وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري بدأت مع اهتمام الحكومات بالدعاية خلال الحرب ودراسة الروح المعنوية للقوات المسلحة والمدنيين في آن معاً، وسيكولوجية القيادة ومشاكلها، والعلاقة بين الضباط والجنود وما رافقها من حاجة للأبحاث التجريبية. وكان هذا الاهتمام بمثابة الحافز الذي دفع الباحثين والخبراء والعلماء إلى تطوير بحوثهم العلمية لتشمل مجالات السياسة وعلم النفس، وقياس تأثير الرسائل الإعلامية، فظهرت أسماء جديدة من الباحثين العلميين كان لهم أبلغ الأثر في تطوير البحوث العلمية في مجال الإعلام والاتصال الجماهيري واستخدام أساليب حديثة في البحث أمثال: جون لونج، وبارنيز، وريس، وأبراهام ليسكي، وايفي لي، ورالف كيس، وغيرهم.
وشهدت عشرينات القرن العشرين بدايات تطبيق أساليب حديثة في البحث الميداني لدراسة سلوك المستهلكين، واهتمامات قراء الصحف والمجلات ومستمعي الراديو ورواد صالات السينما والرأي العام. وبدأت مجلة Literary Digest باستطلاعات للرأي العام في تلك الفترة بطريقة غير رسمية لمعرفة المرشح الذي سيصوت لصالحه الجمهور، وهو ما عرف آنذاك باسم Straw Votes. وشهدت نفس الفترة تطور أساليب القياس وطرق إعداد استطلاعات الرأي والدراسات التجريبية، واخترعت بعض الآلات البسيطة لاستخراج النتائج وتلخيص كميات كبيرة من المعلومات بصورة أسرع من الطرق التقليدية المتبعة آنذاك، وهو ما ساعد على القيام بدراسات إحصائية كمية، رافقتها محاولات لقياس الآراء والاتجاهات، لعب فيها الباحثان لويس ثرستون، في مجال علم النفس، وستيوارت رايس، في مجال السياسة والإحصاء دوراً بارزاً.
وفي نفس الوقت لفتت نجاحات الدعاية السوفييتية، والفاشية الإيطالية، أنظار الباحثين في استخدام الدعاية كسلاح من أسلحة السياسة الخارجية للدولة، وكوسيلة ناجحة للسيطرة على الجماهير في الداخل، والتقدم الهائل للإعلان التجاري في الولايات المتحدة الأمريكية. وهي الدروس التي استفاد منها أدولف هتلر، في كتابه “كفاحي” الذي صدر الجزء الأول منه عام 1925، وصدر الجزء الثاني منه عام 1927، ليستخدم النازيون وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري ببراعة فائقة في الدعاية الألمانية النازية. وشهد عام 1925 صدور أول مجلة ربع سنوية متخصصة تعنى بتشجيع ونشر أبحاث ودراسات الإعلام والاتصال الجماهيري في الولايات المتحدة الأمريكية حملت اسم Journalism Quarterly.
ومع الكساد الاقتصادي الذي ساد العالم في ثلاثينات القرن العشرين، وانتهى باندلاع الحرب العالمية الثانية المدمرة، استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية ولأول مرة في تاريخ الإنسانية القنبلة الذرية لتدمير مدينتين يابانيتين بأكملهما: “هيروشيما، وناغازاكي” وقتل سكانهما الأبرياء، ودخلت إلى جانبها الإذاعات الموجهة الدولية كسلاح من الأسلحة الهامة في الحرب استعملتها بنجاح كبير الدول الكبرى آنذاك إيطاليا الفاشية، وألمانيا النازية، واليابان، والإتحاد السوفييتي، وبريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية. وبدأت الإذاعات الموجهة الدولية بالبث باللغات الأجنبية السائدة آنذاك كاللغة: الإنكليزية، والفرنسية، والعربية، والإسبانية، والبرتغالية، وغيرها من اللغات الحية في العالم. بهدف التأثير على شعوب الدول الأخرى وكسب الرأي العام العالمي لصالح قضاياها ومصالحها في العالم وهو ما ساعد على تطوير أساليب تحليل مضمون المادة الإعلامية بمختلف الطرق والوسائل كمياً وموضوعياً.
وكان من العوامل الهامة التي ساعدت على تطوير البحوث العلمية للإعلام والاتصال الجماهيري آنذاك:
1- ازدياد اهتمام الهيئات الحكومية بالدعاية الأيديولوجية، وتشجيعها تطوير مناهج البحث وتطبيقها على نطاق واسع لقياس تأثير وراجع صدى المادة الإعلامية. وتشجيع دراسات التسويق والإعلان على نطاق واسع.
2- وقلق المجتمعات الديمقراطية من السيطرة السياسية على وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في الإتحاد السوفييتي، وألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، واستخدام هذه الدول لها لدعم نفوذها السياسي في الداخل والخارج، الوضع الذي استغله بعض علماء الاجتماع لتضخيم قدرات وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في التأثير على العقول والسيطرة عليها.
3- وأدى تركز ملكية وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري المقروءة والمسموعة والمرئية، في أيدي قلة من المالكين في الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، لاختفاء المنافسة في السوق الإعلامية للمجتمعات الغربية. ورافقها قلق واضح من احتكار وسيطرة أقلية من المالكين لوسائل التوجيه والإعلام والاتصال الجماهيري مما أبرز حاجة لدراسة ظاهرة الاحتكار الإعلامي.
4- ومع اشتداد المنافسة بين وسائل الاتصال والإعلام الجماهيري المقروءة والمسموعة والمرئية للحصول على أكبر قدر من الدخل والتمويل عن طريق جذب الإعلانات إليها وفرص الدعاية، زادت الحاجة لدراسات قياس تأثير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري كل على حدى ومقارنة تلك الوسائل بعضها ببعض من حيث الانتشار والتأثير الفعلي. ورافقها خلال خمسينات القرن العشرين التركيز على دراسة تأثير التلفزيون على الأطفال، وتأثير برامج العنف والجريمة على انحراف الأحداث، ودور التلفزيون في التعليم.
5- وأدى الاهتمام بدراسة التأثير السياسي لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، وخاصة أثناء الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى دفع مركز الدراسات الاجتماعية والتطبيقية بجامعة كولومبيا، ومؤسسات البحث العلمي في جامعات ييل، وستانفورد، وآلينوي، للقيام بدراسات لاكتشاف حقائق عن الدور الذي يلعبه الاتصال الشخصي في المجتمعات المتقدمة، ودور الجماعة في التأثير على أعضائها، وتأثير الإشاعة، وخصائص وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري المختلفة. والعمل على تطوير تلك الأبحاث.
ومن الأساليب الشهيرة التي اتبعت خلال ثلاثينات القرن العشرين، كان أسلوب جورج جالوب، لقياس اهتمامات قراء الصحف، والذي عرف باسم “أسلوب التعرف” واستخدمته مؤسسة أبحاث الإعلان في دراساتها المستمرة لقراء الصحف خلال الفترة من عام 1939 وحتى عام 1953 وشملت عينات من بين قراء 130 صحيفة يومية من جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، لخصت نتائجها في 138 تقريراً.
وقد شملت “الدراسات المستمرة” تطور الإعلانات في الصحف، وأسلوب تحرير الصحف بشكل عام، وجمعت معلومات كبيرة عن قراء الصحف، والمواد الأكثر قراءة في الصحف وأدى تكرار هذه الدراسات إلى تراكم المادة العلمية وتطوير أساليب البحث المتبعة. وطور كلاً من: سوانسون، وجونز، وبلدو، أساليب علمية لقياس اهتمامات قراء الصحف، وابتكروا طرقاً سهلة لتسجيل وتفريغ البيانات.
6- ومع النصف الثاني من القرن العشرين بدأت خطوات تعاون بين مؤسسات التعليم العالي وهيئات البحث العلمي في مجال الدراسات الإعلامية والاتصالية، ومن أبرزها كان البحث الذي موله معهد الصحافة الدولي في زيورخ IPI ودرس طبيعة الأخبار الدولية في عينة من صحف الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا الاتحادية، وبريطانيا، وفرنسا، وهولندا، وبلجيكا، وسويسرا، والسويد، والهند، ونشرت نتائجه تحت عنوان “تدفق الأخبار” عام 1953.
وأدى تراكم البحوث الإعلامية إلى ظهور أكثر من خمسين وصفاً لعملية الاتصال الجماهيري، وإلى وضع نماذج كثيرة تشرح عملية الاتصال الجماهيري، منها النموذج الرياضي لكلود شانون، عام 1948، ونظرية الاتصال الرياضية لشانون، وويفر. وتجنبت الأبحاث دراسة الدور الاجتماعي لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، رغم أن الدور الاجتماعي لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري هو الأساس لمعرفة دور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في إقناع الجماهير بأي مجتمع من المجتمعات. ورغم استخدام أساليب التحليل الوظيفي في دراسة طبيعة ودور الاتصال الجماهيري على الفرد والمجتمع في الإتحاد السوفييتي السابق والمنظومة الاشتراكية التي كان يقودها.
الاتجاه السياسي للدراسات الإعلامية
يعتبر عالم السياسة الأمريكي هارولد لازويل، الذي تدرب ومارس التدريس في جامعة شيكاغو، وعمل لسنوات طويلة في جامعة ييل، ممثلا للاتجاه السياسي الذي اهتم باستخدام تحليل مضمون المادة الإعلامية كأسلوب من أساليب القياس في الدراسات الإعلامية.
وقد درس لازويل، الدعاية الأيديولوجية ودور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في المجتمعات والدول، والنفوذ السياسي للقائمين بالاتصال، وتحليل مضمون المادة الإعلامية على أسس علمية. ومن الموضوعات التي اهتم لازويل بدراستها:
– وظيفة الاتصال الجماهيري في المجتمع؛ – علاقة الاتصال الجماهيري بالحكومات؛ – السلطة ممارستها وتوزيعها؛ – عوامل الإشراف والسيطرة على وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري؛ – استخدام الحكومات لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري كأداة سياسية؛ – مقارنة نظم الاتصال الجماهيري بين الثقافات والدول المختلفة؛ – اقتصاديات وسائل الاتصال الجماهيري؛ – طبيعة عمل القائمين على عملية الاتصال الجماهيري؛ – مضمون وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري.
ومن بين الذين درسوا عملية التحضير للاتصال الجماهيري السياسي دانيل لونر، ولوشيان باي. ودرس كلاً من أثيل دوسولا بول، وكارل دويتش، أنظمة الاتصال الجماهيري في الدول النامية من خلال دراساتهم عن الإعلام الدولي.
الاتجاه السيكولوجي الاجتماعي للدراسات الإعلامية
يعتبر علم النفس الاجتماعي من المجالات الأساسية والهامة في الدراسات الإعلامية. وكان كارل هوفلاند، وبول لازرفيلد، وكرت لوين، من أوائل الباحثين في هذا المجال الهام. وركز هوفلاند، عالم الاجتماع في جامعة ييل، على عملية الإقناع في دراساته. بينما ركز لوين، عالم الاجتماع في جامعة أيوا، وجامعة ماساتشوسيت للتكنولوجيا دراساته على الجماعات والأدوار الاجتماعية. بينما ركز لازرفيلد، في مركز الأبحاث الاجتماعية التطبيقية بجامعة كولومبيا، دراساته على استقصاء الرأي العام، وتأثير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، وعلى العلاقة بين التأثير الشخصي وتأثير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري على الجمهور الإعلامي.
ولد لازرفيلد، في فيينا بالنمسا وتعلم فيها حتى حصل على درجة الدكتوراه، وفي عام 1923 ترك مسقط رأسه مهاجراً إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث صب اهتمامه على دراسة الساحة الإعلامية وتأثير وسيلة الإعلام والاتصال الجماهيري الجديدة آنذاك. وكان الباحثون هناك مهتمون فعلاً بقياس مدى نجاح الإذاعة المسموعة كوسيلة إعلامية جديدة لفتت انتباه المعلنين. وانصبت دراسات القياس على معرفة عدد المستمعين والبرامج التي يفضلون الاستماع إليها. واهتم لازرفيلد، بمعرفة الأسباب التي دفعت المستمعين لسماع برامج إذاعية بعينها، واستنباط الطريقة التي تمكنه من معرفة كيفية استخدامهم للمعلومات التي يحصلون عليها عبر وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، وتأثيرها على أذواقهم واتجاهاتهم الاجتماعية وتأثير الحملات الانتخابية على خياراتهم الانتخابية، وعلاقة الاتصال الشخصي بوسائل الإعلام الجماهيرية.
وبدأ اهتمام لازرفيلد، بالإذاعة المسموعة عام 1937 عندما عين مديراً لمركز أبحاث الإذاعة المسموعة الذي أفتتح للتو في جامعة برنستون بتمويل من مؤسسة روكفلر. مستفيداً من خبرة فرانك ستانتون، المدير السابق لشبكة س. ب. إس، في الإذاعة الأمريكية. وفي عام 1940 انتقل المركز الذي يشرف عليه لازرفيلد، إلى جامعة كولومبيا وأصبح مركزاً للأبحاث الاجتماعية التطبيقية. وأثمرت أبحاث لازرفيلد، عن مجموعة من الكتب ذات المستوى الرفيع في موضوعات كالتصويت، والبطالة، والاتصال، ومناهج البحث في العلوم الاجتماعية التطبيقية، إضافة لتدريب مجموعة من الباحثين الشباب الذين ذاع صيتهم فيما بعد.
أما عالم النفس والخبير بوسائل وأساليب إجراء التجارب العلمية، وعلم النفس الاجتماعي كورت لوين، فقد هاجر في مطلع الثلاثينات من مسقط رأسه في أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن أتم تحصيله العلمي في فيينا. وتمتع هناك بتأثير كبير على طلبته في جامعة أيوا، ومعهد ماساتشوسيت للتكنولوجيا، حيث اهتم خلال الحرب العالمية الثانية بدراسة حركة الجماعة، وعملية الاتصال داخل الجماعة، وتأثير جماعات الضغط الاجتماعي، وتأثير الجماعة على اتجاهات وتصرفات أعضائها.
بينما ركزت أبحاث لوين في علم النفس الاجتماعي على الفرد في ظروف المحيط الاجتماعي، وتحليل المؤثرات الاجتماعية على الطفل، وطبيعة الاختلافات القومية بين الأمريكيين والألمان، والمشاكل الاجتماعية الناتجة عن انتماء الفرد لأقلية اجتماعية.
أما كارل هوفلاند، فقد تخرج من جامعة ييل وبرز بين علماء النفس التجريبي قبل الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1942 استدعي للخدمة العسكرية والتحق بقسم الأبحاث الإعلامية في الجيش وهناك ركز اهتمامه على بحوث الاتصال وتغيير الاتجاهات، وبعد الحرب عاد هوفلاند، إلى جامعة ييل ووضع برنامجاً للبحث في عناصر الاتصال وتغيير الاتجاهات، وتمتع برنامجه بأسلوب دقيق للقياس يعتمد على التجربة المنظمة.
ودرس هوفلاند، تأثير القائم بالاتصال الذي يؤمن الجمهور الإعلامي بصدقه، والقائم بالاتصال الذي يتمتع بالنفوذ، وتأثير عرض الجانب الذي يسعى القائم بالاتصال لترويجه، من خلال عرض الجانبين المؤيد والمعارض في آن واحد، وتأثير بواعث الرسائل الإعلامية المثيرة للخوف الشديد لدى المستقبل، ومقارنة تأثير الرسائل الإعلامية التي تثير الخوف المعتدل أو الخفيف، وأساليب تحصين الجماهير ضد الدعاية المضادة. وتعتبر كتبه من أهم ما وضع من كتب في علم الاتصال الجماهيري حتى وقت قريب، وتوفي هوفلاند، عام 1961 متأثرا بمرض السرطان عن 48 عاماً، ولم تتوقف أبحاثه التي استمرت على أيدي تلاميذه الذين استمروا على تطويرها والتوسع بها من بعده.
ومن دراستنا لأبحاث الرواد الأربعة في تطوير أبحاث الاتصال الجماهيري: لازويلد، ولازرفيلد، ولوين، وهوفلاند، نستطيع استنتاج أن أبحاث لازويل، اتسمت بالشمول الذي يهتم بالمجال العام. أما لازرفيلد، وهوفلاند، فقد اتسمت بالمجال الأضيق الذي يهتم بالتفاصيل، أما أبحاث لوين، عن الجماعات الصغيرة، فقد جاءت في الوسط بين المجالين. وأضاف الباحث الأمريكي برنارد ولسون، إلى المجالين أنفي الذكر خمسة مجالات فرعية للبحوث الإعلامية وهي:
1- المجال الإصلاحي: الذي مثلته لجنة حرية الصحافة في الولايات المتحدة الأمريكية التي شكلت عام 1943، وأصدرت تقريرها عام 1947 واهتم بتنظيم وسائل الاتصال الجماهيري وتكوينها، وأساليب السيطرة عليها، ومسؤولية وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري اتجاه المجتمع، وهو المجال الذي تجاهلته الجامعات، ووقفت وسائل الاتصال الجماهيري التجارية ضده، وضد لجنة حرية الصحافة؛
2- والمجال التاريخي: الذي تمثل بدراسات ديفيد رايسمان، وهارولد إنيس، واهتم بتاريخ حياة القائمين على عملية الاتصال عبر وسائل الإعلام الجماهيرية. وتدخل ضمنها مؤلفات فرانك لوترموت، وأرنولد هاوسر، التي اعتمدت على السرد والسير الشخصية؛
3- والمجال الصحفي: ويمثله نشاط معاهد الصحافة ومراكز البحث العلمي في مجال الإعلام، وبعض الأساتذة أمثال: كيسي، وريمو ب. نيكسون، وولبر شرام. واهتم بالسيطرة على وسائل الاتصال الجماهيرية، وخصائص القائم بالاتصال، واهتمامات قراء الصحف، ومسؤولية الإعلام اتجاه المجتمع؛
4- ومجال دراسة فلسفة اللغة والمعاني: التي حاول من خلالها الباحثون تطبيق نظرية المعرفة على الاتصال الجماهيري، واشتغل فيه إضافة للفلاسفة، علماء الأنثروبولوجيا، واللغويين، وعلماء النفس، وعلماء الرياضيات؛
5- ودور وسائل الإعلام الجماهيرية في مجال نشر الأفكار المستحدثة: الذي اهتم أصلاً بالمجتمعات الزراعية ونشر الأفكار المستحدثة، وله علاقة كبيرة باهتمامات الدول النامية وأساليب التغيير السريع للمعتقدات والقيم. ومن رواده روجر، وكير، وشوميكر.
ومن مميزات الربع الأخير من القرن العشرين كان التركيز على دراسات الاتصال الجماهيري والإعلام الدولي على ضوء التطورات الهائلة لوسائل الاتصال الجماهيري وخروجها من إطار المحلية إلى إطار الدولية، وما نتج عن ذلك من مشاكل معقدة تحتاج للدراسة والبحث لمعرفة وفهم المتغيرات التي طرأت على نظم الإعلام والاتصال الجماهيري في مختلف دول العالم.
ويبقى التصنيف الذي وضعه كتاب “نظريات الإعلام الأربع” الذي صدر عام 1956، قائماً في تصنيفه رغم انهيار الإتحاد السوفييتي السابق ومعه المنظومة الاشتراكية التي كان يقودها حتى مطلع تسعينات القرن العشرين، واتجاه معظم الدول المستقلة إلى تبني نظم ديمقراطية في سياساتها الإعلامية. ولكنها تبقى في حاجة لدراسات تركز على تأثير الانفتاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي على وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، وتأثير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في شكلها الراهن على هذا الانفتاح وتحليل المتغيرات في التعليم، والدخل القومي، وتوزيع الثروات، والاستقرار السياسي والاجتماعي، ومشاكل البيئة والتلوث… وغيرها من البحوث التي لها علاقة مباشرة بنظم الإعلام والاتصال الجماهيري في دول المنظومة الاشتراكية السابقة ومقارنتها مع النظم القائمة في مختلف دول العالم.
وهو ما سبق وتنبهت له دول الاتحاد الأوروبي وانعكست صورته في ما نشرته مجلة اتحاد الإذاعات الأوروبية E. B. U. Review، ومجلة معهد الإذاعة الدولي Inter Media في لندن، ومجلة Gazette في هولندا، وغيرها من المجلات المتخصصة.










اترك رد