ذكر وارين بريد، في دراسته التي نشرها عام 1964، إلى أن كل نظام في شبكة الاتصال الجماهيرية مهما كان نوعه، مقيد بجملة من الظروف والأحداث المتصلة ببعضها البعض. ويتوجب أن ندرس مدى اعتماد كل نظام على الأنظمة الأخرى المتصلة به، والأحداث التي تدور من حوله. وأن القائم بالاتصال يعمد في بعض الأحيان إلى عدم تغطية الأحداث التي تقع من حوله كاملة، منطلقاً من ضميره وشعوره بالمسؤولية حيال المجتمع. وحتى أن بعض وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري قد تضحي بالسبق الصحفي، من أجل تدعيم التقاليد والقيم الاجتماعية، وخلق الاتفاق والإجماع والاندماج داخل المجتمع، وتجنب ما يضر بمؤسساته.
وتعمل وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري على تحقيق الاستقرار والإجماع الثقافي في المجتمعات المعقدة متعددة الأنماط الثقافية وأساليب الحياة، بتأكيدها على كل تلك الأنماط. انطلاقاً من فرضية أن المادة الإعلامية: آ- تعكس صورة المجتمع؛ ب- وتشكل المجتمع؛ ج- وتحافظ على المجتمع وتجعله أكثر استقراراً.
فوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري تخدم أهدافاً اجتماعية وثقافية محددة، وتقرب بين الناس وتوثق علاقاتهم، وتساعد على تنشئتهم اجتماعياً، وتعودهم على أنماط من السلوك المقبولة اجتماعياً. وقد كان الاعتقاد السائد أن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري تعمل على تحقيق الاستقرار والإجماع الثقافي في المجتمع عن طريق التأكيد على الأنماط والأساليب المثالية السائدة داخل المجتمع. وهو ما أثبتته دراسات تحليل مضمون المواد الإعلامية المنشورة.
وكان وارين أول من ساهم في تغيير اتجاه دراسات تحليل مضمون المادة الإعلامية عندما قام في دراساته بتحليل المواد الإعلامية غير المنشورة، أي المحذوفة، مستعيناً بآراء الصحفيين. فتوصل بذلك إلى افتراض جديد، يقول: أن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري تعمل على تحقيق مبدأ الاتفاق الثقافي والاجتماعي عن طريق الحذف وإبعاد المواد الإعلامية التي تهدد البنية الاجتماعية والثقافية، وتهدد ما يؤمن به الفرد. وقد أظهرت الدراسات التي قام بها وارين أن ثلث المواد الإعلامية المحذوفة تتعلق بالموضوعات السياسية والاجتماعية، وأن خمس المواد الإعلامية المحذوفة تتعلق بالأمور الدينية، بينما تناولت بقية المواد الإعلامية المحذوفة قضايا الأسرة، والبطولة الفردية، والصحة، والقضاء، وكرامة الفرد. ونستنتج من ذلك أن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري تقوم بحماية الأنماط الثقافية والقيم الاجتماعية منطلقة من موقفها ومن وجهة نظرها الخاصة. وأن ما لا تقدمه وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري من مواد إعلامية لا يقل أهمية عن المواد الإعلامية التي تقدمها. وفي هذا تبرير لاستخدام الكذب الأبيض من قبل وسائل الإعلام الجماهيرية، وتجنب ذكر الحقائق التي تجرح الشعور العام.
القائمون بالاتصال والمصادر الإعلامية
ومن العوامل المؤثرة على القائمين بالاتصال في النموذج التصوري، العلاقة بين القائمين بالاتصال والمصادر الإعلامية التي تعمل على تحقيق مبدأ الاتفاق الاجتماعي. وهي: آ) أن يبقى المراسلون مستقلين عن مصادر الأنباء؛ ب) أن يجد المراسلون والمصادر الإعلامية مجالات يتعاونون فيها من أجل تحقيق مصالحهم المشتركة؛ ج) أن تسيطر المصادر الإعلامية على المراسلين، وبالعكس.
وقد وجد ولتر جيبر الذي درس العلاقات بين المراسلين والمصادر الإعلامية، أن كلاً من القائم بالاتصال والمصدر الإعلامي يعتبرون وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري حارساً للديمقراطية. وأنهما يؤيدان إبقاء قنوات الاتصال الجماهيري مفتوحة انطلاقاً من اهتمامهما المشترك بالمصلحة العامة. وأدرك الفوارق بينهما والتي تتلخص بـ: 1- أن المصدر الإعلامي يعتبر نفسه حارساً لرفاهية المجتمع؛ 2- وأن القائم بالاتصال يعتبر نفسه حامياً للجمهور الإعلامي؛ 3- وأن لكل منهما فكرة مهزوزة وإدراك نمطي عن الجمهور الإعلامي؛ 4- وأن كلاً منهما قد طور إدراكاً خاصاً لدوره العام، وإطار دلالي خاص به يحدد من خلاله أشكال الاتصال بينهما؛ 5- وأن كلاً منهما يدعي لنفسه الدور الأساسي في الاتصال بالجمهور الإعلامي؛ 6- وأنهما معاً مسؤولان عن انهيار عملية الاتصال.
فبالنسبة للمصدر الإعلامي: يجب تطهير المواد الإعلامية من المعلومات التي تهدد وفاق الرأي العام، وأن تلك المواد الإعلامية يجب أن تساعد على تحقيق الوفاق في المجتمع. وبما أن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري هي الشريان الرئيسي للاتصال بالجمهور الإعلامي، لذا يجب أن يكون الهدف الأساسي للمصدر الإعلامي استخدامها لتحقيق الأهداف عن طريق الإقناع، واستغلال العلاقة التي تربط بينه وبين القائم بالاتصال.
أما بالنسبة للقائم بالاتصال: فهو ينظر إلى نفسه كموزع مستقل للمواد الإعلامية، وأن وظيفته تقتصر على مراقبة وحراسة أعمال الحكومة، والتعاون مع المصادر الإعلامية.
بينما يتوقع الجمهور الإعلامي من وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري أن تغطي الأخبار بشكل موضوعي ونقدي، وبتقييم مستقل. وهذا يتطلب أن تبقى وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري حرة بعيدة عن ضغوط المصادر الإعلامية، ومتحررة من القيود البيروقراطية.
قادة رأي من وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري
ومن العوامل المؤثرة على القائمين بالاتصال في النموذج التصوري هو تأثير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري الضخمة، على وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري الأصغر منها. لأن الأخيرة وكما هو معروف تقلد الأولى في أسلوب اختيار المضمون الإعلامي. وقد توصل وارين بريد نتيجة للأبحاث التي درس فيها صحف النخبة التي تعتبر قادة للرأي، إلى فرضية تقول أنه هناك عملية رئيسية من التأثير تزيد من التشابه والتماثل بين الصحف الصادرة في الولايات المتحدة الأمريكية، سببه تقليد الصحف الصغيرة لأسلوب اختيار الأخبار في الصحف الكبيرة. ووجد المخرج من هذا الوضع بتعيين مراسلين ومحررين أفضل وبمستويات مهنية أرقى للعمل في الصحف الصغيرة.
وهي نفس النتائج التي أكدتها البحوث اللاحقة، ووجدت أن: آ) وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري تتضمن نفس المواد الإعلامية أو مواد إعلامية مشابهة لها؛ ب) هناك تماثل في طرق صياغة وأساليب ترتيب تلك المواد الإعلامية.
ومن العوامل الكثيرة المسببة لهذا التماثل في المضمون الإعلامي وطرق معالجة المواد الإعلامية: 1- اعتماد مختلف وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري على خدمات نفس وكالات الأنباء التي تزودها بنفس المواد الإعلامية، مما يسبب ظهورها في تلك الوسائل الإعلامية في وقت واحد؛ 2- توزيع المواد الإعلانية والدعاية المتشابهة على نطاق واسع في وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري المختلفة؛ 3- تركز ملكية وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في أيدي قلة من الأفراد، أو تبعيتها لإشراف إدارة مركزية واحدة؛ 4- تشابه السياسات التحريرية المحافظة سياسياً في مختلف وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري. رغم استقلال المحررين في اختيارهم للمواد الإعلامية بناءً على اعتباراتهم الخاصة.
ومن الأدلة التي تثبت التأثير الرئيسي بين وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، متابعة الصحفيين لما تنشره وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، للحصول على معلومات جديدة والاستفادة منها في عملهم. ومن الدوافع الكثيرة التي تدفع الصحفي لمتابعة ما تنشره وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري المختلفة، الحاجة لمعرفة آخر التطورات في أساليب تقديم المواد الإعلامية، بهدف رفع سوية عمله وزيادة فاعليته من خلال متابعة الأحداث الجارية، ومقارنة عمل الغير بالعمل الذي يقوم به، والبحث والتنقيب عن الجديد الذي هو من مميزات الصحفي، والصحفي يبحث دائماً عن شيء لا يستطيع تحديده بشكل مسبق لأنه يبحث عن الحدث الجديد والمادة الجديدة التي تهم الجمهور الإعلامي. وقد يجد ضالته في ما تنشره وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري الكبرى من مواد إعلامية، وهذا حافز يدفعه إلى التقليد.
تأثير الضغوط المهنية على القائم بالاتصال
والعامل المؤثر الآخر على القائم بالاتصال في النموذج التصوري، هو: الضغوط المهنية التي يتأثر بها القائم بالاتصال أثناء عمله وتجعله يقبل بسياسة وسيلة الإعلام والاتصال الجماهيري التي يعمل فيها. ومن هذه الضغوط: 1- ظروف العمل في القسم الإعلامي، التي يفرضها البناء البيروقراطي للعمل الصحفي. ومنها السياسة الإعلامية للوسيلة الإعلامية التي يتبعها القسم، وخاصة عند حدوث تناقض في تلك السياسة؛ 2- التعارض بين سياسات الناشر وتطلعات القائم بالاتصال: فلكل وسيلة إعلام واتصال جماهيري سياسة معينة، سواء اعترفت بتلك السياسة أم لا. وتظهر هذه السياسة بوضوح من خلال صياغة المواد الإعلامية وطرق عرضها أو نشرها، ومن خلال إهمالها المتعمد لبعض المواد الإعلامية الأخرى التي تتناول موضوعاً معيناً أو حدثاً معيناً يتعارض وسياستها الإعلامية.
ودراسة السياسة الإعلامية لأي وسيلة إعلام واتصال جماهيري، هام جداً لأن المجتمع الديمقراطي يحتاج لإعلام حر ومسؤول يحيط الجمهور الإعلامي بما يحدث من حوله في هذا العالم سريع التطور والتغيير، دراسة تتناول أسباب ودوافع تحيز السياسة الإعلامية التي تتبعها وسيلة الإعلام والاتصال الجماهيري أثناء أدائها لعملها. وكذلك أسباب ودوافع تقيد القائم بالاتصال بتلك السياسة الإعلامية غير المعلنة في أكثر الحالات.
تأثير الجمهور الإعلامي
ويأتي الجمهور الإعلامي كأحد العوامل المؤثرة على القائم بالاتصال في النموذج التصوري. وقد توصل أثيل دوسولا بول ، وشولمان إلى نتيجة مفادها أن الجمهور الإعلامي يؤثر على القائم بالاتصال، وأن القائم بالاتصال يؤثر في الجمهور الإعلامي. فالمواد الإعلامية التي يقدمها القائم بالاتصال الإعلامي للجمهور الإعلامي تتحكم بها توقعاته لردود الفعل المحتملة من قبل الجمهور الإعلامي، وتصور القائم بالاتصال للجمهور الإعلامي يؤثر كثيراً في نوعية المادة الإعلامية التي يعدها أو يقدمها. وأظهرت الدراسات التجريبية التي قام بها ريموند باور أن نوعية الجمهور الإعلامي الذي يعتقد القائم بالاتصال أنه يقدم له المادة الإعلامية تؤثر كثيراً على الطريقة التي يتم بمقتضاها اختيار وإعداد المادة الإعلامية. لأن للجمهور الإعلامي خصائصه واحتياجاته، ولأن ظروف السوق تفرض على وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري أن تشبع حاجات الجمهور الإعلامي وتلبي رغباته. بنفس الطريقة التي يؤثر فيها العرض والطلب على الإنتاج في الاقتصاد، ويؤثر الناخبون على رجال السياسة في النظام الديمقراطي.
فوسائل الإعلام والاتصال يجب أن ترضي أذواق جمهورها، ولهذا عليها التعرف على الجمهور الذي تتوجه إليه كأحد الجوانب الرئيسية في عملية الاتصال. ولأن الاتصال لا يمكن أن يتم في المجتمعات المتفككة التي لا تعاون فيها ولا اهتمامات مشتركة تجمعها.
ولابد من توافر العلاقات الاجتماعية، واللغة المشتركة، والأفكار المشتركة، والعلاقات المحددة اللازمة لتتم من خلالها عملية الاتصال. ولهذا يتحتم على القائم بالاتصال تكوين فكرة وتصور عن الجمهور الذي يريد أن يوصل إليه مادته الإعلامية.
وقد يعاني القائم بالاتصال العامل في أي وسيلة إعلام واتصال جماهيري اليوم من صعوبة التعرف على الجمهور الإعلامي الذي يتوجه إليه، بعد التطور الهائل الذي حدث في عالم تقنيات الاتصال الحديثة، التي ضيقت المسافات واخترقت الحدود اللغوية والجغرافية. ورفعت من دور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري لتصبح من الأدوات الهامة والأساسية التي يتم من خلالها تحقيق الحوار الحضاري والثقافي والاجتماعي بين مختلف الشعوب والأمم.










اترك رد