الإعلام وتحليل المضمون الإعلامي

أ. د. محمّد البخاري

نماذج عملية الاتصال الجماهيري

وظاهرة الاتصال بين الأفراد والأمم والشعوب ظاهرة قديمة قدم الإنسان، لكن الاهتمام بدراسة الإعلام والاتصال والدعاية والرأي العام دراسة منهجية منتظمة اتضح خلال الفترة التي سبقت ورافقت الحرب العالمية الثانية كما سبق وأشرنا، وظهرت بعض الكتب والدراسات القيمة التي تناولت مواضيع الإعلام والاتصال الجماهيري الدولي خلال خمسينات وستينات القرن العشرين، وانصب الاهتمام فيها نحو دراسة الإنتاج الفكري للفترة الممتدة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. ولكن قبل أن نتحدث عن نماذج عملية الاتصال لابد أن نوضح ما المقصود من اصطلاحات الاتصال، والجماهيري، وعملية الاتصال بحد ذاتها.

تعريف الاتصال

الاتصال هو من أقدم النشاطات الإنسانية على الإطلاق، وهو من الظواهر المألوفة لدى الإنسان ومعنى الاتصال واضح وغامض في نفس الوقت، والمعنى يصبح واضحاً حينما نستخدمه بشكله التقليدي الضيق، ولكنه يتسم بالغموض عندما نستخدمه بشكله الشمولي الواسع. فإذا تحدث فرد مع فرد آخر وأدى هذا الحديث إلى تفاهم متبادل بين الطرفين، فيمكننا القول أن هذا اتصال، أي تحقق الهدف من الحديث. أما إذا أدى الحديث إلى حدوث سوء تفاهم، فيمكننا القول أنه لم يحدث اتصال أي لم يتحقق الهدف من الحديث، أو نصبح غير واثقين مما إذا حدث الاتصال فعلاً أم لا.

ويقول كارل هوفلاند، أن الاتصال هو عملية ينقل من خلالها الفرد (القائم بالاتصال) مثيرات (رموزاً لغوية، رسالة)، لكي يعدل من خلالها سلوك الأفراد الآخرين (مستقبلي الرسالة). وفي هذه الحالة ينقل القائم بالاتصال الرسالة عمداً، أي بشكل هادف لإحداث تأثير معين.

أما تشارلس موريس، فيقول أن مصطلح الاتصال حينما نستخدمه بشكل واسع النطاق، فإنه يتناول أي موقف يشارك فيه عدة أفراد بموضوع معين. ولكنه يحصر الاتصال في استخدام الرموز لكي تحقق انتشاراً ومشاركة ذات مغزى. أي أن يتحقق تفاهم حول موضوع معينٍ، سواء أكان عن طريق الرموز أو أية وسيلة أخرى سماها تشارلس موريس، Communization الشيوع، كأن ينتقل الغضب من شخص إلى شخص آخر، أو أن لا يغضب الشخص فعلاً ولكنه يبدي دلائل توحي بالغضب، وهذا الموقف ينطوي على إحساس ومشاركة نسميها اتصال.

ويعتبر جورج لندبرج، أن الاتصال هو نوع من التفاعل يحدث بواسطة الرموز، ويستخدم للإشارة إلى التفاعل بواسطة العلامات والرموز، التي يمكن أن تكون حركات أو صور أو لغة أو أي شيء آخر يمكن أن يثير السلوك الإنساني. والسلوك الناتج عن هذا التفاعل قد لا يكون بسبب التعرض للرموز نفسها، إن لم يكن المتلقي مهيأً للاستجابة للرمز بصورة معينة. وأن الاتصال يختلف عن التوصيل، وأن الاتصال الحقيقي هو نوع من التفاعل يتم بواسطة الرموز والعلامات، ويؤدي إلى تخفيف أو زيادة التوتر والشك وزيادة أو تشويش الفهم لدى الأفراد.

أما إدوار سابير، فقد كتب عن الاتصال المحدد، والاتصال الضمني، ما يلي: الاتصال المحدد، هو: اتصال بالمعنى التقليدي، أما الاتصال الضمني، فهو: التفسير البديهي للرموز اللاشعورية نسبياً، والاستيعاب اللاشعوري للأفكار والسلوك في ثقافة الفرد. بينما يعتبر بعض علماء الاتصال أن مفهوم الاتصال يتضمن كل العمليات التي يؤثر من خلالها الناس على بعضهم البعض.

بينما يعرف ستيفنز، الاتصال باستجابة الكائن الحي على منبه معين بشكل متميز، ويقدم بنتيجتها على استجابة أو ردة فعل متميزة. والرسالة التي لا تحظى باستجابة لدى المستقبل لا تعتبر اتصالاً عكس نوبرت وينر، الذي يعرف الاتصال بشكل أوسع يشمل التفاعل بين الآلات، عندما يقول: أن الاتصال بمعناه الواسع يتضمن كل الإجراءات التي يمكن بمقتضاها أن يؤثر عقل بشري على عقل آخر، أو يؤثر جهاز على جهاز آخر كأجهزة الرصد والتوجيه الأوتوماتيكي، وأجهزة الاستشعار عن بعد، والأقمار الصناعية مثلاً.

ولكننا نرى ورغم الاختلاف في التعريف نرى أنه هناك اتفاق على استخدام مصطلح اتصال لنقل المعاني، وانه في صيغة المفرد يستخدم للإشارة إلى عملية الاتصال، وفي صيغة الجمع فيستخدم للإشارة إلى الرسائل الإعلامية ومؤسسات الإعلام والاتصال الجماهيري بشكل عام.

تعريف جماهيري

يشير مصطلح جماهيري إلى جمهرة أو حشد أو مجموعة كبيرة من الناس مؤلفة من جميع الطبقات والشرائح الاجتماعية، ويختلف أفرادها من حيث مراكزهم الاجتماعية ومهنهم وثقافاتهم وثرواتهم، وهم مجهولين الهوية ولا يتفاعل الواحد منهم مع الآخرين ولا يتبادل معهم المشورة والخبرة، وغير منظمين لا يمكن أن يعملوا ككتلة واحدة، ولا تتاح لهم فرصة الاختلاط والتقارب، وكل ما يشدهم إلى بعضهم البعض هو حدث يعنيهم جميعاً وطني أو قومي أو ديني هام يشدهم إلى متابعة تطوراته.

وقد ازداد حجم الجماهيري وأهميته في ظروف التطور العلمي والتقني والتكنولوجي الصناعي الحديث. ولعدة قرون خلت كانت المجتمعات البشرية منغلقة في مجتمعات صغيرة، وفي مزارع وقرى ومدن، وكان عدد المدن الكبيرة محدود جداً حتى أن روما في قمة مجدها لم يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، عاش غالبيتهم في جماعات صغيرة مكونة من الأقارب والأصدقاء وجماعات العمل والجيش. ولكن الحروب والغزوات والاحتلال والهجرات الجماعية أدت إلى اتصال الجماعات المعزولة نسبياً ببعضها البعض. بينما نجد في حياتنا المعاصرة اليوم أنه وخلال جيل واحد سببت الحروب الحديثة انتقال قوات هائلة من قارات إلى قارات أخرى، وما رافقها من تطور لوسائل المواصلات والاتصال الحديثة وخاصة ظهور شبكة الانترنيت العالمية، وانتشار وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري الحديثة في جميع أنحاء العالم، مما أدى إلى خروج الناس عن إطار مجتمعات ثقافاتهم الأصلية المغلقة، ليعيشوا في عالم منفتح جديد وواسع.

تعريف عملية الاتصال

عملية الاتصال ظاهرة تتغير بشكل مستمر خلال فترة محددة من الزمن، لا بداية ولا نهاية ولا تسلسل لأحداثها، وإذا رجعنا إلى ثورة الفلسفة العلمية التي أحدثها اينشتين، وراسل، ووايت هيد، نجد أن الثورة العلمية قد نفت نظرية ثبات الأشياء، كما نفت وجود أشياء مستقلة تقوم بعملها بشكل منفرد. وأدى هذا إلى ظهور نظرية النسبية التي تقول:

أولاً: أن أي ظاهرة يمكن تحليلها ووصفها على ضوء ظاهرة أخرى متصلة بها أو عمليات تدخل في ملاحظتها فقط.

ثانياً: أن الملاحظة القوية أظهرت أن الأشياء الثابتة مثل الأثاث المنزلي يمكن النظر إليها كظواهر خاضعة لعوامل غير مستمرة، فهي تتغير تماماً مثل الإنسان الذي يقوم بملاحظتها، وتعود أسباب عدم القدرة على ملاحظة التغييرات إلى قصور أعضاء الحس لدى الإنسان نفسه.

فالكون يتغير دائماً ويتأثر بعوامل عديدة، نعرف بعضها ونجهل بعضها الآخر، والعلم كنشاط إنساني يهدف إلى كشف العلاقات المشتركة بين الظواهر المختلفة، وتجعلها تؤثر على بعضها البعض. واكتشاف علاقة الظواهر بعضها ببعض وفهمها هما شيء واحد لأن فهم الظواهر معناه كشف العلاقة التي تربط بينها وبين ظواهر أخرى. أما إذا لم نعثر على تلك العلاقة فستبقى غير مفهومة لدينا أو بدون تفسير محدد لتلك الظواهر لأن المعرفة والفهم لا يتمان من دون اكتشاف العلاقات المختلفة بين المتغيرات وموضوع الفهم والمعرفة. كما لا يمكن فهم جانب واحد من السلوك البشري دون ربطه بالجوانب السلوكية الأخرى.

ونحن نفهم معنى الأحداث من خلال ربطها بالأحداث الأخرى التي سبقتها والظروف المحيطة بها فالفهم إذن يتم بعملية ربط أو إدراك العلاقات بين الظواهر المطلوب تفسيرها، وربطها بالأحداث الأخرى التي تلازمها والتي سبقتها والتي تؤثر فيها. فالفهم لن يتحقق إلا بربط الظاهرة بالمتغيرات والظروف الأخرى الخارجة عنها، والتي يعتبر وجودها مسؤولاً عن تسلسل أحداث الظاهرة نفسها.

والأسلوب الوظيفي لدراسة التفاعل البشري يفترض أن الناس عندما يتصلون ببعضهم البعض يستخدمون كل إمكانياتهم وطاقاتهم، لأن عملية الاتصال تتطلب استغلال كل إمكانيات وطاقات الفرد، من مدارك وتعلم ودوافع وعواطف واتجاهات ومعتقدات وقيم ومعاني وظروف اجتماعية. فالاتصال البشري هو عبارة عن عملية واحدة مركبة تجمع العديد من العمليات والقوى المعقدة والمستمرة والتي تتفاعل في ظرف متبدل لا بداية ثابتة له ولا نهاية ثابتة له. وكل أوجه النشاط تلك تؤثر على الاتصال البشري الذي يعتبر تجميعاً لعناصر وقوى متفاعلة مادية وسيكولوجية واجتماعية وعلينا التنبؤ بكيفية تفاعل تلك المتغيرات أو ردود الفعل المحتملة لإحداث نتائج معينة.

وتأثير الرسالة الإعلامية لا يمكن تفسيره على ضوء نموذج المثير والاستجابة البسيط، لوجود عدة متغيرات خارجة عن عملية الاتصال ذاتها، وتؤثر على نتيجة عملية الاتصال تأثيراً مباشراً. لأننا نبحث عن تفسير ظاهرة معينة وعن مؤثرات ومتغيرات خارجة عن عملية الاتصال وتربطها بها علاقة وظيفية محددة. منطلقين من مبدأ أن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري تؤثر في الجمهور الإعلامي، وأن الجمهور الإعلامي يؤثر بدوره على مضمون وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري خاصة بعد التطور الهائل الذي تعيشه وسائل الاتصال الجماهيري اليوم. وأن السياسة تغير الرأي العام، وأن الرأي العام يغير السياسة، وأن التغيير الاقتصادي يحدث تغييراً في الاتصال الجماهيري والإمكانيات الإعلامية التي بدورها تعاون على التغيير الاقتصادي. وبمعنى آخر أن الأسلوب الوظيفي لتفسير عملية الاتصال الجماهيري يأخذ في اعتباراته ظواهر متعددة لتأثير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري.

وظائف الاتصال الأساسية

أهداف عملية الاتصال نستطيع أن ندرسها من خلال وجهة نظر المرسل أو من وجهة نظر المستقبل على حد سواء. كما ونستطيع تحديد وظائف عملية الاتصال على أساس الفرد أو على أساس المجتمع. فمن وجهة نظر الفرد القائم بالاتصال، أي المرسل بشكل عام، هي: 1- الإعلام؛ 2- التعليم؛ 3- الترفيه؛ 4- الإقناع. أما من وجهة نظر المستقبل، أي الطرف الآخر في عملية الاتصال، فهي: 1- المشاركة في عملية الاتصال؛ 2- فهم ما يحيط به من ظواهر وأحداث؛ 3- تعلم مهارات جديدة؛ 4- الاستمتاع والاسترخاء والهرب من مشاكل الحياة؛ 5- الحصول على معلومات جديدة تساعده على اتخاذ القرارات والتصرف بشكل مقبول اجتماعيا.

وكانت هذه الأهداف قبل اختراع الطباعة تحقق عن طريق الأفراد، ومن ثم أصبحت تتحقق تدريجياً عن طريق المادة المطبوعة ومع التطور الكبير لتكنولوجيا الاتصال أصبحت تتحقق عن طريق وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري الحديثة تباعاً مع دخول تلك الوسائل ميدان الخدمة الاجتماعية، حتى أصبحت من الأجهزة المهمة والمؤثرة على حياتنا اليومية إلى جانب مؤسسات التربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية الأخرى.

وتقوم وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري اليوم وكما كانت عليه بالسابق بمهام محددة لا تخرج عن إطار: 1- توفير معلومات عن الأوضاع المحيطة بنا (أخبار)؛ 2- الإسهام في نقل التراث الثقافي عبر الأجيال، والمساهمة في تنشئة الأجيال الجديدة، وصهر الوافدين الجدد في المجتمع الوافدين إليه؛ 3- الترفيه عن الجماهير وتخفيف أعباء حياتهم؛ 4- تقديم المساعدة لنظم الحكم من أجل تحقيق التفاهم، والاتفاق، والوئام بين الفئات الاجتماعية، وتحقيق الوحدة الوطنية، وتعبئة الرأي العام، عن طريق الإقناع، والحوار، بدلاً من استخدام القوة والعنف والإكراه للسيطرة على المجتمع.

أهداف الفرد من عملية الاتصال

يتعرض الفرد لتأثير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري من خلال ما تنقله إليه من خبرات وتجارب، واتصال الفرد بأفراد آخرين، ومروره بتجارب معينة تكسبه خبرات محددة ويتحول بذلك إلى مصدر من مصادر المعلومات، يستفاد من خبراته. وعملية الاتصال أساساً هي تفاعل لصلات فرد معين مع محيطه.

وحينما يتفاعل الإنسان مع المحيطين به، ويتقاسم معهم المعلومات والتجارب، يصبح هدفه الأساسي تغيير العلاقات القائمة بينه وبين ما يحيط به. محاولاً التقليل قدر الإمكان من التأثير الخارجي عليه، مدعماً من قدراته الذاتية ليتحول إلى قوة مؤثرة في ذلك المحيط. وباختصار: نحن نتصل لنؤثر بهدف معين. والاتصال الهادف هو الذي يحقق ردود فعل أو استجابة معينة لدى المستقبل ضمن عملية الاتصال. وفشل عملية الاتصال في تحقيق أهدافها يعود عادة إلى: 1- ضعف قدرات القائم بالاتصال وعجزه عن تحديد هدفه بدقة؛ 2- سوء فهمه للهدف الحقيقي من مساهمته في عملية الاتصال.

وقد أثبتت بعض الدراسات الإعلامية، عن القائمين بالاتصال في الولايات المتحدة الأمريكية، أن أغلبية القائمين بالاتصال والمسؤولين عن الأخبار الدولية، يهدفون من أدائهم لعملهم كسب احترام زملائهم، وتقدير رؤسائهم في العمل. أو السعي للعمل في وسيلة اتصال أكبر، أو شغل منصب في العلاقات العامة أو في خدمات الإعلان بحيث يوفر لهم دخلاً مادياً أكبر، متناسين الهدف الأساسي من عملهم وهو: خدمة الجمهور الإعلامي، وبذلك نراهم قد انصرفوا عن الهدف الأساسي نحو تحقيق مكاسب شخصية لا أكثر.

وتحليل أية رسالة إعلامية لا يمكن دون معرفة الهدف منها، وهذا الهدف لابد أن تكون له استجابات محددة لدى المتلقي، ودوافع تدفع المتلقي للتعرض للرسالة الإعلامية. ولابد أن تؤخذ كلها بعين الاعتبار لدى دراسة عملية الاتصال. وتنطوي عملية الاتصال عادة على نوعين من الاستجابات هما: 1- استجابة يهدف إليها صانع الرسالة الإعلامية؛ 2- استجابة يقدم عليها متلقي الرسالة الإعلامية.

وهنا يجب أن نراعي حقيقة أن أهداف القائم بالاتصال، لا تتلقى دائماً نفس الاستجابة التي هدف إليها القائم بالاتصال في رسالته الإعلامية، ولا تحقق التأثير المطلوب على الآراء والاتجاهات كما رسمها القائم بالاتصال في رسالته الإعلامية تلك.


عودة إلى …

اترك رد


أشهر التدوينات

تبرّع لدعم استمرار مدوّنة البخاري

مرة واحدة
شهري
سنوي

تبرّعك يعيننا للاستمرار

إنشاء تبرع شهري

إنشاء تبرع سنوي

اختيار مبلغ

€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00

أو إدخال مبلغ مخصص


تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تبرعالتبرع شهريًاالتبرع سنويًا