ومن الأمور الهامة التي تميز البشر عن غيرهم من المخلوقات الحية قدرتهم على خلق نظم معقدة للاتصال بينهم. فالإنسان كان ولم يزل يحتاج دائماً لوسائل تساعده على مراقبة الظروف المحيطة به، تنذره بالأخطار التي تنتظره، أو الفرص المتاحة للاستفادة منها. ووسائل تساعده على نشر المعلومات والقرارات والآراء والحقائق بين أفراد الجماعة الواحدة من البشر، أو بين الجماعات المتقاربة والمتباعدة. ووسائل تحفظ وتنقل تراث الأجيال السابقة إلى الأجيال الناشئة، ووسائل ترفه عن الإنسان وتشد عضده أمام صعاب الحياة اليومية.
وكانت وظائف الاتصال البسيطة من مهام بعض الأفراد في القبائل البدائية، عندما كان بعضهم يقوم بوظيفة الحراسة وتنبيه القبيلة كجهاز للإنذار المبكر عن الأخطار المحدقة بها عند اقتراب عدو ما، أو فرصة متاحة للصيد عند اقتراب قطيع من الحيوانات. وكان مجلس القبيلة يتمتع بسلطة اتخاذ القرارات والتأكد من تنفيذها. وكان من بين أفراد القبيلة من ينقل الأخبار والرسائل لأفراد القبيلة والقبائل المجاورة. وكان الشيوخ ينقلون للأجيال الصاعدة في القبيلة تراثها الديني والثقافي وعاداتها وتقاليدها. وكانت الأمهات يعلمن بناتهن أصول تحضير الطعام وتجهيز الملابس. وكان الآباء يعلمون أبنائهم أصول الصيد والقنص وفنون محاربة الأعداء. بينما تولى الرواة نقل القصص الشفهية المثيرة، والمغنون الأغاني المحببة لأفراد القبيلة، والراقصون الرقصات الدينية في المناسبات المختلفة.
وقد بقيت وظائف الاتصال التي كانت موجودة في المجتمعات البدائية، وانتقلت إلى المجتمعات الحديثة. بفارق تطور الوسائل والتقنيات الحديثة للاتصال التي أصبحت متشابكة ومعقدة وأكثر اتساعاً وشمولية مقارنة بتلك الوسائل التي كانت متاحة للإنسان في الماضي. وأصبحت وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية اليوم، نظاماً مفتوحاً أمام قوى التغيير. وأصبحت تصل إلى جمهور كبير يشمل كل سكان العالم تقريباً. وأصبحت تؤثر على آراء الناس وتصرفاتهم واتجاهاتهم وأسلوب حياتهم. والمادة المطبوعة التي كان يقرؤها في الماضي عدد محدود من البشر، أصبحت اليوم بمتناول ملايين البشر. واتسع نطاق شبكات البث الإذاعي منذ أن بدأت أولى الشبكات الإذاعية عملها عندما بدأت هيئة الإذاعة البريطانية BBC بثها المنتظم عام 1922، لتجد الصحافة المطبوعة نفسها مضطرة للتكيف مع المنافس الجديد (الإذاعة)، وحينما ظهر البث التلفزيوني بعد الحرب العالمية الثانية، كيفت الصحافة المطبوعة نفسها مرة أخرى، ولم تستطع هذه الوسيلة الحديثة للاتصال من إلغاء دور الصحافتين المطبوعة والمسموعة، وكل ما حدث أنها ساعدت على تطويرهما شكلاً ومضموناً. الأمر الذي جعل الكثيرين يؤمنون بقدرة وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري على التأثير في المجتمع وتغييره جذرياً. خاصة بعد أن دخلت تكنولوجيا الحاسب الآلي عام الاتصال الجماهيري وتمكن خبراء الحاسوب الخارق من زيادة سرعته إلى أربعمائة مليار عملية حسابية في الثانية في منتصف العام 1996. ومن المقدر أن تبلغ هذه السرعة ألف مليار عملية حسابية في الثانية قبل نهاية العام 1998 مما يفتح آفاقاً واسعة أمام شبكات الكمبيوتر لنقل وتخزين المعلومات بسرعة خارقة.










اترك رد