الإعلام وتحليل المضمون الإعلامي

أ. د. محمّد البخاري

الإقناع في نموذج كرونكيت

ركز كرونكيت، في نموذجه على الجوانب السيكولوجية التي تلعب دوراً عندما يحاول القائم بالاتصال التأثير من خلاله على اتجاهات فرد آخر. كما وركز كرونكيت، في نموذجه أساساً على تغيير الاتجاه، بحيث يحاول من يقوم بالإقناع تغيير سلوك المتلقي عن طريق جعل سلوك المتلقي يتوازن مع المنبهات التي يقدمها المصدر. أي أن يصبح الإقناع موجهاً نحو تغيير السلوك بدلاً من تغيير الاتجاهات.

والمفروض أن الاتجاهات التي لا يمكن رؤيتها تفسر السلوك، لهذا اهتم كرونكيت بالعلاقة بين المنبهات المستخدمة، وسلوك الإنسان الذي يتلقى المنبهات. وافترض أن الإنسان سوف يحاول تحقيق التوازن في العلاقات بين المنبه الذي يحصل عليه المتلقي واستجابته لهذا المنبه. وهو ما أسماه كرونكيت موضوع المفهوم أو المنبه الذي يحاول القائم بالاتصال تغييره. ولتحقيق هذا الهدف يلجأ القائم بالاتصال إلى منبه يؤثر على الدوافع أو مفهوم يؤثر على الدوافع. ويشترط هنا أن يقيِّم الإنسان هذا المنبه تقييماً إيجابياً وأن يقبل به. وعلى القائم بالاتصال أن يجعل المتلقي يرى علاقة إيجابية بين موضوع المنبه والمنبه الذي يؤثر على الدوافع.

ويذكر كرونكيت، عمليتين هامتين تدخلان ضمن عملية الإقناع: 1- أن يقوم القائم بالاتصال، وهو القائم بالإقناع، باختيار المؤثرات التي تؤثر على الدوافع، والمفاهيم التي يعرف أنها سوف تؤدي إلى استجابة قوية وايجابية عند المتلقي، وتقنعه بتغيير سلوكه؛ 2- أن يبين القائم بالاتصال المفاهيم التي تهدف التأثير على الدوافع المتصلة بشكل واضح بموضوع المفهوم، بحيث يستجيب المتلقي لموضوع المفهوم باستمرار وقوة كما يفعل حيال المفهوم الذي يؤثر على دوافعه.

لأن المتلقي يقبل أو يرفض الاقتراح الذي يشير بأن أي مفهوم من المفاهيم متصل أو غير متصل بمفهوم آخر. وقد لا يربط بين مفهومين يعرفهما. لذلك على القائم بالاتصال أن يعرف الحجج التي سيقدمها ويقبلها المتلقي كحقائق.

نموذج شريف، و هوفلاند، عن الحكم الاجتماعي

لا يهتم نموذج الحكم الاجتماعي الذي ابتكره مظفر شريف، وكارل هوفلاند، بشكل مباشر بمفهوم التوازن، خلافاً للنماذج الأخرى. بل أن الهدف الأساسي منه دراسة مكونات الاتجاه وكيف نغيره، والمتغيرات التي تؤثر على بنائه. ويهدف هذا النموذج إلى اكتشاف الظروف التي سوف تجعل الفرد أكثر أو أقل استعداداً للتغيير.

ويؤكد نموذج الحكم الاجتماعي، على أن الاتجاه هو جزء من العمليات السيكولوجية المعقدة التي تحدث داخل الفرد، ولا يمكن ملاحظتها بشكل مباشر. فالاتجاهات يمكن استنتاجها فقط من خلال سلوك الفرد الخارجي الظاهر. وتعتبر الأنماط الثابتة للسلوك الإنساني الأساس الذي يساعد على تفسير الاتجاه والمعروف أن الإنسان لا يولد ولديه اتجاهات، بل يكتسب هذه الاتجاهات من خلال تفاعله مع الظروف المحيطة به. ويكونها من خلال تفاعله مع الأفراد والجماعات والأشياء المحيطة به. وتتحول هذه الاتجاهات بالتالي وبمجرد تكونها وتدعمها إلى حالات سيكولوجية ثابتة تصبح عملية تغييرها صعبة ومعقدة كثيراً.

والاتجاهات وفقاً لمفهوم مظفر شريف، وكارل هوفلاند، هي: مجموعة من المهارات التي يتعلمها الإنسان ويستخدمها في تقييم المنبهات الجديدة بشكل إيجابي أو سلبي. وأن الإنسان يصنف الرسائل التي يتلقاها ضمن ثلاثة مجالات، هي: 1- مجال القبول: ويتضمن الرسائل الإعلامية والمواقف التي تحظى برضاه وقبوله أكثر من غيرها من الرسائل الإعلامية والمواقف الأخرى التي يعترض عليها، كما وتتضمن الرسائل الإعلامية والمواقف الأخرى التي تتفق نسبياً مع اتجاهاته؛ 2- مجال الرفض: ويتضمن الرسائل الإعلامية والمواقف التي يعترض عليها بشكل واضح. ويتضمن كذلك المواقف الأخرى التي يعترض عليها نسبياً بالمقارنة مع اتجاهاته؛ 3- مجال عدم الالتزام: ويتضمن الرسائل الإعلامية والمواقف التي لا يقبلها أو يرفضها، والرسائل الإعلامية التي لا يوجد لديه معلومات عنها أو التي لاتهمه لا من قريب ولا من بعيد.

وتغيير الاتجاه وفقاً لنموذج الحكم الاجتماعي ينطوي على تغيير المجالات التي كونها الإنسان عن موضوع أو اتجاه معين، ولما كانت الاتجاهات حالات سيكولوجية تتسم نسبياً بالثبات، فإننا إذا قسنا اتجاه فرد من الأفراد في أوقات مختلفة، فإننا سوف نجد أن بناء مجال اتجاهه سيكون تقريباً واحداً في تلك الأوقات المختلفة. ولكن إذا قدمنا للفرد سلسلة من الرسائل الإعلامية عن موضوع ما لديه اتجاه نحوه، فإنه سوف يصنف تلك الرسائل الإعلامية في مجالات القبول، أو الرفض، أو عدم الالتزام المتوفرة لديه. وحينما يحاول شخص ما إقناعه فإنه سيتلقى العديد من الرسائل الإعلامية والمواقف المصنفة في مجالات محددة تضاف إلى المجالات المتوفرة لديه أو تعدل في تركيب تلك المجالات.

وإضافة معلومة جديدة أو موقف جديد إلى مجالات الفرد ليس بالضرورة أن يحدث تغييراً في اتجاهاته. لأن البشر غير مستعدين جميعاً بنفس القدر لتغيير اتجاهاتهم واتصال الموضوع بذات الفرد أو أهميته بالنسبة له هو عنصر هام من عناصر استعداد المتلقي للتغيير. فالاتجاهات قد تكون هامة أو غير هامة، لأن البشر مختلفين في الاتجاهات نحو الأشياء الموجودة في الظروف المحيطة بهم. وكلما كان الموضوع مهماً بالنسبة لهم، كلما زاد اتصالهم بذاتهم، وكلما قلت أهميته بالنسبة لهم كلما قل اتصالهم بذاتهم. وكلما زاد اتصال الموضوع بذات الفرد كلما كان تغيير الاتجاه نحوه صعباً لأنه في هذه الحالة تكون مجالات القبول وعدم الالتزام محدودة، ومجالات الرفض كبيرة مثال المواقف التالية: 1- إذا كان الأفراد الذين يتصل الموضوع بذاتهم يؤيدون مرشحاًَ معيناً بشدة، فالرسائل الإعلامية الوحيدة التي سيضعونها في مجال القبول، هي تلك التي تؤيده. وسوف ترفض العبارات التي تهاجمه. وهنا استعداد الفرد للتغيير ضئيلة جداً؛ 2- الأفراد الذين لا يتصل الموضوع بذاتهم إلا اتصالاً بسيطاً أو معتدلاً، هم أكثر استعداداً للاقتناع لأن مجالات القبول وعدم الالتزام عندهم كبيرة بعض الشيء، ومجال الرفض عندهم أقل. وإذا كان اتجاه الأفراد نحو المرشح المعين معتدلاً، فسيقبلون الرسائل الإعلامية التي تعنيه أكثر. وفي هذه الحالة ستزيد نسبة العبارات التي لا تلزمهم بشيء نحوه، وستقل نسبة ما يرفضونه. أما الأفراد الذين لا يهمهم الموضوع، فإن مجالات القبول وعدم الالتزام عندهم كبيرة، ومجال الرفض ضئيل، وهم أكثر استعداداً لتغيير اتجاهاتهم؛ 3- الأفراد الذين يهمهم الموضوع ويتصل بذاتهم لا يرون إلا الجانب الذي يعتقدون أنه صحيح، ويرفضون كل التفسيرات والبدائل الأخرى. وكلما قلت لديهم أهمية الموضوع كلما زاد استعدادهم لتلقي أفكار مختلفة عنه. وبمجرد أن يصبح الفرد مستعداً لتلقي البدائل فإن تغيير اتجاهاته تصبح أكثر احتمالاً، ومما يزيد الاستعداد للاقتناع، أن يؤمن المتلقي بصدق مصدر المعلومات، وصدق القائم بالاتصال ناقل الرسالة الإعلامية.

نموذج تحصين المتلقي ضد الإعلام المضاد

عرفنا مما سبق أسباب وطرق تغيير الاتجاهات والسلوك لدى الجمهور، ولكنا لم نتعرف على أساليب وطرق غرس مقاومة التغيير عند المتلقي. وهناك طرقاً عدة تجعل المتلقي يتصدى للتغيير في ظروف معينة. ومن الأساليب الفعالة لتحصين المتلقي ضد الإعلام المضاد: 1- استخدام أسلوب الالتزام السلوكي الذي يدفع المتلقي من خلال إيمانه برأي معين للتعبير عنه علناً. وهذه العلنية تفرض عليه التزاماً بما صرح به، وعدم محاولة التراجع كي لا يفقد مصداقيته بين المحيطين به. وبهذا يصبح المتلقي ملتزماً اجتماعياً بتأييد رأي معين، وهي طريقة فعالة للتأكد من مقاومته للإقناع المضاد؛ 2- ربط معتقداته بأشياء أخرى يعرفها. وبالقيم المشتركة المقبولة التي تجعل من المتلقي أكثر مقاومة للآراء التي تستهدف تغيير اتجاهاته. ولضمان مقاومته للإقناع المضاد، لابد من ربط الاعتقاد بجماعات مرجعية تحظى بتقدير واحترام كبير لديه؛ 3- إثارة الخوف والقلق وزيادة التوتر عند المتلقي من نتائج غير مرغوبة لديه، مما يجعله يقاوم الرسائل الإعلامية المضادة.

ومن المعروف أن تحصين الإنسان ضد مرض معين يتم من خلال إعطائه جرعة بسيطة من ميكروب المرض لتحقيق هدف التحصين ضد هذا المرض. وهو ما يمكن أن ينطبق على عملية الاتصال، عندما نزيد من مقاومته عن طريق إعطائه جرعات بسيطة من الحجج التي قد يستخدمها الإعلام المضاد بهدف تحويله عن رأي الإعلام المضاد. وهذا أفضل من إعطائه الحجج المساندة للرأي الذي نريده فقط. وقد أثبتت بعض التجارب أن الجمع بين تأثير الدفاع بالحجج المؤيدة، وتأثير الدفاع بالحجج التي تفند الإعلام المضاد، يعطي فاعلية أكثر من استخدام أي من الأسلوبين منعزلاً عن الآخر.

وقد وجد كلاً من ماجواير، وباباجيورجيس، أن وجود الإنذار أو التحذير المسبق سيجعل من كل أساليب الدفاع، سواء أكانت بالتأييد أو التفنيد، أكثر فاعلية. فبمجرد معرفة أن هناك تهديداً بخطر محدق يدفع المتلقي للتيقن من استخدام جميع أساليب الدفاع المتوفرة لديه أفضل استخدام، كما أنه سيدرب نفسه على تقديم الحجج المضادة الجيدة، بل وقد يذهب إلى أبعد من ذلك فيبتكر بعض الحجج الإضافية.


عودة إلى …

اترك رد


أشهر التدوينات

تبرّع لدعم استمرار مدوّنة البخاري

مرة واحدة
شهري
سنوي

تبرّعك يعيننا للاستمرار

إنشاء تبرع شهري

إنشاء تبرع سنوي

اختيار مبلغ

€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00

أو إدخال مبلغ مخصص


تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تبرعالتبرع شهريًاالتبرع سنويًا