
تمهيد:
نحو تحوّل جذري في التوازنات
شهدت أواخر عام ١٨٦٠ تطوّرات مأساوية غيّرت وجه الشام العثمانية إلى الأبد. لم تكن الأحداث الدموية في جبل لبنان ودمشق مجرّد نزاع طائفي عشوائي، بل حلقة مدبّرة في مخطّط أوسع هدف إلى إعادة ترتيب القوى في المنطقة. وقف الدروز في قلب هذه الأحداث، ليس مجرّد طرف في صراع، وإنّما كأداة في لعبة دولية معقّدة سعت لتحويل مراكز نفوذهم من جبل لبنان الاستراتيجي إلى أراضي جبل حوران النائية.
عام ١٨٦٠ وعدت بريطانيا الدروز بإمارة جبل لبنان، كسب الدروز المعارك وانتصروا بالمجازر، فأرسلت فرنسا ٦٠٠٠ جندي بسطوا سيطرة المسيحيّين على الجبل. هذه الهزيمة دفعت بريطانيا لنقل السلطة الدرزية إلى جبل حوران في محاولة لتأسيس إمارة بديلة، على بعد خطوات من دمشق.
بدأت القصة بفقدان الدروز لسلطاتهم السياسية والإقطاعية في جبل لبنان عقب تحوّل أسرة شهاب إلى المسيحية. هذا التحوّل الديني لم يكن مجرّد قرار شخصي، بل ترك تداعيات سياسية عميقة أضعفت النفوذ الدرزي التقليدي في المنطقة. في الأصل عاشت الطائفتان، المارونية والدرزية، في انسجام وتعايش عبر قرون طويلة، تربطهما علاقات ودّية متجذّرة في التاريخ والمصالح المشتركة. خصوصاً بعد انهيار إمارات الصليبيّين.
غير أنّ التوازن الدقيق بدأ ينهار مع عودة النزاعات المريرة تحت حكم الأمير الجديد بشير شهاب الثالث، الذي عيّنه السلطان العثماني عبد المجيد الأول في أيلول سبتمبر ١٨٤٠، في أعقاب مذبحة دمشق الأولى وإبادة الكاثوليك لليهود بتوجيه فرنسي. تصاعدت هذه النزاعات بسبب فرمانات ١٨٣٩ و ١٨٥٦ التي ساوت بين وضع الرعايا المسلمين وغير المسلمين، فاستاء المسلمون من فقدان تفوّقهم الضمني في الدولة العثمانية.
الاستراتيجية الأوروپية:
فرّق تسُد
اتّبعت السلطات العثمانية تحت النفوذ البريطاني والفرنسي استراتيجية “فرّق تسُد” بعناية مدروسة. أسّست القوى الأوروپية المختلفة تحالفات مع المجموعات الدينية المختلفة في المنطقة حَسَبَ مصالحها الاستعمارية، واقتضى هذا إنشاء هويّات متمايزة وعازلة للمجموعات الدينية المتنوّعة. أقامت فرنسا تحالفاً مع مسيحيّي لبنان، في حين رسّخ الدروز تحالفاً مع البريطانيّين، الذين سمحوا لهم بإرسال مبشّرين پروتستانت إلى المنطقة.
هذا التحالف البريطاني-الدرزي لم يكن صدفة، بل جزء من استراتيجية أوسع لمواجهة النفوذ الفرنسي المتزايد. أدركت بريطانيا أهمّية السيطرة على الطرق التجارية في المنطقة، خاصّة طريق الحرير المربح الذي يربط بين آسيا وأوروپا. كانت فرنسا والولايات المتّحدة الأميركية هما الدافع والمحرّك الأساسي لهذا النزاع، بهدف إظهار أنّ لبريطانيا أطماع عسكرية في جبل لبنان وعموم الشام، فتبرّر إرسال قوّاتها إلى الجبل لفرض السلام ولحماية استثماراتها وامتيازاتها، لتستأثر بالتالي بتجارة الحرير الشامي إلى أوروپا والعالم.

انتفاضة كسروان:
شرارة الاشتعال
فشل نظام جبل لبنان في حفظ النظام عندما ثار فلّاحو كسروان، المثقلون بالضرائب الباهظة، ضدّ الممارسات الإقطاعية السائدة في جبل لبنان. طالب طانيوس شاهين، زعيم الفلّاحين الموارنة، عام ١٨٥٨ الطبقة الإقطاعية بإلغاء امتيازاتها. رفضت الطبقة الإقطاعية المطلب، فبدأ الفلّاحون الاستعداد للثورة.

أطلق شاهين في كانون الثاني يناير ١٨٥٩ انتفاضة مسلّحة ضدّ المقاطعجية الموارنة من آل خازن في كسروان. نُهبت أراضي آل خازن وأُحرقت منازلهم. وأسّس الفلّاحون الثائرون حكومتهم الخاصّة بعد طرد السادة الإقطاعيّين الموارنة من كسروان والاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم.
أحدثت انتفاضة كسروان أثراً ثوريّاً في مناطق أخرى في لبنان. انتشرت الاضطرابات إلى اللاذقية ووسط جبل لبنان. بدأ الفلّاحون الموارنة، بدعم ناشط من رجال دينهم، الاستعداد لانتفاضة مسلّحة ضد سادتهم الدروز. بدأ السادة الدروز بالمقابل، المتردّدون في مواجهة تأكيد الفلّاحين الموارنة المتنامي لذاتهم بسبب الخلل العددي لمصلحة الموارنة، تسليح متطوّعين دروز غير نظاميّين.
الدروز يستعدّون للحرب
شعر السادة الدروز بالتهديد المتزايد لمواقعهم. بدأوا الاستعداد للحرب مع تنسيق مزعوم مع السلطات العثمانية المحلّية، غير أنّ التنسيق كان في الواقع مع السلطة الإمبراطورية البريطانية. في حين أشرف المطران عون على توزيع الأسلحة على الفلّاحين الموارنة. عقد المقاطعجية الدروز مجلساً للحرب في المختارة، مع شن الميلشيات المارونية غارات في المتن وقوّات شاهين تقوم بتوغّلات في منطقة الغرب غرب بيروت. اتّفقت فصائل الجنبلاطي ونظراؤهم اليزبكيّون الأكثر تشدّداً على تعيين سعيد جنبلاط قائداً عاماً لهم.
اندلاع الحرب:
انتصارات درزية متتالية

معركة بيت مرّي وسيطرة الدروز على المتن
حدّدت معظم المصادر بداية الحرب في ٢٧ أيّار مايو ١٨٦٠. ظهر أوّل تفجر كبير للعنف عندما ذهبت فصائل مارونية من كسروان بقيادة طانيوس شاهين، قوامها ٢٥٠ مقاتلاً، لجمع محصول الحرير من الناعمة، لكنّها توجّهت إلى بعبدا في منطقة الساحل قرب بيروت بدلاً من العودة إلى كسروان.
رأت القيادة الدرزية المحلّية في الحشد الماروني في بعبدا استفزازاً للدروز في منطقة المتن المختلطة. وتحوّل التوتّر إلى نزاع مفتوح في ٢٩ أيّار مايو خلال هجوم درزي على قرية بيت مرّي المختلطة. أحرق الدروز، بدعم قائد كردي للقوّات غير النظامية يدعى إبراهيم آغا، والمقاتلون الموارنة منازل الطائفة المنافسة في بيت مرّي.
تصدّى للموارنة الكسروانيّين ١٨٠٠-٢٠٠٠ مسلّح درزي بقيادة عشيرتي طلحوق وأبو نكد. سيطر المقاتلون الدروز مع نهاية ٣١ أيّار مايو سيطرة كاملة على المتن، مع انتشار الاشتباكات، وأُحرقت نحو ٣٥-٤٠ قرية ذات أغلبيّة مارونية وقُتل نحو ٦٠٠ ماروني في المنطقة.
مجزرة دير القمر الأولى
تحت قيادة بشير نكد وبدعم من عشيرتي عماد وجنبلاط، حاصرت قوّات درزية دير القمر في أواخر أيّار مايو. أفادت تقارير من البلدة للقناصل الأوروپيّين في أوائل حزيران يونيو ببدء المجاعة. وشنّت قوّات بشير، البالغة نحو ٣٠٠٠ مقاتل درزي، هجوماً على دير القمر في ٢ حزيران يونيو وهجوماً آخر في اليوم التالي.
أبدى المدافعون المسيحيّون في دير القمر مقاومة شديدة في البداية وألحقوا خسائر فادحة بالقوّات الدرزية. لكن، استسلمت دير القمر بعد ثماني ساعات من الهجوم الدرزي في ٣ حزيران يونيو، جزئيّاً نتيجة انقسامات داخلية بين فصائل البلدة المسيحية. نهب الدروز دير القمر بعد استيلائهم عليها حتى ٦ حزيران يونيو ودمّروا ١٣٠ منزلاً.
مذبحة حاصبيا:
نموذج للمكر والخداع
استمرّ القتال بين أمراء شهاب بقيادة سعد الدين شهاب والدروز بقيادة سعيد الشمس وسعيد جنبلاط منذ أواخر أيّار مايو في وادي التيم. تدخّلت تعزيزات عثمانية طارئة بقيادة يوسف آغا كرم لدعم الحامية العثمانية بقيادة عثمان بك، وأوقفت القتال في حاصبيّا قبل أن تصبح الخسائر فادحة.

استخدم الدروز والإنگليز استراتيجية الخداع. لجأ جزء كبير من مجتمع حاصبيا المسيحي، بنصيحة من عثمان بك، إلى دار الحكومة وسلّموا أسلحتهم، البالغة نحو ٥٠٠ بندقية. فنهب الدروز الأسلحة المُسلّمة سريعاً، وذكر القنصل البريطاني أنّ هذه كانت نيّة عثمان بك الفعلية بتوجيه من المخابرات البريطانية.
تلقّى دروز وادي التيم تعزيزات عديدة من مجدل شمس وإقليم البلان وسهل حوران، ودعمهم عثمان بك سرّاً. واحتشدت القوّات الدرزية حول حاصبيا في ٣ حزيران يونيو بقيادة القادة علي بك حمادة وكنج أحمد وحسن آغا طويل. هزمت القوّة الدرزية الأكبر المسيحيّين في ٤ حزيران يونيو بعد هجوم استمرّ ساعة.
هاجمت القوّات الدرزية دار الحكومة بعد استيلائها على حاصبيّا. بحث الدروز أوّلاً عن ١٧ رجلاً من آل شهاب وقتلوهم، منهم الأمير سعد الدين، الذي قُطع رأسه وأُلقي من سطح المبنى المؤلف من ثلاثة طوابق. ذبح المقاتلون الدروز نحو ١٠٠٠ ذكر مسيحي، بالغين وأطفالاً، وأبقوا على النساء.
الهجوم على راشيّا:
استكمال السيطرة على وادي التيم
تصاعد العنف في وادي البقاع الجنوبي بعد انتصار الدروز في حاصبيا. هرب المسيحيّون في ٨ حزيران يونيو من ضهر الأحمر والمناطق المجاورة إلى راشيا، التي ضمّت حامية عثمانية، طلباً للحماية. تجمّعت قوّة درزية من ٥٠٠٠ مقاتل خارج راشيا بحلول ١١ حزيران يونيو، تألّفت من مقاتلين دروز محلّيّين وقوّة درزية شاركت في معركة حاصبيا السابقة وقوّات درزية تحت قيادة إسماعيل الأطرش.
انقسمت القوّة الدرزية إلى مجموعتين رئيستين، هاجمت إحداهما قرية آيا المسيحية واقتحمت الأخرى راشيا. قتل أمراء شهاب في راشيا باستثناء اثنين. هاجم الدروز دار الحكومة وقتلوا الرجال بداخلها، شاملاً القساوسة. فبلغ عدد القتلى المسيحيّين في مذبحة حاصبيا والهجوم على راشيا والقرى المجاورة نحو ١٨٠٠ شخصاً.
معركة زحلة:
نهاية المقاومة المسيحية
طلب المسيحيّون الزحليّون، بقيادة عبدالله أبو خاطر، الدعم من قادة الميليشيّات المارونية. رفض طانيوس شاهين الطلب خوفاً من استفزاز السلطات العثمانية، وفضّل يوسف الشنتيري انتظار تحرّكات شاهين أو كرم أولاً. استجاب يوسف بك كرم للطلب وجمع قوّة من ٤٠٠٠ مقاتل، لكنّها توقّفت عند قرية بكفيا في المتن. أوضح كرم بعد انتهاء النزاع أنّه توقّف بسبب منعه من التقدّم من قِبل القنصل الفرنسي وضغطه على السلطات العثمانية.
بلغ عدد القوّات المسيحية في زحلة نحو ٤٠٠٠ مقاتل، معظمهم من زحلة، مع ٤٠٠ فارس من بسكنتا وقوّة أصغر من المتن. جهّز المقاتلون الزحليّون دفاعات المدينة بحفر خنادق عميقة حولها، وبناء جدار من الطوب على حافتها الجنوبية، وتحصين أجزاء من طرقها وممرّاتها الضيّقة.
أطلق الدروز هجومهم في ١٨ حزيران يونيو بقيادة خطّار عماد، مدعومين بفلّاحين شيعة وفرسان بدو سردية سنّة من حوران (٣٠٠٠ مقاتل بالمجمل). نظّم الدروز هجومهم بدقّة، فهاجمت بعض قوّاتهم الجهات الشرقية والجنوبية والغربية المحصّنة جيداً، في حين شنّت مجموعة عماد هجوماً مفاجئاً على المدينة من الشمال.
أهمل الزحليّون تحصين شمال زحلة لظنّهم أمان تلك الجهة بسبب الوجود المسيحي الكثيف هناك. أخفى عماد هوية مجموعته بإلباسهم صلباناً وأعلاماً مسيحيّة أخذوها من مقاتلين مسيحيّين قتلى في معارك سابقة. رحّب المدافعون بحماس بعماد ورجاله عند اقترابهم من زحلة من الشمال، معتقدين أنّهم رجال كرم.
بدأت قوّات عماد الدرزية بإحراق الأحياء الشمالية فور دخولها زحلة. اقتحمت قوّات درزية بقيادة إسماعيل الأطرش المدينة عندما شاهدت النيران تتصاعد من شمال زحلة. وسيطر الدروز على زحلة خلال ساعات. فرغت المدينة من سكّانها بحلول ١٩ حزيران يونيو. وخسر المسيحيّون بين ٤٠ و٩٠٠ قتيل، وخسر الدروز وحلفاؤهم بين ١٠٠ و١٥٠٠ قتيل.
حملت نتيجة المعركة في زحلة أهمّية كبيرة للطرفين في الحرب. خسر المسيحيّون بسقوط أقوى مدينة مسيحية قاعدة دعمهم الرئيسية. وكان آمن كثير من مسيحيّي جبل لبنان باستحالة هزيمة زحلة. رفع انتصار الدروز في زحلة معنويّات قوّاتهم لأنّ سقوطها رمز إلى نصرهم الكامل على مسيحيّي جبل لبنان، فسيطروا عليه بلا منازع.
مجزرة دير القمر الثانية:
الضربة الأخيرة
جدّد الدروز هجومهم على دير القمر في ٢٠ حزيران يونيو بعد نصرهم الحاسم في زحلة. نجح بعض السكّان الأغنياء في الأسابيع السابقة بالوصول إلى بيروت أو الحصول على حماية سعيد جنبلاط في المختارة. وظلّ آلاف المسيحيّين في دير القمر ومنع المقاتلون الدروز كثيرين من المغادرة.
سُحبت أسلحة المسيحيّين قبل ٢٠ حزيران يونيو إمّا بنصيحة من حاكم المنطقة مصطفى شكري أفندي أو ضابط عثماني من حامية بيروت يُدعى طاهر باشا. نصحت السلطات العثمانيّة المسيحيّين بنزع السلاح لتجنّب استفزاز الدروز. وطمأن القنصل الفرنسي المسيحيّين لتسليم أسلحتهم بحجّة الحماية الفرنسية.
تدفّق المقاتلون الدروز من المختارة وبعقلين وعين التينة ومنطقة العرقوب ومنطقة المناصف وبطمة والجديدة والشحاحير وعمّاتور إلى دير القمر من عدّة اتجاهات. قاد الشيخ قاسم عماد جزءاً على الأقل من هذه القوّات. وبضغط بريطاني أحجمت القوّات العثمانية المؤلّفة من ٤٠٠٠ جندي في دير القمر عن مواجهة الدروز القادمين.
هاجم الدروز دار الحكومة في صباح ٢٠ حزيران يونيو وقتلوا الذكور المحتمين فيها، وجميعهم كانوا عُزّلاً من السلاح. أفاد القناصل الأوروپيّون الذين شهدوا عمليات القتل أو آثارها بتعرّض نساء كثيرات للاعتداء بشكل غير مسبوق. ونهب الدروز بعد ذلك دير القمر، المعروفة بثرائها.
قُتل ما بين ١٢٠٠ و ٢٢٠٠ مسيحي في الهجوم وفرّ كثيرون آخرون. وانخفض عدد سكّان دير القمر بحلول تشرين أوّل أكتوبر ١٨٦٠ من نحو ١٠٠٠٠ قبل النزاع إلى ٤٠٠. ثمّ أنهت الهدنة المتفاوض عليها بين مشايخ الدروز والسلطات “المرحلة الأكثر عنفاً من الحرب الأهلية” في جبل لبنان.
امتداد العنف إلى دمشق:
تصفية الحسابات

التمهيد للعاصفة
وصلت التقارير الأولى عن الحرب في جبل لبنان إلى دمشق مختصرةً، ثم تطوّرت إلى روايات أكثر تفصيلاً من صحف بيروت والنازحين المسيحيّين من جبل لبنان. انتشرت هذه التقارير مشوّهةً أو مضخّمةً في المساجد والكنائس والأسواق والأحياء في كلّ أنحاء المدينة. وزادت الأخبار والشائعات التوتّرات القائمة بين المسلمين والمسيحيّين في دمشق.
احتفل مسلمون ودروز في أنحاء إيالة شام بسقوط زحلة، المدينة التي رآها كثير من مسلمي دمشق “متغطّرسة ومتفرنسة”. ودفعت الحرب موجة من النازحين المسيحيّين إلى دمشق، معظمهم من النساء والأطفال من حاصبيا وراشيا. بلغت تقديرات اللّاجئين المسيحيّين في دمشق بنهاية حزيران يونيو ما بين ٣٠٠٠ و٦٠٠٠، معظمهم من الروم الأرثوذكس.
اندلاع المذبحة
خرّبت مجموعة من المراهقين المسلمين في ٨ أو ٩ تمّوز يوليو ممتلكات مسيحية، مثل تعليق الصلبان حول أعناق الكلاب وربطها بذيولها، ورسم الصلبان على الأرض ليجبروا المشاة المسيحيّين على المشي فوق رموزهم الدينية. ألقت حكومة دمشق القبض على بعضهم، وقُيّدوا وأُرسلوا إلى الحي المسيحي مع مكانس لكنس الشوارع.
صرخ عبد الكريم السمّان، شقيق إحدى الفتيان المعتقلين، على الحراس العثمانيّين بإطلاق سراح الفتيان، وطاردهم بعصا. وانضمّ إلى السمّان أقاربه وجيرانه وأصدقاؤه والمارّة، فضربوا الحراس وأخلو سبيل الفتيان. فحرّض السمّان بعدها الحشد على الثورة والانتقام من المسيحيّين. منحت هذه الفوضى حشود الدروز فرصة للهجوم على دمشق.
تألّفت الحشود، المقدرة بين ٢٠٠٠٠ و ٥٠٠٠٠، من فلّاحين دروز، ومقاتلين أكراد غير نظاميّين، ومشاغبين من أحياء المدينة. حطّم المقاتلون الأكراد غير النظامييّن من الصالحية شمدين بوّابات مسجد الأقصاب المؤدّية إلى الحي المسيحي.
تلقّى صالح زكي بك ميرالاي وجنوده أوامر بالانسحاب من مواقعهم في منتصف النهار. إذ فقد الضبّاط العثمانيّون السيطرة على جنودهم، فانضمّ بعضهم إلى المشاغبين أو قادوهم. وبدأ المقاتلون الأكراد غير النظاميّين تحت قيادة محمّد سعيد بك، ابن شمدين آغا، بالقتل والاغتصاب والنهب في الحي المسيحي.
استمرّت المذبحة سبع أيام مروّعة. نهب المهاجمون المنازل والمتاجر، وأحرقوا القنصليّات الأجنبية. وهاجمت الحشود القنصليّة الروسية وأحرقتها وقتلت ترجمانها خليل شحادة، ثم أحرقوا القنصليّات الفرنسية والهولاندية والنمساوية والبلجيكية.

دور عبد القادر الجزائري:
بطل وسط الظلام
برز عبد القادر الجزائري أهمّ شخصية مسلمة تبذل جهوداً منظّمة لتخفيف التوتّرات. استخدم مكانته بصفة بطل للمقاومة العربية ضدّ الفرنسيّين في الجزائر، فبدأ مساعيه الدبلوماسية والتقى تقريباً بكل قادة المجتمع المسلم في دمشق ومحيطها.

كلّف عبد القادر نحو ١٠٠٠ من رجاله، معظمهم جزائريّون، بالدفاع عن المسيحيّين الدمشقيّين. لجأ القنصلان الروسي واليوناني وموظّفو القنصلية الفرنسية إلى منزل عبد القادر. وأجلى رجال عبد القادر المبشّرين الفرنسيّين اللازاريّين من ديرهم، وكذلك راهبات المحبّة الفرنسيّات مع مئة وخمسين طفلاً في رعايتهن.
هاجم الأكراد غير النظاميّين منزل عبد القادر الذي أوى مسيحيّين كثيرين، لكنّه خرج مع رجاله وهدّدهم بإطلاق النار. فعثرت الحشود على معظم المسيحيّين المختبئين في الأقبية وأسطح المنازل والمراحيض في الحيّ وهاجمتهم، لكن نجا معظم المختبئين في الآبار من الاكتشاف وأنقذهم رجال عبد القادر.
التداعيات والنتائج الاستراتيجية

الحصيلة الدموية
بلغ عدد القتلى في جبل لبنان والمناطق المجاورة بين ٧٠٠٠ و١١٠٠٠ حسب معظم المصادر، مع ادّعاء البعض بتجاوز العدد ٢٠٠٠٠ أو ٢٥٠٠٠ قتيل. ذكرت رسالة في صحيفة الديلي نيوز الإنگليزية في يوليو ١٨٦٠ مقتل ما بين ٧٠٠٠ و٨٠٠٠ شخص، وترمّل ٥٠٠٠، وتيتّم ١٦٠٠٠.
تحدّث جيمس لويس فارلي عن تدمير ٣٢٦ قرية و٥٦٠ كنيسة و٢٨ كلّية و٤٢ ديراً و٩ مؤسّسات دينية أخرى بشكل كامل. أشارت تقديرات أخرى إلى تدمير ٣٨٠ قرية مسيحية. انتشرت موجة نزوح كبيرة في المنطقة، فهجر آلاف المسيحيّين مدنهم وقراهم، متّجهين نحو المدن الساحلية.

التدخّل الأوروپي والاستعماري
أرسلت فرنسا ستة آلاف جندي إلى جبل لبنان، معلنة نفسها حامية المسيحيّين. وسارعت بريطانيا إلى إيفاد اللّورد دفرين للتحقيق في الأحداث، محاولة موازنة النفوذ الفرنسي المتصاعد. وأرسل السلطان العثماني فؤاد پاشا إلى دمشق، مزوّداً بصلاحيات واسعة لإعادة النظام.
نفّذ فؤاد پاشا إجراءات حازمة، فأعدم مئة وعشرة من المشاركين في المذابح، ونفى خمسمئة آخرين إلى سجون البلقان. ونتجت عن البعثة الفرنسيّة نتيجة مهمّة هي تأسيس حكم ذاتي لمتصرّفية جبل لبنان عن الشام العثمانية، مع تعيين السلطان داوُد باشا، الحاكم الأرمني المسيحي من القسطنطينية، في ٩ حزيران يونيو ١٨٦١. وخسر الدروز هكذا جبل لبنان إلى الأبد.
الدروز وجبل حوران:
الانتقال الاستراتيجي

فقدان السيطرة على جبل لبنان
برغم انتصاراتهم العسكرية الساحقة، أدرك الدروز أنّ موقعهم في جبل لبنان لم يعد قابلاً للاستمرار. التدخّل الأوروپي المباشر وإقامة متصرّفية جبل لبنان تحت الحماية الفرنسية أنهى عملياً السيطرة الدرزية التقليدية على المنطقة. وأصبح واضحاً أنّ القوى الاستعمارية تسعى لاستخدام المأساة لتعزيز نفوذها في المنطقة.
التحوّل نحو جبل حوران
بدأ الدروز التطلّع نحو جبل حوران في سوريا الحالية بديل استراتيجي لمواقعهم في جبل لبنان. هذا الانتقال لم يكن مجرّد هجرة، بل كان جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب القوى في المنطقة. جبل حوران، بموقعه الاستراتيجي على حرف الصحراء وقرب دمشق وموانئها وفلسطين، وفّر للدروز فرصة لإعادة بناء نفوذهم بعيداً عن التدخّل الأوروپي المباشر.
الدعم الخارجي للانتقال
أدّت بريطانيا دوراً مهمّاً في تسهيل هذا الانتقال. ساعد النفوذ البريطاني في المنطقة، خاصّة مع القبائل البدوية والحكّام المحلّيّين، في تأمين الطريق للدروز نحو حوران. وخدم هذا التحرّك المصالح البريطانية في إبعاد الدروز عن النفوذ الفرنسي المتزايد في جبل لبنان.
ظهرت إشارات هذا التحوّل خلال المعارك نفسها، عندما وصلت تعزيزات درزية من مجدل شمس وإقليم البلان وسهل حوران لدعم إخوانهم في وادي التيم. هذه الروابط الموجودة مسبقاً سهّلت عملية الانتقال اللّاحقة.
النتائج طويلة المدى
أدّى هذا الانتقال إلى تغيير جذري في خريطة النفوذ الدرزي في المنطقة. في حين فقد الدروز سيطرتهم على جبل لبنان الاستراتيجي، نجحوا في إقامة مراكز نفوذ جديدة في جبل حوران. أثّر هذا التحوّل على التوازنات الطائفية والسياسية في كلّ من لبنان وسوريا لعقود لاحقة.
أصبح جبل حوران، المعروف لاحقاً باسم “جبل الدروز”، مركز الثقل الدرزي الجديد في المنطقة. ومن هناك، أدّى الدروز أدواراً مهمّة في تاريخ سوريا الحديث، بما في ذلك دورهم في الثورة العربية الكبرى والمقاومة ضدّ الانتداب الفرنسي… مدفوعين بالولاء لمصالح بريطانيا.

دروس من مأساة مدبّرة
لم تكن الحرب الأهلية الشامية ما بين ١٨٣٤-١٨٦١ مجرّد نزاع طائفي عفوي، بل كانت حلقة في مسلسل التدخّلات الأوروپية الرامية لإعادة ترتيب المنطقة. استُخدم الدروز أداة في هذه اللّعبة الكبرى، حيث حقّقوا انتصارات عسكرية ساحقة لكنّهم خسروا في النهاية مواقعهم التاريخية في جبل لبنان.
أظهرت الأحداث كيف يمكن للقوى الخارجية أن تستغلّ التوتّرات المحلّية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. نجحت فرنسا وبريطانيا في تحقيق أهدافهما: فرنسا عزّزت نفوذها في لبنان، وبريطانيا نقلت الدروز إلى مناطق أبعد عن النفوذ الفرنسي.
يمثّل التحوّل الدرزي نحو جبل حوران نموذجاً لكيفية تأقلم المجتمعات المحلّية مع التغيّرات الجيوسياسية الكبرى. برغم الخسائر الفادحة، نجح الدروز في إعادة ترتيب أنفسهم وإقامة مراكز نفوذ جديدة، مما مكّنهم من الاستمرار قوّة مؤثّرة في المنطقة. غير أنّ هذا التحوّل كان على حساب المسلمين والمسيحيّين، السكّان الأصليّين لجبل حوران.
تذكّرنا المأساة الإنسانية التي عاشتها المنطقة عام ١٨٦٠ بخطورة السماح للقوى الخارجية بالتلاعب بالتوازنات المحلّية. العواقب الكارثية لتلك الأحداث ما زالت تلقي بظلالها على المنطقة حتى اليوم، مؤكّدة أهمّية الحوار والتفاهم بين مكوّنات المجتمع الواحد لمواجهة التحدّيات الخارجية.
حصيلة حرب ١٨٦٠ كانت مقتل ١٧٠٠٠-٢٠٠٠٠ مسيحي على يد الدروز. جبل لبنان: ١٢٠٠٠-١٥٠٠٠ قتيل (حسب أحدث البحوث الأكاديمية)، دمشق: ٥٠٠٠ قتيل خلال ٨ أيام (تمّوز يوليو ١٨٦٠). إجمالي الضحايا والمتضررين: حوالي ٣٨٠٠٠-٤٠٠٠٠ شخص
تركت هذه الحرب ٥٠٠٠ أرملة، و ١٦٠٠٠ يتيم، وآلاف النازحين واللّاجئين. إلى جانب ترك ٣٨٠ قرية مدمّرة بالكامل، ٥٦٠ كنيسة محطّمة، ٤٢ ديراً مدمّراً، ٢٨ كلّية مدمّرة، وفي دمشق: ١٥٠٠ منزل محروق و ٢٧٠ منزل مدمّر و ٢٠٠ متجر مهدّم.
هذا التقدير مستند إلى كتاب “أحداث دمشق” (٢٠٢٤) للمؤرّخ يوجين روگان من جامعة أوكسفورد، والكتاب أحدث وأشمل دراسة أكاديمية في هذه الأحداث، بالإضافة إلى المراجع التاريخية الموثّقة الأخرى. تضع هذه الأرقام مأساة ١٨٦٠ بمنزلة أكبر كارثة إنسانية في تاريخ الشام الحديث.
المراجع
- ابن أبكاريوس، إسكندر يعقوب. لبنان في الاضطراب – سوريا والقوى العظمى في ١٨٦٠: كتاب عجائب الزمان بشأن المذابح في البلاد العربية. ترجمة: يوهان فريدريش شيلتيما. نيو هيفن: مطبعة جامعة ييل، ١٩٢٠. متوفر أيضاً: Reed Books Design، ٢٠١٠. ISBN: 9781444696134
- Churchill, Charles Henry. The Druzes and the Maronites Under the Turkish Rule from 1840 to 1860. London: Bernard Quaritch, 1862. إعادة طبع: Adegi Graphics LLC، ١٩٩٩. ISBN: 9781402196898
- Fawaz, Leila Tarazi. An Occasion for War: Civil Conflict in Lebanon and Damascus in 1860. Berkeley: University of California Press, 1994. طبعة I.B. Tauris: London, 1994. ISBN: 9781850432012
- Rogan, Eugene. The Damascus Events: The 1860 Massacre and the Making of the Modern Middle East. New York: Basic Books, 2023. طبعة بريطانية: Allen Lane, 2024. ISBN: 9780241646908
- Makdisi, Ussama. The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth-Century Ottoman Lebanon. Berkeley: University of California Press, 2000. ISBN: 9780520218468
- Rogan, Eugene. “Sectarianism and Social Conflict in Damascus: The 1860 Events Reconsidered.” Arabica 51, no. 4 (2004): 493-511.
- Farah, Caesar E. The Politics of Interventionism in Ottoman Lebanon, 1830-1861. London: I.B. Tauris, 2000. ISBN: 9781860640568
- Baron, Salo Wittmayer. “The Jews and the Syrian Massacres of 1860.” Proceedings of the American Academy for Jewish Research 4 (1932): 3-31.
- Harris, William. Lebanon: A History, 600-2011. Oxford: Oxford University Press, 2012. يتضمن فصولاً مفصلة عن أحداث ١٨٦٠
- ميشاقة، ميخائيل. مذكرات ووثائق القنصل الأمريكي في دمشق ١٨٦٠. أوراق في الأرشيف الوطني الأمريكي، واشنطن. استخدمها يوجين روغان في كتابه أحداث دمشق
- عبد القادر الجزائري. مذكرات وتقارير حول أحداث دمشق ١٨٦٠. مراسلات مع القناصل الأوروبيين.
- Further Papers Relating to the Disturbances in Syria. British Parliamentary Papers, 1860-1861. تقارير القناصل البريطانيين من دمشق وبيروت
- Documents Diplomatiques Français. Affaires du Liban et de Syrie, 1860-1861. Paris: Ministère des Affaires Étrangères.
- Correspondence Relating to the Affairs of Syria, 1860-1861. British Foreign Office Archives, Kew Gardens.
- Firro, Kais. The Druzes in the Jewish State: A Brief History. Leiden: Brill, 1999. يتضمن معلومات عن الهجرات الدرزية
- Dana, Nissim. The Druze in the Middle East: Their Faith, Leadership, Identity and Status. Brighton: Sussex Academic Press, 2003.
- Zisser, Eyal. The Druzes in Syria: Between Integration and Isolation. Tel Aviv: Tel Aviv University Press, 1999.
- Masters, Bruce. Christians and Jews in the Ottoman Arab World: The Roots of Sectarianism. Cambridge: Cambridge University Press, 2001.
- Khoury, Dina Rizk. State and Provincial Society in the Ottoman Empire: Mosul, 1540-1834. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.
- Ma’oz, Moshe. Ottoman Reform in Syria and Palestine, 1840-1861: The Impact of the Tanzimat on Politics and Society. Oxford: Clarendon Press, 1968.
- Daily News (London). تقارير عن المذابح، يوليو-أغسطس ١٨٦٠. ذكرت أرقاماً تتراوح بين ٧٠٠٠-٨٠٠٠ قتيل
- The Times (London). “The French Expedition to Syria.” August 9, 1860.
- Examiner (London). “The Massacre at Damascus.” 1860, no. 2740: 487-488.
- Salibi, Kamal. The Modern History of Lebanon. London: Weidenfeld and Nicolson, 1965.
- Spagnolo, John P. France and Ottoman Lebanon, 1861-1914. London: Ithaca Press, 1977.
- Hakim, Carol. The Origins of the Lebanese National Idea, 1840-1920. Berkeley: University of California Press, 2013.





اترك رد