الإعلام وتحليل المضمون الإعلامي

أ. د. محمّد البخاري

طبيعة تأثير الرسالة الإعلامية

ذكر الباحثان الأمريكيان ولبر شرام، وديفيد برلو، أن بعض أهداف عملية الاتصال تتحقق بمجرد استهلاك الرسالة الإعلامية، وانتهاء التعرض لها. وهو الهدف العاجل الاستهلاكي للتسلية وتبديد الوقت والتخلص من التوتر. وفي أحوال أخرى يسعى مضمون الرسالة الإعلامية إلى تحقيق أهداف مؤجلة كما هي الحال في المقالات السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، لفهم الظروف التي تحيط بنا فهماً أفضل وهو الهدف البعيد المدى.

ويشير ديفيد برلو، إلى أنه هناك الكثير من الأدلة التي تثبت أن أهداف القائم بالاتصال والمتلقي قد تختلف، ورغم ذلك نراهما ينجحان في تحقيق ما يهدفان إليه. فقد يشتري القارئ مجلة ليطالع قصة فيها (هدف المتلقي)، ولكنه لا يلبث أن يشتري سلعة أعلن عنها في تلك المجلة (هدف القائم بالاتصال). وقد يشاهد الجمهور دراما تلفزيونية لمجرد الاستمتاع، ولكنه قد يغير من تصرفاته مع الآخرين متأثراً بما شاهده في تلك الدراما التلفزيونية.

لماذا نستخدم نماذج لدراسة عملية الاتصال ؟

النظرية أو النموذج هي محاولة لتقديم العلاقة الكامنة التي يفترض وجودها بين المتغيرات التي تصنع حدثاً معيناً، أو تؤدي إلى نظام معين. والنماذج في واقع الأمر هي أدوات ثقافية تساعدنا على فهم أي ظاهرة أو نظام، وأدوات تصورية توفر لنا إطارات للافتراضات التي تتحدد نطاقاتها من خلال المتغيرات الهامة. والنماذج المثالية تتضمن خطوات متتابعة للتجريد، تقوم على تصور الظروف المادية التي استمدت منها.

طبيعة النماذج

يوفر نموذج الاتصال للخبراء والباحثين أبسط الطرق لتفسير التفاعل البشري من خلال عملية الاتصال، وللنماذج أشكال عديدة منها النماذج الإحصائية. وتختلف النماذج في المتغيرات التي تظهرها أو تؤكدها، ولكن هذه الاختلافات سطحية وتصنف النماذج ضمن فئتين أساسيتين هما:

1- النماذج البنائية: التي تظهر الخصائص العامة للحدث، من خلال مكوناته وحجمه وترتيب أجزائه المنفصلة عن بعضها.

2- النماذج الوظيفية: التي تحاول تقديم صورة طبق الأصل من الأسلوب الذي يعمل من خلاله النظام الإعلامي. وهي نماذج تشرح طبيعة القوى أو المتغيرات التي تؤثر على النظام الإعلامي بشكل عام.

وتعد النماذج أساساً لتوضيح ظاهرة أو حدث معين، تساعد الباحث على التنبؤ والتفسير، وفهم المعلومات المتراكمة. ويعتمد نجاح النماذج على مدى تشجيعها ودفعها للباحثين نحو إجراء بحوث إضافية، ومدى قدرتها على تنظيم الحقائق والنتائج المتنوعة بشكل يسهل فهمه.

وعند تصميم أو اختيار نموذج، يجب مراعاة الواقعية والتركيز، وأن يحتوي على صورة قريبة قدر الإمكان من الواقع. مع مراعاة استخدام مصطلحات تشير إلى الخصائص الأساسية المطلوبة والتركيز على التبسيط، وعدم التعرض لبعض التفاصيل الثانوية غير الهامة. ومع اعتبارات التركيز والواقعية، يجب مراعاة اختيار النماذج التي تساعد على الخروج بتنبؤات جديدة وخطوط جديدة لدراسة عملية الاتصال.

وظائف النماذج

تخدم نماذج دراسة عملية الاتصال أربعة أهداف أساسية، هي: 1- الحصول على المعلومات وتنظيمها؛ 2- تشجيع القائم بأبحاث علمية؛ 3- المساعدة على التنبؤ؛ 4- السيطرة على الظواهر الإعلامية والتحكم بها.

الوظيفة التنظيمية لنماذج دراسة عملية الاتصال

النموذج هو محاولة لإعادة العلاقات التي يفترض وجودها بين المكونات أو القوى التي ندرسها رمزياً أم مادياً. ولا يمكن وصف عملية الاتصال المتغيرة دائماً بسهولة، ولكن الإطار الذي يوفره النموذج يجدد هذه العملية ويساعد الباحث على عزل المتغيرات الهامة، ووصف دورها في عملية الاتصال بكاملها. ويساعد أيضاً على إعادة بناء الحدث أو الظاهرة الإعلامية، وتحديد عناصرها. وإعادة تقديم الخصائص الرئيسية للنظام الذي نخضعه للدراسة والتحليل. ووضع عدد كبير من المتغيرات في تكوين واضح، وربط تأثيرات تلك المتغيرات بعضها ببعض، ومحاولة استنتاج طبيعة التفاعل بينها. وهذا يضمن عدم تجزئة الأحداث المدروسة.

النماذج تعمل على تطوير الأبحاث العلمية

النماذج كما سبق وأشرنا تجعل من نظريات الاتصال أكثر بساطة وفهماً. فالنموذج يقدم أفكار من قام ببنائه عما يعتقد بأنها المتغيرات الهامة في عملية الاتصال، بشكل يمكن الباحث من تحليل الأسلوب الذي تعمل بموجبه تلك المتغيرات. كما ويظهر النموذج المتغيرات التي يمكن تجاهلها في البحث، ويشجع على التوسع في البحث والدراسة.

ومن أمثلة التشجيع على التوسع في البحث والدراسة نورد النموذج اللفظي التالي الذي يتضمن العناصر الرئيسية للاتصال: المرسل، المتلقي، الرسالة، التشويش.

  مرسل                      رسالة     { تشويش }     رسالة                         مستقبل

ويدفع هذا النموذج الباحث لدراسة قدر التشويش في عملية الاتصال بين المرسل والمتلقي، ومدى دقة الرسالة التي تلقاها المستقبل، بأسلوب علمي دقيق.

وظيفة التنبؤ

هناك علاقة قوية بين الفهم والتنبؤ، فالتنبؤ مبني على الفهم، الذي هو نقطة البداية للوصول إلى المجهول. ومن خلال هذه العلاقة يمكن أن نفترض وجود علاقة وظيفية بين أحداث ومكونات الحدث الإعلامي الاتصالي، والاستفادة من تلك العلاقة. والتنبؤ الذي هو جزء من خطة التحقق التي نختبر بها صحة معلوماتنا وتساعد من ناحية أخرى على زيادة الفهم بناء على المعلومات المتوفرة لدينا. والتأكد من قدرة النموذج على ربط العناصر غير المرتبطة بالحدث، وغير المعروفة سابقاً، وإظهار التماثل والارتباط بينها، وتنظيم المعلومات المنفصلة بشكل يسهل تخزينها في الذاكرة.

وظيفة التحكم

وبعد الفهم والتنظيم والتنبؤ، نصل للهدف الأخير من أهداف نماذج الاتصال وهو التحكم، الذي يعتبر من مستلزمات تطوير المعرفة، من خلال السيطرة على الظواهر واستخدامها لصالح الإنسان. والأهداف الثلاثة: الفهم، والتنظيم، والتنبؤ، تخدم التحكم من خلال معالجة الظروف التي تحدد حدوث الظاهرة، والتمكن من الوصول إلى هدف معين. والقدرة على التحكم مرتبطة بالقدرة على التنبؤ. وبدوره يساعد التحكم على اختبار صحة التنبؤات، ومدى فهم الظاهرة بشكل عام، ولكي يتحقق التنبؤ لابد من التحكم بالظروف التي تحدد الظاهرة ذاتها.

صعوبات تصميم نماذج عملية الاتصال

من أهم الصعوبات في تصميم نماذج عملية الاتصال:

1- الاضطرار إلى تجميد عملية الاتصال، لوصف عناصرها ومكوناتها. وهي أشبه بالصورة التي تجمد الحدث ولكنها لا تمثله. وتغفل العلاقات بين العناصر وتجمد حركة تفاعل الأحداث؛ 2- إغفال بعض العناصر بسبب تجميد عملية الاتصال، أو فصل بعض العناصر التي لا تقبل الفصل. لأن عملية الاتصال لا تتضمن خط يحدد الحدود بين أجزاء عملية الاتصال، ووضع الفواصل سيؤدي إلى إغفال طبيعة الاتصال الدائرية، مرسل – رسالة – متلقي – راجع صدى؛ 3- الاضطرار إلى استخدام اللغة في الوصف، واللغة كما هو معروف تخضع للتغيير من وقت لآخر، لأن استخدام اللغة لوصف شيء يتطلب استخدام كلمات بعينها، بحيث نضطر إلى تجميد العالم المادي بشكل ما، ووضع كلمات قبل أخرى، أو حذف بعض الكلمات. ولهذا لا يكون اختيار الكلمات في الوصف موضوعياً تماماً.

الأنواع المختلفة لنماذج عملية الاتصال

نماذج عملية الاتصال تتعدد بتعدد الأسئلة التي يتم طرحها من خلال البحث عن المعرفة. ويميل بعض خبراء الاتصال إلى تقسيمها وفق مستويات الاتصال التالية: 1- الاتصال الذاتي داخل الفرد؛ 2- الاتصال بين فردين؛ 3- الاتصال داخل الجماعة؛ 4- الاتصال عبر الثقافات والحضارات؛ 5- الاتصال بشكل عام؛ 6- الاتصال عبر وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري.

بينما يميل البعض الآخر إلى تقسيم النماذج الاتصالية على أساس الهدف والمادة، إلى نماذج بنائية تهدف إظهار الخصائص الأساسية لأي حدث. وتعتمد على عدد وحجم وترتيب الأجزاء المتصلة داخل النظام. وإلى نماذج وظيفية تتعرض للقوى التي تكون ذلك النظام، وتحدد اتجاهاتها وعلاقاتها بالتأثير. ويميل البعض الآخر إلى تقسيم النماذج الاتصالية إلى أربعة أنواع رئيسية، وهي: 1- النماذج اللفظية: وتتكون من سلسلة عبارات تحاول تحديد أهداف المشتركين في عملية الاتصال، ووصف طبيعة عملية الاتصال، وهي من أقدم النماذج على الإطلاق (الخطابة).

ومن النماذج اللفظية الهامة، نموذج كينيث برك، ونموذج لازويل، ونموذج فرانكلين فيرنج. ويقسم كينيث برك، المجالات الأساسية لدراسة دوافع الاتصال إلى خمسة مجالات هي: 1- الحدث؛ 2- خلفية الحدث؛ 3- القائم بالاتصال؛ 4- الوسائل؛ 5- الأغراض.

وجاء نموذج كينيث، كنموذج معاصر للنموذج الكلاسيكي السابق الذي وضعه أرسطو. أما هارولد لازويل، رائد تحليل المضمون الإعلامي، فقد قدم خمسة أسئلة يمكن من خلالها وصف السلوك الاتصالي، وهي: 1- من يقول؟ 2- ماذا يقول؟ 3- ومن خلال أي وسيلة؟ 4- ولمن يقول؟ 5- وبأي تأثير؟

وهذا النموذج أقرب لنموذج أرسطو، الذي يتضمن: 1- المصدر. من يقول ؟ 2- الرسالة. يقول ماذا ؟ 3- المتلقي. لمن يقول ؟

ولكن لازويل، أعطى نفس الأهمية للوسيلة التي تنقل الرسالة، ولتأثير الرسالة الإعلامية. أما جربنر، فقد حدد لعملية الاتصال عشرة عناصر متغيرة هي: 1- شخص ما؛ 2- يدرك حدث ما؛ 3- ويقوم برد فعل ما؛ 4- في ظرف ما؛ 5- بوسائل معينة؛ 6- لتقديم مادة ما؛ 7- بشكل ما؛ 8- وفي إطار محدد؛ 9- لنقل مضمون معين؛ 10- بنتيجة معينة.

2- النماذج الرياضية: وهي النماذج الإحصائية.

3- النماذج اللفظية المصورة: (النماذج الرمزية) وهو امتداد للنموذج اللفظي. وهدفه توضيح عناصر النموذج اللفظي، وتقديم صورة للهدف عن طريق تفسير العلاقات المعقدة لعملية الاتصال التي لا تستطيع الكلمات عرضها. ويمثل المخطط التالي عناصر النموذج اللفظي المصور لعملية الاتصال، ويتضمن: مصدر، ينقل رسالة إعلامية إلى متلقي.

  آ- مصدر                   رسالة                  ب- متلقي

ومن النماذج اللفظية المصورة الهامة، نموذج شانون، وويفر، ونموذج وستلي، وماكلين، ونموذج بارتلند، ونموذج ولبر شرام.

4- النماذج التفسيرية: وسنتحدث عنها في فصل خاص. مثل نموذج التوازن عند هيدر، ونموذج نيوكومب، ونموذج أسجود، وتاننباوم، ونموذج فستنجر، عن التعارض في المعرفة. كما وسنستعرض في الفصول القادمة عملية الاتصال، من خلال ثلاثة مسارات رئيسة، وهي:

1- نماذج الاتصال الذاتي: من خلال خمسة نماذج، وهي: نموذج باركر، ووايزمان، ونموذج صامويل بويس، ونموذج بولدنغ، ونموذج بارتلند، ونموذج ابلباوم، (الإنسان كمركز لتنسيق المعلومات).

2- نماذج الاتصال بين فردين: من خلال ستة نماذج، وهي: نموذج روس، ونموذج شانون، وويفر، ونموذج ديفيد برلو، ونموذج التعليم، ونموذج بارتلند، ونموذج وستلي، وماكلين.

3- نماذج الاتصال الجماهيري: من خلال ثلاثة نماذج،وهي: نموذج ولبر شرام، ونموذج التحليل الوظيفي لتشارلس رايت، ونموذج ملفن ذوفلور.

نماذج الاتصال الذاتي

والاتصال الذاتي هو ما يحدث داخل الفرد، حينما يتحدث مع نفسه. وهو اتصالا يحدث داخل عقل الإنسان ويتضمن أفكاره وتجاربه ومدركاته الشخصية. وفي هذه الحالة يكون المرسل والمستقبل شخصاً واحداً. فالفرد قد يناقش مع نفسه ما إذا كان سيقرأ كتاباً، أم لا يقرأ كتاباً من الكتب. أو يشاهد، أو لا يشاهد برنامجاً تلفزيونياً. أو يسمع، أو لا يسمع حديثاً إذاعياً.

ومنه فإن الاتصال الذاتي هو عبارة عن أنماط يطورها الإنسان من خلال إدراكه، وهو الأسلوب الذي من خلاله يلاحظ الإنسان ويقيم ويعطي معنى للأفكار التي تدور داخله عن الأحداث والتجارب المحيطة به.


عودة إلى …

اترك رد


أشهر التدوينات

تبرّع لدعم استمرار مدوّنة البخاري

مرة واحدة
شهري
سنوي

تبرّعك يعيننا للاستمرار

إنشاء تبرع شهري

إنشاء تبرع سنوي

اختيار مبلغ

€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00

أو إدخال مبلغ مخصص


تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تبرعالتبرع شهريًاالتبرع سنويًا