تنبض بلاد وسط آسيا بحبّ عميق للتراث العربيّ، يتجلّى في مظاهر الحياة اليومية وينعكس في طيّات الثقافة والفنّ والعمارة. هذا الحبّ ليس وليد اللّحظة، بل هو نتاج تفاعل حضاري امتدّ لقرون، نسج خيوطه العلماء وعرب المنطقة. فمن أزقّة بخارى العتيقة إلى أسواق سمرقند النابضة بالحياة، تتجلّى آثار الحضارة العربية الإسلامية في كلّ ركن وزاوية.
اللّغة العربية، بحروفها الأنيقة وموسيقاها الساحرة، تجد لها مكاناً خاصّاً في قلوب أهل المنطقة. يتعلّمونها بشغف، ليس فقط لفهم القرآن الكريم، بل لاستكشاف كنوز الأدب العربي وفلسفته. هذا الارتباط الروحي والفكري يتجاوز حدود الدين ليصبح جسراً للتواصل الثقافي والحضاري.

نحن البخاريّة بأغلبنا أتراك وبعضنا من الفرس الطخاريّين، وكونيّ أنا عربيّ محض مصادفة لأنّني من الأقلّيّة العربية في أوزبكستان. ومع ذلك، وبرغم غلبة الإثنية التركية علينا كبخاريّة، غير أنّ تقديرنا للّغة والثقافة العربية لا ينقطع. نحن نعتزّ باللّغة العربية ونحبّها وندافع عنها وعن وجودها. ويؤسفنا أن يخرج من أصلاب العرب من ينكر لغته، ثمّ يحاربها بزعم الدفاع عن خرافة هوية قديمة.
وأغلب بخارية اليوم يعودون بأصولهم إلى أوزبكستان، وأوزبكستان هي دولة ذات تاريخ طويل وثقافات متعدّدة، ولذلك فالأسباب التي تدفع الأوزبك إلى تقدير العرب واللّغة العربية متنوّعة ومعقّدة. وكلّها تساهم في هذا الاحترام والتقدير، أوّلها الإسلام، وتاليها التاريخ الطويل من التبادل الثقافي.
أوزبكستان هي دولة مسلمة بأغلبها، والإسلام جاءها أصلاً من جزيرة العرب. واللّغة العربية هي لغة القرآن، وعلى هذا يعتبرها الكثيرون لغة مقدّسة وهامّة لفهم الدين الإسلامي بشكل أعمق. طالما يرون أنّ في الإسلام مبعث حضارة في أوزبكستان.
ويرتبط تاريخ أوزبكستان بشكل كبير بالعرب والإسلام، وبذلك هناك احترام طبيعي للعرب والثقافة العربية نظرا لهذه التاريخ المشترك. والعلاقات الثقافية ما بين أوزبكستان وجوارها وجزيرة العرب قديمة جداً، يعود المعروف منها إلى حوالي ٣٠٠٠ سنة. وعلى الأقل، واحدة من أهمّ مدن أوزبكستان، سمرقند، أسّسها العرب قبل ٢٨٠٠ سنة.
وفي أوزبكستان، تُدرس اللّغة العربية في المدارس والجامعات كجزء من المناهج الدراسية. كما أنّ العلاقات الدبلوماسية والتجارية ما بين العرب وأوزبكستان ذات تاريخ طويل الأمد، وهذا يساهم أيضا في الاحترام والتقدير المتبادلين.

يوم كانت بلادي عربيّة، لمضر وربيعة وسائر بطون اليمن… كما تحدّث عنها الجغرافي البغدادي اليعقوبي في القرن التاسع، وجدّي عبد الستّار بن عبد القادر، والد والدي، كان ابن آخر بايات كاسان التي يذكرها هنا اليعقوبي.
[بخارا]
وبخارا بلد واسع فيه أخلاط من الناس من العرب والعجم ولم يزل شديد المنعة. افتتح بخارا سعيد بن عثمان بن عفان في أيام معاوية، ثم خرج عنها يريد سمرقند فامتنع أهلها فلم تزل منغلقة حتى افتتحها سلم بن زياد في أيام يزيد بن معاوية.
ثم انتقضت وامتنعت حتى صار إليها قتيبة بن مسلم الباهلي في أيام الوليد بن عبد الملك فافتتحها. وخراج البلد أعني بلد بخارا يبلغ ألف ألف درهم، ودراهمهم شبيه بالنحاس.
[الصغد]
ومن بخارا إلى بلد الصغد لمن أخذ نحو القبلة سبع مراحل، وبلد الصغد واسع، وله مدن جليلة منيعة حصينة منها: دبّوسية، وكشّانية، وكشّ، ونسف، وهي نخشب. افتتح هذه الكور أعني كور الصغد قتيبة بن مسلم الباهلي أيام الوليد بن عبد الملك.
[سمرقند]
ومن كشّ إلى مدينة الصغد العظمى أربع مراحل، وسمرقند من أجل البلدان وأعظمها قدرا وأشدها امتناعا وأكثرها رجالا وأشدها بطلا وأصبرها محاربا وهي نحر الترك.
انغلقت سمرقند بعد أن افتتحت عدة مرارا لمنعتها وشجاعة رجالها وشدة أبطالها. افتتحها قتيبة بن مسلم الباهلي في أيام الوليد بن عبد الملك وصالح دهاقينها وملوكها، وكان عليها سور عظيم فانهدم فبناه الرشيد أمير المؤمنين.
ولها نهر عظيم يأتي من بلاد الترك كالفرات يقال له: باسف يجري في أرض سمرقند، ثم إلى بلاد الصغد، ثم إلى أسروشنة، ويعم بلاد سمرقند، وإشتاخنج، وأسروشنة، وشاش، ومن سمرقند إلى أسروشنة مملكة أفشين خمس مراحل مشرقا.
ومملكة أسروشنة واسعة جليلة يقال: إن فيها أربعمائة حصن، ولها عدة مدن كبار منها: أرسمندة، وزامن، ومانك، وحصنك، ولها واد عظيم يأتي من باسف نهر سمرقند.
وتوجد في ذلك الوادي سبائك ذهب، وليس بخراسان ذهب بموضع من المواضع إلا ما بلغني أنه يوجد في هذا الوادي وفي جميع مدن خراسان قوم من العرب من مضر وربيعة وسائر بطون اليمن إلا بأسروشنة، فإنهم كانوا يمنعون العرب أن يجاورنهم حتى صار إليهم رجل من بني شيبان فأقام هناك وتزوج فيهم، ومن مدينة أسروشنة إلى فرغانة مرحلتان.
[فرغانة]
ومدينة فرغانة التي ينزلها الملك يقال لها كاسان وهي مدينة جليلة القدر عظيمة الأمر وكل هذه المدن مضافة إلى عمل سمرقند.
نقلاً عن كتاب البلدان لليعقوبي، وهو {أحمد اليعقوبي هو أبو العباس أحمد بن إسحٰق بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي}، وهو عالم رياضيات ومؤرّخ وجغرافي بغدادي، سجّل في كتابه كلّ البلاد التي حكمتها بغداد في القرن التاسع، وقد زارها بنفسه. ومخطوط كتابه اشتراه الفيلسوف الهولاندي Theodor Juynboll الذي صنع منه نسخة مطبوعة في القرن 19 لتنتهي في متحف في مدينة ميونك الألمانية، الذي باعه لاحقاً إلى جامعة تورنتو الكندية.
يمكن مراجعة صورة النسخة المطبوعة من هنا
ويمكن كذلك قراءة الكتاب كاملاً على موقع المكتبة الشاملة من هنا

إنّ محبّة أهل وسط آسيا للتراث العربي تمثّل نموذجاً فريداً للتلاقح الثقافي الإيجابي. هذه المحبّة لا تقتصر على استهلاك الثقافة العربية، بل تمتدّ إلى إعادة إنتاجها وتطويرها بما يتناسب مع البيئة المحلّية. والنتيجة مزيج ثقافي غنيّ يجمع بين أصالة التراث العربي وفرادة الهوية الآسيوية الوسطى.
هذا التمازج الثقافي يشكّل مصدر إلهام للأجيال الحاضرة والقادمة. ويؤكّد أنّ الثقافات لا تعيش في عزلة، بل تزدهر عبر التفاعل والتبادل. في عصر العولمة، تقدّم تجربة وسط آسيا مع التراث العربي درساً قيّماً في كيفية الحفاظ على الهويّة مع الانفتاح على الآخر.
المستقبل يحمل آفاقاً واعدة لتعميق هذه العلاقة الثقافية الفريدة. مع تزايد التبادل الأكاديمي والثقافي بين العالم العربي وبلدان وسط آسيا، تتجدّد فرص اكتشاف أوجه التشابه والاختلاف، ممّا يثري الحوار الحضاري ويعزّز التفاهم المتبادل. هكذا تستمرّ قصّة الحبّ بين وسط آسيا والتراث العربي، متجدّدة ومتطوّرة، لتكتب فصولاً جديدة في سجلّ التاريخ الإنساني.





اترك رد