قبل الخوض في غمار هذه التدوينة، يجدر بنا تأمّل التحوّل الجذري الذي أحدثه عُمر بن أبي ربيعة في القاموس العاطفي العربي. ففي حين كان “الحبّ العذري” -الذي شاع في العصر الأموي وامتدّ أثره للعصر العباسي- يرتكز على فكرة “الحرمان” وتسامي الروح عبر الابتعاد عن الجسد، جاء عُمر ليطرح مفهوماً مغايراً تماماً، وهو {الوصال}.
يكمن الجوهر المفصلي في تبيان كيف أنّ العذريّين رأوا في الحبّ غاية بحدّ ذاته، تقتات على الهجر والمسافة، في حين نقل عُمر بن أبي ربيعة الحبّ من دائرة الشوق السلبي إلى دائرة الفعل الإيجابي المتمثّل في الوصال. هذا المفهوم العُمَري لم يكن مجرّد تلطيف لفظي للعلاقة الجسدية كما قد يتبادر للذهن، بل كان ارتقاءً باللّحظة الحميمية لتصبح اتّحاداً شاملاً (عاطفيّاً، فكريّاً، ومادّيّاً).
المفارقة العجيبة التي رأيتها، هي أنّ مصطلح {الوصال} الذي نحته “العاشق” الدنيوي (عُمر)، هو ذاته الذي استعاره المتصوّفة لاحقاً للتعبير عن أقصى درجات الفناء في الذات الإلهية. وبذلك، فإن المدرسة العُمَرية، برغم دنيويتها الظاهرة، قدّمت للأدب العربي (لا سيّما الإسلامي)، وللمعجم الصوفي، الأداة اللّغوية والمجازية الأهم لوصف لحظة الذروة والاتّحاد، وهو ما عجزت عنه مفردات الحبّ العذري القائمة على الفصل والوجد.
في السطور القادمة، آخذكم في رحلة لاستكشاف هذا الميلاد الجديد لأدب الحبّ، وكيف مهّد الوصال الطريق للعصر الذهبي للرومانسية الإسلامية.

عُمر بن أبي ربيعة وتأسيس مدرسة العاشقين
في الأدب العربي القديم والإسلامي، يتغنّى الشعراء بالحبّ والعشق، ويأخذون القارئ في رحلة عاطفية عميقة. يصورون فيها الحبيب والعاشق والشوق والغرام بأجمل الكلمات والألفاظ. وبينما يرى أغلب النقّاد أنّ العصر الذهبي الإسلامي في البلاد المسلمة (القرون ٨-١٤) كان أجمل عصور الحُبّ في التاريخ الإنساني، لعلّ إحدى الرموز البارزة في تلك الرحلة هو الشاعر العربي القديم عُمر بن أبي ربيعة، الذي تسمّى بـ”العاشق”. فقد تمكّن عمر بن أبي ربيعة من تحويل الحديث عن الحب والعلاقات العاطفية إلى فنّ راق يُبهر القلوب والعقول على حدّ سواء.
يقال أنّ عُمر بن أبي ربيعة قال ذات مرّة:
صَدَدْت فأَطولت الصُّدودَ، وقَلَّما … وِصالٌ عَلَى طُول الصُّدود يَدُومُ
وبهذا البيت، حدّد عُمر، لو قاله فعلاً، ما صار منهجاً لشعراء العرب المسلمين جميعاً من بعده. فقد حدّد معناً دقيقاً لمعنى كلمة الوصال، انتشر عنه في مختلف الميادين، والأهمّ فيهم، ميدانين. الأوّل هو الحبّ الرومانسي، والثاني هو الحبّ الصوفي.
عاش عُمر بن ربيعة في القرن الأوّل للإسلام، وُلد وعاش في عاصمة الدولة الإسلامية آنها، مكّة، ما بين سنوات ٦٤٤-٧١٢م وهو شاعر مخزومي قرشي ولُقِّب بالعاشق. كتب عُمر ديوانًا كلّه في غرض مدح النساء، وقال للأمير الأموي آنذاك، سليمان بن عبد الملك {أنا لا أمدح إلّا النساء}. وما صنعه عُمر بن أبي ربيعة فعلاً هو تقديم خدمة سامية للحبّ العربي، رفع من مكانة الحبّ، وأعطاه قيمة روحيّة.

الوصال في الميزان: ارتقاء المفهوم من الغريزة إلى الروح
قبل عُمر، كانت العرب تصف العلاقة الجنسيّة بمفردات مختلفة، نجدها مبعثرة في الأدب العربي القديم، ومنها كلمات: الجماع، والباه، والنكاح، وغيرها… وكلّها كلمات كانت فجّة في الواقع، للتعبير عن هذا الفعل الحميم. ثمّ جاء عُمر، وسمّاه الوصال، وتبعه من بعده كلّ شعراء العصر الذهبي للإسلام. وما أضافه عُمر أنّه زيّن المعنى وصار أرقى وألطف، مع شمول كلمة الوصال على معان أوسع من تمثيل العلاقة الجنسيّة وحدها.
في العصر الذهبي للإسلام، وبخاصّة في الشعر العربي، صارت كلمة “وصال” تُستخدم للإشارة إلى اللّقاء أو الاتّحاد بين الحبيبين، هذا الاتّحاد جنسي، لكنّ هذه المرحلة جزء منه لا كلّ الوصال، لأنّ الوصال اتّحاد عاطفي وفكري ومادّي وأكثر من فعل جنسي. هذا الوصال عادة ما يكون هو الهدف المنشود في القصائد العاطفية، حين يصوّر الشاعر شدّة الشوق والحنين إلى الحبيب، وكيف أنّ الوصال يمثّل نقطة الذروة أو الوفاء لهذا الشوق.
الوصال في هذا السياق بمنزلة اللّحظة العاطفية الأكثر شحنًا، حين يصبح الحبيبان واحدًا بقلبين. هذا الوصال يمكن أن يكون مادّيًّا، كما في اللّقاء الجسدي، أو روحيًّا، كما في الاتّحاد العاطفي والروحي بين الحبيبين. والأجمل من هذا أنّ الوصال في الأدب العربي، اتّخذ مكاناً مجازياً للتعبير عن حالة الفهم الروحي والعقلي بين الحبيبين، وهو التعبير الأكثر تعقيداً للوصال، الذي وجد نظيراً له في بعض التقاليد الصوفية.
في المفهوم الصوفي، صار الوصال هو الاتّحاد أو الاندماج مع الحقّ، أو اللّه. وفي الحبّ الصوفي، يمثّل الوصال لحظة التوحّد مع الحبيب الإلهي، وهي حالة الذروة في المسار الصوفي للمريد. فالوصال هو الهدف النهائي للصوفي، حين يسعى في طريقه للتخلّص من الذات والاندماج في الحقّ الأعلى. هذا الاندماج يتجاوز العلاقة الفردية بين العابد واللّه، ليشمل الاندماج في الكون كلّه، أو الوعي الكوني.

العصر الذهبي والعهد الڤيكتوري: ذروة الرومانسية الإنسانية
تاريخيًّا، يرى أغلب النقّاد أنّ أجمل عصور الحُبّ في التاريخ الإنساني المعروف فترتين: العصر الذهبي الإسلامي في البلاد المسلمة (القرون ٨-١٤)، والعصر الڤيكتوري في بريطانيا (١٨٣٧-١٩٠١). وهذا لا يعني أنّ حضارات غيرها لم تقدّر الحبّ والرومانسية. لكن، هذه العصور هي التي رفعت من شأن الحبّ أسمى العلاقات الإنسانية، فرأته حبّ يساوي بين الجنسين، ومن مظاهر الرقيّ الاجتماعي، وأكثرت من الحديث فيه.
ومن الأمثلة هنا قول الدكتور {عبد الرحمن بدوي} في العصر الذهبي الإسلامي: {يُعدّ العصر العباسيّ عصر العشق العذريّ، وفيه شاعت ظاهرة الحبّ العذريّ، حيث كان الحبّ يُعبّر عنه بمشاعر رقيقة وأبيات شعرية عذبة، دون أيّ مساسٍ بالجسد.} مع ذلك عبّرت الدكتورة {زينب عبد العزيز} عن وجه آخر حين قالت: {كان للمرأة دورٌ بارزٌ في العصر العباسيّ، حيثُ شاركت في الحياة الأدبية والثقافية، وظهرت شاعراتٌ عبّرن عن مشاعرهنّ بجرأةٍ وصراحةٍ، ممّا ساهم في إثراء الأدب العربيّ بالقصائد الغزلية.}.
وعلى ذات المنوال قال الكاتب والروائيّ {جورج إليوت} في العصر الڤيكتوري: {كان الحبّ في العصر الڤيكتوريّ مزيجًا من الرومانسية والعاطفة والالتزام الأخلاقيّ، حيثُ كان يُنظر إلى الحبّ قوةٍ إلهيةٍ تُطهّر الروح وتُسمو بالنفس.}. وهنا أيضاً عبّرت الناقدة الأدبيةّ {ڤيرجينيا وولف} عن وجه آخر بقولها: {كان للمرأة دورٌ محوريّ في الأدب الڤيكتوريّ، حيثُ عبّرت الكاتبات عن مشاعرهنّ تجاه الحبّ والزواج والمجتمع في رواياتهنّ، ممّا ساهم في تغيير نظرة المجتمع إلى المرأة.}.
وأضيف من الاقتباسات هنا كذلك قول المؤرخّ الفرنسيّ {جاك لوف}: {يُعدّ العصر الذهبيّ الإسلاميّ والعصر الڤيكتوريّ من أزهى عصور التاريخ الإنسانيّ، حيثُ ازدهرت فيهما الفنون والآداب، وبرزت فيهما مشاعر الحبّ والرومانسية بشكلٍ واضحٍ.}. وقول الأستاذة الجامعيةّ {إليزابيث كينيدي}: {يُمكن القول أنّ الحبّ في العصر الذهبيّ الإسلاميّ والعصر الڤيكتوريّ كان حبًّا مثاليًّا، حيثُ كان يُنظر إليه قوّةٍ تُغيّر العالم وتُحسّن من حياة الإنسان.}.
تنوّع مشارب الحبّ: بين العرفان والمجون والفروسية
العصر الذهبي الإسلامي، الذي استمر من القرن الثامن إلى القرن الرابع عشر، كان فترة من الازدهار الثقافي والعلمي في التاريخ الإسلامي والإنساني. وخلال هذا العصر، كان الحب موضوعاً شائعاً في الشعر والأدب. ونرى العديد من الشعراء والأدباء الذين استخدموا الحبّ موضوع رئيس في أعمالهم، سواء كان الحبّ الرومانسي أو الحبّ الروحي.
كأمثال الروّاد الرومي والمتنبّي وأبو نواس. وتناولت أعمالهم المواضيع جميعاً في إطار من الحبّ، ففي نظرهم كان الحب قوّة تحرّك العالم. فتحدّثوا عن الحبّ الإلهي والحبّ الرومانسي. وتناولوا مزاجاً من الحب والجمال والشجاعة. حتّى أنّ منهم من تجرّأ وتحدّث بالحبّ الذكوري، وهذا منبوذ في غير حضارات، لا سيّما الحضارة الرومانية.

خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، شكّل الحبّ موضوعًا مركزيًّا في العديد من الأعمال الأدبية، ممّا يظهر التنوّع الثقافي والفكري لهذا العصر. الشعراء والكتّاب الذين ذكرتهم، مثل جلال الدين الرومي وأبو الطيب المتنبّي وأبو نواس، كانوا بعضًا من أعظم الأصوات الأدبية التي عبّرت عن مفهوم الحبّ بأشكاله المختلفة.
الرومي، وهو صوفي وشاعر بلخي خوارزمي الأصل، ركّز في أشعاره على الحبّ الإلهي والروحي. تُعدّ مثنويّته {مثنوي معنوي} وديوانه {ديوان شمس تبريزي} من أبرز الأعمال التي تتناول هذا النوع من الحبّ، وهو يصف العلاقة بين الإنسان والخالق علاقة حبّ عميقة تفوق كلّ العلاقات الأرضية.
المتنبّي، واحد من أعظم شعراء العرب، عُرف بفخره وشجاعته وحكمته. في شعره، تجد تناولًا للحبّ الرومانسي والأخلاقي والحبّ شكل من أشكال القوّة التي تحرّك الأمور الإنسانية. أشعاره غالبًا ما تظهر مزيجًا من العواطف الجيّاشة والحكمة العميقة.
يعدّ أبو نُوَاس من الشعراء المعروفين بجرأتهم في موضوعاتهم الشعرية، إذ اشتُهر بقصائده التي تتحدّث عن المحبّة والمجون. تناول أبو نُوَاس الحبّ الذكوري والمثلية بشكل مباشر وجريء لدرجة أن نُظر إليه على أنّه شاعر الخمر والغزل الصريح. ومع ذلك، لا يمكن إغفال الجمال الأدبي والبعد الإنساني في أشعاره.
في تلك الحِقْبَة، لم يكن الحبّ مقصورًا على الأبعاد الرومانسية فحسب، بل كان يُنظر إليه بصفة عنصر محوري في البحث عن المعنى الروحي والإنساني. والمثير للاهتمام أنّ بعض الأعمال الشعرية التي تناولت الحبّ الذكوري كانت تُنشر وتُتداول بشكل أوسع في العالم الإسلامي منها في حضارات أخرى التي كانت أكثر تحفّظًا وجلافة تجاه هذه الموضوعات، مثل الحضارة الرومانية.
الحبّ كان ولا يزال موضوعًا عابرًا للعصور، ويتجلّى في الأدب الإسلامي دليل على التنوّع الثقافي والفهم العميق للطبيعة الإنسانية.

الأدب الإسلامي في مواجهة ثقافات الشرق الأقصى
وبالطبع، هذه بعض أمثلة. فالعديد من شعراء ومؤلّفي العصر الذهبي الإسلامي كتبوا عن الحبّ بجميع أشكاله. وتميّزت هذه الفترة الإسلامية بمعاملتها للحبّ بشكل يتفوّق على انحياز الحبّ السنسكريتي الهندوسي إلى الحب الجنسي فقط. وهو ما تكرّر عن الهند كذلك في أدب “الفراشة المحطمة” الصيني وأحلام الغرف الحمراء. وفي ذات الوقت، تفوّق الحبّ الإسلامي على قصص الحبّ التقليدية في الأدب الياباني الرومانسي، الذي التزم جمود الحبّ في تأطيرات من المعتقدات والعادات الاجتماعية الباردة.
فإذا كان العصر الذهبي الإسلامي هو أجمل عصور الحبّ في مراحل هذه الحضارة الإنسانية المشتركة. فأين نحن اليوم من هذه الأرواح الذهبية؟
استعادة أدب الوصال المفقود
صفوة القول في رحلة هذا التحوّل، أنّ عُمر بن أبي ربيعة لم يكتفِ بصياغة أبيات سارت بها الركبان، بل أسّس لقاموس شعوري جديد انتشل العاطفة العربية من فجاجة الألفاظ المباشرة إلى رحابة “الوصال”. هذا المفهوم الذي بدأ دنيوياً في مكة، ما لبث أن صار وعاءً فلسفياً استوعب أشواق المتصوّفة وهيام العشّاق العذريّين على حدّ سواء، مشكّلاً بذلك العصر الذهبي للرومانسية التي زاوجت بين رغبات الجسد وسموّ الروح في آن واحد.
وإذ نقف اليوم أمام هذا الإرث الباذخ، ندرك أن تلك الحقبة لم تكن فترة زمنية عابرة، بل كانت حالة من النضج الإنساني تفوّقت فيها الحضارة الإسلامية على نظيراتها في الشرق والغرب، حين جعلت من الحبّ معياراً للرقيّ وتهذيب النفس. وتظل الإجابة عن سؤال “أين نحن اليوم؟” مرهونة بمدى قدرتنا على إعادة الاعتبار لمفهوم {الوصال} بمعناه الشامل، ليكون الحبّ مرّة أخرى فعلاً يرتقي بالإنسان، لا استهلاكاً عاطفيّاً سريعاً يفتقر إلى العمق الذي خلّفه لنا {العاشق} ومن سار على دربه.
مراجع ومصادر
- عُمر بن أبي ربيعة. “ديوان عُمر بن أبي ربيعة”. (طبعات متعدّدة، منها طبعة دار المعارف).
- أبو الفرج الأصفهاني. “كتاب الأغاني”. (المصدر الرئيس لأخبار عُمر بن أبي ربيعة وعصره).
- ابن حزم الأندلسي. “طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف”.
- ابن قيم الجوزية. “روضة المحبين ونزهة المشتاقين”.
- أبو هلال العسكري. “كتاب الصناعتين: الكتابة والشعر”.
- حازم القرطاجنّي. “منهاج البلغاء وسراج الأدباء”.
- الوشّاء، محمد بن أحمد. “الموشّى في ظرف الظرفاء”. (لموضوع الرقيّ الاجتماعي والظرف في الحب).
- السرّاج القارئ. “مصارع العشّاق”.
- محيي الدين بن عربي. “ترجمان الأشواق”. (لموضوع الوصال الصوفي).
- جلال الدين الرومي. “المثنوي المعنوي”. (ترجمات متعدّدة منها ترجمة إبراهيم الدسوقي شتا).
- جلال الدين الرومي. “ديوان شمس تبريزي”.
- أبو نُواس. “ديوان أبي نُواس”.
- المتنبّي. “ديوان أبي الطيب المتنبّي” (بشرح العكبري أو البرقوقي).
- مروان بن أبي حفصة. “ديوان مروان بن أبي حفصة”.
- طه حسين. “حديث الأربعاء” (الجزء الأول). (فصل مفصّل عن الغزل عند عُمر بن أبي ربيعة).
- جُرجي زيدان. “تاريخ آداب اللغة العربية”.
- حسين مروة. “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية”.
- شوقي ضيف. “الحبّ العذري عند العرب”.
- عبد الوهاب البياتي. “الاتجاهات الوجدانية في الشعر العربي”. (ذُكر في النص الأصلي).
- يوسف خليف. “في الشعر الأموي: دراسة في البيئة والطبقات”. (لتوضيح السياق التاريخي لمكة والمدينة).





اترك رد