في قلب الحضارة الإسلاميّة، تكمن قصة لم تُروَ بالكامل بعد؛ قصّة تمتزج فيها روائح البهارات مع حبر المخطوطات، وتتناغم فيها أصوات الملاعق مع همسات العلماء. هي قصّة فنّ الطبخ الإسلامي، ذلك الفنّ الذي تجاوز حدود المطبخ ليصبح مرآة تعكس ثراء الثقافة وعمق الفكر وسمو الروح.
منذ فجر الإسلام، كان الطعام أكثر من مجرّد ضرورة للبقاء. هو وسيلة للتواصل، وطريقة للتعبير عن المشاعر، ووسيط للتبادل الثقافي، والتواصل مع الخالق. ومع توسّع رقعة الدولة الإسلامية، بدأت تتشكّل ملامح مطبخ فريد، يجمع بين تقاليد الشرق والغرب، ويمزج بين نكهات الصحراء وخيرات الأنهار.
في قصور الخلفاء، وفي أزقّة المدن العتيقة، وعلى موائد العلماء والأدباء، كان الطعام يُحضَّر ويُقدَّم ويُستمتع به بطرق تعكس فلسفة الحياة الإسلامية. كان الطهاة يبتكرون، والعلماء يدرسون خصائص الأطعمة، والأطبّاء يصفون الأنظمة الغذائية، والشعراء يتغنّون بجمال الموائد.
ومع ازدهار الحضارة العباسية، بدأت تظهر كتب الطبخ باب أدبي جديد، يوثّق هذا التراث الغنيّ ويحفظه للأجيال التالية. لم تكن هذه الكتب مجرّد مجموعات من الوصفات، بل هي موسوعات ثقافية تجمع بين فنّ الطهي وعلم التغذية وآداب المائدة وحتّى الطب والصيدلة.
في هذه المقالة، نبحر في عالم الطبخ العربي الإسلامي، مستكشفين تاريخه الغنيّ، ومتتبّعين تطوّره عبر العصور. نتعرّف بالشخصيّات البارزة التي ساهمت في تشكيله، ونستعرض أهمّ الكتب التي وثّقت تراثه. ونكتشف كيف أثّر هذا الفنّ في الثقافة والمجتمع، وكيف ساهم في تشكيل الهويّة الإسلامية على مرّ القرون.
فلنبدأ رحلتنا في عالم النكهات والروائح، عالم يروي قصّة حضارة بِرُمَّتها من طريق أطباقها وموائدها. رحلة تأخذنا من مطابخ بغداد إلى قصور الأندلس، ومن أسواق القاهرة إلى موانئ إسطنبول، ومن مساجد كاشغر إلى سواحل الأطلسي، لنكتشف كيف كان الطعام، وما يزال، جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي والاجتماعي للعالم الإسلامي.

أهل العروبة أهل العلم والتوثيق
في كتابه {عطور ونكهات: كتاب طبخ سوري} يقول چارلز پيري “باستثناء أربع عيّنات بابلية ورومانية من الوصفات المكتوبة، لم تظهر كتب الطبخ في المشهد الأدبي إلّا عندما بدأ الناطقون بالعربية في جمع وصفاتهم في القرن العاشر، ووصلت إلى ذروة شعبيّتها في القرن الثالث عشر. سرعان ما أصبحت كتب مثل كتاب الطبيخ للوراق، وكتاب الطبيخ للبغدادي، وكتاب الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب للحلبي من أشهر أعمال هذا العصر الذهبي لكتب الطبخ، وما زالت مصدراً للقراءة الممتعة لعشّاق الطعام والمؤرّخين الثقافيّين على حدّ سواء.”
چارلز پيري Charles Perry هو مؤرّخ ومؤلّف أمريكي متخصّص في تاريخ الطعام والطهي، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط. ومعروف بعمله في دراسة طبيخ العصور الوسطى في العالم الإسلامي، وترجم وحلّل عدد من النصوص الكلاسيكية المتعلّقة بفنّ الطهي في تلك الفترة. واحد من أبرز أعماله هو ترجمته لكتاب فنّ الطبخ البغدادي: كتاب الطبيخ العبّاسي، وهو كتاب طهي من العصور الوسطى يُنسب إلى الفترة العباسية في بغداد.
پيري صحفي في صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” لفترة طويلة وكتب بكثافة في تاريخ الطعام والطهي في مختلف الثقافات. اهتماماته تمتدّ إلى تاريخ الغذاء والطرق التي تشكّلت بها الأذواق والعادات الغذائية على مرّ العصور، خصوصاً في العالم الإسلامي. إضافة إلى عمله الأكاديمي والصحفي، يعتبر چارلز پيري مرجعاً في تاريخ الطهي العربي والإسلامي، وله إسهامات كبيرة في تقديم هذا التراث الغني إلى جمهور أوسع بواسطة مقالاته وترجماته وبحوثه.
وكتاب الطبيخ للورّاق هو في الواقع أقدم كتاب طبخ في العالم. صنعه ابن سيّار الورّاق عام 940م بأمر من الخليفة العباسي، مرجعاً لأكاديميّة الطبخ الملكيّة العبّاسية في بغداد. ومن الجدير بالذكر أنّ ما بين القرنين التاسع والثالث عشر تحكّمت الذائقة العباسية كثيراً بطبيخ الشرق الأوسط. إذ، ولو أنّ وصفات المنطقة هي استمرار لتراث طبيخ حضارات هذه المنطقة القديمة، لكن، نلاحظ أنّ الكثير من كتب الطبخ في تلك الفترة تذكر الأمراء العبّاسيّين والخلفاء وزوجاتهم وميولهنّ أو انطباعاتهنّ وانطباعاتهم عن هذه الأكلات. ما يدل على أنّ الناس في كلّ الشرق الأوسط والعالم الإسلامي كانت تأكل ما يميل إليه العباسيّين وتبتعد عمّا يتفاداه بنو العبّاس.
هذا الاهتمام بالذائقة العباسية بالطعام امتدّ واستمر حتّى العهد العثماني، إذ، حين أسّس العثمانيّون في القسطنطينية أكاديميّة ملكيّة للطبيخ ترجموا كتاب الطبيخ البغدادي واعتمدوه مرجعاً أساسيّاً للطبيخ العثماني الحديث، وهذا دليل على استمرار العثمانيّين على هذه التقاليد والاستمرار بالاهتمام بالذائقة العبّاسية مصدراً وحيداً لوصفات الطعام.
والعيّنات الأربع التي قصدها چارلز في كلامه هي أثرين عراقيّين من العهد القديم، وأثرين من مدينة روما. وهي وفق تاريخ النشر:
ثلاث ألواح أگّدية من حوالي القرن 18 قبل الميلاد. تعود إلى العهد البابلي القديم. وهي أقدم تدوينات في العالم متخصّصة بوصفات طهي. عُثر عليها في مواقع مختلفة في سوريا والعراق. وهي موقع نِپُّر (نفر، القادسية) وموقع سِپَّر (أبو حبّة، بابل) وموقع بابل (الحلّة، بابل) وموقع ماري (تلّ الحريري، دير الزور). نفر كانت مركز ديني وثقافي في المملكة البابلية القديمة. اكتُشفت فيها بعض نصوص الطهو، لكنّها ليست جميعها من العصر البابلي القديم. وألواح أبو حبّة الطينية كبيرة العدد ومتنوّعة المحتوى غير أنّ قليلاً منها يحتوي على وصفات طهو. وألواح الطهو المنسوبة لمدينة بابل هي في الواقع مسروقة ولا يُعرف تماماً موقع اكتشافها. أمّا ألواح ماري فهي توثيق للطبيخ الملكي في المدينة، بالإضافة إلى أنّها تحتوي موروثاً من الثقافات السومرية والبابلية والأشورية.
ألواح آشورية من القرن السابع قبل الميلاد مكتشفة في مدينة نينوى (الموصل)، وهي أحد أقدم تدوينات الطهو المعروفة. تحتوي على وصفات طهو من العصر الآشوري الحديث، وتوفّر نظرة على ممارسات الطهو في الجزيرة العليا في العهد القديم.
كتاب لاتيني بعنوان De Agri Cultura (De Re Rustica) في الزراعة، منشور في روما حوالي 160 ق.م، وعلى الرغم من أنّه كتاب حول الزراعة، فإنّه يحتوي على وصفات قديمة خاصّة بالأطعمة المحفوظة للمؤونة والمشروبات مثل النبيذ.
كتاب لاتيني بعنوان De Re Coquinaria كتاب طهي روماني ذو شهرة واسعة في الإمبراطورية الرومانية. يُنسب إلى {مرقص گاڤيُس أپيچيُس} على أنّه منشور في روما في القرن الأوّل. مع أنّ النسخة الأقدم المتوفّرة حاليّاً تعود إلى القرن الرابع أو الخامس الميلادي. وعلى الرغم من أنّ الكتاب منسوب تقليديّاً لأپيچيُس Marcus Gavius Apicius غير أنّ هناك نقاشاً بين الباحثين حول مؤلفه الحقيقي وتاريخ تأليفه الدقيق. والكتاب خضع لتعديلات وإضافات عبر القرون، ممّا يجعل من الصعب تحديد تاريخ دقيق لنشره. ويحتوي هذا الكتاب على وصفات تركزّ على الطبيخ الروماني الفاخر على موائد السياسيّين والأثرياء، ويُعدّ أحد أقدم كتب الطبخ الرومانية. وذاعت شهرة الكتاب في أوروپا إلى درجة ربط اسم أپيچيُس Apicius كمرادف لعاشق الطعام أو خبير الطهي في الأدب اللّاتيني اللاحق.
مع ذلك، فإنّ كتاب الطبيخ العبّاسي لابن سيّار الورّاق وابن المهدي، يعتبر اليوم أقدم كتاب طبخ في العالم لأسباب عديدة، ويتفوّق على الإصدارات القديمة البابلية والآشورية والرومانية من عدّة نواحٍ تجعل منه عملاً فريداً ومميّزاً في تاريخ الطهي. لا سيّما من ناحية شمولية المحتوى وتنوّعه، والتوجّه الطبّي والغذائي، والبعد الثقافي والاجتماعي، والتقنيّات المتقدّمة في الحفاظ على التراث وتوثيقه.

أقدم كتب الطبيخ في العالم
كتاب ابن سيّار الورّاق {كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات} يحتوي على مئات الوصفات المتنوّعة التي تغطّي مجموعة واسعة من الأطعمة، بما في ذلك اللّحوم، الأسماك، الخضروات، الحبوب، الحلويّات، والمشروبات. هذا التنوّع يجعل الكتاب موسوعة شاملة للطهي في ذلك العصر، مقارنة بالتدوينات البابلية والرومانية التي كانت تحتوي على عدد أقل من الوصفات وفي مجالات محدّدة. والكتاب منظّم بشكل منطقي، ممّا يسهّل على القارئ العثور على الوصفات. إذ صُنّفت الأطباق وفقاً لنوع الطعام أو طريقة الطهي، وهذا التنظيم كان أكثر ركاكة في النصوص الأقدم.
من جهة ثانية، إحدى السمات الفريدة لكتاب ابن سيّار الوراق هي تركيزه على الجوانب الصحّية والطبّية للأطعمة. يُدرج المؤلّف توصيات طبّية وفوائد صحّية لكل وصفة، ممّا يعكس تأثير الطبّ العربي في تلك الفترة. هذه الجوانب الطبّيّة لم تكن شائعة في النصوص البابلية والرومانية بشكل مماثل. ويركز الكتاب على التوازن في المكوّنات الغذائية واختيار المكوّنات بناءً على تأثيرها على الصحّة، وهو أمر كان مهملاً وغير موثّق بشكل مشابه في النصوص القديمة.
يحتوي الكتاب على وصفات ترتبط بالبلاط العباسي والذوق الراقي في ذلك الوقت. ويُقدّم لمحة من الأطعمة التي كانت مفضّلة لدى الطبقات الحاكمة والأرستقراطية، ممّا يجعله مصدراً ثقافياً واجتماعياً بالإضافة إلى كونه مرجعاً طهوياً. ويتضمّن الكتاب معلومات عن شعائر الأكل وآدابه، ووصفاً لحياة الطبيخ في البلاط العباسي، ممّا يُضفي بُعداً اجتماعياً وتاريخيّاً لم يكن موجوداً في النصوص الأقدم.
يُظهر الكتاب تطوّراً في تقنيّات الطهي مقارنةً بالنصوص النهرينية والرومانية القديمة. ويتضمّن وصفات معقّدة وتفاصيل دقيقة حول طرق التحضير، المكوّنات، والتوابل، ممّا يعكس تقدّماً في فنّ الطهي. وفي الوقت الذي اعتمدت فيه النصوص القديمة على مكوّنات محلّيّة محدّدة، يعكس كتاب ابن سيّار الوراق استخدام مكوّنات وتوابل من مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، ممّا يظهر تأثير التجارة والاتّصال الثقافي في ذلك الوقت.
يُعتبر ابن سيّار الوراق توثيقاً لتراث الطهو في العصر العباسي، وحافظ على العديد من الوصفات التي ربّما كانت ستضيع لولا تدوينها في هذا الكتاب. الألواح البابلية والرومانية لم تكن بنفس الشمولية في توثيق التراث الطهوي. وبالمجمل، يتفوّق كتاب ابن سيّار الوراق في شموليّة المحتوى، وتنظيم المعلومات، والبعد الثقافي والاجتماعي، والتركيز على الجوانب الصحّية، ممّا يجعله أكثر من مجرّد كتاب وصفات، حين نراه مرجع علميّ مهمّ لفهم الحياة الثقافية والاجتماعية في العصر العباسي.
كتاب ابن سيّار الورّاق إنجاز ضخم يُحسب له ولا شك. غير أنّه كان في الواقع تطوير لكتاب تركه قبله بقرن الأمير العبّاسي إبراهيم بن المهدي. ففي القرن التاسع ألّف بن المهدي، وكان لم يزل أميراً، كتاباً بعنوان {كتاب الطبخ}. وعلى الرغم من أنه لم يصلنا كاملاً، غير أنّنا نعرف أنّه كان مخصّصاً للطبيخ في البلاط العباسي ويعكس تطوّراً مبكّراً في فنون الطهي.
وابن المهدي هو {أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي بن عبد الله المنصور، العباسي الهاشمي القرشي} بويع بالخلافة بالألقاب {الخليفة الأسود} و{التنّين} وناداه العامّة {ابن شكلة} وتوفّى سنة 839 ميلادية. اشتهر بموهبته في الغناء والموسيقى، وكان (وراثة عن أمّه) من أعلم الناس في عصره بالنغم والإيقاع، وتميّز بصوته الجميل لكنه كان يختصر الأغاني القديمة، وله مناقشات كثيرة مع اسحق الموصلّي حول أصول الموسيقى والنغم والإيقاع.

في سياق كتاب الطبيخ، كُتب الطبيخ
في تاريخ الدول المسلمة، وعلى خطى كتاب ابن سيّار الورّاق، صدرت عدّة كتب طهي هامّة واستُخدمت مراجع أساسيّة في القصور الملكيّة وأكاديميّات الطهي المماثلة لأكاديمية الطهي العباسية. هذه الكتب تعكس التأثير العبّاسي ولكنّها طوّرت أساليب ومناهج طهو جديدة وفقاً لثقافات الشعوب المختلفة.
في القرن 13 صدرت النسخة الثالثة لـ{كتاب الطبيخ} عن محمّد بن الحسن البغدادي بعنوان {كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيّبات الأطعمة المصنوعات ممّا استُخرج من كتب الطبّ وألفاظ الطهاة}، ويُعدّ هذا الكتاب تطوّراً مهمّاً في فنون الطهي العباسية، إذ جمع فيه مؤلّفه وصفات كانت متداولة في بغداد وغيرها من المناطق التي كانت تحت سيطرة العبّاسيّين. وكان يُستخدم في القصور وأكاديميّات الطهو في العالم الإسلامي. وتُرجم لاحقاً إلى التركية واعتُمد في القصور العثمانية، ممّا يدلّ على استمراريّة تأثير الذائقة العبّاسية.
في القرن 13 كذلك صدر في اليمن كتاب {الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب} للملك المظفّر يوسف بن عمر بن علي، وهو من ملوك المملكة الرسولية. ويُظهر هذا الكتاب تأثّر المطبخ اليمني بالتراث العبّاسي ولكنّه يحتوي أيضاً على وصفات محلّيّة من جنوب جزيرة العرب وشرق أفريقيا.
في القرن 13 كذلك صدر في تونس كتاب {فضالة الخوّان في طيّبات الطعام والألوان} لابن رزين التجيبي. ويُعدّ الكتاب من أشهر كتب الطهي في الأندلس والمغرب العربي. ومؤلّفه، ابن رزين التجيبي، وهو فقيه وشاعر أندلسي. ويُقدّم الكتاب مجموعة واسعة من الوصفات التي كانت تُحضّر في البلاط الأندلسي وفي المغرب العربي عموماً. ويُظهر الكتاب تأثّر الطبيخ الأندلسي بالطبيخ العبّاسي، مع إضافات من المطبخ المحلّي في المغرب العربي. وكان الكتاب مرجعاً هامّاً لفنون الطهي في المنطقة المغاربية ويُستخدم في إعداد الولائم الفاخرة.
في القرن 13 كذلك صدر في إشبيلية كتاب {الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب} لأبي الحسن علي بن محمد التطيلي. ويحتوي الكتاب على مجموعة واسعة من الوصفات والمعلومات حول الطعام والطبخ في الأندلس. أثّر هذا الكتاب بشكل كبير على تطوّر الطبيخ في المغرب العربي وجنوب أوروپا، وما زال يُعتبر مرجعاً مهمّاً للباحثين في تاريخ الطعام والثقافة الأندلسية. ويتميّز الكتاب بأسلوب أدبي راقي يمزج بين الوصفات العمليّة والتعبيرات الشعرية.
في القرن 14 صدر في القاهرة كتاب {كنز الفوائد في تنويع الموائد} للكامل بن عادلان، وكان مرجع للطهي في قصور المماليك. واستند الكتاب إلى تقاليد الطهو السابقة ولكنّه أضاف تطوّرات محلّيّة مصريّة خاصّة بالطبيخ المملوكي، وكان يستخدم مصدر لأكاديميات الطبخ في ذلك الوقت.
في القرن 14 كذلك صدر في دمشق كتاب {زهر البستان ونزهة الأذهان} لعلي بن نافع الدمشقي، ويعكس التقاليد الطهويّة المملوكيّة. وكان يُستخدم مرجع في القصور الملكية، ويتناول فنون الطهي بطريقة مشابهة لما كان يُمارس في البلاط العباسي. والكتاب ساهم في نقل فنون الطهي من المطبخ العباسي إلى المطبخ المملوكي، مّما يؤكد استمرارية تأثير المطبخ العباسي.
في القرن 14 كذلك صدر في كاشغر كتاب {منية المتملي وغنية المتأمل في شرح منية المصلي} لسديد الدين الكاشغري. هو عمل متنوع يغطي مجموعة واسعة من المواضيع. برغم أنّه ليس كتاب طبخ متخصّص، فهو في الأساس شرح لكتاب آخر يسمّى “منية المصلّي” في الفقه الإسلامي. إلّا أنّه يحتوي على معلومات قيّمة عن الطعام والتغذية. ورغم أنّ الكتاب نُشر في شرق تركستان (اليوم غرب الصين)، إلّا أنّه وجد طريقه إلى المغرب العربي بسبب حركة العلم والثقافة على خطّ الساحل (طريق الأرز). واستخدم الكاشغري منهجاً علميّاً في تقديم المعلومات، معتمداً على مصادر طبّيّة وفقهيّة.
في القرن 16 صدر بالفارسية كتاب {سجلّ في فنّ الطبخ وصناعته} (كارنامه در باب طباخي وصنعت آن) لشمس الدين محمد بن محمود الشيرازي، وهو كتاب الطبيخ الصفوي. وكُتب هذا الكتاب في إيران في عهد الدولة الصفوية ويعكس مزيجاً من التقاليد الفارسية والتركية والعربية. كان يُستخدم مرجع في البلاط الصفوي. ويمثّل الكتاب مرجعاً للطهي الشيعي الصفوي، ويعكس التأثير المستمرّ للتقاليد العبّاسية مع تطوّرات محلية.
في القرن 16 صدرت في المغرب العربي عدّة كتب متخصّصة بالطهي للأندلسيين المهاجرين. وتعكس تقاليد الطهي الأندلسيّة بعد تهجير الأندلسيّين إلى المغرب. واحتوت إجمالاً على وصفات تجمع بين التقاليد الأندلسية والمغربية. ممّا أدّى إلى نشوء مطبخ مغربي-أندلسي متميّز.
في القرن 17 صدر بالتركية العثمانية {كتاب الطبخ} لطبّاخ السلطان مراد الرابع محمد الكبابي. كُتب في عصر السلطان مراد الرابع، ويعكس تطوّر فنون الطهي في البلاط العثماني الذي تأثّر كثيراً بالتراث المطبخي العباسي. وكان يُستخدم مرجع في المطبخ العثماني الملكي وأكاديمية الطبخ الملكيّة في القسطنطينية، واستمرّ تأثيره على المطبخ الأناضولي والبلقاني واليوناني الحديث.
وبالخلاصة فإنّ العديد من الدول المسلمة تبنّت تقليد تدوين كتب الطهي واستخدامها كمراجع أساسية في مطابخ القصور والأكاديميات الملكية. هذه الكتب لم تكن مجرد مجموعات من الوصفات، بل كانت تعكس الثقافة، والترف، والمعرفة الطبية في تلك المجتمعات. تأثير المطبخ العباسي كان عميقاً واستمر عبر القرون، مع تطورات محلية في كل دولة إسلامية، مما يعكس التفاعل الثقافي بين هذه الدول.

أكاديميّة الطبيخ العبّاسية
اهتمام الخلافة العبّاسية بإصدار كتب الطهي باستمرار يعكس مجموعة من العوامل الثقافية والسياسية والاجتماعية، كما أنّ تأثير هذا الاهتمام امتدّ ليشمل العائلات الملكية الأخرى في العالم الإسلامي، مثل الرسوليّين والأيّوبيّين والحفصيّين وغيرهم.
يمكن اعتبار هذا الاهتمام بفنون الطهي تجسيد لمفهوم التنعّم بالطيّبات المباحة في الإسلام. إذ تعكس هذه الكتب الاهتمام بالصحّة والتغذية السليمة التي تعدّ من مقاصد الشريعة في حفظ النفس. وإصدار كتب الطبخ من قبل الخلافة الإسلامية اكتسب أهمّيّة دينيّة من منظور الحلال والحرام. فهذه الكتب ساعدت في توضيح وتوثيق الأطعمة الحلال والممارسات الغذائية المقبولة شرعاً. وخففت عن الناس الحيرة.
اهتمّت الخلافة الإسلامية بنشر هذه المعرفة لضمان التزام المسلمين بالأحكام الشرعية المتعلّقة بالطعام. ووثّقت المكوّنات الحلال وطرق إعدادها، ممّا ساهم في نشر الوعي الديني بهذا الجانب. ساعدت أيضاً في تمييز الأطعمة المحرّمة وتجنّبها. وقدّمت إرشادات تتعلق بكيفية التعامل مع المكونات المشتبه فيها وطرق تحضير الطعام بما يتوافق مع الشريعة. وهذا تيسير للناس المتسائلين عن موضع صنف من الغذاء بالنسبة للتشريع الإسلامي.
هذا الواقع دفع الدولة الإسلامية لتأسيس أكاديميّة في بغداد تخرّج الطهاة المحترفين، منهم من يخدم في القصور العبّاسية، ومنهم من يتّجه للعمل والتدريس في مختلف أرجاء الإمبراطورية واسعة الأرجاء.
كانت الخلافة العبّاسية معروفة برفاهيّتها وثرائها الثقافي، والطعام جزء من هذا الترف. والاهتمام بالطهي وتدوين الوصفات يعكس الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة للحياة الثقافية والرفاهية. فمن خلال كتب الطهي، كانت النخبة العباسية تُظهر تميّزها وتفوّقها في الفنون والآداب. ومن جهة ثانية كانت كتب الطهي وسيلة لإظهار الهيمنة الثقافية والحضارية للعاصمة العباسية سواء في بغداد أو لاحقاً في القاهرة. فمن خلال تدوين أرقى الوصفات وأحدث تقنيّات الطهي، أرادت النخبة الحاكمة التأكيد على ريادتها ليس فقط في السياسة، ولكن أيضاً في الحياة اليومية والثقافة.
كانت الخلافة العباسية تُدرك أهمّيّة الحفاظ على التراث الثقافي، بما في ذلك التراث المطبخي. وتدوين الوصفات كان طريقة لضمان بقاء هذه المعرفة وانتقالها للأجيال القادمة. ومع مرور الوقت، أصبح هذا التدوين مرجعاً للأجيال اللّاحقة وللدول المجاورة، وتقليد لا يترك. ونظراً للارتباط الوثيق بين الطعام والصحّة، كان هناك اهتمام كبير من العلماء والأطبّاء العبّاسيّين بتدوين وصفات طعام صحّيّة ومتوازنة. هذه العلاقة بين الطهي والطب دفعت إلى توثيق الوصفات بشكل منهجي.
الدول الإسلامية الأخرى مثل الدولة الفاطمية في شمال أفريقيا، والدولة الأموية في الأندلس، وخلافة الموحّدين، والدولة الرسولية في اليمن، والدولة العثمانية لاحقاً، قلّدت العبّاسيّين في اهتمامهم بالثقافة الرفيعة بما في ذلك فنون الطهي. انتشرت الكتب العبّاسية بشكل واسع ونُسخت في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ممّا أثّر على مطابخ تلك الدول.
بفضل التوسّع الجغرافي للدولة العباسية، صار توثيق أنواع الأطعمة المتاحة أمر ضروري في مختلف أقاليم الدولة الواسعة. هذا التوثيق ساعد على نشر وصفات الطهي من مناطق مختلفة من الإمبراطورية وتبادلها بين الثقافات المختلفة. وكانت القصور العبّاسيّة مراكز للثقافة والتعليم، وكانت تشرف على تنظيم الولائم الكبرى التي تتطلّب مستوى عالٍ من التنظيم والطهي. تدوين هذه الوصفات حتى تفاصيل التقديم كان جزءاً من إدارة هذه الولائم وضمان تقديم أطباق تتناسب مع الذوق الرفيع.
كان للطعام دور في الشعائر الدينية والاحتفالات الرسمية. وكتب الطهي تحتوي على وصفات خاصّة بمناسبات دينية معينة، مثل رمضان أو الأعياد، ممّا يعزّز مكانة هذه الكتب في الحياة اليومية. ولمّا كان الطعام جزءاً مهمّاً من الهويّة الثقافيّة الإسلامّية، من خلال تدوين كتب الطهي، كانت الخلافة العباسية تسعى إلى تعزيز هذه الهويّة والحفاظ عليها في مواجهة التأثيرات الثقافية الأخرى.
وعليه نرى أنّ اهتمام الخلافة العبّاسية بإصدار كتب الطهي لم يكن مجرد اهتمام بالطعام بحد ذاته، بل كان جزءاً من مشروع ثقافي أوسع يشمل الترف، المحافظة على التراث، وإظهار التميّز الثقافي والحضاري. هذا الاهتمام أثّر بشكل كبير على العائلات الملكيّة والدول الأخرى في العالم الإسلامي، التي سارعت إلى تقليد هذا النموذج الراقي وتبنّي فنون الطهي الرفيعة كجزء من ثقافتها.
تاريخ كتب الطبخ في العالم الإسلامي يعكس قصّة أكبر من مجرّد تجميع لوصفات وأطباق. فهو يروي حكاية التبادل الثقافي، والتطوّر الاجتماعي، والتقدّم العلمي الذي شهدته الحضارة الإسلامية عبر العصور. من بغداد إلى القاهرة، ومن دمشق إلى قرطبة، ساهمت هذه الكتب في نشر المعرفة وتوحيد الذائقة، مع الحفاظ على التنوّع الإقليمي. وحتّى يومنا هذا، تظلّ هذه الكتب شاهدة على عصر ذهبي للإبداع الثقافي والتفاعل الحضاري، وتقدّم لنا نافذة فريدة على الحياة اليومية والعادات الغذائية في العالم الإسلامي القديم.

هامش
اقتباس چارلز پيري Charles Perry من كتابه Scents and Flavors: A Syrian Cookbook وهو جزء من سلسلة Library of Arabic Literature التي تنشرها جامعة نيويورك NYU Press. النص الأصلي باللّغة الإنگليزية:
“With the exception of four Babylonian and Roman samples of written recipes, cookbooks did not appear on the literary scene until speakers of Arabic began compiling their recipes in the 10th century, reaching the height of their popularity in the 13th century. Soon, books like Kitab al-Tabikh by al-Warraq, Kitab al-Tabikh al-Baghdadi, and Kitab al-Wusla ila al-Habib fi Wasf al-Tayyibat wal-Tayyib al-Halabi became some of the most popular works of this golden age of cookbooks, and remain a source of delightful reading for gourmands and cultural historians alike.”





اترك رد