قبل 18 سنة، حين أنشأت أوّل حساب لي على فيٓسبوك سنة 2006، اعتقدت أنّ وسائل الإعلام المجتمعي (وإم) ستزيد ترابط العالم وتسامحه وتعارفه وصدقه، وستقرّبه ليكون أكثر اتّفاقاً على الحقائق وطبيعة الأمور. ولفترة، بدا العالم فعلاً كذلك. عالم النيرديّة (الغاوين، السچاچين، الخبّاشين، الفهلويّين) الذين انجذبوا لفيٓسبوك في بداياته. لكن، سرعان ما تحوّلت هذه المزايا إلى مشكلة.
المشكلة الآن هي ما لم يخطر ببالي آنذاك: إمكانيّة تشكيل مجموعات ذات أجندات أيديولوجية أو دينية معيّنة أو لأشخاص متحيّزين بشدّة إلى درجة التعصّب. إذ عادةً، لا يشكّل هؤلاء قوّة كبيرة لتفرّقهم أشتاتاً في مجتمعاتنا. لكن، على “وإم”، مثلما يجتمع محبّو الفيزياء، يستطيع كارهو العلم أو أصحاب الأيديولوجيات المختلفة أو المتعصّبين أن يلتقوا ويتجمّعوا في معسكرات. وهذا يوضح سبب المشكلة التي نواجهها اليوم.
ماذا يفعل الناس بعد إيجاد مجموعاتهم وأشباههم؟ عادةً، نعقد لقاءات ونتعارف، لكنّنا أيضاً نتشارك الأفكار عبر “وإم”. وما نراه هو نوع من التطوير بالمبالغة؛ تطوير الأفكار على “وإم”. مثلاً: شخص ينشر صورة قطّة، ثم يكتب آخرون عبارات عليها، وتنتصر أفضل عبارة وتنتشر عبر الشبكة أكثر من غيرها. والأمر نفسه يحدث مع الحجج الأيديولوجية. في أيّ نقاش على “وإم”، يُظهر نسخ مختلفة متطوّرة من الحجج.

وعلى نفس السياق. في السابق، كان القوميّون المتطرّفون الأكراد والأمازيغ متفرّقين في مجتمعاتهم. أفكارهم المعتمة خجولة، يعرفون أنّها أفكار ظلامية ولا أحد يرغب بسماعها. و(وإم) أحدثت تغييراً جذريّاً في هذا الواقع. فصار بإمكانهم الآن التجمّع في فضاءات افتراضية تعزّز أفكارهم المتطرّفة، ويرون فيها أنّهم كتلة ذات عدد.
ولمّا كان الدافع الأساسي وراء تجمّع هؤلاء المتطرّفين القوميّين هو كراهيّتهم للعرب، كراهيّتهم لمجتمعاتهم التي يعيشون فيها. شكّلت هذه الكراهية الأساس الذي بنوا عليه تحالفاتهم الافتراضية. ومع مرور الوقت، صارت المبالغة في التعبير عن اللاعربيّة هي الرابط الأقوى الذي يجمعهم ويوحّد صفوفهم.
تبدأ هذه المجموعات بمشاركة آرائها في الهويّة والثقافة، مع التركيز بشكل خاص على رفض كل ما هو عربي، ثمّ رفض عروبة كل ما هو عربي. ومع الوقت، تتطوّر هذه الأفكار وتزداد تطرّفاً. مثلاً: ينشر شخص تعليقاً ينتقد التأثير العربي، وبدل الرفض يفاجأ بالقبول، ثمّ يضيف آخرون إليه ويغذّونه، مع الحرص على إظهار المزيد من العداء للعرب. وهكذا؛ الأفكار الأكثر تطرّفاً وعداءً للعرب تنتشر بسرعة أكبر، لأنّها تلبّي الدافع الأساسي لتجمّعهم.
في نقاشاتهم، هذه المجموعات لا تتحاور مع العرب مباشرة. بدلاً من ذلك، يتخيّلون ما يعتقدون أنّه موقف العرب، ثمّ يبالغون في تصوير هذا الموقف المتخيّل بشكل سلبي للغاية. يستمرّون في تضخيم هذه الصورة السلبية حتّى تصبح كاريكاتورية ومثيرة للغضب، ممّا يعزّز شعورهم بالتماسك ضدّ ما يرونه تهديداً عربيّاً لوجودهم المفترض.
عندما تثير هذه الأفكار المتطرّفة غضبهم، ينشرنها على نطاق أوسع قائلين: “انظروا ما يريده العرب”. ويؤدّي هذا إلى مزيد من التضخيم والتشويه. والأفكار الأكثر تطرّفاً وعداءً للعرب هي التي تنتشر أسرع، وكأنّنا نشهد تطوّراً للحجج المعادية للعرب لتصبح أكثر حدّة وعنفاً.
خوارزميّات “وإم” تفاقم المشكلة. فهي تختار المحتوى الأكثر إثارة للمشاعر وتدفعه إلى الواجهة. هذا يعني أنّ الآراء الأكثر تطرّفاً ضدّ العرب تحظى بانتشار أوسع، ممّا يعزّز شعور هؤلاء المتطرّفين بالاتّحاد والقوّة… مع أنّ أفكارهم، في الواقع، هي أفكار أقلّيّة واستثنائية، وليست أفكار أغلبيّة.
عندما تفكّر في مجموعتين يبدو أنّهما تتناقشان على “وإم”، فهما في الواقع لا تتحاوران مباشرة. بدلاً من ذلك، كل مجموعة تتخيّل وتصنع ما تعتقد أنّه رأي المجموعة الأخرى. ثمّ يبالغ أعضاء كلّ مجموعة في تضخيم هذا الرأي المتخيَّل، ويجعلنه أسوأ وأسوأ. إلى أن يصبح هذا التصوّر المشوَّه صورة مبالغ فيها وسيّئة جدّاً لدرجة تثير غضبنا وانفعالنا. وعندما تثير غضبنا، ننشرها لكلّ معارفنا قائلين: “انظروا ما يقوله الطرف الآخر، انظروا مدى فظاعته”، ونواصل تضخيم الأفكار لتزداد سوءاً. هذه الأفكار هي التي تنتشر، وكأنّنا في عملية تطوّر، نطوّر الحجج لتصبح أسوأ نسخة من نفسها، ثم نجعل الردّ عليها أسوأ. وأظنّ أنّ هذا يؤدّي إلى الاستقطاب الذي نراه.

الأسوأ أنّ سطح “وإم” تنظّمه خوارزميّات مصمّمة لاختيار الأشياء الأكثر تفاعلاً، التي تثير مشاعرنا وتدفعنا للمشاركة والإعجاب أو الكراهيَة، ثمّ تروّج لها أكثر وأكثر. أظنّ أنّ هذا مصدر الأخبار المزيفة. كيف أمكن أن تنتشر الأخبار المزيفة أكثر من الحقيقية في الانتخابات الأمريكية الأخيرة مثلاً؟ هذا مذهل، وأعتقد أنه يحدث لأنّ “وإم” تسمح لمجموعات ذات آراء خاصّة جداً بالتجمّع والتكتّل، ويتيح لها تبادل الأفكار، بالأخصّ ما تظنّه المجموعة حجّة خصمها، مع تعديلها قليلاً، وإجراء تغييرات صغيرة، وإيجاد ما يثير غضبنا أكثر.
هذه الأشياء هي التي تُشارك، وتنال الإعجاب والكراهية، وترفعها الخوارزميات إلى القمّة. لذا، بدل أن توحّدنا “وإم” وتقرّبنا من الحقائق، فإنّها تسمح لنا بالانقسام إلى فصائل وإجراء هذا التضخيم المجنون للحجج، الذي تسهّله الخوارزميّات فتدفعنا للابتعاد أكثر. هذا أفضل تفسير توصلت إليه لسبب اهتمامنا بالحقائق الآن أقل ممّا سبق.
النتيجة هي تشكل فقاعات افتراضيّة تغذّي العربفوبيا وتجعلها المحور الأساسي لهويّتهم الجماعية. ثم، داخل هذه الفقاعات، تنمو الأفكار المتطرّفة وتتطوّر، مع التركيز دائماً على إظهار المزيد من العداء للعرب كوسيلة لتعزيز الانتماء للمجموعة. الجحود والجهود لنكران الحضارة العربية تزداد تعقيداً وتأثيراً، والممارسات المعادية للعرب تصبح أكثر تنظيماً وانتشاراً.
هذه الديناميكية تفسّر كيف أصبحت هذه المجموعات أكثر تماسكاً وتأثيراً في السنوات الأخيرة. كراهيّتهم للعرب أصبحت الأساس الذي يبنون عليه هويّتهم الجماعية، والمبالغة في التعبير عن اللاعربية صارت وسيلتهم لإثبات انتمائهم وولائهم للمجموعة.
في ظلّ هذه التحديات التي تفرضها “وإم”، يبرز السؤال الملحّ: كيف نعيد التوازن إلى فضاءاتنا الرقمية؟ الحلّ برأيي يكمن في تعزيز الوعي النقدي وبناء جسور التواصل الحقيقي بين مختلف الفئات.

علينا تشجيع التفكير النقدي والتحقّق من المعلومات. كما يقول المفكّر العربي محمد عابد الجابري: “إنّ الفكر النقدي هو الذي يجعل من العقل أداة للفهم والتحليل والتركيب، وليس مجرّد وعاء للحفظ والتكرار”. هذا النهج سيساعد الأفراد على تمييز الحقائق من الأخبار المزيّفة والتاريخ المزوّر والتصدّي للخطابات المتطرفة.
يجب تعزيز الحوار المباشر بين المجموعات المختلفة، بعيداً عن الافتراضات والتصوّرات المشوّهة. يقول إدوارد سعيد: “الحوار الحقيقي بين الثقافات يبدأ بالاعتراف بالاختلاف والتنوّع، وليس بمحاولة فرض رؤية واحدة على الجميع”. هذا النهج سيساعد في كسر الفقاعات الافتراضية وبناء تفاهم متبادل. لكن، الفرق جوهري بين “الحوار الحقيقي” الذي يدعو إليه إدوارد سعيد وتجاهل الحكومات لخطاب الكراهية المتطرّف.
“الحوار الحقيقي” يستلزم الاحترام المتبادل والاعتراف بشرعية وجود الآخر. فهو يهدف إلى بناء جسور التفاهم والتعايش السلمي، مع الحفاظ على الخصوصيّات الثقافية. هذا النوع من الحوار يُثري المجتمع ويدفعه نحو التطوّر الإيجابي. أمّا تجاهل خطاب الكراهية بحجّة “الاعتراف بالاختلاف”، فهو تفسير خاطئ ومضلّل لمفهوم التنوّع. خطاب الكراهية لا يهدف إلى الحوار أو التفاهم، بل إلى نفي الآخر وإقصائه. فهو يقوّض أسّس التعايش السلمي ويهدّد النسيج الاجتماعي.
الفيلسوف كارل بوبر يوضح هذا الفرق في مقولته الشهيرة حول التسامح: “لكي نحافظ على مجتمع متسامح، يجب ألّا نتسامح مع اللّاتسامح”. بمعنى آخر، التسامح مع خطاب الكراهية يؤدّي في النهاية إلى تدمير التسامح نفسه. وهنا، امتناع الحكومات عن مواجهة خطاب الكراهية يؤدّي إلى تفاقم المشكلة. فالديمقراطية تتطلّب مواطنين قادرين على المشاركة في النقاش العام بشكل عقلاني وبنّاء، مبني على احترام الآخر. أمّا خطاب الكراهية فيقوّض هذه القدرة ويهدّد أسّس الديمقراطية نفسها.
الحل الأمثل هو إيجاد توازن دقيق. على المجتمعات والحكومات أن تشجّع الحوار البنّاء والاعتراف بالتنوّع، مع وضع حدود واضحة لما هو مقبول في الخطاب العام. هذا يعني حماية حرّيّة التعبير، مع منع خطابات الكراهية التي تهدف إلى الإضرار بالآخرين أو نفي حقوقهم الأساسية. على الحكومات العربية منع اللاعربية وكبح استفحال وباء العربفوبيا.
المفكّرة الأمريكية مارثا نوسباوم قدّمت رؤية متوازنة في هذا السياق حين قالت: “يجب أن نتعلّم كيف نعيش معاً في عالم متنوّع، مع الحفاظ على قيمنا الأساسيّة في الكرامة الإنسانية والمساواة”. هذا النهج يتطلّب جهوداً مستمرّة في التربية والتوعية، وتطوير سياسات تحمي التنوّع دون السماح بانتشار خطابات الكراهية المدمّرة.
في النهاية، الهدف هو بناء مجتمع متماسك يحترم التنوّع ويشجّع الحوار البنّاء، مع الحفاظ على القيم الأساسيّة للكرامة الإنسانيّة والعدالة الاجتماعية. هذا التوازن الدقيق هو ما يميّز المجتمعات الديمقراطية الناضجة، ويجب السعي إليه باستمرار في عصر “وإم” والتحدّيات الجديدة التي تفرضها.

نحتاج إلى تطوير منصّات إعلاميّة اجتماعيّة تعزّز التنوّع الفكري والثقافي، بدلاً من تعميق الانقسامات. يمكن تصميم خوارزميات تعطي الأولوية للمحتوى المتوازن والبنّاء، بدلاً عن منحها الأولويّة للمحتوى المثير للجدل والانقسام.
يجب التركيز على التربية الإعلاميّة في المدارس والجامعات. فتعليم الأجيال الجديدة كيفيّة التعامل النقدي مع المعلومات والتحقّق منها سيساهم في بناء مجتمع أكثر وعياً ومناعة ضدّ التطرّف والأفكار المضلّلة.
علينا تشجيع المبادرات التي تجمع الناس من خلفيات متنوّعة في العالم الحقيقي، لتعزيز التفاهم المتبادل والتعاطف. كما يقول الفيلسوف مارتن بوبر: “كلّ حياة حقيقية هي لقاء”. هذه اللّقاءات الحقيقية ستساعد في مواجهة الصور النمطيّة والأحكام المسبقة التي تنتشر عبر “وإم”.
إنّ تحقيق هذه الحلول يتطلّب جهداً جماعيّاً من الأفراد والمؤسّسات والحكومات. وفقط بواسطة العمل معاً يمكننا تحويل وسائل الإعلام المجتمعي (وإم) من أدوات للانقسام إلى منصّات للحوار البنّاء والتفاهم المتبادل. فبهذه الطريقة، نستطيع استعادة الوعد الأصلي لهذه التقنيات في تقريب العالم وجعله أكثر ترابطاً وتسامحاً.
وسائل الإعلام المجتمعي (وإم) المشهورة هي فيٓسبوك Facebook، إنستگرام Instagram، تويتر X Twitter، لينكدإن LinkedIn، يوتيوب YouTube، تكتوك TikTok.





اترك رد