تتميز القهوة اللبنانية بخصوصية فريدة في عالم القهوة العربية، فهي تجمع بين تقاليد القهوة الشامية العريقة وابتكار محلّي يضفي عليها مذاقاً متميّزاً. تنبع أصول هذه القهوة من منطقة ريف حمص، وليس من دولة لبنان الحديثة كما قد يتبادر إلى الذهن. يعود تاريخ هذه التسمية إلى فترة ما قبل عام 1862، عندما كانت كلّ المنطقة الممتدّة بين حمص ودمشق تُعرف باسم لبنان، قبل اقتطاع جبل لبنان كمتصرفية فرنسية، وقبل نشوء دولة لبنان المعاصرة.
تتميّز القهوة اللّبنانية عن نظيرتها الشامية بطريقة تحضير فريدة تعتمد على مزج درجتين من تحميص البن: الأشقر والغامق. يخلق هذا المزيج توازناً دقيقاً بين النكهات الحموضة والحلاوة، ممّا يمنح القهوة عمقاً وتعقيداً في الطعم.
تنتمي القهوة اللبنانية إلى عائلة القهوة الشامية، المعروفة عالمياً باسم “القهوة التركية”. هذه التسمية العالمية نشأت نتيجة انتشار القهوة كظاهرة عالمية خلال فترة الإمبراطورية العثمانية، التي عُرفت في الغرب باسم تركيا. برغم ذلك، فإنّ جذور هذه القهوة تعود إلى المنطقة العربية، وتحديداً بلاد الشام.
يبدأ تحضير القهوة اللّبنانية، كغيرها من أنواع القهوة الشامية، بوضع الماء البارد في وعاء خاص يُسمّى الدُولة أو الركوة. يُضاف السكّر في هذه المرحلة لمن يرغب في تحلية القهوة، إذ لا يُفضّل إضافة السكر بعد الغلي.
تتميّز عملية التحضير بإضافة مزيج البن المحمص بدرجتيه والهال إلى الماء البارد. تُستخدم ملعقة صغيرة من هذا المزيج لكل فنجان ماء (شامي) للحصول على رغوة كثيفة تُعرف باسم “الوجه”. يوضع الوعاء على نار هادئة حتى يبدأ الماء بالغليان وتتشكّل الرغوة على السطح.
تتطلّب عملية الغلي مهارة خاصّة، حيث يُرفع الوعاء عن النار لبضع ثوانٍ عند بدء تشكل الرغوة، ثم إعادته إلى النار. تُكرّر هذه العملية عدّة مرات للحصول على رغوة غنية وكثيفة.
عند اكتمال الطبخ، تُسكب القهوة في فناجين صغيرة مخصّصة، مع الحرص على توزيع الرغوة بالتساوي على كل فنجان. تُقدم القهوة اللبنانية ساخنة، ويُفضّل تقديمها مع كوب ماء بارد وحلوى خفيفة لموازنة طعمها القوي.
تشكّل القهوة اللّبنانية، كجزء من تراث القهوة الشامية، عنصراً أساسيّاً في الهوية العربية والتراث الحضاري للمنطقة. تتجاوز كونها مجرد مشروب لتصبح رمزاً للكرم العربي وحفاوة الاستقبال. تعكس عملية تحضيرها وتقديمها عمق التقاليد العربية في الضيافة وأهمّية التواصل الاجتماعي.
يمثّل الحفاظ على تقاليد تحضير وتقديم القهوة اللبنانية جزءاً مهمّاً من الحفاظ على الإرث الثقافي العربي. تستمر هذه العادات في الانتقال من جيل إلى آخر، ممّا يضمن استمرارية هذا التراث الغني وتشاركه مع الأجيال القادمة.




اترك رد