رسمة أمس السبت لمشهد ساحر لمدينة قسنطينة الجزائرية الساحرة، عن صورة التقطها سنة 2014 ناشط بريطاني معاد للبركست اسمه ماريوس كلوجنياك Mariusz Kluźniak.

وهذه لمحة من تاريخ اسم المدينة.
تاريخ قسنطينة يختصر تاريخ الجزائر نوعاً ما، فالمراحل التي مرّت بها هي مراحل تاريخ الشعب الجزائري بالعموم… وقسنطينة اليوم هي واحدة من أجمل مدن العالم، ولو كانت على الضفّة الشمالية للمتوسط لكانت من أسطع جواذب السياحة في العالم، لكن وسلطان الإعلام على الضفة الشمالية فقليلون من يسمعون بروعتها.
تأسّست قسنطينة بالأساس مدينة فنيقية ضمن الدولة القرطاجية (عفريُن) 𐤏𐤐𐤓𐤉، ويُعتقد بأنّ موقع المدينة كان مأهولاً بالأساس ومهجورة، ثمّ أعاد الفنيقيّون عمارها في القرن الثامن قبل الميلاد؛ وأطلقوا عليها اسم قِرطَن 𐤊𐤓𐤕𐤍 (قِرتً) بمعنى مدينة.
تحوّر هذا الاسم قِرطَن مع اللّهجات المحلية إلى قِرثَن وگِرتَن، ولفظه الإغريق مع التأنيث كِرته Κίρτα ونزلت هكذا في تدويناتهم التاريخية، كما نقرأها عن ديودور الصقلّي Διόδωρος، وپُولِيبْيُوسْ Πολύβιος، وأپّيان السكندري Ἀππιανὸς، وكاسيوس ديو Δίων Κάσσιος، وپروكوپيو الفلسطيني Προκόπιος، وحتى في نصوص پطوليمي Κλαύδιος Πτολεμαῖος وسترابون Στράβων.
بعد الفتح الروماني لقرطاج سنة 145 ق.م كتب الرومان اسم قسنطينة باللاتينية گِرته Cirta، وتحوّل لفظ هذا الاسم مع الزمن إلى سِرته وسيرتا، بسبب تحوّل لفظ حرف C إلى س بدلاً گ اللاتيني. في الواقع، حوالي سنة 30 ق.م كان الاسم الروماني للمدينة هو Colonia Julia Juvenalis Honoris et Virtutis Cirta … نعم كل هذا اسم للمدينة… والذي يعني ”المستوطنة الجديدة المحدّثة المكرّمة والمشرّفة گِرته“. لاحقاً صارت الناس تسمّيها اختصاراً گِرته يوليا Cirta Julia أي گِرته الجديدة أو گِرته الفتيّة. وبقي الاسم في الإغريقية والكوينية كِرته بالكاف.
سنة 312 أعاد الإمبراطور قسطنطين تسمية المدينة. وهو المعروف باسم قُسْطَنْطِينُ العظيم، وبالإمبراطور الهيليني. وغيّر قسطنطين اسم گِرته إلى Civitas Constantina Cirtensium وكان لفظها في ذلك الوقت ”قِڤِتَس قونسطَنطينة قِرتِنسيُم“، ومعناها مفوّضيّة قسطنطينة الگِرتية. وهو الاسم الذي صار اختصاراً قسنطينة؛ واستمرّ حتّى اليوم. وفي الواقع كان هذا الاسم هو للقاعدة العسكرية الرومانية القريبة من مدينة گِرته الفنيقية، قبل الفتح الروماني.
إذ كانت المستوطنات الجديد التي بناها الرومان لإدارة شؤون القبائل في أفريقيا تسمّى جميعاً گِڤِتَتِس civitates بمعنى مفوّضيّات أو وكالات، كونها مفوّضة لإدارة شؤون القبيلة باسم الجمهورية الرومانية. وكانت هذه المفوّضيات تؤسَّس في معسكرات الجيش القريبة من المدينة القديمة، التي أطلق عليها الرومان صفة أوپِّدُم oppidum أي حصن بدوي… ومنها الكلمة العربية آبدة وجمعها أوابد.
واستعمل الرومان صفة أوپِّدُم أو أوپِّديُم oppidum لاحقاً لوصف جميع المدن الكلتية في أوروپا… ما يعني ضمناً أنّها صفة لاتينية للمدن الغير رومانية في حدود الدولة الرومانية، والتي تجب رَومنتها. وكما فعلوا في گِرته، صارت المفوّضية القِڤِتَس هي المركز الجديدة لمدينة گِرته الرومانية.
بكلّ حال، قسنطينة اليوم هي مدينة الجسور المعلّقة في العالم العربي، لكثرة الجسور المعلّقة فيها، وهي مدينة مبنية على قمم تلال وجبال تفصل ما بينها أودية عميقة. فالجسور شرايين الحياة في قسنطينة. وهي اليوم تسع جسور: جسر بومرزوق، والشلالات، والشيطان، وجازن الغنم، وملاح سليمان، وسيدي مسيد، وسيدي راشد، وباب القنطرة، وصالح باي.
جسر سيدي راشد هو أضخم جسر حجري في العالم، ارتفاعه 105 متر، وطوله حوالي 500 متر. ومنظره بهيّ في الحقيقة… أمّا أقدم جسور قسنطينة فهو جسر باب القنطرة الذي بّني من الحجر في العهد الروماني وجُدّد في العهد الفاطمي وكذلك في العهد العثماني سنة 1792، ثمّ هدمه الفرنسيّون سنة 1863 وأعادوا بناءه بالإسمنت والحديد.
خلال العصر الأموي، استنسخ القسنطينيّون مدينتهم في عدّة مواقع من إيبريا، منها مثلاً مدينة رُندة Ronda في أندلوسيا وميريدا Mérida في بطليوس، وسرقُسطة Zaragoza في أراگون. ويعتبر الكثير من أهل رُندة أنّ مدينتهم هي توأم قسنطينة في الشمال.
إذا لم تتعرّف على قسنطينة بعد، أنصحك بيوتيوب وبالبحث عن الفليمات التي تحكي الكثير عن تفاصيل الحياة في هذه المدينة الساحرة.





اترك رد