بحثٌ تاريخيٌّ وأثريٌّ يفكّك الخلط بين العقيدة الإسلاميّة المنزّهة عن الأيقونات وبين الشّارات السّياديّة للدّول الإسلاميّة؛ ويوثّق بالمسكوكات العبّاسيّة والفاطميّة والأيّوبيّة والمملوكيّة، وعمارة القدس والقاهرة ودمشق، وتذهيب المصاحف الشّريفة وخاتم الأمير عبد القادر الجزائريّ، كيف استقرّ «خاتم سليمان» رمزاً إسلاميّاً طوال عشرة قرون، قبل أن تفرضه عائلة آل هاپسبورگ في مجمع ڤيينا سنة شارةً لتمييز…
تحمل الرايات والأعلام في طيّاتها قصص الشعوب وتاريخها، فهي ليست مجرد قطع قماش ملونة، بل رموز تعبر عن هُوِيَّة الأمم وثقافتها. يستعرض هذا المقال رحلة تطور الرايات ورموزها عبر التاريخ، مع التركيز على الهلال والنجمة السداسية كرمزين شائعين في العالم الإسلامي. يكشف البحث عن جذور هذه الرموز الممتدّة إلى حضارات قديمة، ويوضح كيف تبنتها ثقافات وديانات مختلفة عبر العصور.
يبدأ المقال بتتبع أصول الرموز الشائعة على الرايات مثل النجوم والهلال والدائرة والصليب، مرجعاً إياها إلى الحضارات القديمة في جَنُوب العراق. ثم ينتقل لشرح تطور مفاهيم الرايات عند العرب والأتراك، موضحاً كيف تأثرت بالتغيرات الدينية والثقافية. يستعرض المقال أمثلة عديدة لدول ومماليك استخدمت الهلال والنجمة على راياتها، بدءاً من الممالك الإغريقية القديمة وصولاً إلى الدولة العثمانية والدول الإسلامية الحديثة.

النجمة السداسية: تاريخها بين الحضارات المختلفة
ما بين القرون الثامن والخامس عشر، كانت النجمة السداسية من رمز الدين الإسلامي في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، ما سيّما أنّها كانت رمز بيت الخلافة العبّاسية الملكي وخاتم الخليفة.
سنة 1267 قرّر مجمع ڤيينا الكنسي وجوب تمييز اليهود أنفسهم عن المسيحيّين بواسطة ارتداء إشارات خاصّة. لم يقرّر مجمع ڤيينا شكل الإشارات. غير أنّ آل هاپسبورگ قرّروا عدّة إشارات تميّز بين طوائف المواطنين، منها الصليب للمسيحيّين والنجمة السداسية لليهود. واختار آل هاپسبورگ آنذاك رمز النجمة السداسية لليهود لأنّها كانت معروفة في مملكة هاپسبورگ رمز للمسلمين وعلى رايات كل الممالك التركية في آسيا، فأرادت هذه العائلة الملكية إقران المواطنين اليهود في عيون بقيّة المواطنين بالمسلمين والإسلام، أعداء مملكة هاپسبورگ التقليديّين.
خلال القرون الوسطى، وخاصّة في القرنين 13 و14، فرضت بعض المدن والمناطق التابعة للإمبراطورية الرومانية المقدّسة التي كان آل هاپسبورگ من أبرز حكامها، على اليهود ارتداء شارة دائرية صفراء أو قطع قماشية مستديرة مثبتة على الملابس. واختارت اللّون الأصفر لدلالة تحقيريّة في ذلك الزمن، باعتباره لوناً يرمز إلى الخيانة أو الدونية.
لم تكن النجمة السداسية وحدها منتشرة في جميع المناطق، إذ كان الاختيار بين النجمة أو الدائرة أو شارات أخرى يعتمد على السياسات المحلّيّة أو الأعراف الخاصّة بكل إقليم. وكانت هذه الرموز تهدف إلى عزل اليهود عن المجتمع الأكبر، ممّا يسهّل التحكّم فيهم وإخضاعهم اقتصاديّاً واجتماعيّاً. لاحقاً، تبنّى النازيون الرموز ذاتها في القرن العشرين، ممّا جعل الشارة الصفراء رمزاً مأساويّاً للاحتقار والاضطهاد.
مع الزمن تحوّلت تسمية النجمة السداسية في اللغات الأوروپية إلى شارة اليهود، لا سيّما بعد أن تخلّت السلطنة العثمانية عن نجمة رايتها السداسية عام 1453 لمصلحة نجمة القسطنطينية الثمانية. وحين انتقلت الخلافة الإسلامية من البيت العبّاسي إلى العثماني سنة 1517 صارت راية العثمانية؛ ذات الهلال والنجمة الثمانية، تلقائياً رمزاً للإسلام السياسي، وانسحبت النجمة السداسية ببطء من الساحة الإسلامية.
وعليه فإنّ النجمة السداسية لم تكن أبداً رمز لليهودية وما طلبها اليهود لأنفسهم. لكنّها صارت رمز لليهودية بعد غزو ألمانيا النازية لپولاندا، حين أُصدر أمر في تشرين ثاني نوڤمبر 1939 يلزم جميع اليهود في مناطق الاحتلال الألماني بارتداء ما سمّته ألمانيا “شارة داود الصفراء”، التي كانت نجمة سداسية صفراء اللّون تُخاط أو تُعلّق بشكل بارز على الثياب العلوية.
تفكيك المغالطات التّاريخيّة والباطنيّة (براغ، الخزر، حِميَر، والماسونيّة)
وبتحرير هذا التّسلسل الزّمنيّ الموثّق، تتهاوى جملةٌ من المغالطات التّاريخيّة والشّبهات الباطنيّة الّتي شاعت في العصر الحديث حول هذا الرّمز؛ فاستشهادُ بعضهم بمنح الإمبراطور كارل الرّابع سنة 1354 للميلاد (755 للهجرة) رايةً تحمل النّجمة السّداسيّة ليهود مدينة پراغ، ثمّ اعتمادها في عهد فرديناند الثّاني من عائلة آل هاپسبورگ ختمًا لهم سنة 1627 للميلاد (1036 للهجرة)، لا يثبت أقدميّةً يهوديّةً للرّمز، بل يؤكّد أنّه تطبيقٌ إمبراطوريٌّ لاحقٌ لقرار مجمع ڤيينا الكنسيّ الصّادر سنة 1267 للميلاد (665 للهجرة) في أراضي آل هاپسبورگ أنفسهم، وجاء بعد أكثر من ستّة قرون على ضرب النّجمة السّداسيّة رسميّاً على عملات الخلافة العبّاسيّة في بغداد، في حين كان الرّمز الدّينيّ الرّسميّ والوحيد الموثّق لليهود في الآثار القديمة طوال العصرين الهلنستيّ والرّومانيّ هو الشّمعدان السّباعيّ (المينوراه) إلى جانب قرن الكبش (الشّوفار) وسعف النّخيل (اللّولاف).
كما يبطل بالاحتكام إلى علم الآثار الادّعاءُ بأنّ النّجمة السّداسيّة دخلت إلى العالم الإسلاميّ عبر مملكة حِميَر في اليمن أو عبر خاقانيّة الخزر؛ فمملكة سبأ وممالك معين وقتبان وحضرموت تأسّست وازدهرت لقرونٍ طويلةٍ على دياناتٍ عربيّةٍ جنوبيّةٍ مستقلّةٍ خاصّةٍ بها، ولم تدخل اليهوديّة إلى البلاط الحميريّ إلّا في أواخر القرن 4 للميلاد على يد الملك أبي كرب أسعد لتستمرّ نيّفاً وقرناً واحداً فقط حتّى سقوطها سنة 525 للميلاد دون أن تورث هذا الرّمز.

أمّا خاقانيّة الخزر التّركيّة الّتي حكمت في سهول شمال القوقاز وحوض نهر إتل (الڤولگا) ما بين القرنين 7 و10 للميلاد (1 و4 للهجرة) فلم تتّخذ «نجمة داود» شعاراً لها قطّ، بل استعملت شارةً عشائريّةً تركيّةً قديمةً تُعرف في علم الآثار باسم «التَّمگا» (الدمغة) على هيئة رمحٍ ثنائيّ الشّعب أو ثلاثيّها، أمّا الأقراص المعدنيّة المخرّمة المكتشفة في مواقعهم فكانت تمائمَ شمسيّةً تنغريّةً شائعةً عند قبائل السّهوب الأوراسيّة الوثنيّة قبل تهوّد النّخبة الخزريّة بقرون، بل إنّ أشهر المسكوكات الخزريّة الفضّيّة المكتشفة (مثل درهم «أرض الخزر» المؤرّخ بسنة 837 للميلاد الموافق لسنة 223 للهجرة) ضُربت مقلّدةً للدّراهم العبّاسيّة الكوفيّة ولم تحمل أيّ نجمةٍ سداسيّة.
وبالقدر ذاته من الوضوح التّاريخيّ، يتبيّن تهافتُ الرّوايات الّتي تربط أصل النّجمة السّداسيّة بالمحافل الماسونيّة أو بتأويلات «المركاپاه» والقبّالاه الباطنيّة؛ فالمحافل الماسونيّة بمفهومها الحديث نشأت في أوروپا في مطلع القرن 18 للميلاد —وتحديداً في لندن سنة 1717 للميلاد (1129 للهجرة)— ثمّ سطت مع الحركات الباطنيّة الأوروپيّة على الرّموز الهندسيّة المشرقيّة والإسلاميّة القديمة ونسبتها لنفسها. لذلك فإنّ التّفريط بهذا الرّمز المشرقيّ والإسلاميّ العريق، أو وصمَ عشرة قرونٍ من مساجدنا ومصاحفنا ومسكوكاتنا وراياتنا بالوثنيّة أو الماسونيّة بأثرٍ رجعيّ، هو في حقيقته هديّةٌ مجّانيّةٌ وتثبيتٌ لسرديّة الاحتلال الصّهيونيّ الّذي سطا منذ مؤتمر بازل سنة 1897 للميلاد (1315 للهجرة) على إرث حضارتنا ليبني لنفسه تاريخاً متخيّلاً على أرضنا.

الرايات في التراث العربي والإسلامي: تطور المفاهيم والرموز
كثيراً ما تغيّرت مفاهيم رموز الرايات في التراث العربي، ويُنظر إلى هذا التغيير في المفاهيم نَظْرَة شديدة الحساسية لما له من تأثيرات على القيم المعنوية لاعتبارات المجتمعات وهويّاتها، سواء الدينية أو الوطنية. وكما تأثّرت مفاهيم الرايات عند العرب بتغيّر معاني الرموز ودلالاتها الدينية، كذلك تأثّرت هذه المفاهيم بتراث الشعوب المحيطة؛ والمتخالطة مع العرب.
في اللّغة العربية عدّة كلمات للإشارة إلى الرايات، كالعَلَم والعلامة والإشارة واللّواء والبيرق والبيدق والسنجق والزمبق والزنبق… وغيرها. وكانت بدأت الرايات بالظهور للاستخدامات العسكرية لتمييز تبعيّة الفرق العسكرية، ثمّ عشائرها، ثمّ تخصّصاتها الحربية. ثمّ صارت أداة للتخاطب بين الفيالق والأساطيل. ووسط هذا الاستخدام العسكري تطوّر مفهوم اتّخاذ الدولة لراية تمثّلها، وانتشر هذا المفهوم من جَنُوب وغرب آسيا لينتشر في عموم الأرض.
أصول الرموز: من بلاد النهرين إلى العالم
أمّا أكثر الرموز استخداماً على الرايات اليوم فهي النجوم والهلال والدائرة والصليب، والنجوم قد تختلف أعداد رؤوسها حَسَبَ المقاصد منها، فقد تعني كوكباً وقد تعني الشمس. وتبدأ حكاية هذه الرموز الأربع في التاريخ المعروف من جَنُوب العراق. إذ عبد السومريّون الأسرة المقدّسة، واتّخذوا لكلّ فرد من هذه الأسرة المقدّسة رمزاً من النباتات وزهورها وبتلاتها. وتطوّرت هذه الفلسفة مع الدول المتعاقبة والمتطوّرة عن السومريّين فالأگّديّين فالسوبريّين فالبابليّين فالأسوريّين… إلخ.
بدأت الأسرة المقدّسة عند السومريّين بالخالق أنُ 𒀭𒀭 الذي خلق السماء واتّخذها عرشاً، ثمّ خلق النجوم والكواكب (المعبودات). و”أنُ” هو ذاته “إيل” عند الكنعانيين و“إل” عند السبئيّين و“أورَنوس” Οὐρανός و“زِوس” Ζεύς أو “ذو” Ζεῦ أو “ديا” Δία عند الإغريق. وغالباً ما رُمز لهذا الخالق لدى كل تلك الشعوب المتوارثة بالرمز الشمس، كما نقشه السومريّون أوّل مرّة، مع تطوّر التصميم.
ومن سلالة الخالق أنُ عبدت الناس كذلك “سين” أو “سوِن” 𒂗𒍪 الربّ القمر، المعروف كذلك عند السومريّين باسم “نَنّه” 𒀭𒋀𒆠 لأنّه في الأعراف حامي الرزق ومانح لقمة الحياة. واتّخذت الناس له رمزاً الهلال، وأحياناً الدائرة كاملة. وعُدّ سين فيم بعد والداً للمعبودَين “شمش” (الشمس) و“إنَنّه” (عشتار) التي رمز لها أتباعها بالنجمة السداسية تشبيهاً عن زهرة الرمّان وعن شكل شعاع كوكب الزُهرة.
ومن سلالة الخالق “أنُ” عبدت الناس كذلك “دُمُزِد سِپَد” 𒌉𒍣𒉺𒇻 (أي المخلِص البارّ في عربيتنا الحديثة) الذي تحوّر اسمه مع اللّهجات فصار دوموزيد، وديموزيد، ودو-موز، وتمُّز، وتمّوز. واعتقد البابليّون أنّ وظيفته القدسية هي حماية رعاة الحيوانات والعاملين في مهن تربية المواشي. وخلال الفترة الأسوريّة استعملت بعض الشعوب الأسوريّة تاج سعف النخلة رمز لتمّوز، الذي تحوّل تدريجياً إلى النجمة الثمانية، على عدد سعفات تاج النخلة، ونادوه في صلواتهم بعبارة “أَمَى أُشُمْگال أنّنه” أي ربّ الحياة والنموّ في النخلة. حَسَبَ الأستاذ عامر حنّا فتوحي.
بعد انتشار عبادة القمر والشمس في مصر على الفلسفات العراقية، تعدّدت المرّات التي أشارت دولة مصر إلى ذاتها تارَة برمز الهلال وحده مفتوح إلى الأسفل 𓇹 ، وتارة بالنجمة الخماسية 𓇼 ، وتارة بالرمزين معاً هلال يحتضن النجمة الخماسية من فوق. وهو تركيب يعني الشهر ويعني كذلك مملكة. أمّا آخر الممالك الأسوريّة فقد اعتمدت رمزاً لها هلالاً مفتوحاً إلى أعلى يحتضن نجمة ثمانية من صليبين متقاطعين، واحد بأربع رؤوس مدبّبة والثاني بأربع أذرع متماوجة كالماء.

في الصورة ختم أسطواني معروض في متحف المتروپوليتان في نيويورك. والختم من المملكة السومريّة وعمره حوالي 4000 سنة، ونرى عليه الرمز الذي صار فيما بعد رمزاً مقدّساً للإمبراطورية الأسوريّة.

حجر أسطورة منح الأرض الموعودة “لحُنُّبَت-نَنَيه كُدُرُّ” من سنة 1186 ق.م. معروض في متحف اللوڤر في پاريس. ونصبُ “كُدُرُّ” للملك “ميلِشِپَك الأول” (1186-1172 ق.م) يصوّر الملك هو يعرض ابنته على الإله نَنَيّه (نَنّه). يعبّر الهلال عن المعبود سين، وتعبّر الشمس عن المعبود شمش، وتعبّر النجمة عن المعبودة عشتار (ڤينوس). النصب منحوت في الفترة الكيشية ونُقل إلى سوسة إيلام في القرن 12 ق.م.

وتقطع هذه المكتشفات الأثريّة الرّافدينيّة والشّاميّة بطلان الفرضيّات الّتي تنسب نشأة النّجمة السّداسيّة إلى مصر الفرعونيّة أو إلى الهند القديمة؛ فأقدم ظهورٍ موثّقٍ لها في التّاريخ البشريّ انطلق من جَنوب العراق عند السّومريّين ومن تبعهم من الأگّديّين والبابليّين والأسوريّين، ثمّ الكنعانيّين في سوريا وفلسطين قبل آلاف السّنين من انتقالها شرقاً، إذ رسموها استلهاماً من شكل زهرة الرّمّان ومن هيئة شعاع كوكب الزّهرة في السّماء رمزاً للمعبودة «إنَنَّه» الّتي عُرفت عند البابليّين وأهل الشّام باسم «عشتار» واقترنت بأسطورة «تمّوز» (دوموزي) دلالةً على الخصب وتجدّد الطّبيعة والحياة وعودة الرّبيع.
أمّا ظهور الشّكل النّجميّ السّداسيّ في رسوم «المانديلا» و«اليانترا» الهنديّة فجاء في عصورٍ متأخّرةٍ عبر التّأثير الحضاريّ والتّجاريّ المتبادل مع الشّرق الأدنى، تماماً كما اشتُقّ خطّ براهمي الهنديّ القديم نفسه تاريخيّاً من الأبجديّة الآراميّة المشرقيّة المتفرّعة عن الأبجديّة الكنعانيّة الفينيقيّة، وهي الأبجديّة الآراميّة ذاتها الّتي استعار اليهود منها «الخطّ الآراميّ المربّع» إبّان السّبي البابليّ ويكتبون به حتّى اليوم.
تطوّر الرايات ورموزها وعلاقتها بالإسلام
هذه الراية الحمراء مشهورة باسم راية القسطنطينيّة، رمز الكنيسة الشرقية البيزنطية، وراية الإمبراطورية البيزنطية الرومانية الشرقية، منذ اعتماد المسيحية ديناً رسمياً للدولة الرومانيّة يوم 7 آذار سنة 321. واستمرّت هذه الراية راية للمسيحيّة السياسية إلى أن درج الصليب لاحقاً على رايات الكنائس الغربية. ومع ذلك، فالهلال مع النجمة رمز سياسي وديني لم يكن ابتداعاً مسيحيّاً، بل كان رمزاً للدول الهيلينيّة الإغريقيّة منذ القرن الرابع قبل الميلاد، على الأقل، ثمّ استمرّ وجوده مع تحوّل هذه الأنظمة إلى المسيحيّة.

استقرّ الهلال على الدوام رمزاً للدول الهيلينيّة في مختلف أنحاء العالم القديم، ودائماً ما كانت تتوسّطه نجمة، أحياناً بستّ رؤوس وأحياناً بثمانية. في الواقع كان عدد رؤوس نجمة الهلال يشير إلى جنس المعبود في ديانة الدولة، فإذا كانت ست فالدولة على ديانة أنثوية، وإذا كانت ثماني فالدولة على ديانة ذكورية.
مررت قبل عدّة أسطر على سيرة تمّوز الذي اتخذ الناس تاج النخلة رمزاً له. هذا التاج تحوّل لاحقاً إلى نجمة ثُمانية على عدد سعفات النخلة رمز تمّوز الشمس، في حين رُمز لشقيقته عشتار بالنجمة السداسية، رمز الماء والثلج وكوكب الزهرة (إستار). فمن عبد ربّاً ذكراً قدّس الثُمانية ومن عبد ربّة أنثى قدّس السُداسية.
وأمّا الهلال فهو في الواقع رمز للمعبود سين أو ننّه المتجسّد في القمر، والد إننّه-عشتار وشقيقها تمّوز الشمس، لذا فالهلال على الرايات وعبر تاريخه دوماً يحتضن ابنته عشتار أو ابنه تمّوز، ويُرسم تحت النجمة أو على يمينها أو يسارها أو فوقها. وهذه الرموز الدينية العراقية-المصرية القديمة رُفعت على رايات أغلب دول آسيا وشرق أوروبا إلى أن اعتمدتها العثمانية فصارت من بعدها رمزاً للإسلام السياسي، بل وصارت رمزاً عالمياً للإسلام بصفة دين.
قبل المسيحية تماماً كانت راية بيزنطة الرومانية هي الهلال مع نجمة سداسية بلون أبيض على قماش أحمر، في إشارة إلى أنثوية الديانة البيزنطية، وضُرب هذا الرمز على جميع النقود البيزنطية في ذلك الوقت، حتّى استلم قسطنطين السلطة وبدّل تسمية بيزنطة إلى روما الجديدة، فاستبدل النجمة السداسية بثمانية للإشارة إلى ذكورة الديانة، دون تغيير ألوان الراية الحمراء، وبقيت هذه الراية كما هي إلى أن فتح السلطان محمد العثماني مدينة القسطنطينية فاتّخذها راية للسلطنة العثمانية.
ما يعني أنّ راية تركيا المعاصرة هي راية لنفس الموقع الجغرافي طوال 2500 سنة على الأقل ودون انقطاع.
في الواقع كانت راية العثمانية قبل فتح القسطنطينية لا تختلف عن سابقاتها الإغريقيات، ذات الراية الحمراء بهلال أبيض ونجمة سداسية، فلم يتبدّل مع فتح عاصمة المسيحيّة الشرقيّة سوى عدد رؤوس النجمة باستعارة نجمة القسطنطينيّة المسيحيّة لتصبح رمزاً لخلفائها المسلمين. وهذا ما ظنّه القوميّون الأتراك إشارة إلى اعتبار العثمانية إمبراطورية ثامنة في تاريخ الإمبراطوريّات التركيّة، لكنّ هذا الافتراض غير حقيقي في الواقع، فلم يعتبر محمد الفاتح نفسه إمبراطوراً تركيا ولم تكن العثمانية ثامن إمبراطوريات الترك ولم تكن سلطنة تركيّة من الأساس، بل امتداد لسلطنة الروم الإسلامية وناشئة عنها، وجامعة لإماراتها المتفرّقة.

وهذا العنوان يعود للمؤلَّف التّاريخيّ الشّهير الّذي أملاه الأمير والمؤرّخ الأرمنيّ هَيْتُون الكُورِيكُوسِيّ (ويُعرف في المصادر العربيّة التّراثيّة أيضاً باسم حاتم المؤرّخ أو هيثوم) باللّغة الفرنسيّة القديمة عام 1307 للميلاد (707 للهجرة) بطلبٍ من الپاپا كْلِيمَنْس الخامس، ويتناول فيه تاريخ بلاد المشرق وجغرافيّتها ولا سيّما الدّولة الإيلخانيّة والمغول والمماليك.
هذه اللّوحة مرسومة في كتاب كتالاني من بداية القرن 14 بعنوان HAYTON, Fleur des histoires de la terre d’Orient. يتحدّث عن حروب الفرنسيّين والمسلمين في المشرق، ونلاحظ أنّ كلا رايات الجانبين تحمل نجمة سداسية على أرضية حمراء، لكن تميّزت راية المسلمين بوجود الهلال المفتوح إلى فوق، ذلك أنّها كانت راية إيلخانات المغول في ذلك الوقت. ويعتقد بعض الآثاريين أنّ الرسّام قد قلب الرايات خطأ ما بين الجانبين.
في فترة الانقلابات على القصر العثماني مطلع القرن 19 (1807-1808) اعتمدت الحكومة الانقلابية (الإنكشارية) راية عثمانية نجمتها من خمس رؤوس، ثمّ لاحقاً مع تدمير المؤسّسة الإنكشارية وبناء الجيش الوطني، عادت الحكومة العثمانية إلى اعتماد راية نجمتها من ثماني رؤوس. ثمّ في عهد التنظيمات وبعد انقلاب الاتّحاد والترقّي على السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1908 عادت الحكومة العثمانية واعتمدت راية نجمتها بخمس رؤوس، هي ذات الراية التي رفعها الانقلابيّون سنة 1807، قبل مئة عام تماماً.



سنة 1923 صارت الراية العثمانية ذات النجمة الخماسية هي راية الجمهورية التركية الجديدة، ثمّ سنة 1936 أعادت الدولة تنظيم مقاسات الراية دون تغيير واضح فيها.

هذه الراية في الصورة ليست راية الدولة الإسلامية. أوّل ما ابتدعها العالم في القرن الثامن عشر، إذ ابتدعتها السلطنة الپشتونية التي دامت من 1709 حتى 1738، وحكمت پشتونستان بالإضافة إلى أفغانستان وأغلب إيران وقرابة نصف پاكستان وبعض تركمانستان… كانت ثورة طائفة دامت عشرين سنة.
مع أنّ راية المملكة الپشتونية الهوتاكية كانت راية العُقاب ذاتها: مستطيل أسود تماماً دون أية رموز. لكن، درج استعمال هذه الراية في الصورة إشارة للأسرة الملكيّة الهوتاكية السنّية في مواجهة شيعيّة الصفويّة، التي غلبت الهوتاكية على حسابها.
لاحقاً، وبسبب شيوع صيت الأسرة الهوتاكية ثورة لأهل السنّة على السلطة الشيعيّة، اتّخذت رايتها هذه أغلب الحركات الإسلامية السنّية “الثوريّة” في آسيا كراية للجهاد الإسلامي. كفصائل القِنغاي مثلاً تحت قيادة ما بوفنگ قبل الحرب العالمية الثانية، وحركة طالبان منذ التسعينيات وأخيراً داعش. أو الدولة السُّعُودية قبلها التي عدّت وجودها ثورة سنّية على السلطة الصوفيّة العثمانية.
رايات دولة الإسلام الأولى وتطوّرها
بداية الحكاية: درجاً على العادات النبطية-الرومانية، ثمّ البيزنطية، في تسمية قطع وفيالق الجيش، استمرّت الدولة العربية الإسلامية، في زمن الرسالة ومن ثم الخلفاء الراشدين، بتسمية قطع الجيش على التقليد الروماني، راية ولواء وعلم، وعلى كلّ منها عُقاب: أعلى رتبة عسكرية، وتقابل آمر الفِرْقَة أو الأمير في زمننا.
راية الدولة المسلمة كانت قطعة مربعة تماماً من المساحة السوداء، ردّاً على راية قريش البيضاء والسوداء المسمّاة النمرة، أي المنمّرة كرقعة الشطرنج.


لواء الدولة المسلمة كان مساحة مستطيلة من المساحة السوداء تماماً كلواء قريش، درجت تسميتها بالعُقاب بسبب رتبة آمرها.

علم الدولة المسلمة كان مساحة بيضاء أسماها الرسول محمّد راية العُقاب الصغير، وهذه الأخيرة صارت راية الدولة الأمويّة حتّى أعاد العباسيون العمل بالعُقاب السوداء.

تبعتهم الدولة الفاطمية باعتماد علم {مساحة مستطيلة من خضراء}، ولواء {مساحة مستطيلة من سوداء}.


وشابهتها كذلك إمارة قرطبة الأموية باعتماد علم {مساحة مستطيلة خضراء) يحمل في وسطة النسر النبطي رمزاً للبيت الأموي.

يأت اللّون الأخضر في كلا الدولتين، في الواقع، من تراث مملكة طَرطاسس (طَرطوسس) التي تأسّست في الأندلس حوالي سنة ٧٥٠ ق.م. وكانت حليفة قرطاج في وجه الرومان.

ثم جاءت خلافة الموحّدين، التي أعادت الاعتبار لراية قريش (النمرة)، مع إحاطتها بمساحة مستطيلة حمراء، لون العرب القومي (لون الجسياسيّين وحِميَر).

في هذه الأثناء اتّخذ البيت العبّاسي من النجمة السداسية رمزاً، وكانت في صدر العرش، حيث يجلس الخليفة مستقبلاً مراجعيه.
هذه النجمة صارت:
- بيضاء على أرضية سوداء رمزاً للبيت العبّاسي.
- زرقاء على أرضية بيضاء رمزاً للمذهب الحنفي.
- بيضاء على أرضية فيروزية رمزاً للبيت السلجوقي.
- بيضاء على أرضية حمراء رمزاً للروم المسلمين.


وإلى جانب حضورها في صدر عرش الخلافة ببغداد، يقدّم علم المسكوكات الإسلاميّة البرهان المادّيّ الأقطع على اعتماد النّجمة السّداسيّة شعاراً سياديّاً رسميّاً لبيت الخلافة العبّاسيّة؛ ذلك أنّ «السّكّة» (ضرب العملة) إلى جانب «الخُطبة» و«الطّراز» هي الشّارات الثّلاث الرّسميّة للسّيادة والملك في الإسلام، ولا يُنقش على فلوس الدّولة ودراهمها إلّا الشّعار الرّسميّ المعتمد من دار الخلافة.
في حين كان اللّون الأسود هو لون القماش الرّسميّ لرايات بني العبّاس، كانت الشّارة السّياديّة والخاتم السّلطانيّ المضروب في مركز نقودهم هو «خاتم سليمان» أو «نجمة الحكمة» السّداسيّة. وتوثّق الفلوس والمسكوكات العبّاسيّة المبكّرة المحفوظة في المتحف البريطانيّ بلندن ومتحف الفنّ الإسلاميّ بالقاهرة ومتحف قطر الوطنيّ هذا الحضور الرّسميّ منذ القرن 8 للميلاد (2 للهجرة)؛ ومن أبرز شواهدها فلس الرّيّ المضروب سنة 769 للميلاد (152 للهجرة)، وفلس الخليفة العبّاسيّ الثّاني أبي جعفر المنصور المضروب سنة 774 للميلاد (157 للهجرة)، وفلس الخليفة المهديّ المضروب في مدينة السّلام بغداد سنة 782 للميلاد (166 للهجرة)، فضلاً عن مسكوكات هارون الرّشيد والمأمون.
واستمرّت هذه السّنّة السّياديّة في المسكوكات الإسلاميّة اللاحقة، فظهرت النّجمة السّداسيّة بوضوحٍ على دنانير الخليفة الفاطميّ الظّاهر لإعزاز دين اللّه المضروبة في مصر وصقلّيّة وفلسطين، ثمّ على فلوس ودراهم السّلاطين الأيّوبيّين والمماليك في دمشق وحلب والقاهرة.
وهكذا نرى أنّ الرايات الإسلامية الأولى لم تحمل أيّ كتابات عليها ولا حتّى رموز، في أيّ من ممالكها وخلفائها.

لا بدّ عند دراسة تاريخ الرّايات والشّعارات في العالم الإسلاميّ من التّفريق المنهجيّ الدّقيق بين «الحكم الشّرعيّ العقديّ» وبين «التّاريخ الحضاريّ والسّياديّ»؛ فالعقيدة الإسلاميّة في نصّها القرآنيّ وفي سنّة الرّسول محمّد منزهةٌ عن الأيقونات ولا تتعبّد بالرّموز أو الأشكال الهندسيّة، ولهذا السّبب تحديداً خلت الرّايات الإسلاميّة الأولى في زمن الرّسالة المحمّديّة وعهد الخلفاء الرّاشدين والدّولة الأمويّة من أيّة رموزٍ أو نقوشٍ أو كتاباتٍ قطّ، واقتصرت على مساحاتٍ لونيّةٍ سادةٍ للتّمييز بين الجيوش والقبائل.
غير أنّ اتّساع رقعة الخلافة واحتكاكها الإمبراطوريّ بالدّول المجاورة فرض على الدّول الإسلاميّة المتعاقبة طوال عشرة قرون، ما بين القرنين 8 و18 للميلاد (2 و12 للهجرة)، اعتماد شاراتٍ بصريّةٍ سياديّةٍ تُعلن بها إسلاميّة الدّولة وحاكميّتها في الميدان السّياسيّ والعمرانيّ والعسكريّ، دون أن يدّعي أحدٌ من الفقهاء أو الخلفاء أنّ هذه الشّارات ركنٌ تعبّديٌّ من أركان الدّين.
ففي عالَم العصور الوسطى، كان لا بدّ للدّولة من شارةٍ رسميّةٍ تُضرب على السّكّة (العملة) لإثبات شرعيّة الخليفة والسّلطان، وتُرفع على أسنّة الرّماح وسناجق الأسطول لتمييز جند المسلمين عن جيوش الإفرنج والبيزنطيّين، وتُنقش على صدر المحاريب والمآذن وتذهيب المصاحف الشّريفة إعلاناً لسيادة دار الإسلام؛ تماماً كما اتّخذ المسلمون في عصورٍ لاحقةٍ الهلال أو المئذنة أو القُبّة شاراتٍ بصريّةً تُعرَف بها هويّتهم الحضاريّة دون نصٍّ تشريعيّ يأمر بها.
أمثلة عن الدول التي اعتمدت الهلال والنجمة راية سياسية لها
مملكة البوسپور (البوسفور) Βασίλειον τοῦ Κιμμερικοῦ Βοσπόρου التي منحت اسمها لمضيق البوسفور المعاصر، وهي مملكة إغريقية حكمت القرم والساحل المقابل له على الشرق ما بين سنوات 438 حتى 370 قبل الميلاد حين أزالها التورك الهون، وهي أوّل الممالك الإغريقية التي صكّت الهلال والنجمة على نقودها المعدنية، وكانت نجمتها سداسية.

وكذلك مملكة الپُنطس، كانت مملكة فارسية حكمت كلّ الأناضول وكامل ساحل البحر الأسود. أخذت قرم البوسفور من الأتراك الهون سنة 281 ق.م ثمّ نزلت تحت الجمهورية الرومانية سنة 66 ق.م وبقيت مملكة تحت الحماية الرومانية لأكثر من قرن إلى أن أزال ملكها نيرون سنة 62 بعد الميلاد. وكانت الپنطس قد صكّت نقودها بنجمة ثمانية تشبه زهرة عبّاد الشمس، مع تنقيط بتشكيل هلال على حافَة قطعة النقود.

تطوّر شكل نقود الپنطس في مدينة بيزنطة (لاحقاً القسطنطينية) خلال القرن الأوّل قبل الميلاد.
جيوش الإمبراطوريّة المونگوليّة (المغوليّة) وخلال القرن 13 رفعت كذلك راية فيروزيّة عليها الهلال يتوسّطه قرص دائري هذه المرّة دون نجمة، وكأنّ راية المونگول كانت إشارة للإلهين الزوجين “سين” القمر و”نين-گال” الأرض الأم، دون أولادهم.

الهلال الفضي والنجمة السداسية بلون ذهبي على درع فيروزي يسمّى ليلِوى Leliwa رمزوا كذلك للمملكة الپولاندية منذ العام 1324 ومن ثم الإمبراطورية اللّيتوانية لاحقاً، وحتى القرن 19. وهذه مملكة كاثوليكية.

إذاً فهذه الراية ذات الهلال والنجمة ليست راية إسلامية في الواقع، بل تبادلتها الأديان والدول بثقافاتها المختلفة طيلة آلاف السنين، ولربّما منذ العهد السومري وعلى اتّساع أوراسيا كلها. ولم يبدأ اعتمادها عالمياً رمز للإسلام سوى من بعد سنة 1970. ففي أواخر القرن العشرين، شاع تفسير النجمة والهلال باعتبارهنّ رمز للإسلام (صـ314)، اعتنقه أحياناً القوميّون العرب أو الإسلاميّون في السبعينيّات والثمانينيّات، ولكن غالباً ما رُفض هذا الرمز من قِبل رجال الدين المسلمين (صـ42) معتبرين أنّه ترميز غير سليم أو لا أساس له من الصحّة.

هذه النجمة الزرقاء هي الراية الرسمية للمذهب الإسلامي الحنفي خلال القرون الوسطى، إذ أنّ المذهب الحنفي فاز بإيمان أغلب الترك منذ القرن الحادي عشر، ولمّا آمن الأحناف بنبوّة سليمان اتخذه الترك قدوة ورمزاً سياسياً وعدّوا ممالكهم امتداد لمملكة سليمان الإلهيّة في الأرض، وخاصّة منهم الأوغوز التركمان. فصار خاتم سليمان على رايات جميع الممالك التركية في آسيا الوسطى والأناضول، وكانت النجمة السداسية كذلك على الكثير من قبور الصحابة في البقيع في المدينة المنورة.
روّاد الصوفية محي الدين بن عربي وأحمد البوني، كليهما يرى أنّ هذه النجمة السداسية الزرقاء هي تمثيل لاسم الله الأعظم، وتعبير عن معنى “الحيّ القيّوم”، ورمز للحياة وتجدّدها بالموت فهي الحياة التي لا تفن.

النجمة السداسية في الممالك التركية الإسلامية
من الممالك التي اتّخذت من هذا الرمز راية لها، سلطنة السلاجقة (دولت سلجوقيان)، وهي إمبراطورية تركية-فارسية استمرّت من سنة 1037 حتى 1194، ثمّ تفكّكت إلى العديد من الممالك التي حكمت كلّ منها سلالة سلجوقية مختلفة. واعتمدت السلطنة السلجوقية على قلاعها ودواوينها النجمة السداسيّة بلون أبيض على راية سماويّة (فيروزيّة)، لون الترك المقدس. بينما استعملت أركانها العسكريّة راية النسر ذو الرأسين، بالإضافة إلى رمز سلاح القوس لفيلق البندقدار.

وكذلك بيلق قرمان التركماني، الذي حكم كيلكيا مستقلّاً عن سلطنة الروم الإسلامية، اعتباراً من سنة 1250 حتى 1487 حين اندمج طواعية في السلطنة العثمانية وبايع أمراؤه السلطان مراد سلطاناً على المسلمين (الترك). وإمارة قرمان كانت أوّل دولة تعتمد اللّغة التركيّة لغة رسميّة في الأناضول بديلاً عن الفارسية، وكتبتها بالحرف العربيّ بنظام الكتابة الفارسيّ، وكان من سنن إمارة قرمان انتصاف جيشها مناصفة بين العرب والتركمان؛ خَشْيَة الانقلابات. آل قرمان استعملوا على قلاعهم النجمة السداسية بلون أزرق داكن على راية بيضاء.

بالإضافة كذلك إلى بيلق جاندار التركماني، الذي حكم الپنطس على ساحل البحر الأسود مستقلّاً عن سلطنة الروم الإسلامية، اعتباراً من سنة 1292 حتى 1461 حين ضمّه سلاطين بني عثمان إلى ملكهم. آل إسفنديار ملوك جاندار استعملوا على قلاعهم النجمة السداسية بلون أحمر على راية بيضاء.

بيلق تِكة التركماني كذلك، الذي حكم الساحل الجنوبي الغربي للأناضول على البحر المتوسط من مدينة أنطاليا، مستقلّاً عن سلطنة الروم الإسلامية، اعتباراً من سنة 1321 حتى 1423 حين ضمّه سلاطين بني عثمان إلى ملكهم. واستعمل تِكة الفارسيّة لغة دبلوماسية، بينما كان التعليم باللّغة التركية الأوغوزية. بنو تِكة ملوك البيلق استعملوا على قلاعهم النجمة السداسية بلون أحمر على راية بيضاء مع شرائط زرقاء ترمز إلى البحر الأبيض المتوسط.

السلطنة العثمانية اعتمدت النجمة السداسية كذلك رمزاً للدولة إلى جانب الهلال، فكانت رايتها العسكرية حمراء تحمل الهلال البيزنطي بالأبيض تتوسطه نجمة بستّ رؤوس، وكانت خضراء إذا رُفعت على السفن وعلى القواعد البحرية. لاحقاً وعقب فتح القسطنطينية غيّر السلطان محمّد عدد رؤوس النجمة إلى ثمانية التزاماً برمز بالقسطنطينية وأملاً باجتذاب ولاء المسيحيّين من مواطني دولته. ثمّ تحوّلت نجمة الراية العثمانية إلى خمس رؤوس بعد ثورة\انقلاب 1908 كرمز للعلمانية.

سنة 1037 تأسّست الدولة السلجوقية على يد {رُكن الدنيا والدين أبو طالب محمد طُغرُل بك بن میکائیل بن سلجوق} وكان تركمانيّاً، فاعتمد لسراياه الخاصّة في نيسابور هذه الراية الحمراء ذات الهلال والنجمة السداسيّة، وبقيت من بعده راية لكلّ العساكر التي حاربت وراثة عن جيش طغرل بك. وساقت هكذا لتكون راية السلطنة العثمانية، طالمَا أنّ مؤسّسها {الأميرُ الغازي أرطُغرُل بك بن سُليمان شاه القايوي التُركماني، هو في الأساس من السرايا التركمانية التي أسّسها طُغرُل بك.

آخر الرايات الإسلامية بنجمة سداسية
هذه في الصورة هي راية خانيّة القازاق التركيّة (قازاق حاندىعى) المعروفة اليوم باسم جمهورية كازخستان. وكانت الخانية قد خسرت رايتها هذه بعد وقوعها تحت الاحتلال الروسي سنة 1848. في الواقع قامت الصين بغزو خانية قازاقستان فطلب القازاق مساعدة الجيش الروسي لمقاومة الاحتلال الصيني، فطرد الروس الجيش الصيني واحتلّوا البلد.

راية خانية القازاق هي آخر راية استُعملت فيها النجمة السداسية بعد أن كانت على رايات جميع الممالك الإسلامية التركية، طالمَا أنّ النجمة السداسيّة كانت رمز المذهب الحنفي ومنذ القرن الحادي عشر.
كما نرى على الراية استعمل القازاق زخرفة إبداعية لرسم النجمة السداسيّة للتميّز عن إمارات الأناضول الإسلامية التي رسمتها بدورها بزوايا حادة. ووضع القازاق النجمة على بساط أزرق هو لون الترك القوميّ، مع ثلاث نجمات خماسية ترمز إلى جوزات القازاق الثلاث.
كانت عاصمة خانيّة القازاق هي مدينة تركستان (تٷركئستان) الواقعة جَنُوب قازاقستان المعاصرة. وتكوّنت الخانيّة القازاقية من تحالف ثلاث قبائل تركية أدارت البلد فيمَا بينها بصيغة اتّحاديّة. وأطلقت على قسم كلّ واحدة منها تسمية ” ٴجۇز “ كما تُكتب بالتركية الجغطائية، ومعناها ”قبيلة“ وكتابتها بالعربية الحديثة هي ” إژُز “ حَسَبَ الأبجدية العربية الموسعة، ووردت في التدوينات العربيّة القديمة بصيغة ”جوزه“.
وتسمية ” ٴجۇز “ صارت في الجغطائية بمعنى ”قبيلة“ بسبب التقسيمات العسكريّة التي سبقت الفترة المغوليّة، حين كانت تتقسّم الجيوش إلى فِرق كل فِرْقَة منها من مئة جنديّ، وعلى كلّ مئة منها أمير (بيگ). كلمة ” إژُز “ تعني حرفياً عدد مئة، ثمّ تحوّلت كلّ واحدة من هذه المئة إلى قبيلة لذاتها.
وتقسّمت خانية قازقستان إلى ثلاث جوزات هي:
- ۇلى ٴجۇز (أُلي إژُز) وتعني القبيلة الأعلى مقاماً، كما نقول اليوم في سوريا ”أشرفية“.
- ورتا ٴجۇز (أورته إژُز) وتعني قبيلة المتن (الوسطى)، وتقسّمت إلى ستّ قبائل وكانت الأكبر مساحة.
- كىشى ٴجۇز (كِشِ إژُز) وتعني القبيلة اليافعة (الصغرى)، وتقسّمت إلى ثلاث قبائل.
هذه الراية أعلاه مرسومة في كتابين من القرن 16، هما كتاب ”تاريخ إرَشيدي“ التركي وكتاب ”كتاب الخريطة العظمى“ الروسي.
كتاب ”تاريخ إرَشيدي“ تعني تاريخ الحكم، كتاب بالفارسية كتبه الحاكم التركي لكشمير باسم مملكة كاشغر الويگورية؛ “ميرزا محمد حيدر دُغلت بيگ” الذي حكم كشمير ما بين 1533 و1550. وحيدر كان ضابطاً رفيعاً وأميراً من الدُغلت، قبيلة تركية تحدّثت الجغطائية. والأمير حيدر ابن خالة السلطان بابر الگوركاني الشهير في التاريخ الهندي مؤسّس سلطنة المغول الهندية. وروى حيدر في الكتاب سيرة تأسيس خانية القازاق سنة 1465 كشاهد عين، إذ أنّه مكث فترة في ضيافة ”قاسم خان“ رابع خانات القازاق.
أطلس ”كتاب الخريطة العظمى“ Книга Большому чертежу كان أطلساً دورياً يصدره جيش الإمبراطورية الروسية للتعريف بالدول التي تهدّد أمن الإمبراطورية الاستراتيجي، واستمرّ صدور هذا الأطلس لمصلحة القيصر الروسي حتى نهاية الملكيّة في موسكو. وراية القازاق بشكلها هذا مرسومة في الأطلس الروسيّ منذ صدور مخطوط سنة 1552.
خلال القرن 18 بدأت روسيا توسّعها في سيبريا، وكانت آنذاك تُعدّ مجالاً حيوياً للقازاق دون سلطة سيادية عليها، وكانت سيبريا آنذاك خانية للترك السيبير اسمها طورانستان. فبدأت حرب العبيد ما بين الروس والقازاق، يخطف كلّ جانب مواطنين للجانب الآخر ويبيعهم عبيداً في سوق النخاسة. وكان مصدر العبيد آنذاك يقتصر على أسرى الغزوات، ثمّ حوّلها الروس تجارة لتوسيع المستوطنات الزراعية الروسيّة في سيبريا.
سنة 1737 أجازت الإمبراطورة الروسية أنّا إيڤَنّوڤنه Анна Иоанновна تجارة العبيد في سيبريا ما أتاح استعباد جميع السكّان من الترك بمن فيهم القازاق، وسعّرت الإمبراطورة الرجل القازاقي بعشرة روبلات والمرأة القازاقية بستة روبلات. هذه التصرّفات الروسيّة أدّت إلى انطلاق حملات انتقامية قازاقيّة لتحرير العبيد؛ أبادت عدداً من المستوطنات الروسيّة في سيبريا.
سنة 1847 انتهت الحروب الروسية القازاقية بهزيمة قازاقستان وبنفي ملكها ”قِنِسَري“ ليموت في قرغيزستان، فاتّحدت ”أُلي إژُز“ (الجوزة العليا) بخانية قوقند وإمارة بخارى لتشكيل إمارة بخارى الكبرى التي حاربت الروس حتى النهاية، إلى أن سقطت تحت الاحتلال الروسي الكامل سنة 1917. وبزوال مملكة قازاقستان غيّرت قوّات الاحتلال الروسي الراية القازاقيّة فألغت الراية الإسلامية ذات النجمة السداسية سنة 1848 كما بدّلت اسمها إلى جمهورية كازاخستان كي تلائم اللفظ الروسي.

النجمة السداسية في الفن والعمارة الإسلامية
النص التالي عن الموسوعة الذهبية أسرار كنوز وروائع الفنون التشكيلية الإسلامية عبر العصور. نقلها الأستاذ ماجد حجاب، مدرس مساعد في كُلِّيَّة التربية جامعة الأزهر بالقاهرة قسم التربية الفنية تخصص الرسم والتصوير.
رحلة إبداع النجمة السداسية (نجمة الحكمة) وأطباقها النجمية وفلسفتها ومدلولاتها الفنية (الجمالية والتعبيرية) في الحضارة والفنون التشكيلية الإسلامية عبر العصور.
النجمة السداسية الإسلامية (المعروفة بنجمة الحكمة) إحدى عناصر ووحدات الأطباق النجمية الإسلامية الزخرفية الهندسية؛ وهي من أهم الإبداعات الفنية في الحضارة الإسلامية. ظهرت في الحضارة الإسلامية لأوّل مرّة منذ أكثر من 1200 عام (فترة الخلافة الإسلامية العباسية ببغداد إحدى العهود الإسلامية الأولي والمبكرة) المعروفة بالعصر الذهبي، التي عرفت فيها مكتبة دار الحكمة حيث حركة الانفتاح؛ والترجمة من الحضارات الأخرى القديمة وخصوصاً اليونانية؛ والهندية والفارسية.
ونرى النجمة السداسية ظاهرة بوضوح في شمسيات وبواطن عقود جامع أحمد بن طولون من العصر الطولوني بمصر (فترة العهود الإسلامية الأولي والمبكرة عصر الخلافة العباسية)، ثم اتخذت شعاراً للدولة اللاحقة لها والدولة الفاطمية بمصر، وظهرت بكثرة في شتى منجزات الفنون التشكيلية الإسلامية بهذا العصر من عمارة وخصوصاً المساجد، والتصوير، والفنون الزخرفية الفرعية الأخرى، وكثيراً ما تكون في (أماكن الالتقاء بالنور والضوء) مثل مئذنة جامع الحاكم بأمر الله، وشمسيات وشرافات صحن الجامع الأزهر.

وقد يرجع ذلك إلى الفلسفة الجمالية عند الفنان المسلم؛ باعتبارها رمز وإشارة إلي التقاء وتكامل المثلثين المتقابلين إلى التقاء وتكامل السماء بالأرض؛ أو إشارة وتذكرة بالله العظيم خالق السماء والأرض، وقد اتخذت النجمة السداسية بعد ذلك عبر العصور الإسلامية اللاحقة في كل منجزاتها وإبداعاتها الحضارية في الفنون التشكيلية الإسلامية؛ وتظهر بكثرة في العديد من (الشمسيات؛ ستائر الضوء؛ أو شبابيك الجص؛ أو الزجاج المعشق المؤلف بالجص) كما في الصور، كما تظهر أيضاً النجمة السداسية المضفرة بأسلوب الأرابسك (في امتداد لا نهائي؛ وتوالد دائم ومستمر إلي ما لا نهاية) وإحاطته بإفريز لفظ الجلالة في صياغة فنية نابعة من تكوين النجمة السداسية في وضع مثلثي متعاكسين؛ كأنها تفسير لمدلولها ولمعناها الذي طالما استقر في وجدان وبصيرة الفنان المسلم عبر العصور الإسلامية المتنوعة؛ والتي استلهمها في إبداعاته ومنجزاته في شتى الفنون التشكيلية الإسلامية المتنوعة. وتتأكد هذه الرؤية الفنية والفلسفة الإبداعية المتفردة هنا علي شباك جصي شمسي (ما يعرف بستائر النور والضوء) تؤكد صحة ما ذكرته مسبقاً عن فلسفة الفنان المسلم واستعماله وصياغته الفنية لها جمالياً وتعبيرياً.
ومن الغريب بل والشيء العجيب ومن إحدى النتائج السلبية للعولمة في العصر الحديث؛ التي شملت شتي مناحي الحياة؛ منها بالطبع الفنون (الاغتراب الفني والتراثي والحضاري) التي عمدت فيها مافيا منظمة من لصوص التاريخ والحضارة، إلي تطبيق إستراتيجية ممنهجة ومعروفة لذوبان وإخفاء وطمس وضياع وتشويه وتفتيت الصلات والهويات التراثية والثقافية؛ التي تتسم بالوحدة الأيدلوجية الشاملة والمتنوعة والمتكاملة (الثقافية والحضارية والفكرية والتراثية) وتزويرها لأهداف استعمارية ماكره؛ واختلاق تاريخ لها غير حقيقي وهمي وزائف.

الشّواهد المعماريّة والمصاحف وخاتم الأمير عبد القادر الجزائريّ
ولم يقتصر حضور «خاتم سليمان» في العمارة والفنون الإسلاميّة على الزّخرفة المجرّدة، بل حمل دلالاتٍ سياديّةً وعلميّةً وروحيّةً رفيعةً من المشرق إلى المغرب الأقصى؛ ففي القدس الشّريف يبرز فوق مدخل دير مار هارون (دار البيرقدار التّاريخيّة) في عقبة التّكيّة بالبلدة القديمة نقشٌ حجريٌّ مملوكيٌّ عثمانيٌّ فريد يجتمع فيه الهلال الإسلاميّ والنّجمة السّداسيّة وجهاً لوجهٍ حول شارة «طافوس» (حرفَي التّاء والفاء اليونانيّين ΤΦ، رمز حُرّاس القبر المقدّس التّابع لبطريركيّة الرّوم الأرثوذكس)، في وثيقةٍ حجريّةٍ ناطقةٍ تبرهن على أنّ النّجمة السّداسيّة والهلال كانا معاً يرمزان إلى السّيادة الإسلاميّة والعهود السّلطانيّة الّتي أمّنت الكنائس والأديرة المسيحيّة وحمتها.
وفي القاهرة المحروسة، تتألّق النّجمة السّداسيّة في شبابيك القمريّات الجصّيّة والزّخارف الحجريّة والخشبيّة داخل بيمارستان ومدرسة وقبّة السّلطان الملك المنصور سيف الدّين قلاوون الألفيّ المشيّدة ما بين سنتَي 1284 و1285 للميلاد (683 و684 للهجرة)، مقترنةً بمعاني الحكمة والشّفاء وتجدّد الحياة، واللّافت تاريخيّاً أنّ تشييد هذا الصّرح المملوكيّ المزدان بالنّجمة السّداسيّة جاء بعد سبعة عشر عاماً فقط من قرار مجمع ڤيينا الكنسيّ الأوروپيّ سنة 1267 للميلاد (665 للهجرة).
وعلاوةً على عمارة المساجد والبيمارستانات، تصدّرت النّجمة السّداسيّة المذهّبة صفحات المصاحف الشّريفة التّاريخيّة فوق دعاء ختم القرآن الكريم، وامتدّ حضورها الرّسميّ والجهاديّ حتّى القرن 19 للميلاد (13 للهجرة)؛ إذ وثّقها الخاتم الرّسميّ لأمير المؤمنين وقائد المقاومة الجزائريّة الأمير عبد القادر بن محيي الدّين الحسنيّ الجزائريّ المؤرّخ بسنة 1832 للميلاد (1248 للهجرة)، والّذي يتوسّط اسمه الشّريف قلب النّجمة السّداسيّة، وتحيط بها في رؤوس المثلّثات وجوانبها لفظ الجلالة «اللّه» وأسماء الرّسول «محمّد» والخلفاء الرّاشدين الأربعة «أبو بكر» و«عمر» و«عثمان» و«عليّ» مع عبارات «المعتصم باللّه القاهر لأعداء اللّه أمير المؤمنين»، ويطوّقها بيت الشّعر الشّهير للصّحابيّ حسّان بن ثابت: «ومَن تكن برسول اللّه نصرته، إن تلقه الأسد في آجامها تجمِ»
توارث الرّموز الحضاريّة وحماية الذاكرة التّاريخيّة
تكشف دراسة تاريخ الرّايات والشّعارات عن عمق التّراكم الحضاريّ وتواصل الشّعوب عبر العصور؛ فالرّموز البصريّة الّتي تبدو في الوعي المعاصر حكراً على جماعةٍ أو كيانٍ سياسيٍّ طارئ، هي في حقيقتها ثمرة إرثٍ مشرقيٍّ عريقٍ انتقل عبر آلاف السّنين من حضارات بلاد الرّافدين العراق وسوريا القديمة في سومر وبابل وأسور وكنعان، ليستقرّ في صميم الحضارة الإسلاميّة بوصفه هويّةً سياديّةً ومعماريّةً وعلميّةً دامت عشرة قرون، ما بين القرنين 8 و18 للميلاد (2 و12 للهجرة).
تضعنا هذه الحقائق الأثريّة والتّاريخيّة الموثّقة في المسكوكات العبّاسيّة والفاطميّة والأيّوبيّة والمملوكيّة، وفي عمارة المساجد والبيمارستانات وتذهيب المصاحف الشّريفة وأختام القادة المجاهدين، أمام مسؤوليّةٍ معرفيّةٍ مضاعفة؛ فمن جهةٍ أولى، تقتضي القراءة العلميّة التّفريق الدّقيق بين العقيدة الإسلاميّة المنزّهة في أصولها عن التّعبّد بالأيقونات والأشكال الهندسيّة، وبين الشّارات السّياديّة والحضاريّة الّتي اتّخذتها الدّول الإسلاميّة المتعاقبة لإعلان حاكميّتها وتمييز راياتها وجيوشها ومؤسّساتها.
ومن جهةٍ ثانية، تحذّرنا هذه الشّواهد المادّيّة من خطورة التّفريط برموزنا التّاريخيّة أو شيطنتها بأثرٍ رجعيّ تحت وطأة السّرديّات الأوروپيّة المتأخّرة الّتي ألصقت «خاتم سليمان» باليهود تمييزاً لهم منذ مجمع ڤيينا الكنسيّ سنة 1267 للميلاد (665 للهجرة) وحتّى قوانين ألمانيا النّازيّة في شهر تشرين الثّاني نوڤمبر سنة 1939 للميلاد (1358 للهجرة)، قبل أن تسطو عليه الحركة الصّهيونيّة منذ مؤتمر بازل سنة 1897 للميلاد (1315 للهجرة) لتصنع لنفسها جذوراً متخيّلةً في أرضنا.
وتبقى الرّايات والزّخارف والنّقوش والمسكوكات وثائقَ مادّيّةً ناطقةً تفضح محاولات الانتحال السّياسيّ وتزوير الوعي، وتؤكّد أنّ استرداد المعرفة الدّقيقة بجذور رموزنا الحضاريّة هو خطّ الدّفاع الأوّل لصون ذاكرتنا الجمعيّة وحماية هويّتنا التّاريخيّة من الاستلاب والتّزييف.
المراجع والمصادر
المصادر التّاريخيّة الأوليّة والخرائط والمخطوطات
- هيتون الكوريكوسيّ (حاتم المؤرّخ)، زهرة أخبار بلاد المشرق (Hayton, La Fleur des histoires de la terre d’Orient, Recueil des historiens des croisades, Documents arméniens, Tome II) — المكتبة الوطنيّة الفرنسيّة (Gallica):
https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k51581r - إبراهيم كشّك (أبراهام كريسكس)، الأطلس الكتلانيّ المرسوم سنة 1375 للميلاد (Abraham Cresques, Atlas Catalan, 1375, Espagnol 30) — المكتبة الوطنيّة الفرنسيّة (Gallica):
https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/btv1b55002481n - تقيّ الدّين أحمد بن عليّ المقريزيّ، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (الخطط المقريزيّة، توثيق بيمارستان السّلطان المنصور قلاوون والرّنوك السّلطانيّة) — أرشيف المكتبة الرّقميّة العالميّة:
https://archive.org/details/khitat_maqrizi - أبو العبّاس أحمد بن عليّ القلقشنديّ، صبح الأعشى في صناعة الإنشا (توثيق شارات الملك والرّايات وأختام الدّول الإسلاميّة) — أرشيف الإنترنت للمصادر التّراثيّة:
https://archive.org/details/subh_al_asha - جان پيپان دو بيلّيل، وصف الخاتم الرّسميّ للأمير عبد القادر الجزائريّ ونقش النّجمة السّداسيّة سنة 1248 للهجرة / 1832 للميلاد (المجلة الآسيويّة، باريس، 1838 للميلاد / Journal Asiatique):
https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k93132x
المصادر المتاحفيّة وأدلّة علم المسكوكات والآثار
- المتحف البريطانيّ بلندن، نصب الملك البابليّ الكيشيّ «ملي شيپاك الثّاني» (حجر حدود كُدُرُّ الموثّق لرموز إنانا عشتار وكوكب الزّهرة وشمش وسين، قرن 12 قبل الميلاد):
https://www.britishmuseum.org/collection/object/W_1881-0428-32 - المتحف البريطانيّ بلندن، الأرشيف الرّقميّ للفلوس والمسكوكات العبّاسيّة والأيّوبيّة والمملوكيّة الحاملة للنّجمة السّداسيّة (خاتم سليمان):
https://www.britishmuseum.org/collection - الجمعيّة الأمريكيّة لعلم المسكوكات (American Numismatic Society – MANTIS)، قاعدة بيانات الفلوس العبّاسيّة المبكّرة المضروبة في الرّيّ وبغداد (مدينة السّلام) ودنانير الدّولة الفاطميّة (الظّاهر لإعزاز دين اللّه):
https://numismatics.org/search/ - متحف القصر البحريّ في إسطنبول (İstanbul Deniz Müzesi)، الوثيقة النّسيجيّة الأصليّة لسنجق قبطان الدّريا خير الدّين بربروس الحامل للنّجمة السّداسيّة وذو الفقار:
https://denizmuzesi.dzkk.tsk.tr/ - متحف الفنّ الإسلاميّ في القاهرة، مجموعة القمريّات الجصّيّة والزّخارف الخشبيّة والمعدنيّة المملوكيّة والأيّوبيّة الحاملة لخاتم سليمان:
https://www.miaegypt.org/ - متحف بلاط السّلطان (طوپ قاپي سراي) في إسطنبول، مجموعة الأختام والرايات والقمصان الطّلسميّة العثمانيّة الحاملة لخاتم سليمان:
https://www.millisaraylar.gov.tr/ - الأرشيف الوطنيّ للمخطوطات الإسلاميّة (دار الكتب المصريّة ومكتبة تشستر بيتي)، المصاحف المملوكيّة والمرينيّة والعثمانيّة المذهّبة بنجمة الحكمة وخاتم سليمان:
https://viewer.cbl.ie/viewer/
المراجع الأكاديميّة المحكّمة والدّراسات الجامعيّة
- غيرشوم شوليم، دراسة أكاديميّة مرجعيّة تؤكّد أنّ النّجمة السّداسيّة لم تكن رمزاً دينيّاً يهوديّاً قديماً بل شاع استعمالها في الحضارة الإسلاميّة تحت اسم «خاتم سليمان» قبل انتقالها إلى يهود أوروپا الوسطى في العصور الوسطى المتأخّرة (Gershom Scholem, The Curious History of the Six-Pointed Star: How the “Magen David” Became the Jewish Symbol, Commentary Magazine, Vol. 8, 1949):
https://www.commentary.org/articles/gershom-scholem/the-curious-history-of-the-six-pointed-starhow-the-magen-david-became-the-jewish-symbol/ - جيريمي بلاك وأنتوني غرين، معجم الآلهة والشّياطين والرّموز في بلاد الرّافدين القديمة — توثيق رمز كوكب الزّهرة للمعبودة إنانا عشتار في سومر وبابل وأسور (Jeremy Black & Anthony Green, Gods, Demons and Symbols of Ancient Mesopotamia: An Illustrated Dictionary, British Museum Press / University of Texas Press):
https://utpress.utexas.edu/9780292707948 - ليو أري ماير، كتاب الشّعارات والرّنوك السّلطانيّة الإسلاميّة المملوكيّة والأيّوبيّة — توثيق النّجمة السّداسيّة في العمارة والمسكوكات الإسلاميّة (L. A. Mayer, Saracenic Heraldry: A Survey, Oxford University Press, Clarendon Press):
https://archive.org/details/saracenicheraldr0000maye - راشيل ميلشتاين، ختم سليمان في الفنّ والعمارة الإسلاميّة وتاريخ القدس — دراسة أكاديميّة منشورة عبر معهد ياد بن تسفي ومؤسّسة الدّراسات المقدسيّة (Rachel Milstein, King Solomon’s Seal, Tower of David Museum of the History of Jerusalem):
https://www.tod.org.il/ - ميخائيل آرتامونوف، تاريخ الخزر — المرجع الآثاريّ الأكاديميّ حول خاقانيّة الخزر وشارات التّامگا التّركيّة والتّمائم الشّمسيّة التّنغريّة في سهول أوراسيا (M. I. Artamonov, Istoriya Khazar / History of the Khazars, State Hermitage Museum Publishing, Leningrad):
https://www.hermitagemuseum.org/ - رومان كوفاليف، دراسة أكاديميّة في علم المسكوكات حول ضرب دراهم «أرض الخزر» المؤرّخة بسنة 223 للهجرة تقليداً للمسكوكات العبّاسيّة الكوفيّة (Roman K. Kovalev, Creating Khazar Identity through Coins: The Special Issue Dirhams of 837/8, in: East Central and Eastern Europe in the Early Middle Ages, University of Michigan Press):
https://press.umich.edu/Books/E/East-Central-and-Eastern-Europe-in-the-Early-Middle-Ages - كريستيان جوليان روبان، حمير واليهوديّة في بلاد العرب الجنوبيّة قبل الإسلام — دراسة أكاديميّة تثبت طبيعة الدّيانات اليمنيّة القديمة وتاريخ دخول اليهوديّة المتأخّر إلى البلاط الحميريّ (Christian Julien Robin, Himyar et Israël, Académie des Inscriptions et Belles-Lettres, Comptes rendus, Persée):
https://www.persee.fr/doc/crai_0065-0536_2004_num_148_2_22750 - ستيڤن ويزرينغتون، موسوعة المعهد الدّوليّ للدّراسات الإسلاميّة حول فنون المسكوكات العبّاسيّة والفاطميّة والأيّوبيّة والمملوكيّة (Stephen Album, Checklist of Islamic Coins, Santa Rosa):
https://stephenalbum.com/ - جوزيف ناثان، تاريخ الأبجديّة السّاميّة الشّماليّة الغربيّة وتفرّع الخطّ الآراميّ المربّع والخطّ البراهميّ عن الأبجديّة الكنعانيّة الفينيقيّة (Joseph Naveh, Early History of the Alphabet: An Introduction to West Semitic Epigraphy and Palaeography, Magnes Press, Hebrew University):
https://www.magnespress.co.il/ - سولومون غرايزل، الكنيسة واليهود في القرن الثّالث عشر — توثيق قرارات المجامع الكنسيّة الأوروپيّة ومجمع ڤيينا الكنسيّ سنة 1267 للميلاد وفرض الشّارات التّمييزيّة في أراضي آل هاپسبورگ (Solomon Grayzel, The Church and the Jews in the XIIIth Century, Dropsie College / Jewish Publication Society):
https://archive.org/details/churchjewsinxiii0000gray - غييدو كيش، اليهود في العصور الوسطى وأحكام الشّارات التّمييزيّة وراية پراغ سنة 1354 للميلاد (Guido Kisch, The Yellow Badge in History, Historia Judaica / Academic Press)
- المتحف التّذكاريّ للهولوكوست في الولايات المتّحدة (USHMM)، الموسوعة التّاريخيّة الأكاديميّة لتوثيق المراسيم النّازيّة الصّادرة في شهر تشرين الثّاني نوڤمبر سنة 1939 للميلاد بإلزام اليهود بارتداء شارة النّجمة السّداسيّة الصّفراء:
https://encyclopedia.ushmm.org/content/en/article/jewish-badge-during-the-nazi-era - ديفيد ستيفنسون، أصول الماسونيّة الحديثة وتأسيس محفل لندن الكبير سنة 1717 للميلاد واستعارة الرّموز الشّرقيّة (David Stevenson, The Origins of Freemasonry: Scotland’s Century, 1590–1710, Cambridge University Press):
https://www.cambridge.org/core/books/origins-of-freemasonry/9F2C631750A7B3B2B17E907C56835D74 - ميخائيل هاملتون مورغان، التّاريخ المفقود للعلوم والعمارة الإسلاميّة — برنامج استكشاف العمارة المملوكيّة ومجموعة السّلطان قلاوون في القاهرة (Archnet – Aga Khan Documentation Center at MIT, Complex of Sultan al-Mansur Qalawun):
https://www.archnet.org/sites/1516 - يوسف نجم الدّين، العمارة المملوكيّة والعثمانيّة في القدس الشّريف والنّقوش الحجريّة في عقبة التّكيّة وحارة النّصارى (مؤسّسة الدّراسات المقدسيّة – Institute for Palestine Studies):
https://www.palestine-studies.org/ar
مصادر إخباريّة وتقارير توثيقيّة مساندة
- وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينيّة (وفا)، تقارير توثيق المعالم التّاريخيّة والمعماريّة الإسلاميّة والمسيحيّة في البلدة القديمة بالقدس وعقبة التّكيّة:
https://www.wafa.ps/ - الجزيرة نت (القسم التّراثيّ والتّاريخيّ)، تقارير توثيق تاريخ النّجمة السّداسيّة وخاتم سليمان في المسكوكات والعمارة الإسلاميّة وسنجق خير الدّين بربروس:
https://www.aljazeera.net/ - مركز دراسات الوحدة العربيّة، الدّراسات والتّقارير التّاريخيّة حول الانتحال الحضاريّ الصّهيونيّ لرموز وتراث المشرق العربيّ:
https://caus.org.lb/









اترك تعليقاً