في عالم يتّسم بالتعقيد والتنوع الثقافي، تظلّ قضية تسمية الحقب التاريخية والإمبراطوريات القديمة موضوعاً مثيراً للجدل. يقدّم الأستاذ روي كازاگراندا، الأكاديمي والمحلّل السياسي الأمريكي، وجهة نظر مثيرة للاهتمام حول ما يعتبره خطأً شائعاً في تسمية الإمبراطورية العربية. فهو يرى أن تسميتها بالإمبراطورية الإسلامية لا يعكس حقيقتها التاريخية ويحجب إنجازات الحضارة العربية. وهذا بيان رأيه…
“أنشأ العرب إمبراطورية لا يذكرها معظم الناس ولا يتحدّثون عنها، ومُحيت ببساطة من التاريخ. إنّها الإمبراطورية العربية، برغم أنّني غالباً ما سمعت أنّها تُسمى الإمبراطورية الإسلامية. ينبغي ألّا نفعل ذلك و(يجب) أن نسمّيها الإمبراطورية العربية لأنّها أُسّست على يد العرب، تماماً كما أُسّست الإمبراطورية الرومانية على يد الرومان. لا تُسمى الأخيرة بالإمبراطورية الوثنية (الپيطاسية)، ولم تُسمَّ بالإمبراطورية المسيحيّة عندما اعتنقت المسيحية. كذلك لا تُسمى اليابان بإمبراطورية الشنتو البوذية. أتفهم ما أقصد؟ لم تُسمَّ إمبراطورية الإسكندر الأكبر بالإمبراطورية (الأولمپية). فلماذا يُفعل هذا في حالة العرب بالذات؟
ما أودّ طرحه هو أنّ السبب وراء عدم تسميتها (باسمها) هو تقليد، وإن سُمّيت فتُسمى أحياناً الإمبراطورية الإسلامية، هو كراهية العرب المتأصّلة في مجتمعنا وحضارتنا (والمتأصّلة كذلك في الشعوبية). إحدى أسباب ذلك هو الأحداث التي أدّت إلى الحروب الصليبية، والحروب الصليبية نفسها، (وفي نفس الوقت استبدال اللّغة العربية بالفارسية). بمعنى آخر، بممارسة كراهية العرب (العربفوبيا)، يُبقى على هذا التقريح القديم. حان الوقت للتخلّي عن ذلك.
أسّس العرب إمبراطوريّتهم، وأقصد بالإمبراطورية معناها الحقيقي: دولة تحكم عدّة بلدان وأمم. هذا كل ما يلزم لتكون إمبراطورية. بُدئ في بناء الإمبراطورية العربية عام 633 ميلادية، عندما أُرسلت جيوش الخليفة الأوّل، أبو بكر، لمهاجمة الإمبراطوريتين الساسانية والرومانية في آن واحد. كان هذا حدثاً كان ينبغي أن يُرى جنونياً ومستحيلاً، لكنّه لم يتحقق فحسب، بل أصبحت الإمبراطورية العربية بحلول عام 711 (بعد 78 سنة) أكبر إمبراطوريّة في العالم حتى ذلك التاريخ.

ظهرت إمبراطوريّات أكبر لاحقاً، لكن لم توجد إمبراطورية أكبر قبلها. امتدّت بحلول عام 711 من إسپانيا إلى پاكستان، ووصلت إلى أعماق آسيا الوسطى. لو تُخيّلت خريطة الإمبراطورية الرومانية، فقد فُتح حوالي 60% منها. أمّا الإمبراطورية الساسانية، فقد فُتحت بالكامل. كما توسّعت إلى آسيا الوسطى والهند.
وبما أنّني ذكرت پاكستان، فلمن لا يعرف، اقتُطعت پاكستان من الهند بقسوة وسادية على يد البريطانيّين. پاكستان هي الهند.”. انتهى الاقتباس.
تُعدّ الشعوبية الفارسية ظاهرة تاريخية معقّدة نشأت بدعم صيني لهدم الهيمنة العربية في بلدان وسط آسيا. بين القرنين العاشر والسادس عشر الميلاديّين، سعى أنصار هذه الحركة إلى خلق الهوية والثقافة الفارسية وتمييزها عن الثقافة العربية السائدة، وأطلقوا على أعمالهم صفة “إحياء هوية مظلومة”. تجلّى هذا السعي في محاولات حثيثة لإحلال اللّغة الفارسية محلّ العربية كلغة رئيسة للعلوم والأدب والإدارة في العالم الإسلامي.
قام الشعوبيّون بترجمة العديد من الأعمال العربية إلى الفارسية الجديدة، وشجّعوا على تأليف كتب جديدة بالفارسية في مختلف المجالات. كما عملوا على إحياء التراث الپهلوي القديم وتمجيده باسم جديد هو الفارسي، مع التقليل من شأن الإسهامات العربية في الحضارة الإسلامية. بالرغْم من أنّ هذه الحركة لم تنجح في إزاحة العربية تماماً عن مكانتها كلغة دينية وعلمية رئيسة، إلّا أنها ساهمت في تعزيز مكانة الفارسية وثقافتها في العالم الإسلامي، وأثّرت بشكل كبير على التطوّر الثقافي والسياسي في المنطقة لقرون عديدة.
سعت هذه الحركة الشعوبية بشكل حثيث إلى تغيير المصطلحات المستخدمة لوصف إنجازات الحضارة العربية الإسلامية. فبدلاً من الإشارة إلى “الخلافة العربية”، روّجوا لمصطلح “الخلافة الإسلامية”. وامتدّ هذا التغيير ليشمل مختلف مجالات الحضارة، فأصبحنا نسمع عن “علماء مسلمين” بدلاً من “علماء عرب”، و”فن إسلامي” و”عمارة إسلامية” عوضاً عن “فن عربي” و”عمارة عربية”.
هذا التحوّل في المصطلحات يتوافق تماماً مع ما أشار إليه الأستاذ كازاگراندا في نقده للممارسة الغربية المعاصرة. فكما يرى كازاگراندا أن تسمية الإمبراطورية العربية بـ”الإسلامية” هو ظلم تاريخي، نجد أنّ جذور هذه الممارسة تعود جزئيّاً إلى الجهود الشعوبية القديمة. وكما يشير كازاگراندا إلى أنّنا لا نسمي الإمبراطورية الرومانية بـ”المسيحية” عندما اعتنقت المسيحية، فإنّ هذا التغيير في المصطلحات يمثّل محاولة لطمس الهوية العربية للحضارة وإنجازاتها، وهو ما يتّفق مع رؤية كازاگراندا لضرورة إعادة الاعتبار للتسمية الصحيحة تاريخياً.
ببساطة، أصرّت الشعوبية على استبدال كلمة “عربية” بكلمة “إسلامية” استغلالاً للعواطف الإسلامية لمحو تاريخ الحضارة العربية وإنكار وجودها. وهو تماماً ما تكرّره الحركات الشعوبية المعاصرة من أمازيغية وكردية وفارسية وغيرها.

ونعود للاقتباس عن الأستاذ كازاگراندا:
“في بغداد، التي كانت في ذلك الوقت أكبر مدينة على كوكب الأرض، يقطنها مليون إلى مليونيّ نسمة. كانت المدينة مركزاً للفنّ والفلسفة والعلوم، وكانت (جامعة) بيت الحكمة قلب الإنجازات الفكرية في العالم.
كان لدى العرب في تلك الفترة شوارع مضاءة في الليل، وكانوا اكتشفوا القهوة وفهموا الطبّ الحديث. اخترعوا الزراعة الحديثة، وأدركوا أنّ جميع الأجسام في الكون تمارس الجاذبية، وأنّ الضوء له سرعة محدودة وينتقل في شكل موجات. وبغرابة مذهلة، توصّلوا بالفعل إلى كلّ الأشياء التي اكتشفناها نحن فقط في القرن الماضي، لذا كان علينا أن نكتشفها مرّة أخرى.
كان العرب قد صاغوا بالفعل القانون الأوّل للحركة (المنسوب) لنيوتن، واخترعوا المنهج العلمي قبل 600 عام من “اختراع” فرانسيس بيكون Francis Bacon له، لذا اتّضح أن بيكون لم يخترع المنهج العلمي. كما عرفوا بالفعل (ما نسمّيه بـ) قانون كپلر Kepler الأوّل للحركة الكوكبية، واختُرعوا العدسة.” انتهى الاقتباس.

ما سبق هو ترجمة حرفيّة لكلمات أكاديمي ومحلّل سياسي أميركي اسمه روي كازاگراندا Roy Casagranda هو أستاذ في كلية أوستن المجتمعية Austin Community College في تكساس، ويركّز على الشرق الأوسط، والنظرية السياسية، والتاريخ الفكري. وهو معروف بتحليله النقدي للسياسة الخارجية الأمريكية وشؤون الشرق الأوسط، وتقديم وجهات نظر متعدّدة الأبعاد تؤكّد على السياق التاريخي وتعقيد العلاقات الدولية.
إنّ دعوة كازاگراندا لإعادة النظر في تسمية الإمبراطورية العربية تفتح باباً واسعاً للنقاش حول كيفية فهمنا للتاريخ وتقديرنا للإنجازات الحضارية. فبغضّ النظر عن الاتّفاق أو الاختلاف مع وجهة نظره، فإنّ طرحه يدعونا للتفكير النقدي في الروايات التاريخية السائدة وتأثيرها على تصوّراتنا الحالية. ولعلّ في هذا النقاش فرصة لإعادة اكتشاف الإسهامات العلمية والثقافية للحضارة العربية، وفهم أعمق لدورها في تشكيل العالم الذي نعرفه اليوم.
كازاگراندا مؤلّف غزير الإنتاج، وهو ضدّ اللاعربية. يساهم في المجلّات الأكاديمية والكتب، وهو متحدّث مطلوب معروف بمحاضراته ومناقشاته الثاقبة حول هذه المواضيع. يتمتّع بخبرة واسعة في التدريس والبحث، ويشارك في العديد من المؤتمرات والندوات الأكاديمية والإعلامية. يساهم بشكل دوري في تقديم رؤى تحليلية متعمّقة حول التطورات السياسية العالمية والمحلية.





اترك رد