قرأت أمس كتاب برنارد لويس {يهود الإسلام} The Jews of Islam المنشور عن دار نشر پرنستون عام ١٩٨٤. وهذه قراءة فيه.
يتناول الكتاب تاريخ العلاقات بين المسلمين واليهود منذ ظهور الدين الإسلام في القرن السابع الميلادي. ويستعرض لويس العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بين المجتمعين على مدى قرون طويلة. حيث صاغ رؤيته التاريخية بالاعتماد على مصادر متنوّعة عربية وعبرية وأوروپية. بحث في أوضاع اليهود تحت الحكم المسلم في مختلف المناطق والعصور. على سبيل المثال، درس وضع أهل الذمّة في الدول الأموية والعبّاسية والعثمانية.
تطرّق الكتاب إلى التفاعل الثقافي والفكري بين المسلمين واليهود في مجالات الفلسفة والعلوم والأدب. فعرض نماذج من العلماء والمفكرين اليهود الذين برزوا في ظلّ الحضارة المسلمة. وناقش لويس أيضاً التحوّلات التي طرأت على هذه العلاقات بظهور الحركات القوميّة الحديثة وتأسيس الدولة العبرية. كما درس تأثير الاستعمار الأوروپي والصراع العربي الإسرائيلي على النظرة المتبادلة بين الطرفين.
يمتاز الكتاب بأسلوبه الأكاديمي الرصين والتوثيق الدقيق للمعلومات التاريخية. كما أسهم في فهم الجوانب المختلفة للعلاقات اليهودية المسلمة عبر التاريخ.

أهمّ نقاط كتاب {يهود الإسلام}:
- العلاقات المسلمة-اليهودية امتدت ١٤ قرناً، تميّزت بالعيش المشترك والحقوق المحفوظة لليهود كأهل ذمّة.
- التأثير العميق للثقافة المسلمة على التراث اليهودي. استخدام اللّغة العربية في الكتابات اليهودية. تبنّي المناهج الفلسفية المسلمة. واقتباس أساليب التفسير المسلمة في شرح النصوص اليهودية. تأثر الشعر العبري بالأوزان العربية.
- برز علماء ومفكّرون يهود في العالم المسلم مثل موسى بن ميمون في مصر وسعديا گاؤون في بغداد.
- ازدهار اقتصادي واجتماعي للعرب اليهود في مناطق مختلفة، مثل الأندلس في العصر الأموي وبغداد في العصر العباسي ومصر في العصر الفاطمي، والدولة العثمانية.
- لم تكن العلاقة مثالية ولا اضطهادية، بل نموذج واقعي للتعايش سمح لليهود بالحفاظ على هويّتهم اليهودية عرباً مع المشاركة الفاعلة في المجتمع.
فصول الكتاب
يتناول كتاب «يهود الإسلام» للمؤرّخ برنارد لويس، الصادر عن دار نشر پرنستون عام ١٩٨٤، تاريخ العلاقات المسلمة اليهودية على مدى أربعة عشر قرناً. ويرسم الكتاب صورة شاملة للعيش المشترك بين المجتمعين منذ ظهور دين الإسلام في شبه الجزيرة العربية.
فيستعرض الكتاب في فصله الأوّل الخلفية التاريخية لوجود اليهود في المناطق العربية قبل الإسلام. ويصف حياة قبائل طيء اليهودية في يثرب وخيبر وتفاعلها مع القبائل العربية. على هذه الخلفية التاريخية، يشرح المؤلّف كيف تأسّست العلاقات الأولى بين المسلمين واليهود العرب في المدينة المنورة.
يتعمّق الفصل الثاني في دراسة مكانة أهل الذمة في المجتمع المسلم. حيث يوضح النظام القانوني والإداري الذي نظم العلاقة بين السلطة المسلمة ورعاياها من غير المسلمين. ويُبرز الحقوق والواجبات المترتّبة على عقد الذمّة، مثل حرّية العبادة ودفع الجزية.
يركّز الفصل الثالث على الحياة الاقتصادية والاجتماعية لليهود في العالم المسلم. فيصف دورهم في التجارة والصناعة والمهن المختلفة. ويبيّن كيف برع اليهود في الصيرفة والتجارة الدولية. ويتتبّع تطوّر الأحياء اليهودية في المدن المسلمة الكبرى مثل بغداد والقاهرة.
يخصّص الفصل الرابع لدراسة التفاعل الفكري والعلمي بين المسلمين واليهود. ويستعرض إسهامات العلماء والفلاسفة اليهود في الحضارة المسلمة. ويُبرز دور الترجمة في نقل المعارف بين اللّغتين العربية والعبرية. يشرح تأثّر الفكر اليهودي بالفلسفة والعلوم المسلمة.
يتناول الفصل الخامس التحوّلات التي طرأت على العلاقات المسلمة اليهودية في العصر الحديث. فيحلّل تأثير الاستعمار الأوروپي والحركات القوميّة (التي صنعها الأوروپي) على هذه العلاقات. ويدرس كيف أدّى ظهور الصهيونية والصراع على فلسطين إلى توتّر العلاقات بين المجتمعين.
يمتاز منهج لويس في الكتاب بالتوثيق الدقيق والاعتماد على مصادر متنوّعة. ويستخدم المخطوطات والوثائق التاريخية العربية والعبرية والأوروپية. ويوازن بين وجهات النظر المختلفة في تفسير الأحداث التاريخية. وهذا من أهم أصول الموضوعية.
يقدّم الكتاب رؤية متوازنة للعلاقات المسلمة اليهودية. فيُبرز فترات العيش السلمي المشترك والتفاعل الإيجابي بين المجتمعين. ويشير في الوقت نفسه إلى حالات التوتّر والصراع التي شهدتها هذه العلاقات. وتظهر أهمّية الكتاب في تقديمه دراسة أكاديمية رصينة لموضوع شائك. يساعد في فهم الجذور التاريخية للعلاقات المسلمة اليهودية المعاصرة. ويقدّم منظوراً موضوعيّاً يتجاوز التحيّزات المسبقة والدعاية الأوروپية والمواقف المتطرّفة.
أسهم الكتاب في إثراء المكتبة التاريخية العربية والعالمية. ويعدّ مرجعاً مهمّاً للباحثين والمهتمّين بتاريخ العلاقات بين الأديان. ويفتح آفاقاً جديدة لفهم التفاعل الحضاري بين المسلمين واليهود عبر التاريخ.

الأفكار الرئيسية في الكتاب
تميّزت العلاقات المسلمة اليهودية بالتواصل والتنوّع على مدى التاريخ. حيث عاش اليهود في ظلّ الحكم المسلم كأهل ذمّة، منحتهم السلطة المسلمة حرية العبادة والإدارة الذاتية لشؤونهم الدينية. وبرز الدور الاقتصادي لليهود في المجتمعات المسلمة، خصوصاً في مجالات التجارة والحرف المتخصّصة. وأسهم العلماء والمفكّرون اليهود في النهضة العلمية والفكرية المسلمة.
تطوّرت علاقة العيش المشترك بين المسلمين واليهود على مدى القرون. واختلفت أوضاع المجتمعات اليهودية باختلاف المناطق والدول والعصور. وتفاوتت درجة الاندماج الاجتماعي والتفاعل الثقافي بين المجتمعين. أثرت التحولات السياسية والاجتماعية على طبيعة العلاقات المتبادلة.

موضوعات الكتاب المهمّة
تناول المؤلّف التنظيم القانوني والإداري لأوضاع اليهود في المجتمعات المسلمة. فشرح نظام المِلل العثماني ودوره في تنظيم العلاقة بين السلطة المسلمة والطوائف غير المسلمة. ووصف الحياة الاجتماعية في الأحياء اليهودية داخل المدن المسلمة.
درس المؤلّف النشاط الاقتصادي لليهود في العالم المسلم. واستعرض دورهم في شبكات التجارة الدولية. وبحث في تخصّصهم في مهن وحرف معينة. وأبرز مساهمتهم في تطوير النظام المالي والمصرفي. وركّز المؤلّف على التفاعل الفكري والعلمي بين المجتمعين. ووثّق إسهامات العلماء اليهود في الطب والفلك والرياضيات. وشرح تأثّر الفكر الديني اليهودي بالفلسفة المسلمة. وأبرز دور الترجمة في تبادل المعارف بين اللغتين العربية والعبرية.
ذكر لويس في كتابه {يهود الإسلام} شخصيّات يهودية مهمّة برزت في العالم المسلم على مدى العصور. مثلاً عاش {موسى بن ميمون} عربيّاً في مصر الفاطمية وكتب مؤلّفاته الفلسفية باللّغة العربية، فألّف كتاب {دلالة الحائرين} متأثّراً بالفلسفة المسلمة. وتحدّث لويس في كتابه عن تفاوت أحوال اليهود في البلاد المسلمة على مدى العصور.
ازدهرت المجتمعات اليهودية في بغداد العبّاسية. فشارك علماؤهم في حركة الترجمة والتأليف. وتطوّرت مدارسهم الدينية وأنتجت تراثاً فكرياً غنيّاً. واستمرّ هذا الازدهار في عهد المأمون والمعتصم والواثق. برع يهود العراق في الطبّ، فعمل أطبّاء يهود في بلاط الخلفاء العباسيّين. كما برز {سعيد بن يوسف الفيّومي} المعروف بـ{سعديا گاؤون} في بغداد، فترجم التوراة إلى العربية وكتب تفسيرات فلسفية للنصوص الدينية اليهودية، وساهم في تغيير لغة الديانة اليهودية بالمجمل إلى العربية، فانقرضت العبرية تماماً من الحياة العامّة.

في الحقبة العبّاسية تركّز اليهود في مدن بغداد ودمشق والقاهرة والإسكندرية، فامتهنوا الصيرفة وتجارة العملات. في حين تخصّص يهود اليمن في صياغة الفضّة وصناعة الأسلحة، مثل يهود دمشق. وتخصّص يهود صنعاء في صناعة الفخّار والخزف. استقرّت أوضاع يهود اليمن في صنعاء وعدن. فحافظوا على تراثهم الديني والفكري. ونسخوا المخطوطات العبرية وأنتجوا أدباً دينيّاً. واستمرّت أحوالهم مستقرّة في ظلّ الدولة الزيدية.
شهدت مصر الفاطمية عصراً ذهبيّاً لليهود. تجمّعوا في الفسطاط والقاهرة. وتولّوا مناصب مهمّة في الدواوين والتجارة. ونشطت مدارسهم الدينية والعلمية. وامتد هذا الازدهار في العصر الأيوبي. عمل يهود الدولة الفاطمية في مصر بالتجارة البحرية، فتولّت عائلات يهودية مثل عائلة {ابن عوكل} إدارة التجارة مع الهند والصين. واحترف يهود القاهرة الفاطمية صناعة الزجاج والمعادن. في حين عمل يهود الإسكندرية في تجارة الحبوب والتوابل مع أوروپا.
عاش يهود المغرب الأقصى أوضاعاً مستقرّة في مدن فاس ومراكش وتطوان. وتولّوا تجارة المعادن النفيسة والمجوهرات. واحتفظوا بمدارسهم وتراثهم، فبرزت شخصيّات يهودية مغربية في العلوم والأدب. واستمرّ هذا الاستقرار في عهد السلطان محمّد الثالث والسلطان سليمان. واحترف يهود المدن المغربية الحرف اليدوية كالنجارة والحدادة. وعمل يهود طرابلس الغرب في تجارة القوافل مع أفريقيا جنوب الصحراء. في حين اشتغل يهود تونس بصناعة النسيج والصباغة.

عاش اليهود حياة مستقرّة في الأندلس المسلمة، خاصّة في عصر الخلافة الأموية بقرطبة. وازدهرت أحوالهم الاقتصادية والفكرية في عهد {عبد الرحمن الناصر} و{الحكم المستنصر}. وبرعت شخصيات يهودية في الطب والفلسفة والشعر، مثل {حسداي بن شپروط} الذي تولّى منصباً رفيعاً في البلاط الأموي. وتولّى يهود الأندلس ترجمة الكتب العربية إلى العبرية واللّاتينية، فنقلوا العلوم المسلمة إلى أوروپا.
رحّب السلاطين العثمانيّون باليهود المهاجرين من الأندلس بعد سقوطها. فاستقروا في القسطنطينية وسالونيك وإزمير. ومنحوهم حرّية دينية واسعة وامتيازات اقتصادية. فشكلوا جزءاً مهمّاً من النظام التجاري العثماني. واستمرّت أحوالهم مستقرّة في عهد السلطان سليمان القانوني ومن بعده. فنشط يهود القسطنطينية وسالونيك في تجارة المنسوجات على امتداد الدولة العثمانية. وتخصّص يهود حلب في تجارة التوابل والعطور مع الهند. وتميّز يهود مصر العثمانية في الأعمال المصرفية وإدارة الجمارك. وتولّى يهود بغداد في العصر العثماني المتأخر تجارة الحرير مع إيران والهند. وبرع يهود دمشق في صناعة المنسوجات الحريرية.

تأثّر اليهودية بالإسلام
طوّر اليهود العرب تراثهم على أسس مسلمة عميقة في جوانب متعدّدة، كما يبيّن لويس في كتابه. إذ تأثّر علماء اليهود بالفلسفة المسلمة في تفسير نصوصهم الدينية. على رأس هؤلاء برز {موسى بن ميمون} سابق الذكر، الذي كتب مؤلّفاته بالعربية متبنّياً منهج الفلاسفة المسلمين في التوفيق بين العقل والنقل. واشتغل على نهجة الكثير من تلامذته اليهود من بعده.
استعار مفسّرو التوراة اليهود مناهج علماء التفسير المسلمين في شرح النصوص المقدّسة. وفي مقدّمة هؤلاء المفسّرين ظهر {سعديا گاؤون} الذي ترجم التوراة إلى العربية متأثّراً بأساليب الترجمة العربية للقرآن الكريم. بعد {سعديا گاؤون} تتابع المفسّرون اليهود على نهجه في استخدام قواعد اللّغة العربية وأصول التفسير المسلمة. فساهموا كذلك في مدارس النحو العربية.
نقل علماء اليهود العرب المصطلحات الفلسفية المسلمة إلى العبرية. على سبيل المثال استخدم {ابن ميمون} مصطلحات {الفارابي} و{ابن سينا} في كتاباته العبرية. من طريق هذا النقل أسهم اليهود العرب في تطوير لغة فلسفية عبرية جديدة مبنية على أسس مسلمة.
وتبنّى شعراء اليهود العرب الأوزان الشعرية العربية في نظم الشعر العبري. ومع هذا التبني ازدهر الشعر العبري الأندلسي على يد شعراء مثل {يهودا هاليفي} و{سليمان بن گبيرول}. وعلى نمط القصيدة العربية نظم هؤلاء الشعراء قصائد في المديح والرثاء والغزل.
كتب علماء اليهود مؤلّفاتهم في الطبّ والفلك والرياضيات باللّغة العربية، يرون أنفسهم جزء من الإثنية العربية. وبفضل هذه الكتابات نقلوا العلوم المسلمة إلى المجتمعات اليهودية في أوروپا. واستمرت هذه الحركة العلمية اليهودية العربية نشطة في الأندلس ومصر والعراق لقرون عديدة.
طوّر اليهود العرب فنّاً معمارياً متميّزاً في بناء المعابد اليهودية مستوحى من العمارة المسلمة. وعلى جدران هذه المعابد ظهرت زخارف هندسية ونباتية تشبه زخارف المساجد دون فرق. وداخل المعابد برزت أعمال الخطّ العبري المزخرف على نمط الخطّ العربي.

يرى لويس في كتابه التراث اليهودي جزءاً متمايز الهوية عن التراث المسلم برغم تأثّره العميق به. ويشرح تأثّر اليهود العرب بالتراث المسلم في الفلسفة والأدب والعمارة والفنون، لكنّه يؤكّد احتفاظهم بخصوصيّتهم الدينية والمجتمعية. وينطلق لويس من فكرة أساسيّة مفادها استفادة اليهود من التراث المسلم مع الحفاظ على هويّتهم المستقلّة. ويستدلّ على هذا بكتابات {موسى بن ميمون} الذي استخدم أدوات الفلسفة المسلمة لشرح العقيدة اليهودية دون تغيير جوهرها.
يفسّر لويس تأثّر اليهود بالتراث المسلم بطبيعة المجتمع المسلم المتعدّد الأديان. سمح هذا التعدّد للأقلّيات الدينية بالتفاعل مع التراث المسلم دون ضغوط للاندماج الكامل. فتطور مجتمع يهودي متميّز، استفاد من العلوم والفنون المسلمة مع الاحتفاظ بتراثه الخاص. ويعود لويس إلى النصوص التاريخية ليبيّن استقلال التراث اليهودي. ويذكر احتفاظ اليهود بمدارسهم الدينية ولغتهم العبرية وشعائرهم الخاصّة. ويصف كيف طوّروا تراثهم الفكري والأدبي باستخدام أدوات مسلمة، لكن بمضمون يهودي.
يخلص لويس إلى أنّ العلاقة بين التراثين علاقة تأثّر وليست علاقة اندماج. فالتراث اليهودي العربي تراث مستقلّ، استفاد من التراث المسلم دون أن يصبح جزءاً منه. ويمثّل هذا نموذجاً فريداً للتفاعل الثقافي بين الأغلبية والأقلّية في العصور الوسطى. ويؤكّد لويس استحالة تطوّر التراث اليهودي بشكله المعاصر بمعزل عن التفاعل مع التراث المسلم. إذ أثّر هذا التفاعل في جوهر التراث اليهودي وشكله على مدى قرون طويلة. وساعد النظام المسلم المتسامح في ازدهار المدارس الفكرية اليهودية، فأنتجت تراثاً فلسفيّاً ودينيّاً متميّزاً.
بدأ تأثّر المفكّرين اليهود بالفلسفة المسلمة في بغداد العباسية والقاهرة الفاطمية. حين نقل {سعديا گاؤون} مناهج التفسير المسلمة إلى النصوص العبرية. وطوّر {موسى بن ميمون} فلسفة يهودية جديدة على أسس مسلمة. وكتب المفكّرون اليهود مؤلّفاتهم باللغة العربية، فنقلوا التراث المسلم إلى المجتمعات اليهودية.
تحوّلت اللّغة «العبرية السفاردية» على يد الشعراء اليهود في الأندلس المسلمة. فتبنّى هؤلاء الشعراء أوزان {الخليل بن أحمد الفراهيدي} العربية في الشعر العبري. وأدخلوا المصطلحات العربية إلى اللّغة العبرية. وصاغوا لغة أدبية عبرية جديدة على أسس عربيّة، صارت تسمّى «النطق السفاردي للعبرية». وتعكس العبرية السفاردية تأثّر اليهود بالتراث العربي الأندلسي الرفيع.

بالخلاصة
يخلص لويس إلى تأثير التراث المسلم العميق في تشكيل التراث اليهودي المعاصر، وهو ما دفعه لتسميته «يهودية الإسلام» أو «اليهودية المسلمة». وشمل هذا التأثير اللّغة والفكر والأدب والفن والعمارة. وأسهمت البيئة المسلمة المتسامحة في تطوّر تراث يهودي متميّز، استوعب عناصر التراث المسلم مع الحفاظ على خصوصيّته الدينية.
يصف لويس في كتابه نظرة اليهود المتأصّلة لأوطانهم المسلمة، فأدركوا انتماءهم لأراضي عاشوا فيها قروناً طويلة. وارتبط يهود مصر الفاطمية بوطنهم المصري ارتباطاً متجذّراً في الوجدان والمصلحة المشتركة. وسعوا للمشاركة في بناء وطنهم وتطويره، فتولّوا مناصب مهمّة في الدواوين (الوزارات) وأسهموا في إدارة التجارة البحرية مع بلاد الهند والصين. وأسّس الفقهاء والعلماء اليهود مدارسهم في القاهرة والفسطاط، فأسهموا في بناء نهضة علمية وفكرية مشتركة.
إلى حدّ ما، كانت علاقة الفقهاء اليهود بالفقه الإسلامي بما يشبه علاقة «العهد الجديد» بـ«العهد القديم» في المسيحية الكاثوليكية. فلا يتحرّج فقهاء الإسلام عن الاستعانة بمرجعية يهودية لبحث قضيّة شرعية مسلمة، والعكس صحيح.
برز انتماء يهود الأندلس لأرضهم الأندلسية في كتاباتهم وأشعارهم. فدافعوا عن مدنهم أمام الغزو المسيحي، وشاركوا في المعارك دفاعاً عن وطنهم المسلم. وعبّروا عن حبّهم للأندلس في قصائدهم العربية والعبرية. وطور الفلاسفة والعلماء اليهود تراثاً فكرياً مشتركاً جمع بين العلوم المسلمة والتراث اليهودي، إلى درجة أنّ من ممالك طوائف الأندلس حكومات رأت اليهودية مذهباً من مذاهب الإسلام، على مستوى المذاهب المسلمة المتنوّعة في ظلّ ممالك الأندلس… وهذه كانت نظرة الممالك المسيحية لليهودية في نفس الحقبة.
ذابت الحواجز بين اليهود والمسلمين في بغداد العبّاسية، فأسّس العلماء اليهود مدارسهم العلمية في قلب العاصمة. وكتب المفكّرون اليهود مؤلّفاتهم باللغة العربية، ليشاركوا في بناء حضارة عربية مشتركة. وترجم العلماء اليهود المؤلّفات المسلمة إلى العبرية، فنقلوا العلوم المسلمة إلى المجتمعات اليهودية في المشرق والمغرب.
رسّخ السلاطين العثمانيّون مكانة اليهود في الدولة العثمانية، فمنحوهم حرّية دينية واسعة وامتيازات اقتصادية. وساهم اليهود في تنشيط التجارة بين أوروپا وآسيا، فأداروا شبكات تجارية واسعة امتدّت من القسطنطينية إلى البندقية. وصنعوا المنسوجات والمجوهرات في مدن سالونيك وإزمير، فأسهموا في ازدهار الاقتصاد العثماني.
يستخلص لويس من هذه الأمثلة التاريخية رؤية اليهود لأنفسهم كمواطنين أصلاء في دولهم المسلمة. عاشوا قروناً طويلة متجذّرين في أوطانهم، يشاركون في بناء حضارتها وازدهارها. واحتفظوا بهويّتهم الدينية المتميّزة مع انتمائهم العميق لأرضهم ومجتمعهم. وبنوا تراثاً مشتركاً جمع بين خصوصيّتهم اليهودية وانتمائهم لأوطانهم المسلمة.
ينتهي الكتاب إلى نتيجة مفادها أنّ العلاقة بين المسلمين واليهود لم تكن علاقة اضطهاد ولا علاقة مثاليّة، بل علاقة عيش مشترك واقعي فرضتها طبيعة المجتمع المسلم متعدّد الأديان. نجح المجتمع المسلم في استيعاب اليهود ضمن نظام اجتماعي متماسك، مع احتفاظهم بخصوصيّتهم الدينية والمجتمعية. وأثمر هذا التعايش نموذجاً فريداً للعلاقة بين الأغلبية والأقلّية، تجاوز النظرة التقليدية للأقليات الدينية في العصور الوسطى.
تمخّضت هذه العلاقة عن ظواهر إيجابية، كإسهام اليهود في الحياة الاقتصادية والفكرية للمجتمع المسلم دون ذوبان هويّتهم الدينية. وبرزت النتيجة الأهمّ في تطوّر الفكر اليهودي نفسه عبر تفاعله مع الفكر المسلم، فتبنّى اليهود المناهج الفكرية والفلسفية المسلمة في تفسير نصوصهم الدينية.
تكشف هذه النتائج أنّ نموذج التواصل المسلم اليهودي القديم يطرح بديلاً عن النماذج الحديثة في التعامل مع التنوّع الديني، بعيداً عن فكرتي الانصهار الكامل أو الانعزال التام. ويعزّز هذا الاستنتاج فهماً أعمق للعلاقات المسلمة اليهودية المعاصرة، ويفتح آفاقاً جديدة لتجاوز التوترات الراهنة بين المجتمعين.





اترك رد