رسمة أمس السبت رسمتها على مدرسة منمنمات الحبّ البخاريّة. في الواقع حاولت تقليد إحدى منمنمات المعلّم البخاري جَهانگِير أشُروڤ Jahongir Ashurov، لكنّني استخدمت الألوان المائية مخالفاً لتقاليد المنمنمات التي تشترط استخدام الحبر. واللّوحة الأصلية في التعليقات.

غالباً ما تجسّد المنمنمات البخاريّة قصص الحبّ وقصائدها الشعريّة. والإطار عنصر أساسيّ في منمنمات بخارى، فهو المشهد. هو تحديد بداية ونهاية الحكاية، وتمكين حفنة الكلمات التي يريد الراسم أن تصل إليك، بلا زيادة أو نقصان. إذ أنّ الفوضى على عداوة مع أفكار البخاريّ، ولا تليق بها. الإطار في منمنمات بخارى هو أداة إشارة. وبقيت عناصر الحبّ الرومنسية وألوانها في منمنمات البخارية هي ذاتها طوال ثلاثة آلاف سنة على الأقل، وراثة عن الفلسفة السومريّة والمنمنمات البابليّة. ودائماً ما نعثر على زهرة الرمّان في المنمنمة، سواء بثمارها أو زهورها، أو حتّى في نقش على ثوب الحبيبة. زهرة الرمّان وحبّات الرمّان هي تغزّل الحبيب بالحبيبة، وقلب الحبيبة رمّانة صدرها تمنحها للحبيب، فلا ينبض لها قلب إلا في قلب قلبه.
كثيراً ما نتبادل في أحاديثنا باللّغات المختلفة كلمات الحبّ. في العربيّة؛ الحبّ كلمة أساسيّة وثابتة في الكثير من الحوارات. فالرأي مبنيّ على حبّ الشيء أو عدم محبّته… أحببت الطعام وما أحببته، أحببت رأيك وما أحببته. وقد أحبّ الرأي لمحبّتي لصاحبه بغضّ النّظر عن فحوى الرأي نفسه… نحن منقادون بالحبّ، لغة وفكراً، شئنا أم أبينا. كلّ أفكارنا وآراءنا مسبوكة في قالب من الحبّ، أو خارج القالب تماماً في اللا-حبّ. وإذا أحببنا بعضنا قبلنا بوجودنا معاً في أيّ وقت، وإذا ما أحببنا بعضنا صار الحوار مستحيلاً بلا سبب، إلا إذا اعتبرنا اللا-حبّ سبب.
في اللّغة العربيّة لا يعارض الكره الحبّ، فعاطفة الكره صنف هي الأخرى من الحبّ. أمّا نقيض الحبّ فهو اللا-حبّ، وهذا اللا-حبّ هو اللا مبالاة، عدم الاكتراث. عدم وجود مشاعر على الإطلاق.
كلمة حُبّ تتفرّد بها العربيّة بشكلها عن كلّ لغات العالم. إذ تبدأ بصوت يخرج مع النفس من الحلق لا على اللّسان، وفي صوتها تشعر الحضن والحنان والإحاطة. حُبّ في الواقع هي صيغة جمع مفردها حِبّ، بكسرة تحت الحاء. والحِبّ في المعاجم هو المُحِبّ؛ اسم فاعل والصفة منها المحبوب؛ المفعول به أو لأجله، وهي كذلك من معاني الحِبّ. والحِبّ كذلك البزور البرّيّة، أي التوابل العشبيّة والبقل الذي يُستعمل في الطبخ لتنكيه الطعام وتعطيره… ولا أجد المعنى غريباً عن معنى الحِبّ في حياة الناس إذ يعطّر حياة المُحِبّ والمحبوب على السواء، ويضفي عليها نكهة وقيمة… ذات المعنى الجميل سمعته من أهل الزيتون في إدلب السورية، إذ يقولون أنّ الشجرة التي ما هزّها هوى تستاهل القطع والكبّ.
نحن ننجز أعمالنا عن حبّ، تماماً كما أنجز بحوثي ودراساتي لأنّي أحبّ الموضوع وأحبّ البحث فيه، والخروج بتفاصيله، كما أحبّ تقديمه للناس بكلّ حبّ. ولو غاب هذا الحبّ غاب عملي وانعدم وجوده.





اترك رد