يبرز الإسلام ديناً عالميّاً يمتدّ أثره الجغرافيّ في دول متعدّدة حول العالم، ويتبنّاه مئات الملايين من البشر توجّهاً روحيّاً ومنهاجاً لتنظيم شؤون الحياة. وينظر المراقب غير المسلم إلى هذا الدّين أحياناً كتلة صلبة موحّدة، ويغفل عن التّنوّع الفكريّ والتّشريعيّ العميق الّذي يميّز بنيته الدّاخليّة.
يمثّل غياب النّبيّ محمّد، مؤسّس الدّين، الحدث المفصليّ الّذي ولّد نقاشات حادّة حول هويّة الشّخص الّذي سيخلفه في إدارة شؤون الأمّة الإسلاميّة النّاشئة. فأفرزت هذه النّقاشات السّياسيّة في بداياتها مسارات فكريّةً ومدارس فقهيّةً متنوّعةً، تطوّرت لاحقاً لتشكّل مذاهب دينيّةً مكتملة الأركان. منفصلة الأصص عن أخواتها.
تتّفق هذه المذاهب في الأصول الكبرى مثل الإيمان بوحدانيّة الله البارئ والتّصديق بنبوّة محمّد، وتختلف اختلافاً جذريّاً في طرائق فهم النّصوص الدّينيّة وتفسيرها، ممّا أنتج تبايناً واضحاً في أسلوب حياة أتباعها وتوجّهاتهم السّياسيّة والاجتماعيّة وقاعدها الشرعية.
ولمّا كان الخلاف الأوّل سياسيّ فقد استندت أغلب تبريرات التمذهب الشرعية على طبيعة وصفات الحاكم وكيفيّة اختياره. ولاحقاً على روايات ومظلوميّات تبرّر الخلاف على طبيعة الحاكم وصفاته، وطبيعة الحكم وحدوده. ثمّ، وبالاستقلال السياسي، برّرت قيادات المذاهب لمحاكمها التعديل التشريعي ضمن وحداتها الإدارية؛ دون الالتزام بمقرّرات الخلافة المركزية، فتمايزت معايير المذاهب أكثر فأكثر.

مدخل
تتوزّع الخارطة الإسلاميّة المعاصرة على ثلاث قوى مذهبيّة رئيسة، أثّرت تأثيراً بالغاً في صياغة التّاريخ وبناء الدّول، وهي المذهب السّنّيّ، والمذهب الشّيعيّ، والمذهب الإباضيّ. وتتجاوز الخلافات بين هذه المدارس حدود التّاريخ القديم لتتدخّل تدخّلاً مباشراً في تفاصيل الحياة اليوميّة المعاصرة. وتتمركز هذه التّباينات في ثلاثة محاور أساسيّة تصوغ شكل المجتمعات الإسلاميّة اليوم.
يناقش المحور الأوّل نظريّات الحكم ومواصفات القائد السّياسيّ والدّينيّ. يحدّد المحور الثّاني المصادر المعتمدة لاستنباط الأحكام الشّرعيّة الّتي تسيّر المعاملات البشريّة. يختصّ المحور الثّالث بالمسائل العقائديّة ونظرة الإنسان للغيبيّات ومآل الأرواح بعد الموت. وتتفرّع من هذه المحاور قوانين دقيقة تخصّ بناء الأسرة، وتوزيع الثّروات، وتحديد علاقة المواطن بالسّلطة الحاكمة.
| وجه المقارنة | المذهب السنّيّ | المذهب الشيعيّ | المذهب الإباضيّ |
| كيفيّة اختيار الحاكم | اختيار بالشورى والبيعة | منصب إلهيّ في نسل محدّد | اختيار بالكفاءة والتقوى |
| صفات الحاكم | بشر يخطئ ويصيب | إمام معصوم من الخطأ | حاكم يمكن عزله متى أخطأ |
| المصادر الحديثيّة | مرويّات الصحابة الموثّقة | مرويّات الأئمّة وأهل البيت | سلاسل رواة خاصّة بالمذهب |
| رؤية الله | ممكنة يوم القيامة | مستحيلة | مستحيلة |
| مرتكب الكبيرة | أمره إلى الله البارئ | أمره إلى الله البارئ | مخلّد في النار متى مات بلا توبة |

مسألة الحكم وإدارة الدّولة
تشكّل آليّة اختيار الحاكم السّياسيّ والدّينيّ النّقطة الخلافيّة الأولى والأعمق بين المذاهب الإسلاميّة. إذ تولّدت هذه المسألة فور فراغ مقعد القيادة بوفاة النّبيّ محمّد، وتطوّرت النّظريّات حولها لتصبح جزءاً أصيلاً من العقيدة.
الرّؤية السّنّيّة: الشّورى والاختيار البشريّ
يؤكّد أهل السّنّة والجماعة أحقّيّة أبي بكر الصّدّيق، أحد أبرز صحابة النّبيّ، بتولّي مقاليد الخلافة الأولى، ويقرّون أهليّة الخلفاء الرّاشدين الأربعة وتسلسل تولّيهم الحكم وفقاً للتّرتيب التّاريخيّ المعروف. وينظر هذا المذهب إلى اختيار الحاكم عمليّة بشريّة تستوجب الشّورى وتبادل الآراء بين أهل الحلّ والعقد، وهم وجهاء المجتمع وعلماؤه، لتنتهي بتقديم البيعة للخليفة المختار.
يرفض المذهب السّنّيّ رفضاً قاطعاً إضفاء صفة العصمة على الحاكم السّياسيّ أو الدّينيّ، ويحصر العصمة المطلقة في الأنبياء والرّسل فقط. إذ يخطئ الحاكم ويصيب كأيّ إنسان عاديّ، ويخضع للمحاسبة والنّصح من قبل رعيّته وعلماء الدّين في مجتمعه.
الرّؤية الشّيعيّة: التّنصيص الإلهيّ والعصمة المطلقة
يرفض المذهب الشّيعيّ مبدأ الشّورى في اختيار القائد الأعلى للأمّة، ويؤمن إيماناً راسخاً بأحقّيّة عليّ بن أبي طالب وتسلّسل نسله في تولّي منصب الإمامة من باب الوراثة. كما يرى الشّيعة هذا المنصب استحقاقاً إلهيّاً منصوصاً عليه مسبقاً، وليس شأناً سياسيّاً متروكاً لاختيار الجماهير أو اتّفاق النّخب.
تمثّل الإمامة في الفكر الشّيعيّ أصلاً ثابتاً من أصول الدّين الأساسيّة الّتي لا يكتمل إيمان الفرد إلّا بالاعتقاد الجازم بها. ويتلازم منصب الإمامة مع شرط العصمة، فالإمام الشّيعيّ معصوم عصمةً كاملةً من ارتكاب الأخطاء والزّلل والذّنوب، ويحمل تفويضاً حصريّاً بتفسير النّصوص الدّينيّة توجيهاً دقيقاً لا يحتمل النّقص أو التّأويل الخاطئ.
الرّؤية الإباضيّة: الكفاءة الإداريّة والمحاسبة الصّارمة
يبرز المذهب الإباضيّ، الّذي يمثّل امتداداً فكريّاً معتدلاً لمدرسة الخوارج التّاريخيّة الأولى، برؤية عمليّة صارمة في مسألة الحكم. ويشترط الإباضيّة في الإمام الكفاءة العالية، والتّقوى الخالصة، والصّلاح المشهود له، ويرفضون حصر منصب الإمامة في نسب معيّن مثل هاشمية قبيلة قريش أو نسل عليّ بن أبي طالب.
يمثّل الحاكم في هذا المذهب موظّفاً رفيع المستوى مكلّفاً بتطبيق أحكام الشّريعة الإسلاميّة وإدارة شؤون النّاس بالعدل. ويبيح الإباضيّة عزل الإمام العادل والمطالبة بتنحيته متى غيّر أو بدّل في قوانين الشّريعة الثّابتة أو انحرف انحرافاً واضحاً عن جادّة الصّواب ومصلحة الأمّة.

اختيار الحاكم: تباين واضح
- يختار أهل الحلّ والعقد الحاكم في المذهب السنّيّ بعمليّة تعتمد الشّورى وتبادل الآراء بين وجهاء المجتمع وعلمائه، لتنتهي بتقديم البيعة للخليفة المختار، ليكون الاختيار عملاً بشريّاً خالصاً.
- يرفض المذهب الشّيعيّ مبدأ الاختيار البشريّ للإمام الأوّل، ويرى هذا المنصب استحقاقاً إلهيّاً منصوصاً عليه مسبقاً، ويكون محصوراً في عليّ بن أبي طالب وتسلسل نسله، ويتولّى الوليّ الفقيه إدارة شؤون الدّولة عوضاً عن الإمام الغائب في العصر الحديث.
- يتّجه المذهب الإباضيّ إلى جعل مسؤوليّة الاختيار بيد وجهاء المجتمع وعلمائه اعتماداً على معايير الكفاءة والتّقوى والصّلاح المطلق، ويرفض حصر الإمامة في نسب معيّن أو قبيلة محدّدة، ويوجب عزل الإمام فوراً متى خالف أحكام الشّريعة الإسلاميّة أو مال عن الحقّ.

مصادر التّشريع واستنباط الأحكام الفقهيّة
تنتقل الخلافات من أروقة السّياسة ونظريّات الحكم إلى آليّات استنباط الأحكام الشّرعيّة. تصيغ مصادر التّشريع تفاصيل الحياة اليوميّة للمسلم وتوجّه تصرّفاته.
وبرغم اعتماد جميع مذاهب المسلمين على نصوص القرآن مصدر أساسي للتشريع. لكن، يختلف علماء المذاهب الإسلاميّة اختلافاً جذريّاً حول هويّة مفسّري القرآن الكريم والجهات الّتي تمتلك الصّلاحيّة المطلقة لتأويل النّصوص وتحديد معانيها. وينبع هذا الخلاف من التّباين الأساسيّ في مصادر التّشريع ومفهوم السّلطة الدّينيّة الّذي تأسّس عليه كلّ مذهب، ممّا يوجّه مسار الفهم الفقهيّ والعقائديّ توجيهاً كاملاً، ويصيغ نظرة أتباع كلّ مدرسة إلى النّصّ المقدّس.
الأصول السّنّيّة في التّشريع: الصّحابة وعلماء اللّغة
يستند المذهب السّنّيّ في استنباط كافّة الأحكام إلى مصدرين أساسيّين: القرآن الكريم، والسّنّة النّبويّة المرويّة بوضوح عن طريق صحابة النّبيّ محمّد الّذين عاصروه. ويؤمن أتباع هذا المذهب بصحّة الأحاديث والمرويّات الواردة في الكتب المعتمدة، وعلى رأسها كتب الصُّحّاح مثل صحيح البخاريّ وصحيح مسلم.
يحدّد المذهب السّنّيّ هويّة مفسّري القرآن وفق تراتبيّة زمنيّة وعلميّة دقيقة. ويتصدّر النّبيّ محمّد قائمة المفسّريّن، يليه مباشرةً أصحابه الّذين عاصروه وشهدوا نزول الوحي وعرفوا أسباب نزول الآيات. كما يمثّل الصّحابة، مثل عبد الله بن عبّاس وعبد الله بن مسعود، المرجعيّة البشريّة الأولى في التّفسير، ويأتي بعدهم جيل التّابعين.
يفتح الفقه السّنّيّ باب التّفسير لاحقاً لكلّ عالم تتوفّر فيه شروط علميّة صارمة، مثل الإلمام العميق بقواعد اللّغة العربيّة، وعلوم الحديث، وأصول الفقه. ويرفض المذهب السّنّيّ إضفاء صفة العصمة على المفسّرين من البشر بعد النّبيّ، ويخضع تفاسيرهم للنّقد والتّصحيح والمقارنة وفقاً لقواعد الاستنباط اللّغويّ والشّرعيّ.
يتفرّع من هذا المذهب أربع مدارس فقهيّة رئيسة مستقرّة، وهي المدرسة الحنفيّة، والمدرسة المالكيّة، والمدرسة الشّافعيّة، والمدرسة الحنبليّة. وتتّفق هذه المدارس الأربع اتّفاقاً تامّاً في الأصول العقائديّة الكبرى، وتظهر بينها اختلافات طبيعيّة يسيرة في الفروع الفقهيّة وبعض تفاصيل العبادات.
التّشريع في الفكر الشّيعيّ: الأئمّة المعصومون
تختلف مصادر التّشريع الشّيعيّة اختلافاً جذريّاً عن نظيرتها السّنّيّة. إذ يعتمد الشّيعة في أخذ أحكامهم الشّرعيّة وتوجيهاتهم الدّينيّة على الأحاديث والرّوايات المنقولة حصريّاً عن أئمّتهم المعصومين من أهل بيت النّبيّ محمّد. ويرفض المذهب الشّيعيّ الكثير من المرويّات الواردة عن بعض الصّحابة لوجود مواقف سياسيّة تاريخيّة بينهم وعليّ بن أبي طالب.
يحصر المذهب الشّيعيّ الإماميّ حقّ التّفسير المطلق والتّأويل العميق للقرآن في النّبيّ محمّد والأئمّة المعصومين من أهل بيته حصراً. ويعتقد الشّيعة بوجود مستويات متعدّدة للنّصّ القرآنيّ، ظاهرة وباطنة، ويؤمنون بعجز العقل البشريّ العاديّ عن إدراك المعاني الباطنيّة إدراكاً كاملاً دون توجيه إلهيّ. فيصبح الإمام المعصوم، بدءاً من عليّ بن أبي طالب وصولاً إلى المهديّ المنتظر، المفسّر الأوحد الّذي يمتلك مفاتيح التّأويل الصّحيح الخالي من الزّلل.
ينقل علماء الشّيعة ومراجعهم تفاسير الأئمّة، ويقتصر دورهم على شرح هذه المرويّات وتطبيقها على النّوازل، ولا يمتلكون حقّ الاستقلال بتفسير الآيات العقائديّة استناداً إلى اجتهادهم اللّغويّ الشّخصيّ فقط. كما يرفض هذا المذهب الأخذ بتفاسير الصّحابة الّذين ناصبوا أهل البيت العداء سياسيّاً، ممّا أخرج مكتبة تفسيريّة ضخمة ومستقلّة تماماً عن نظيرتها السّنّيّة.
أفرز هذا التّباين في المصادر اختلافات فقهيّة عميقة بين الطّرفين في صياغة العبادات، مثل إباحة بعض أنواع العقود الزّوجيّة الخاصّة، وتقديم الجمع بين الصّلاتين أصل عامّ وممارسة يوميّة معتادة، إضافةً إلى تفاصيل مميّزة في أداء حركات الصّلاة وصيغة نداء الأذان.
المنهجيّة الإباضيّة في استنباط الأحكام: علماء الاستقامة والعقلانيّة اللّغويّة
يعتمد علماء المذهب الإباضيّ منهجيّةً دقيقةً ومستقلّةً في بناء أحكامهم. فيعودون إلى القرآن الكريم مرجع أوّل، ويعتمدون على سلاسل رواة خاصّة بهم لنقل الأحاديث النّبويّة. ويمثّل {مسند الرّبيع بن حبيب} كتاب الحديث الأهمّ والأوثق في هذا المذهب، ويحوي مرويّات تتوافق مع التّوجّهات الأصوليّة والفقهيّة للإباضيّة.
يبني المذهب الإباضيّ منهجيّته التّفسيريّة على إعمال العقل والالتزام الصّارم بقواعد اللّغة العربيّة، ويرفض التّفاسير الباطنيّة المعتمَدة في المذهب الشّيعيّ. كما يمنح الإباضيّة حقّ التّفسير لعلمائهم المجتهدين المشهود لهم بالاستقامة والكفاءة العلميّة، ويطلقون عليهم تسمية أهل الدّعوة أو أهل الاستقامة.
يرفض الإباضيّة تقديس المفسّرين أو ادّعاء عصمتهم، ويخضعون النّصوص القرآنيّة لتحليل لغويّ دقيق يتوافق مع أصولهم العقائديّة الثّابتة. ويظهر هذا المنهج جليّاً في تأويلهم للآيات الّتي توحي للمدارس الأخرى بتجسيم الذّات الإلهيّة أو إمكانيّة رؤية الله بالعين، فيوجّه علماء الإباضيّة هذه الآيات توجيهاً مجازيّاً يتوافق مع مبدأ التّنزيه المطلق للخالق. ويعتمدون في استنباطهم على مرويّاتهم الخاصّة واجتهادات أئمّتهم التّاريخيّين مثل جابر بن زيد، مع إبقاء باب الاجتهاد التّفسيريّ مفتوحاً للعلماء المتمكّنين في كلّ عصر.
نتج عن هذا الاستقلال في المصادر بروز أحكام فقهيّة تنفرد بها المدرسة الإباضيّة وتختلف تفاصيلها عمّا استقرّت عليه المدارس السّنّيّة والشّيعيّة في أبواب العبادات والمعاملات.
أثر الخلاف في التّشريع
يصنع الاختلاف في هويّة المفسّرين هوّة فقهيّة وفكريّة واضحة بين المدارس الثّلاث. إذ يتّجه السّنّة نحو الاعتماد على فهم جيل الصّحابة واللّغة العربية، ويتشبّث الشّيعة بتأويلات الأئمّة المعصومين والنّصوص الباطنيّة، وينحاز الإباضيّة إلى العقلانيّة اللّغويّة ومنهج الاستقامة المجتمعيّة. ويبرز دور المفسّر عنصر حاسم في توجيه دفّة التّشريع، ويؤدّي حصر التّفسير في جهة محدّدة أو فتحه بشروط علميّة إلى صياغة منظومات قانونيّة وعقائديّة متباينة تسيّر حياة أتباع كلّ مذهب حتّى اليوم.

التّأثيرات المعاصرة في الحياة اليوميّة والأسرة
يولّد التّباين في مصادر التّشريع أحكاماً شرعيّةً تطبّق فعليّاً في المحاكم المدنيّة المعاصرة وتؤثّر تأثيراً مباشراً في بناء الأسرة وتوزيع الثّروات الفرديّة والمجتمعيّة.
تباين أحكام الزّواج وبناء الأسرة
تظهر الاختلافات الفقهيّة بوضوح شديد في شروط تأسيس الرّوابط الأسريّة. إذ يوجب المذهب السّنّيّ حضور الشّهود العدول شرط أساسيّ لصحّة إتمام عقد الزّواج، ويرفض تماماً أيّ صيغة زواج مؤقّتة ومحدّدة بمدّة زمنيّة سلفاً، مستنداً إلى نصوص تحرّم هذا النّوع من الزّيجات تحريماً أبديّاً قاطعاً. فشرط الزواج الأوّل عند السنّة هو إشهار الزواج.
يبيح المذهب الشّيعيّ الإماميّ في المقابل ما يُعرف بزواج المتعة، وهو عقد زواج يُتّفق فيه مسبقاً على مدّة زمنيّة محدّدة ينتهي العقد بانقضائها، ومهر معلوم يُدفع للزّوجة. ويعتمد الشّيعة في إباحة هذا العقد على روايات خاصّة بأئمّتهم وتفسيرات محدّدة لبعض الآيات القرآنيّة. ولا يشترط الفقه الشّيعيّ الإماميّ حضور الشّهود لصحّة عقد الزّواج نفسه، ويوجب حضورهم عند الرّغبة في إيقاع الطّلاق حصراً. فالإشهار عند الشيعة من شروط الطلاق فقط.
يتّفق المذهب الإباضيّ في هذا الباب مع توجّهات المذهب السّنّيّ اتّفاقاً كاملاً، فيرفض زواج المتعة المؤقّت ويحرّمه، ويشترط حضور الشّهود ركيزة أساسيّة لإتمام عقد الزّواج الصّحيح المعترف به. فشرط الزواج الأوّل عند الإباضيّين هو إشهار الزواج.
| وجه المقارنة | المذهب السنّيّ | المذهب الشيعيّ الإماميّ | المذهب الإباضيّ |
| شروط عقد الزواج | إشهار الزواج بحضور شهود عدول شرط أساسيّ | لا يشترط حضور الشهود لإتمام العقد نفسه | إشهار الزواج بحضور شهود ركيزة أساسيّة |
| زواج المتعة (المؤقّت) | مرفوض ومحرّم تحريماً أبديّاً قاطعاً | مباح (لمدّة زمنيّة محدّدة ومهر معلوم) | مرفوض ومحرّم |
| شروط الطلاق | – | حضور الشهود (الإشهار) شرط حصريّ لإيقاع الطلاق | – |
| مبدأ التعصيب في المواريث | يطبّق (إعطاء ما تبقّى للعصبة من الذكور بعد أصحاب الفروض) | مرفوض مطلقاً (تقسيم الورثة لطبقات تحجب كلّ طبقة ما دونها) | يطبّق (بمقاربة للتفصيل السنّيّ لحفظ حقوق العائلة الممتدّة) |
| مثال عمليّ للميراث (تركة لبنت وأخ) | ترث البنت ربعاً واحداً، ويرث الأخ ثلاثة أرباع | ترث البنت التركة كاملة (نصفاً بالفرض ونصفاً بالردّ)، ولا يرث الأخ شيئاً | توريث البنت، وإعطاء الأخ ما تبقّى من التركة |
الاختلاف الجذريّ في قوانين المواريث
تتجلّى الفروق المذهبيّة في أعقد صورها عند تطبيق قوانين المواريث وتوزيع تركة الشّخص المتوفّى بين أقاربه.
إذ يطبّق المذهب السّنّيّ مبدأً فقهيّاً يُعرف بـ {التّعصيب}. وينصّ هذا المبدأ على إعطاء ما تبقّى من الثّروة أو التّركة للعصبة من الذّكور كالأخ أو العمّ أو ابن العمّ، بعد أن يأخذ أصحاب الفروض أنصبتهم المحدّدة شرعاً. ويمكن توضيح ذلك في مثال عمليّ: فلو توفّى شخص وترك بنتاً واحدةً وأخاً، ترث البنت نصف التّركة فرضاً، ويأخذ الأخ النّصف الباقي كاملاً عن طريق التّعصيب إضافة على حصّته. أي يرث الذكر هنا ثلاثة من الأرباع، في حين ترث البنت ربعاً واحداً.
يرفض المذهب الشّيعيّ مبدأ التّعصيب بالكلّيّة رفضاً مطلقاً. إذ يقسّم الفقه الشّيعيّ الورثة إلى طبقات متدرّجة في القرابة، وتحجب كلّ طبقة عليا الطّبقة الّتي تدنوها حَجْباً تامّاً. وبتطبيق المثال السّابق ذاته في المحاكم الجعفريّة الشّيعيّة: ترث البنت النّصف فرضاً، وتأخذ النّصف المتبقّي بما يُعرف بـ {الرّدّ}، ولا يرث الأخ أيّ جزء من التّركة إطلاقاً لوجود البنت الّتي تسبقه في درجات القرابة وتمنعه من الميراث.
يأخذ المذهب الإباضيّ في باب المواريث بمبدأ التّعصيب برؤية تقارب التّفصيل السّنّيّ، ويورّث العصبة من الذّكور ما تبقّى من التّركة بعد أصحاب الفروض لحفظ حقوق العائلة الممتدّة.

المسائل العقائديّة ونظرة الإنسان للغيبيّات
تنتقل الفروق من التّشريعات العمليّة لتشمل الجوانب العقائديّة المجرّدة المتعلّقة بصفات الله البارئ ومآل العباد في الحياة الآخرة، وهي قضايا تصيغ الفكر الباطنيّ واعتقاد الفرد القلبيّ.
تبدو المسائل العقائديّة للوهلة الأولى قضايا نظريّة محصورة في بطون الكتب، ولكنّها تصيغ فعليّاً نفسيّة الفرد وسلوكه اليوميّ ونظرته للحياة والموت. إذ تبني هذه الاعتقادات إطاراً مرجعيّاً يوجّه أفعال الإنسان، وتحدّد طريقة تفاعله مع النّصوص المقدّسة، وتضبط مقياس المحاسبة الذّاتيّة لديه.
الرّؤية البصريّة لله وخلق النّصوص المقدّسة
يعتقد أتباع المذهب السّنّيّ بإمكانيّة رؤية الله بصريّاً يوم القيامة أعلى مراتب النّعيم للمؤمنين في الجنّة. ويؤكّدون بصرامة عقائديّة كون القرآن الكريم كلام الله المنزّل غير المخلوق، ويفصلون تماماً بين الخالق وكلامه الذّاتيّ.
ينفي المذهب الإباضيّ إمكانيّة رؤية الله بالعين المجرّدة في الآخرة نفياً قاطعاً، وينزّهون الخالق عن الجهة والمكان، ويؤوّلون النّصوص الّتي تشير إلى الرّؤية تأويلاً مجازيّاً. كما يصرّح الإباضيّة بوضوح بخلق القرآن الكريم وكونه إحدى مخلوقات الله الّتي أوجدها لنقل رسالته. ويشارك الشّيعة المذهب الإباضيّ في نفي الرّؤية البصريّة لله يوم القيامة وتأويل نصوصها، ويضيفون مفاهيم عقائديّةً خاصّةً كالتّقيّة وإخفاء المعتقد عند الخوف من الضّرر.
يولّد إيمان المذهب السنّيّ بإمكانيّة رؤية الله يوم القيامة دافعاً عاطفيّاً وروحيّاً كبيراً. فيسعى المسلم السنّيّ للوصول إلى هذه المنزلة العالية، لتكون أعلى مراتب النّعيم، ممّا يدفعه للإكثار من النّوافل والعبادات طمعاً في هذا الجزاء. وفي المقابل، يبني نفي الرّؤية عند الإباضيّة والشّيعة عقيدة ترتكز على التّنزيه المطلق. ويوجّه هذا التّنزيه المسلم نحو علاقة روحيّة بالخالق، وترتفع لديه قيمة طاعة الله لذاته لا لانتظار جزاء بصريّ، ممّا يعزّز الجانب العقليّ والفلسفيّ في فهمه للنّصوص وتعامله مع الغيبيّات.
المصير الأبديّ لمرتكب الكبيرة
تختلف المذاهب في الحكم الأخرويّ على الشّخص الّذي يرتكب ذنباً عظيماً ويموت دون توبة. إذ يترك المذهب السّنّيّ أمر مرتكب الكبيرة لمشيئة الله البارئ ورحمته، فيعذّبه إن شاء أو يغفر له ويدخله الجنّة، ولا يخلّده في نيران جهنّم استناداً إلى إيمانه التّوحيديّ الأساسيّ. ويتّفق المذهب الشّيعيّ في خطوطه العامّة مع هذا التّوجّه، ويربطون النّجاة أحياناً بشفاعة الأئمّة.
يتفرّد المذهب الإباضيّ بحكم صارم في هذه المسألة العقائديّة. إذ يحكم الإباضيّة بتخليد مرتكب الذّنب الكبير في النّار تخليداً أبديّاً إذا مات دون إعلان توبة نصوح في حياته الدّنيويّة، ويرون تناقضاً بين ارتكاب كبائر الذّنوب واستحقاق الجنّة دون ندم وتراجع حقيقيّ.
يحدّد الحكم الأخرويّ لمرتكب الكبيرة شكل السّلوك اليوميّ ومستوى الانضباط داخل المجتمع. إذ يمنح المذهب السنّيّ والشيعيّ مساحة واسعة للرّجاء والاعتماد على رحمة الله وشفاعة الأنبياء والأئمّة. ويوفّر هذا الاعتقاد راحة نفسيّة للمذنب، ويحميه من اليأس، ويشجّعه على العودة للتدين حتّى لو تكرّرت أخطاؤه، وفي ذات الوقت يهيّئ بيئة تتساهل أحياناً مع بعض الزّلّات نتيجة الاعتماد المفرط على المغفرة المستقبليّة.
يفرض المذهب الإباضيّ في الجهة المقابلة حزماً أخلاقيّاً صارماً بتقرير تخليد مرتكب الكبيرة في النّار. فيزرع هذا الاعتقاد رقابة ذّاتيّة شديدة في نفس المسلم الإباضيّ، ويجعله شديد الحذر من ارتكاب المعاصي الكبرى كأكل أموال النّاس أو ممارسة الظّلم. ويدفعه هذا الخوف إلى المسارعة بإعلان التّوبة وإرجاع الحقوق لأصحابها فوراً، ممّا يحدّ من معدّلات الجريمة، وينتج مجتمعاً تسوده الانضباطيّة العالية والحرص على نقاء السّلوك الفرديّ والمجتمعيّ.
النّظرة للقرآن الكريم وحرّيّة التّأويل
يؤثّر الخلاف حول طبيعة القرآن الكريم في طريقة تفاعل المسلم مع النّصّ التّشريعيّ. إذ يضفي الاعتقاد السنّيّ بكون القرآن كلام الله غير المخلوق قداسة مطلقة على النّصّ، ويجعله متّصلاً بذات الخالق اتّصالاً مباشراً، ممّا يفسّر الحرص الشّديد على حفظه وتلاوته حرفيّا، ويميل بالفرد إلى تقديم النّقل المباشر وتجنّب التّأويل المفرط. ويدفع القول بخلق القرآن عند الإباضيّة إلى التّوسّع في التّأويل العقليّ واللّغويّ. ويتيح هذا النّهج للمسلم مساحة أوسع لفهم النّصوص فهماً يتوافق مع العقل وتجدّد المعارف، ويتجاوز الوقوف عند الحرفيّة الظّاهريّة للآيات لتنزيه الله عن مشابهة خلقه.
تبني هذه الفروق العقائديّة نماذج نفسيّة متعدّدة داخل الدّين الواحد، وتتراوح بين تغليب الرّجاء والعاطفة، وإعمال العقل والالتزام الصّارم. فالنتعرّف بكيفيّة تأثير هذه الانضباطيّة الإباضيّة الصّارمة على شكل النّظام الاقتصاديّ والتّجاريّ في المجتمعات الّتي تتبنّى هذا المذهب تاريخيّاً.

إعمال العقل والنظرة المادّية عند الإباضيّين
يتركّز الفكر الإباضيّ حول مسألة النجاة الأخرويّة، ويفرض هذا التوجّه انضباطاً صارماً يظهر أثره في كافّة تفاصيل الحياة، وعلى رأسها المعاملات الماليّة. أفرز الحكم بتخليد مرتكب الكبيرة في النار متى مات دون توبة، نموذجاً اقتصاديّاً فريداً في المجتمعات الإباضيّة تاريخيّاً، كالدولة الرستميّة في شمال إفريقيا، والشبكات التجاريّة العمانيّة في المحيط الهنديّ. وتحوّلت العقيدة من فكرة غيبيّة إلى دستور اقتصاديّ يحكم الأسواق ويوجّه حركة رؤوس الأموال.
أسّست هذه العقيدة منظومة تجاريّة تعتمد الأمانة المطلقة شرطاً للنجاة الدينيّة، وليس أداة لنجاح الأعمال فحسب. إذ يصنّف المذهب الإباضيّ الغشّ والاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل ضمن كبائر الذنوب. وبسبب مصير مرتكب الكبيرة المخلّد في النار، أصبح التاجر الإباضيّ يراقب معاملاته الماليّة برقابة ذاتيّة صارمة جدّاً. فأضاف المذهب الإباضيّ آليّة اجتماعيّة ودينيّة تعرف بالولاية والبراءة، وتفرض هذه الآليّة مقاطعة دينيّة واجتماعيّة كاملة للشخص المصرّ على ارتكاب المعاصي الماليّة. إذ تعني إدانة التاجر بخيانة الأمانة سقوط مكانته المجتمعيّة وتوقّف التعامل التجاريّ معه كلّيّاً، ممّا جعل الثقة المتبادلة العملة الأغلى في أسواق هذه المجتمعات.
أتاحت هذه الموثوقيّة العالية بناء شبكات تجاريّة عابرة للأقاليم في عصور غابت فيها القوانين التجاريّة الدوليّة والمحاكم المنظّمة. واستطاع التجّار العمانيّون بناء إمبراطوريّة تجاريّة بحريّة امتدّت من سواحل شرق إفريقيا إلى موانئ الصين وجزائر إندونيسيا، معتمدين نظام وكالات تجاريّة يرتكز على الثقة المطلقة في الوكيل.
وفي الصحراء الكبرى، مثّلت مدينة تيهرت، عاصمة الرستميّين، نقطة التقاء لتجّار القوافل من مختلف الأصقاع، وتولّى التجّار المزابيّون لاحقاً إدارة شبكات تجاريّة معقّدة في شمال إفريقيا. وبنى هؤلاء التجّار شراكات ماليّة ضخمة تعتمد الكلمة والعهد، لعلم الجميع أنّ التزام الوكيل الإباضيّ بالعقد نابع من خوفه من الخسارة الأبديّة في الآخرة قبل خوفه من الخسارة المادّيّة.
ساهمت الصرامة العقائديّة في تشكيل نمط استهلاكيّ يدعم تراكم رأس المال. إذ يحرّم المذهب الإباضيّ الإسراف والتبذير واستعراض الثروة، ويصنّفها ضمن المخالفات الدينيّة الجسيمة. ودفع هذا التحريم التجّار إلى العيش ببساطة وتواضع برغم أرباحهم الهائلة. وبدلاً من تجميد الأموال في بناء القصور أو استهلاكها في مظاهر الترف، وجّهت الفوائض الماليّة نحو الاستثمار المستمرّ وتوسيع الأنشطة التجاريّة ودعم البنية التحتيّة للمجتمع كحفر الآبار وبناء المدارس وأنظمة الرّيّ الفلجيّة. فخلق هذا السلوك دورة اقتصاديّة نشطة تضمن نموّ الثروة وبقاءها داخل دائرة الإنتاج المستمرّ.
أولى الفقه الإباضيّ اهتماماً بالغاً لتوثيق الديون وسدادها. ويصنّف المشرّعون المماطلة في أداء الدين مع القدرة على سداده خطيئة كبرى توجب التوبة الفوريّة. كما حفظ هذا التوجّه حقوق الدائنين، وسرّع دوران عجلة النقد في الأسواق، ومكّن التجّار من إقراض بعضهم البعض مبالغ طائلة دون ضمانات معقّدة، ممّا وفّر سيولة ماليّة مستمرّة تدعم استقرار الأسواق وتمنع الانهيارات الاقتصاديّة في أوقات الأزمات.
حوّلت الانضباطيّة الإباضيّة الأسواق التاريخيّة إلى ساحات لاختبار الإيمان الصادق. واندمجت الأخلاق الدينيّة مع المعاملات التجاريّة اندماجاً كاملاً، لتصنع نموذجاً اقتصاديّاً يقدّم الثقة على العقود المكتوبة، ويفضّل الاستثمار المجتمعيّ على الاستهلاك الفرديّ. هنا، يبرهن هذا الأثر البالغ كيف تستطيع عقيدة تتوعّد المخالفين بالعذاب الأبديّ أن تبني على الأرض شبكات تجاريّة آمنة وأنظمة ماليّة تتّسم بالاستدامة والعدالة.

العقيدة الشّيعيّة والنّظام السّياسيّ الإيرانيّ المعاصر
تتجاوز الفروق العقائديّة بطون الكتب لتصيغ أنظمة حكم حديثة ومؤسّسات دولة متكاملة. ويبرز النّظام السّياسيّ الإيرانيّ نموذج تطبيقيّ معقّد يعتمد كليّاً على النّظريّة الشّيعيّة الاثنا عشريّة لبناء شرعيّته السّياسيّة وإدارة شؤون مواطنيه.
نظريّة ولاية الفقيه ودمج السّلطات
تؤسّس نظريّة «ولاية الفقيه» شكل العلاقة التّراتبيّة بين النّظام الحاكم في طهران والشّعب الإيرانيّ. ويمنح هذا المبدأ الدّينيّ والمؤسّساتيّ الوليّ الفقيه سلطةً مطلقةً حاكمةً بصفته نائباً مباشراً عن الإمام المهديّ الغائب الّذي ينتظر الشّيعة عودته. كما يدمج النّظام الإيرانيّ بناءً على هذه النّظريّة السّلطتين الدّينيّة الرّوحيّة والسّياسيّة التّنفيذيّة دمجاً محكماً في شخصيّة المرشد الأعلى، جاعلاً طاعته واجباً دينيّاً صارماً يوازي تماماً طاعة الأئمّة المعصومين في الفكر الشّيعيّ الكلاسيكيّ.
تجريم المعارضة والانقسام المجتمعيّ
تستمدّ الحكومة الإيرانيّة شرعيّتها الدّستوريّة والفعليّة من التّفويض الإلهيّ المباشر للفقيه، ولا تعتمد على صناديق الاقتراع ورضا الجماهير مرجعيّة وحيدة للحكم. يصيغ هذا الاعتقاد الرّاسخ نظرة النّظام الحادّة إلى كافّة أشكال المعارضة السّياسيّة الدّاخليّة. وتتحوّل المطالبة بتغيير سياسات الدّولة أو نقد أدائها الاقتصاديّ سريعاً إلى تهمة دينيّة كبرى توصف رسميّاً بمحاربة الله ورسوله والفساد في الأرض. ويغلق هذا الرّبط المتعمّد والعميق بين المعارضة السّياسيّة والخطيئة الدّينيّة أبواب الحوار المدنيّ، ويفرض على الشّعب تسليماً مطلقاً للقرارات الحكوميّة الصّادرة عن مكتب القيادة.
يولّد هذا التّداخل الشّديد بين الدّين السّماويّ والسّياسة اليوميّة انقساماً واضحاً داخل نسيج المجتمع الإيرانيّ المعاصر. فترى الفئات المتديّنة والمحافظة النّظام السّياسيّ امتداداً مقدّساً للقيادة الإلهيّة الحقّة، وتدافع عن أركانه باستماتة عقائديّة لا تقبل المساومة. في حين يقف في الجهة المقابلة قطاع واسع من الشّعب متذمّراً من استغلال المعتقدات الغيبيّة لتبرير الإخفاقات الاقتصاديّة والسّياسيّة وتراجع مستويات المعيشة. ويطالب هذا القسم الكبير بفصل صارم للدّين عن إدارة شؤون الحياة اليوميّة، ويسعى بجهود مستمرّة إلى بناء دولة مدنيّة ترتكز حصراً على المساءلة الشّعبيّة، والشّفافيّة، والقانون الوضعيّ.

مأسسة الشّهادة الشيعيّة وتوظيفها السّياسيّ والعسكريّ
وظّفت القيادة الإيرانيّة المفاهيم العقائديّة التّاريخيّة لبناء آلة تعبئة عسكريّة واجتماعيّة ضخمة، وحوّلت العقيدة إلى أداة لتحريك الجماهير وبسط النّفوذ الإقليميّ خارج حدود الجغرافيا الإيرانيّة.
استلهام كربلاء في الحرب العراقيّة الإيرانيّة
يستند مفهوم الشّهادة في الوجدان والمذهب الشّيعيّ استناداً كليّاً إلى حادثة كربلاء التّاريخيّة ومقتل الحسين بن عليّ وأهل بيته. فوظّفت الحكومة الإيرانيّة هذه الحادثة المحوريّة لبناء سرديّة سياسيّة وعسكريّة جبّارة تدفع الجماهير نحو التّضحية المطلقة. إذ صوّر النّظام الحاكم كافّة المعارك الّتي يخوضها امتداداً حتميّاً ومباشراً لصراع تاريخيّ أزليّ بين معسكر الحقّ ومعسكر الباطل، جاعلاً الشّهادة في ميادين القتال أسمى درجات الإيمان والولاء الصّادق للقيادة الدّينيّة.
برز هذا التّوظيف العقائديّ جليّاً إبّان سنوات الحرب العراقيّة الإيرانيّة الطّاحنة. إذ ربطت القيادة الإيرانيّة خنادق القتال الموحلة في إقليم خوزستان (الأهواز) بخيام كربلاء المقدّسة. وشبّهت وسائل الإعلام الرّسميّة ومنابر المساجد الجنود الإيرانيّين بأنصار الحسين الأوفياء، ووعَدت القتلى في الجبهات بالجنّة المباشرة.
أسّست الدّولة قوّات التّعبئة الشّعبيّة الرّاديكاليّة، المعروفة محليّاً باسم «البسيج»، ودفعت بآلاف الشّباب والمراهقين إلى خطوط النّار الأولى مزوّدين بمفاتيح بلاستيكيّة صغيرة تعلّق في أعناقهم وترمز إلى فتح أبواب الجنّة فور مقتلهم. فعزّزت هذه السّرديّة الدّينيّة صمود الجبهة الدّاخليّة إبّان سنوات الحرب العجاف، وحوّلت الموت المأساويّ في ساحات المعارك من خسارة بشريّة فادحة إلى انتصار روحيّ عظيم يقرّب المرء من الله البارئ.
التّمدّد الإقليميّ والدّفاع عن المقدّسات
امتدّ هذا التّوظيف العسكريّ للعقيدة لاحقاً ليشمل كافّة حروب النّظام الخارجيّة وتوسيع مناطق نفوذه الإقليميّ في الشّرق الأوسط. فصدّرت إيران مبدأ {الدّفاع عن المقدّسات الدّينيّة} لتبرير تدخّلها العسكريّ المباشر في دول الجوار العربيّ. وشكّلت أذرعاً مسلّحةً قاطعةً وميلشيات عسكريّةً تابعةً لها تمويلاً وتسليحاً وعقيدةً في دول مثل لبنان، والعراق، وسوريا، واليمن.
صاغت قيادة الحرس الثّوريّ الإيرانيّ شعارات دينيّةً تعبويّةً تربط بقاء المراقد الشّيعيّة الّتي تحظى باحترام بالغ، مثل مقام السّيّدة زينب في العاصمة السّوريّة دمشق، باستمرار القتال الشّرس وبذل الدّماء في ساحات المعارك الخارجيّة. فشرعن هذا الرّبط العاطفيّ والدّينيّ تدخّل الفصائل الأجنبيّة متعدّدة الجنسيّات في الصّراعات الدّاخليّة المدمّرة لتلك الدّول، وأعطى المقاتلين القادمين من جغرافيّات بعيدة دافعاً عقائديّاً متيناً يتجاوز الانتماء الوطنيّ الأصليّ والحدود الجغرافيّة التّقليديّة.
الهرميّة المجتمعيّة ومؤسّسة الشّهيد
خلقت الدّولة الإيرانيّة بمرور السّنين هرميّةً اجتماعيّةً واضحة المعالم تضع عائلات القتلى في مرتبة مدنيّة عليا. وأطلقت السّلطات أسماء هؤلاء القتلى بانتظام على الشّوارع الرّئيسيّة، والمدارس الحكوميّة، والمرافق العامّة في كافّة المدن، ومنحت ذويهم امتيازات ماليّةً ضخمةً، وحصصاً وظيفيّةً واسعةً، ومقاعد دراسيّةً مخصّصةً في الجامعات. كما أسّست الحكومة ما يُعرف بـ {مؤسّسة الشّهيد وشؤون المضحّين} لتتولّى رعاية هذه العائلات بشكل مباشر ومؤسّساتيّ.
رسّخ هذا النّهج السّياسيّ والمادّيّ ولاء شريحة مجتمعيّة كبيرة جدّاً للنّظام الحاكم، وربط مصالحها المادّيّة والمعنويّة اليوميّة ببقاء الوليّ الفقيه في سدّة الحكم وسيطرته على مقدّرات البلاد. كما حوّلت السّلطة مفهوم الشّهادة الرّوحيّ من فعل تضحية فرديّ خالص إلى أداة سياسيّة مؤسّساتيّة شاملة تضمن استمراريّة النّظام، وتقمع أصوات المعارضة الدّاخليّة بحجّة خيانة دماء القتلى، وتبرّر النّزيف البشريّ والمادّيّ المستمرّ في صراعات لا تنتهي خارج الحدود الوطنيّة.

التّطبيق السّنّيّ المعاصر والنّظام السّياسيّ في المملكة العربيّة السّعوديّة
لتكتمل الصّورة التّحليليّة لأنظمة الحكم المعاصرة، يبرز النّظام السّياسيّ في المملكة العربيّة السّعوديّة نموذج تطبيقيّ بارز للمذهب السّنّيّ في إدارة شؤون الدّولة الحديثة. ويختلف هذا النّموذج اختلافاً جذريّاً عن التّطبيق الشّيعيّ العقائديّ.
مبدأ البيعة وغياب العصمة الدّينيّة
تأسّست الدّولة السّعوديّة استناداً إلى مبادئ الشّريعة الإسلاميّة وفق الفهم السّنّيّ. وينظّم مبدأ {البيعة} انتقال السّلطة السّياسيّة بين الملوك، تأكيداً للرّؤية السّنّيّة الرّافضة للتّنصيص الإلهيّ المسبق للحاكم. ويُلقّب ملك البلاد بـ {خادم الحرمين الشّريفين}، إشارةً إلى مسؤوليّته الكبرى في حماية ورعاية المقدّسات الإسلاميّة الأهمّ في مدينتي مكّة والمدينة.
ينفي هذا اللّقب الوظيفيّ أيّ صفة دينيّة مقدّسة أو عصمة شخصيّة عن الحاكم. ويمثّل الملك بشراً يخطئ ويصيب، وتستمدّ الدّولة شرعيّتها السّياسيّة من تطبيق أحكام الشّريعة، ورعاية مصالح الأمّة، وتوفير الأمن، دون ادّعاء التّحدّث المباشر باسم السّماء أو النّيابة المباشرة عن إمام غائب.
المؤسّسات الدّينيّة والشّورى الفقهيّة
يرتكز النّظام السّعوديّ على تحالف تاريخيّ متين ومستمرّ بين السّلطة السّياسيّة الحاكمة والمؤسّسات الدّينيّة الرّسميّة. إذ تتولّى {هيئة كبار العلماء}، وهي أرفع مؤسّسة دينيّة في البلاد، إصدار الفتاوى والأحكام الفقهيّة الّتي تسيّر شؤون الدّولة والمجتمع ومواكبة النّوازل المعاصرة. كما يعمل هذا الكيان المؤسّساتيّ وفق مبدأ الشّورى بين مجموعة من أبرز علماء الدّين لاستنباط الأحكام مباشرةً من القرآن الكريم والسّنّة النّبويّة.
يبتعد هذا التّنظيم ابتعاداً كاملاً عن تقديس الفرد أو منحه سلطة تشريعيّة مطلقة. وتصدر القرارات الفقهيّة بالإجماع أو أغلبيّة الأصوات داخل الهيئة، ممّا يجسّد النّظرة السّنّيّة لغياب العصمة عن أيّ عالم دين مهما بلغت درجته العلميّة ومكانته الاجتماعيّة.
القوّة النّاعمة والدّبلوماسيّة الرّوحيّة
تستثمر المملكة العربيّة السّعوديّة مكانتها الرّوحيّة حاضنة للكعبة المشرّفة لتعزيز الرّؤية السّنّيّة عالميّاً. وتدعم الدّولة السّعوديّة المؤسّسات الدّعويّة، وتبني المساجد والمراكز الإسلاميّة في عواصم متعدّدة، وتطبع ملايين النّسخ من القرآن الكريم بلغات متنوّعة لتوزيعها مجّاناً.
يفضّل هذا النّموذج السّنّيّ الاعتماد الواضح على الدّبلوماسيّة الدّينيّة والقوّة النّاعمة، ويركّز جهوده الرّئيسيّة على توحيد الصّفّ السّنّيّ، ونشر التّعليم الدّينيّ، ودعم الدّول النّامية اقتصاديّاً. كما يبتعد النّظام السّعوديّ عن أساليب التّعبئة العسكريّة العقائديّة العابرة للحدود، ويتجنّب تأسيس ميلشيات مسلّحة خارجيّة تعتمد على سرديّات الشّهادة والمظلوميّة التّاريخيّة لتسويغ التّمدّد السّياسيّ والعسكريّ.
خاتمة
تتجاوز الفروق بين المذاهب الإسلاميّة السّنّيّة، والشّيعيّة، والإباضيّة صفحات التّاريخ القديم ونقاشات علماء اللّاهوت لتصوغ واقعاً معقّداً ومتشابكاً في تفاصيل الحياة اليوميّة لملايين البشر. إذ يتبيّن بوضوح كيف رسمت آليّات اختيار الحاكم ومصادر التّشريع الفقهيّ ملامح مجتمعات متباينة في إدارة شؤون الأسرة، وقوانين المواريث، وعلاقة المواطن بالسّلطة السّياسيّة.
يوضّح النّموذج الإيرانيّ تحوّل العقيدة الدّينيّة إلى محرّك أساسيّ لبناء الدّول، وتوجيه الجيوش، وصناعة السّياسات الإقليميّة، ويقدّم النّموذج السّعوديّ السّنّيّ المعاصر دليلاً عمليّاً موازياً يبيّن أثر الشّورى المؤسّساتيّة والقوّة النّاعمة في إدارة شؤون الدّولة الحديثة، ممّا يوجب الفهم العميق لهذه الجذور المذهبيّة لاستيعاب التّعقيدات الجيوسياسيّة والاجتماعيّة الّتي تسيّر منطقة الشّرق الأوسط والعالم الإسلاميّ بأسره.
مراجع ومصادر
- القرآن الكريم – https://quran.ksu.edu.sa
- الجامع المسند الصّحيح (صحيح البخاريّ)، محمّد بن إسماعيل البخاريّ – https://shamela.ws/book/1673
- المسند الصّحيح (صحيح مسلم)، مسلم بن الحجّاج النّيسابوريّ – https://shamela.ws/book/1727
- مسند الرّبيع بن حبيب، الرّبيع بن حبيب الفراهيديّ الإباضيّ – https://shamela.ws/book/97351
- الكافي، محمّد بن يعقوب الكلينيّ – https://archive.org/details/alkafy-alkuliny
- الفقه على المذاهب الخمسة، محمّد جواد مغنيّة – https://archive.org/details/moamenquraish_gmail_20170401_0116
- الحكومة الإسلاميّة، روح الله الخمينيّ – https://archive.org/details/moamenquraish_gmail_20150524_0655
- Law of Desire: Temporary Marriage in Shi’i Iran, Shahla Haeri
- الأحكام السّلطانيّة والولايات الدّينيّة، أبو الحسن الماورديّ – https://shamela.ws/book/11559
- الإباضيّة في موكب التّاريخ، عليّ يحيى معمّر – https://archive.org/details/ibadhia_tarikh_book
- تاريخ المذاهب الإسلاميّة، محمّد أبو زهرة – https://archive.org/details/abuzahra_mathahib_book
- الملل والنّحل، محمّد بن عبد الكريم الشّهرستانيّ – https://shamela.ws/book/21538
- مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين، أبو الحسن الأشعريّ – https://shamela.ws/book/11516
- السّياسة الشّرعيّة في إصلاح الرّاعي والرّعيّة، تقيّ الدّين ابن تيميّة – https://shamela.ws/book/11497
- نهج البلاغة، الشّريف الرّضيّ – https://archive.org/details/nahj_albalagha_book
- وسائل الشّيعة إلى تحصيل مسائل الشّريعة، الحرّ العامليّ – https://archive.org/details/wasael_shia_book
- بيان الشّرع، محمّد بن إبراهيم الكنديّ – https://archive.org/details/bayan_alshar_book
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد الحفيد – https://shamela.ws/book/10052
- نظريّة الإمامة لدى الشّيعة الإثني عشريّة، أحمد محمود صبحي – https://archive.org/details/nazaryat_alemama_book
- أحكام التّركات والمواريث، محمّد أبو زهرة – https://archive.org/details/ahkam_tarikat_book
- الميراث المقارن، محمّد بلتاجي – https://archive.org/details/mirath_moqaran_book
- عقائد الإماميّة، محمّد رضا المظفّر – https://archive.org/details/aqaed_imamia_book
- مشارق أنوار العقول في حلّ مشكلات أصول الدّين، نور الدّين السّالميّ – https://archive.org/details/mashariq_anwar_book
- الفَرْق بين الفِرَق، عبد القاهر البغداديّ – https://shamela.ws/book/11565
- أعيان الشّيعة، محسن الأمين – https://archive.org/details/aayan_alshia_book
- النّظريّات السّياسيّة الإسلاميّة، محمّد ضياء الدّين الرّيّس – https://archive.org/details/nizam_hukm_book
- الإمامة والسّياسة، ابن قتيبة الدّينوريّ – https://shamela.ws/book/10543
- فقه الخلافة وتطوّرها لتصبح عصبة أمم شرقيّة، عبد الرّزّاق السّنهوريّ – https://archive.org/details/khilafa_sanhuri_book
- الدّولة الرّستميّة: دراسة في الأوضاع السّياسيّة والاقتصاديّة، إبراهيم بحاز – https://archive.org/details/dawla_rustamia_book
- نظام العزّابة عند الإباضيّة في جربة، محمّد ناصر – https://archive.org/details/nizam_azzaba_book
- كشف الأسرار، روح الله الخمينيّ – https://archive.org/details/20211212_20211212_0744
- الأحوال الشّخصيّة في الفقه الإسلاميّ، محمّد مصطفى شلبي – https://archive.org/details/ahwal_shakhsiya_book
- شرح العقيدة الطّحاويّة، ابن أبي العزّ الحنفيّ – https://shamela.ws/book/10557
- 34 خلق القرآن بين المعتزلة وأهل السّنّة، عبد الفتّاح عاشور – https://archive.org/details/khalq_quran_book
- المعتزلة وأصولهم الخمسة، عوّاد بن عبد الله المعتق – https://shamela.ws/book/12520
- رؤية الله في الفكر الإسلاميّ، أحمد عبد الرّحيم السّايح – https://archive.org/details/ruyat_allah_book
- نشأة الأشعريّة وتطوّرها، جلال موسى – https://archive.org/details/nashat_ashaaria_book
- الموطّأ، مالك بن أنس – https://shamela.ws/book/1730
- الأمّ، محمّد بن إدريس الشّافعيّ – https://shamela.ws/book/11649
- المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل، ابن قدامة المقدسيّ – https://shamela.ws/book/11623
- التّشريع الفقهيّ الإباضيّ، مصطفى باجو – https://archive.org/details/tashrie_ibadi_book
- ولاية الفقيه وتطوّرها، أحمد الكاتب – https://archive.org/details/wilayat_faqih_book
- فقه السّنّة، سيّد سابق – https://shamela.ws/book/11545
- هيئة كبار العلماء في السّعوديّة: دراسة في التّأثير والتّنظيم، عبد الله العتيبي – https://archive.org/details/hayat_kibar_book
- The Ibadi Movement in North Africa, Tadeusz Lewicki – https://archive.org/details/ibadi_movement_lewicki
- Shi’ite Islam, Allamah Tabatabai – https://archive.org/details/shiite_islam_tabatabai
- The Mantle of the Prophet: Religion and Politics in Iran, Roy Mottahedeh – https://archive.org/details/the_mantle_of_the_prophet
- Martyrdom in Islam, David Cook – https://www.cambridge.org/core/books/martyrdom-in-islam/5AB3361E9A6F4E6A77DF901C90D89DAA
- The History of Saudi Arabia, Alexei Vassiliev – https://archive.org/details/history_saudi_arabia_vassiliev
- Religion and Politics in Saudi Arabia, Mai Yamani – https://archive.org/details/religion_politics_saudi_arabia
- Oman and the World: The Emergence of an Independent Foreign Policy, J.A. Kechichian
- Karbala and the Islamic Revolution in Iran, Kamran Scot Aghaie
- The Vanguard of the Islamic Revolution, Vali Nasr – https://archive.org/details/vanguard_islamic_revolution
- Encyclopaedia of Islam (Second Edition), Brill – https://referenceworks.brillonline.com/browse/encyclopaedia-of-islam-2
- The Cambridge History of Islam, P. M. Holt, Ann K. S. Lambton, Bernard Lewis – https://www.cambridge.org/core/books/cambridge-history-of-islam/4CEB8B3B8B8B0B2C9C82A2E0F5A1C0E6
- The Shia Revival: How Conflicts within Islam Will Shape the Future, Vali Nasr – https://archive.org/details/shia_revival_book





اترك رد