وها قد دخلت السنة السابعة بعد الأربعين … وما ظننت أبداً أن أصل إلى هنا. مع أنّني سعيد بحساب ما انقضى. فكلّما كبر عدد ما فات صغر عدد ما بقي.
في السادسة والأربعين من عمري، أدركت أنّ الحكمة ليست في تراكم المعرفة، بل في عمق فهم ما نعرف. وفهمت أنّ الجمال ليس في اكتمال الصورة، بل في فهم معنى كلّ تفصيل فيها.
في الخامسة والأربعين أدركت عدم وجود حكمة «نهائية» يمكن نقلها. فكلّ واحد منّا يجب أن يجد طريقه الخاص، وأن يعيش حياته الخاصّة. فالحياة يجب أن تُعاش، ولا يمكن أن تُعلَّم. نحن نستطيع أن نتحدّث عن الحياة، أن نفكّر فيها، أن نكتب عنها؛ لكن في النهاية، علينا أن نرتمي في نهرها ونسبح.
في الرابعة بعد الأربعين فهمت، أنّ الحياة ليست شمعة تحترق لتنطفئ، بل هي شعلة مبهرة يجب أن تشعلها تتوهّج بأقصى سطوع ممكن قبل أن تسلّمها للأجيال التالية. بعض الناس يرون الأشياء كما هي ويتساءلون «لماذا؟»، أمّا الطفل فيّ فلم يزل يحلم بأشياء لم تكن قط ويتساءل «لماذا لا؟».
علّمتني السنوات الأخيرة أنّ تغيير اتجاه الريح لا يمكن، لكن يمكنك ضبط أشرعتك دائماً لتصل إلى وجهتك. الحياة ليست انتظار أن تمرّ العاصفة، بل أن تتعلّم الرقص في المطر.
تتأرجّح رحلتي بين ذروتين: ذروة الاحتفاظ بكلّ التفاصيل في النصف الأوّل من الأربعينيّات، وذروة تحرير الذاكرة من ثقلها في النصف الثاني. فينضج فهمي للحياة مع كلّ خطوة، ويتحوّل بحثي عن الحكمة المطلقة إلى رضا بحكمة التخفّف من الأحمال، وتتبدّل نظرتي للنسيان من خوف إلى نعمة تغسل روحي من ركام السنين، فأتعلّم أن أترك للبحر ما يستحقّ الغرق، وأحتفظ فقط بما يستحق البقاء على سطح الذاكرة.

في الثلاثينيات قالوا لي أنّ الإنسان إذا وصل سن الأربعين بلغ الحكمة… كذبوا عليّ! تجاوزت الأربعين ولم أزل أبحث عنها؛ الحكمة. ولم يزل في داخلي طفل مرتبك مشاغب يلعب. لكن بتجاوز الأربعين شيئ رائع حدث… كنت قبلاً لا أنسى، أعاني حمل ثقل الذكريات كلّها؛ لا تتزحزح. ثمّ، في الثانية بعد الأربعين بدأت أنسى، ربّما هي الإصابة بكورونا سارز٢، أو ربّما هي الأربعينيات. لكنّني صرت وبكلّ هناء أنسى، وهذه هدية عظيمة لطرد التوتّر.
الآن وقد أنهيت السادسة بعد الأربعين تيقّنت من جدّيّة الهديّة. صرت لا أذكر أحداثاً وذكريات وروائح وكلمات… نعمة عظيمة زوال الصور من الذاكرة. صرت بكلّ ثقة أخبر نفسي أنّي لست أكيداً تماماً ممّا حدث!
في الثالثة بعد الأربعين قرّرت أن أطلق للبحر حرّيّة أكل الذاكرة، فلتحملها الأمواج لو تشاء ذكرى ذكرى، ولتذهب بالجُرُف إلى عُرض البحر وإلى الأعماق لو تريد… فلا شيء يستحقّ عناء البقاء على يابسة.
تتسلّل إلى قلبي قناعة عميقة أنّ الحياة طاقة متجدّدة تتحرّر من أغلال ذكرياتها لتخلق كلّ يوم نفسها من جديد، فيتحوّل وعيي من انشغال بتسجيل كل تفصيلة في الحاضر، وتخزين كل لحظة في الماضي، إلى رغبة جامحة في خوض كلّ لحظة بعمقها وكثافتها. فيصبح النسيان نافذة أفتحها على مصراعيها لتدخل منها رياح التجدّد، وتخرج منها غيوم الذكريات المثقلة بالماضي، وأدرك أنّ الروح لا تزدهر إلا عندما تتخفّف من أثقالها، مثل الطائر الذي لا يحلّق عالياً إلا عندما يتخلّى عن كل ما يشدّه إلى الأرض.
يتعمّق إحساسي بمعنى «العقل الخالي» 無心 كما يسمّيه حكماء الزن، فأتوقّف عن الانشغال بالماضي والمستقبل، وأغوص في عمق اللّحظة الحاضرة بكلّ صفائها وكثافتها، وأتعلّم أن أترك للّحظة أن تمرّ مثل نسمة هواء عليل، تلمس روحي برفق ثم تمضي دون أن أحاول الإمساك بها أو تخزينها في ذاكرتي.
تتحوّل نظرتي للتغير المستمرّ في حياتي من مصدر قلق إلى مصدر طمأنينة، فأدرك أنّ محاولة التشبّث بالثبات تشبه محاولة الإمساك بالماء في قبضة يدي، وأنّ جمال الحياة يكمن في تدفّقها المستمرّ. مثل النهر الذي لا يعبر نفس الماء مرّتين، فيتحوّل النسيان من عدوّ أخشاه إلى صديق يساعدني على تجديد نفسي كلّ يوم.
يتجلّى لي معنى التنوير في لحظات تخلّيت فيها عن محاولة السيطرة على كلّ شيء، وتركت لروحي حرّية الانطلاق دون أثقال الماضي أو مخاوف المستقبل، فأشعر بخفّة عميقة تملأ كياني. مثل فنجان الشاي الذي يجب أن يُفرغ قبل أن يمتلئ من جديد، وأدرك أنّ الحكمة الحقيقية لا تكمن في تراكم المعرفة والذكريات، بل في القدرة على التخفّف منها والتحرّر من أثقالها.

هامش
تجسّد هذه الأفكار جوهر فلسفة الزن اليابانية في مفهوم «الموشين» 無心 أو «العقل الخالي». ويرتبط هذا المفهوم بحالة الوعي التي تتجاوز الانشغال بالماضي والمستقبل، لتعيش في اللّحظة الحاضرة بكل صفائها وعمقها.
تجربتي مع الذاكرة والنسيان كما تسمّيه الزن «شينجين» 真人 أو «الإنسان الحقيقي» الذي يتخلّى عن التعلّق بالأشياء والذكريات. تماماً كما تعلّمت أن أترك للبحر حرّية التهام ذكرياتي، يعلّمنا الزن أن نمارس «موجو» 無常 أو «عدم الدوام»، فنتقبّل الطبيعة المتغيّرة للحياة ونتحرّر من وهم الثبات.
تتجلّى أيضاً فكرة «ووشي» 無思 أو «اللاتفكير»، فعندما أصف نعمة النسيان وزوال الصور من الذاكرة، أقترب من حالة «الساتوري» 悟り أو «التنوير» في الزن، حيث يتحرّر العقل من عبء التفكير المفرط والتعلّق بالماضي.
يتناغم موقفي من تراكم السنين مع مبدأ «ووي» 無為 أو «اللافعل» في الزن، فأتوقّف عن مقاومة تيّار الحياة وأسمح للتجارب أن تمرّ مثل السحب في السماء، دون تعلّق أو تشبّث. هذا التحرّر من ثقل الذكريات يشبه ما يسمّيه الزن «كينشو» 見性 أو «رؤية الطبيعة الحقيقية»، حيث يدرك المرء أن محاولة الاحتفاظ بكل شيء على «يابسة» الذاكرة تشبه محاولة حبس الماء في قبضة اليد.
في نهاية المطاف أصل إلى ما يسميه الزن «موشودوكو» 無所得空 أو «فراغ عدم التحصيل»، حيث أدركت أنّ الحكمة الحقيقية لا تكمن في تراكم المعرفة والذكريات، بل في القدرة على التخفّف منها والتحرّر من أثقالها، تماماً مثل فنجان الشاي الذي يجب أن يُفرغ قبل أن يمتلئ من جديد.





اترك رد