يعيش العالم اليوم في مفارقة غريبة؛ إذ يواجه ملايين البشَر نقصاً حادّاً في الغذاء الطَّبيعيّ المعزَّز للصِّحَّة، ويعاني أكثر من 3 مليارات شخص من غياب المياه النَّقيّة الصَّالحة للشُّرب، في وقت تقدّم فيه الطَّبيعة حلولاً متكاملة وعبقريّة نشأت من الأرض منذ آلاف السّنين.
تكمن المعضلة الحقيقيّة في الفجوة التَّنظيميّة والتَّجاريّة الصَّارمة الَّتي تفصل الإنسان المعاصر عن هذه الهبات الطَّبيعيّة؛ فالأنظمة القانونيّة والوكالات الحكوميّة الحديثة تصرّ على معاملة الأغذية النَّباتيّة الكاملة ذات التَّاريخ الممتدّ عبر العصور بذات البيروقراطيّة والآليّات الورقيّة المكلفة المصمَّمة للمركَّبات الكيميائيّة والمستحضرات الصَّيدلانيّة المبتكرة حديثاً.
يتسبَّب هذا الجدار الإداريّ في حجب حلول رخيصة وفعّالة، أو يحوّلها إلى سلع باهظة الثَّمن تعجز عنها الفئات الأكثر احتياجاً، ممّا يطرح تساؤلاً جوهريّاً حول مفهوم الأمان والتَّقييم في عصرنا الحاليّ، وكيف تسبَّبت المعاملات الورقيّة في حرمان المجتمعات من إرث شفائيّ وغذائيّ صمد بنجاح أمام اختبار الزَّمن مدّة 4000 عام.

مقدّمة
تنمو شجرة البان (المورينگا Moringa) بمقدار ~5 أمتار في سنة واحدة داخل تربة تقتل كلّ نبات آخر. وتحتوي أوراق هذه الشّجرة على 7 أضعاف ڤيتامين سي الموجود في البرتقال، و4 أضعاف الكلسيوم الموجود في الحليب، وضعفي الپروتين الموجود في اللّبن الرائب، ومجموعة كاملة من الأحماض الأمينيّة الأساسيّة في حفنة واحدة.
تنطبق هذه الأرقام على مسحوق الأوراق المجفّفة، فالتّركيز يتضاعف مع كلّ قطرة رطوبة تُنزع منها. الورقة الطّازجة استثنائيّة فعلاً، ومسحوقها يتجاوز ذلك بمقاييس مختلفة تماماً. كما تنقّي بذورها المياه الملوّثة بلا مرشّحات ولا موادّ كيميائيّة ولا كهرباء، وزيتها لا يفسد أبداً. إضافة إلى ذلك، تنتج هذه الشّجرة الغذاء وسط موجات الجفاف، وتنمو مجدّداً من جذع مقطوع في غضون أسابيع.
واظبت شجرة البان على إطعام البشريّة باستمرار مدّة 4000 عام. ولها عدّة أسماء عربيّة مثل اليسار والحبّة الغالية والثوم البرّي وفجل الحصان وعصا الطبلة، كما تسمّى أحياناً بشجرة الرَوّاق، وذلك لاحتواء بذور ثمارها على مركّبات زيتية لها القدرة علي تجميع وتسريب المواد العالقة بالماء. فيصير رائقاً صالحاً للشرب.

الجذور التّاريخيّة والانتشار الجغرافيّ
تبدأ الحكاية في شمال الهند، قبل 4000 عام (قبل بداية التّقويم الهجريّ بنحو 2622 عاماً)، في المنطقة الّتي سمّتها النّصوص السّنسكريتيّة القديمة لاحقاً بمهد علم الحياة. يوثّق النّصّان التّأسيسيّان في طبّ الأيورڤيدا هذه الشّجرة بتفصيل دقيق، ويطلقان عليها اسم {شَيْگرُو} शिग्रु. ويأتي الاسم من الجذر السّنسكريتيّ الّذي يعني السّريع، ولا يشير إلى سرعة نموّ الشّجرة. بل يشير إلى سرعة شفائها.
لم تبق المعرفة حبيسة الهند لكون الشّجرة مفيدة جدّاً ولا يمكن إبقاؤها في مكان واحد. فاستخرج المصريّون القدماء زيتها المسمّى {بن} 𓃀𓈖 (ماء صحّة البدن) عبر العصر البارد، ولم يكن زيتها مخصّصاً للطّعام. بل شكّل هذا الزّيت أساساً لأرقى العطور في العالم القديم. وامتلك الزّيت خاصّيّة لا توجد في أيّ زيت آخر، فهو شبه عديم الرّائحة، ومستقرّ تماماً، ولا يفسد حتّى في حرارة الصّحراء القاسية الّتي تتلف كلّ زيت آخر في غضون أسابيع.

يسمّي شعب الوُلوڤ في إقليم السّاحل، وتحديداً في السينيگال، هذه الشّجرة باسم {نيبيدي} Nebede. ويترجم هذا الاسم إلى “الشّجرة الّتي لا تموت”، وما اختار الولوڤ هذا الاسم تلطّفاً شاعريّاً. اختاروه لكون الشّجرة نجت من موجات الجفاف القاسية الّتي قتلت كلّ شيء حولها. وتسمّى في البنگال {ساجينا} Sajina. وتُعرف في تاميل نادو باسم {مورونگاي} முருங்கை.
تسمّى في الفيليپين {مالونگّاي} Malunggay، أي شجرة الأمّ… حيث درجت العادة أن تأكل النّساء أوراقها بعد الولادة لتعزيز إدرار الحليب، وهو تأثير وثّقه أطبّاء الأطفال في الفيليپين عبر الملاحظات السّريريّة لأجيال متعاقبة. كما بادرت الحكومة في الفيليپين إلى التّرويج لهذه الشّجرة بصفتها تدخّلاً غذائيّاً وطنياً، وذلك قبل أن يسمع العالم الغربيّ باسمها بوقت طويل.
ما يزال زيت بذورها يسمّى {بن} في العالم النّاطق بالعربيّة، وهو ذات الاسم الّذي استعمله صنّاع العطور المصريّون قبل 4000 عام… ستّ لغات، وستّة أسماء، وشجرة واحدة، أُطلق كلّ اسم منها من قِبل حضارة راقبتها فترة تكفي لمعرفة ضرورة حمل الاسم معنىً دائم الأثر.

استخدامات بارزة وقصص تاريخيّة
تذكر أقدم النّصوص الطّبّيّة هذه الشّجرة علاج فعّال للالتهابات، واضطرابات الجهاز التّنفّسيّ، والأمراض الجلديّة، وحالات العدوى. ويستعين بها أقدم كتاب منهجيّ في الجراحة لمعالجة الجروح المستعصية والمعقّدة، فدوّن الأطبّاء مئات الحالات الّتي عولجت بفضلها، وذلك بعد أن راقبوها وتوارثوا معرفتها لأجيال عديدة قبل كتابة حرف واحد عنها.
اعتمد صنّاع العطور في مصر القديمة على زيت هذه الشّجرة عنصر أساسيّ ومثبّت لتركيباتهم العطريّة المعقّدة، ومنها عطر مينديزيّ الشّهير الّذي مثّل أحد أفخر العطور المتداولة عبر البحر الأبيض المتوسّط لعدّة قرون. ويذكر التّاريخ تعطّر الملكة كليوپاترا شخصيّاً بهذا العطر، حقيقة أكّدها باحثون معاصرون حين أعادوا تركيب الوصفة الأصليّة بدقّة استناداً إلى وثيقة بيزنطيّة تعود للقرن السّابع الميلادي، فتبيّن لهم اعتماد العطر كليّاً على هذا الزّيت.
يُستخرج هذا الزّيت الّذي شكّل أساس أشهر عطور العالم القديم من بذور شجرة وصفتها إدارة الغذاء والدّواء الأمريكيّة FDA بعد 2000 عام بوصفها غير مختبرة بصورة كافية. عثر المستكشفون على أوعية محكمة الإغلاق مليئة بهذا الزّيت داخل المقابر المصريّة القديمة، تُركت بجوار الموتى لتكون زاداً لهم في رحلة ما بعد الموت. ولم يدفن المصريّون القدماء أغلى ممتلكاتهم المادّيّة وحسب، بل حرصوا على اصطحاب الأشياء النّادرة الّتي يستحيل تعويضها.
أطعمت الأمّهات أوراقها للأطفال الّذين تدهورت أجسادهم بسبب سوء التّغذية في موسم الجوع الّذي أهلك كلّ نبات أخضر آخر. لم يمتلكن طريقة لمعرفة احتواء هذه الأوراق على كلّ حمض أمينيّ أساسيّ لا يستطيع الجسم البشريّ إنتاجه بمفرده. لكنّهم عرفن فقط تعافي الأطفال الّذين أكلوها، وعدم نجاة مَن لم يأكلوها غالباً.
اليوم تأكل النّساء في الفيليپين الأوراق تقليديّاً بعد الولادة لتعزيز إدرار الحليب، وهو تأثير وثّقه أطبّاء الأطفال هناك في الملاحظات السّريريّة لأجيال. لذا روّجت الحكومة رسميّاً للشّجرة تدخّل غذائيّ وطنيّ قبل سماع بقيّة العالم الغربيّ بها بوقت طويل. وانتبه جيّداً، فالجزء التّالي من هذه القصّة يمثّل السّبب الدّقيق لكتابة هذا القال.
سيطرت الامبراطوريّة الماوريّة في القرن الثّالث قبل الميلاد على أكبر منطقة متّصلة في تاريخ جنوب شرق آسيا. وشكّلت جيوشها إحدى أكثر القوّات القتاليّة تطوّراً في العالم القديم. وعندما زحف الإسكندر الأكبر شرقاً عبر بلاد إيران إلى شبه القارّة الهنديّة، واجه الحدود الماوريّة، ورفض جيشه التّقدّم أبعد من ذلك للمرّة الأولى في حملاته.
توثّق دراسة طبّيّة محكّمة من عام 2010، تعتمد مباشرة على مصادر طبّ الأيورڤيدا التّاريخيّة، سبب قتال تلك الجيوش بتلك الطّريقة. إذ شرب المحاربون الماوريّون القدماء مستخلصاً من هذه الأوراق على جبهة القتال. وعُرف المشروب بتخفيف ألم وضغط القتال وتوفير طاقة مستدامة في الميدان. فتوقّف تقدّم الإسكندر الأكبر شرقاً جزئيّاً بسبب جيش يتغذّى على هذه الشّجرة بالذّات، فتراجع الإسكندر ومات في بابل بعد ثلاث سنوات. وهيمنت الامبراطوريّة الّتي لم يخترقها أبداً على شبه القارّة الهنديّة لقرن ونصف إضافيّ.

التّحوّلات الصّناعيّة والجيوسياسيّة
رفعت إحدى الشّركات في عام 1439 هـ / 2018 م طلباً رسميّاً إلى إدارة الغذاء والدّواء الأمريكيّة FDA لبيع مسحوق أوراق البان المجفّفة مكمّل غذائيّ. يمثّل هذا الإجراء التّنظيميّ خطوة اعتياديّة لأيّ مكوّن لم يطرح للبيع على نطاق واسع في الولايات المتّحدة قبل عام 1414 هـ / 1994 م. فراجعت الوكالة أدلّة السّلامة المرفقة وردّت برفض الطّلب، بحجّة نقص المعاملات الورقيّة وافتقار الإخطار إلى أساس كافٍ يضمن أمان هذا المسحوق.
تجاهلت الإدارة 4000 عام من الاستهلاك البشريّ المستمرّ عبر 6 قارّات، ووصفت هذا الإرث التّاريخيّ “اختبار غير كافٍ”. ولم تشر رسالة الرّفض إلى أيّ حالة ضرر واحدة مسجّلة تاريخيّاً، ولم تشكّك في صحّة البيانات الغذائيّة، أو دراسات تنقية المياه، أو حتّى في توثيقات طبّ الأيورڤيدا العريقة. بل علّلت موقفها بعدم استيفاء أدلّة السّلامة للتّنسيق الحديث المطلوب.
يجسّد هذا الموقف قصّة الشّجرة الأكثر فائدة على وجه الأرض، ويفسّر تجاهل وكالة حكوميّة حديثة لـ 4000 عام من الأدلّة الدّامغة. يأكل مئات الملايين من النّاس أوراق هذه الشّجرة يوميّاً غذاء معتاد في جميع أنحاء آسيا وإفريقيا، وتؤكّد البحوث المحكّمة الصّادرة عن عشرات المؤسّسات العلميّة الحديثة فوائدها الجليّة. لكنّ الإدارة استنتجت رسميّاً حاجتها إلى مزيد من الأوراق والملفّات قبل الاعتراف بأمانها.
يكمن هنا السّبب الحقيقيّ وراء عدم معرفتك بهذه الشّجرة؛ فالمعلومات لم تكن مخفيّة، بل عجزت الشّركات عن تقديم الأوراق بصيغة تتوافق مع متطلّبات الإدارة. ولم تتغيّر طبيعة الشّجرة، بل غابت المستندات المطلوبة بكلّ بساطة، لتبقى الشّجرة الأكثر فائدة على وجه الأرض غير معتمدة رسميّاً في الولايات المتّحدة، وبذلك في جميع شركات الغذاء والدواء حول العالم.
لا يمثّل الفارق بين ما تصنّفه الإدارة آمناً وما يتناوله 4 مليارات شخص فطور فجوة علميّة على الإطلاق، بل هي فجوة تنظيميّة بحتة. تفرض الولايات المتّحدة على الشّركات إثبات السّلامة وفق تنسيق محدّد ومكلف للغاية، صمّم خصّيصاً للمركّبات الصّيدلانيّة المخترعة حديثاً، ولا يناسب الأطعمة الطّبيعيّة الكاملة المأكولة باستمرار منذ آلاف السّنين.
تظهر أدلّة تمتدّ لـ 4000 عام وتغطّي 6 قارّات على أحد جانبي هذه الفجوة، ويقف متطلّب ورقيّ تجاريّ على الجانب الآخر. وتتجلّى النّتيجة التّجاريّة لهذه الفجوة بوضوح في أيّ متجر للأغذية الصّحّيّة اليوم؛ إذ تبلغ تكلفة إنتاج مسحوق البان المستورد من التّعاونيّات النّسائيّة في السينيگال أقلّ من 1 دولار للرّطل، لكنّ المسحوق ذاته يباع بـ 22 دولاراً للرّطل عند إعادة تعبئته حاملاً علامة تجاريّة أمريكيّة!
لا يعود هذا الفارق الهائل في السّعر إلى تكاليف الخدمات اللّوجستيّة، بل يغطّي تكلفة الإطار التّنظيميّ، والامتثال لقواعد ملصقات التّعبئة، والعلامات التّجاريّة المستوردة. لم تتغيّر الشّجرة ذاتها منذ 4000 عام، بل تغيّر نموذج العمل التّجاريّ المحيط بها فقط.

أمّا في العالم العربي فتتصدّر ثلاث دول عربيّة، وهي المملكة العربيّة السّعوديّة ومصر والسّودان، طليعة المناطق المستثمرة في زراعة شجرة البان وتسويقها. إذ تلائم طبيعة البان المناخ الصّحراويّ الجافّ، ممّا شجّع المزارعين على تحويل مساحات واسعة لزراعتها. وتمتلئ رفوف المتاجر ومحلّات العطارة اليوم بمنتجات متنوّعة مشتقّة منها، تشمل مسحوق الأوراق المجفّفة المستعمل في تحضير الشّاي والمكمّلات الغذائيّة، وزيت البذور المعروف تاريخيّاً بزيت البن، والّذي يباع بأسعار مرتفعة لفوائده التّجميليّة للبشرة والشّعر.
توفّر زراعة البان فرصاً اقتصاديّة واعدة للمجتمعات في المنطقة العربيّة، وتخلق أسواقاً جديدة للمنتجات العضويّة. كما يطرح النّحّالون في الأسواق منتجاً فاخراً يحمل اسم عسل البان، ويحظى بطلب عالٍ لخصائصه العلاجيّة الفريدة. ويتوسّع حجم هذا السّوق سنويّاً مع توجّه المستهلكين نحو البدائل الطّبيعيّة، لتستعيد الشّجرة الّتي لا تموت مكانتها التّاريخيّة في صلب النّظام الغذائيّ والاقتصاديّ العربيّ المعاصر.

التّداعيات البيئيّة والصّحيّة
يعاني 3 مليارات شخص حول العالم حاليّاً نقصاً في المياه النّقيّة الصّالحة للشّرب. وتحتاج محطّات معالجة المياه التّقليديّة إلى بنية تحتيّة ضخمة، وطاقة كهربائيّة مستمرّة، وسلاسل توريد كيميائيّة معقّدة، فضلاً عن طواقم عمل مدرّبة لتشغيلها. في حين لا تتطلّب بذور البان أيّاً من هذه التّعقيدات، وتتجدّد زراعتها تلقائيّاً في كلّ موسم لتوفّر حلّاً طبيعيّاً وفعّالاً.
تحتوي هذه البذور على پروتين موجب الشّحنة، وتعمل عمل المغناطيس الطّبيعيّ فور سحقها ونثرها في المياه الملوّثة. ينجذب هذا الپروتين مباشرة إلى البكتيريا والرّواسب والسّموم العالقة في الماء لكونها تحمل شحنة سالبة. وتتجاذب الشّحنات المتضادّة، وتتكتّل الشّوائب معاً لتغوص وتستقرّ في قاع الوعاء، وتؤكّد الدّراسات العلميّة المحكّمة انخفاض أعداد البكتيريا بنسبة 99 بالمئة بالاعتماد حصراً على مسحوق البذور وبعض الوقت لتنقية الماء.
تنبعث هذه التّكنولوجيا المذهلة من الأرض منذ 4000 عام. في حين يفتقر 3 مليارات شخص حتّى اليوم إلى المياه النّظيفة، ممّا يعيدنا إلى عام 1439 هـ / 2018 م وإلى الوثيقة الرّسميّة الّتي تبيّن السّبب الحقيقيّ وراء جهلك التّامّ بوجود هذه الشّجرة.
يستطيع الشّخص العاديّ محاكاة هذه التّكنولوجيا الطّبيعيّة وتنقية المياه الملوّثة في منزله بخطوات عمليّة بسيطة وبتكلفة شبه معدومة. تبدأ العمليّة بجمع بذور البان النّاضجة وتقشيرها لاستخراج اللّبّ الدّاخليّ الأبيض، ثمّ طحنه جيّداً باستعمال هاون حتّى يتحوّل إلى مسحوق ناعم. يمزج هذا المسحوق مع القليل من الماء النّظيف لتكوين سائل أبيض كثيف، ليصبح جاهزاً للعمل مرشّح طبيعيّ فعّال. تحتاج كلّ 20 لتراً من المياه الملوّثة إلى ما يقارب 2 غرام من مسحوق البذور، أي ما يعادل 1 ملعقة صغيرة لضمان أعلى درجات التّنقيّة.
يضاف السّائل الأبيض المركّز إلى وعاء المياه الملوّثة، ويحرّك المزيج بقوّة وبسرعة مدّة 1 دقيقة لتوزيع الپروتين الموجب الشّحنة في كافّة أجزاء الماء. تتباطأ سرعة التّحريك تدريجيّاً مدّة 5 دقائق إضافيّة لإتاحة المجال لتلاقي الشّوائب والبكتيريا وتشكيل تكتّلات مرئيّة. ثمّ يترك الوعاء بعد ذلك ساكناً تماماً وبلا أيّ تدخّل مدّة تتراوح بين 1 و 2 ساعة، والأفضل تركه طوال اللّيل لتغوص جميع الشّوائب والموادّ السّامّة إلى القاع. وتكتمل العمليّة بسحب المياه النّقيّة الصّافية من أعلى الوعاء بهدوء شديد، وتمريرها عبر قطعة قماش نظيفة خطوة وقائيّة أخيرة، لتحصل العائلة على مياه شرب نقيّة وآمنة تنافس في جودتها المياه المعالجة كيميائيّاً وبلا أيّ بنية تحتيّة معقّدة.

التّطبيقات العلميّة والطّبيّة الحديثة
ظلّ السّرّ العلميّ الكامن وراء نجاح مستخلص هذه الأوراق غامضاً ولم يدركه العلم الحديث إدراكاً كاملاً حتّى القرن 20. حين كشف الباحثون المعاصرون احتواء أوراق شجرة البان على تركيز هائل من المركّبات النّشطة بيولوجيّاً، يتفوّق على أيّ مصدر نباتيّ منفرد آخر فوق كوكب الأرض. إذ يمنح هذا النّبات البشريّة پروتيناً كاملاً، وتدفّقاً غزيراً من ڤيتامينات A، وC، وE، وK، إلى جانب معادن الحديد والكلسيوم والبوتاسيوم.
تشتمل الأوراق كذلك على مركّب موجّه يضاهي الأدوية الصّيدلانيّة المضادّة للالتهابات في الدّراسات العلميّة المحكّمة، وهرمون نموّ نباتيّ أثبتت التّجارب المختبريّة قدرته على إبطاء شيخوخة الخلايا، بالإضافة إلى سلاسل كاملة من الأحماض الأمينيّة الّتي يستقبلها الجسم البشريّ ويمتصّها مباشرة دون حاجة إلى عمليّات تحويل معقّدة.
تظلّ قدرة البذور على تنقية المياه الخاصّيّة الأكثر إثارة للدهشة، لكونها تعتمد على تفاعل كيميائيّ بحت بعيد عن القيمة الغذائيّة للنّبات، وهي قدرة نالت اعتراف منظّمة الصّحّة العالميّة وأكّدتها تجارب متكرّرة لباحثين في مختلف أرجاء إفريقيا آسيا وأوروپّا.
تفتح هذه النّبتة العجيبة آفاقاً واسعة أمام أي شخص لدمجها في برنامجه اليوميّ بوسائل سهلة وعمليّة، ليفوز بفوائدها الصّحّيّة والتّجميليّة المتعدّدة.
يأتي شاي البان (المورينگا) في مقدّمة الخيارات السّهلة، ويحضّر بسكب 1 كوب من الماء المغليّ فوق 2 ملعقة كبيرة من الأوراق المجفّفة، ثمّ يُترك المزيج ليتخمّر مدّة تتراوح بين 3 و 5 دقائق، ويُحلّى بعسل النّحل الطّبيعيّ حسب الرّغبة. ويُشرب هذا الكوب ساخناً أو بارداً، ويسهم بفعاليّة في تهدئة أوجاع المعدة وتحسين الهضم بشكل ملحوظ.
ينخرط مسحوق الأوراق المجفّفة بسلاسة في الوجبات اليوميّة، إذ يكفي خلط 1/2 ملعقة صغيرة منه مع 1 كوب من الماء الدّافئ أو عصير الفاكهة الطّبيعيّ في الصّباح الباكر. ويمتدّ استعمال هذا المسحوق ليُنثر فوق أطباق السّلطة المتنوّعة، أو يُخلط مع اللّبن، وزبدة الفول السّودانيّ، وأطباق الحمّص ليرفع قيمتها الغذائيّة رفعاً كبيراً.
ينصح الخبراء دوماً بإضافة المسحوق إلى الشُّربات والصّلصات الدّافئة بعد إنزالها عن النّار مباشرة، بغية الحفاظ على مكوّناتها النّشطة وعناصرها الغذائيّة الحسّاسة للحرارة العالية. ويتناول النّاس أيضاً بذور هذه الشّجرة بعد تقشير غلافها الخارجيّ الصّلب، أو يحمّصونها للاستمتاع بها وجبة خفيفة ومغذيّة.
تتخطّى منافع البان أسوار المطبخ لتدخل عالم العناية الشّخصيّة وتغذية البشرة والشّعر؛ فيمكن تحضير قناع مغذٍّ للشّعر عبر مزج 2 ملعقة كبيرة من مسحوق البان مع 1 ملعقة صغيرة من زيت الزّيتون وقليل من العسل، ثمّ يوزّع الخليط فوق فروة الرّأس مدّة 30 دقيقة قبل غسله جيّداً. ويستعمل شاي هذه النّبتة بدوره غسول نهائيّ للشّعر ليزيد من بريقه ونعومته.
أمّا في ميدان العناية بالبشرة، فيصنع قناع طبيعيّ بمزج ثمرة واحدة من الأڤوكادو المهروسة مع مسحوق النّبتة والعسل، ويُترك هذا المزيج على وجه نظيف وجافّ مدّة تتراوح بين 20 و 30 دقيقة، ثمّ يُنظّف الوجه بالماء الفاتر لتهب النّبتة البشرة نضارة وحيويّة فائقة.

في الختام كلمة في الاستخدام العمليّ
تعيش شجرة البان نبات معمّر في المناطق ذات المناخ الدّافئ، وتنمو نبات حوليّ صيفيّ أو شجرة تزرع داخل وعاء في المناطق الأكثر برودة. وتبلغ هذه الشّجرة ارتفاعاً مناسباً للحصاد خلال 60 يوماً فقط من زراعة بذورها. وتثمر الشّجرة الواحدة بصورة مستمرّة مدّة 20 عاماً متى ما توفّرت لها الظّروف المناسبة، ويستمتع النّاس بأكل أوراقها طازجة أو مجفّفة أو مطحونة. كما يعصر المزارعون بذورها لاستخراج الزّيت، ويأكلونها محمّصة، ويرمونها كاملة داخل دلاء المياه الملوّثة لتنقيتها. إضافة إلى أنّ قرون الشّجرة الصّغيرة تطبخ خضروات لذيذة، والمميّز في الأمر غياب أيّ حاجة لمعاملات ورقيّة أو موافقات رسميّة لزراعة شجرة واحدة منها في منزلك.
أطلقت النّصوص القديمة عليها اسم الشّجرة السّريعة نظراً لسرعة شفائها، وسمّاها شعب الوُلوڤ في السينيگال بالشّجرة الّتي لا تموت لنجاحها في البقاء وسط أقسى الظّروف. واختارت الأمّهات في الفيليپين تسميتها بشجرة الأمّ عرفاناً بما قدّمته من غذاء وصحّة لأطفالهنّ. لكن، راجعت وكالة تنظيميّة في عام 1439 هـ / 2018 م كلّ هذا التّاريخ العريق، وطلبت مزيداً من الأوراق المكلفة لإثبات سلامتها.
تستحيل صياغة الوثائق الحقيقيّة والمهمّة داخل نماذج رسميّة. تكمن هذه الوثائق الفعليّة بين أيدي الجدّات في الهند اللّواتي واظبن على إضافة الأوراق الطّازجة إلى أوعية الحساء على مدار 4 أجيال متتالية. وتظهر في وجوه الأطفال في السينيگال الّذين نجوا من مواسم الجوع القاسية بفضل صمود الشّجرة الّتي لا تموت. وتتجلّى واضحة في البحوث والمؤلّفات العلميّة المحكّمة الّتي أثبتت أخيراً صحّة ما أدركته كلّ حضارة سابقة استعملت هذه النّبتة.
يعجز الإنسان عن زراعة مركّب صيدلانيّ داخل وعاء على شرفة منزله، لكنّه يملك القدرة الكاملة على زراعة شجرة البان. إذ تكلّف عبوة البذور مبلغاً زهيداً يقلّ عن ثمن كوب من القهوة، وتتحمّل الشّجرة الإهمال المستمرّ. تتكفّل الشّجرة برعاية نفسها تقريباً، وإذا نجح هذا المقال في تغيير نظرتك لمفاهيم الأمان والاختبار في العالم الحديث، فلا تسمح لهذه المعرفة القيّمة بالاختفاء مرّة أخرى. شاركها معارفك وتعاون معهم على زراعة شجرة البان في حدائقهم ومزارعهم.

مراجع ومصادر:
- بحث أكاديميّ بعنوان Nutritional Value of Moringa oleifera Lam. Leaf Powder Extracts and Their Neuroprotective Effects منشور في قاعدة بيانات المركز الوطنيّ لمعلومات التّقانة الحيويّة، ويؤيّد نسب الڤيتامينات والأحماض الأمينيّة العالية في النّبتة. الرّابط: ~https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8308447~
- دراسة علميّة بعنوان Nutritional and functional properties of Moringa oleifera تثبت الخصائص الغذائيّة ومعدّلات الكالسيوم والپروتين الفائقة. الرّابط: ~https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC7596288~
- بحث متخصّص بعنوان Adsorption of a Water Treatment Protein from Moringa oleifera Seeds يشرح آليّة تنقية المياه وارتباط الپروتين الموجب بالشّحنات السّالبة للبكتيريا والشّوائب. الرّابط: ~https://pubs.acs.org/doi/10.1021/la9031046~
- ورقة محكّمة بعنوان Effectiveness of Moringa oleifera seed as coagulant for water purification تصادق على فعاليّة البذور وتوافقها مع معايير منظّمة الصّحّة العالميّة الخاصّة بتنقية مياه الشّرب. الرّابط: ~https://academicjournals.org/article/article1380903175_Amagloh%20and%20Benang.pdf~
- بحث منشور بعنوان Effect of Moringa oleifera seed husk and extraction techniques on coagulation efficiency يعزّز موثوقيّة استعمال بذور المورينگا بديل طبيعيّ وآمن لمعالجة المياه. الرّابط: ~https://iwaponline.com/wpt/article/20/4/868/107644~
- تجربة سريريّة محكّمة بعنوان The effect of Moringa oleifera capsule in increasing breast milk volume توثّق التّقليد المتّبع في الفيليپين والمتمثّل باستعمال النّبتة لزيادة إدرار الحليب للأمّهات. الرّابط: ~https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9684698~
- قاعدة بيانات الأدوية والرّضاعة الطّبيعيّة LactMed التّابعة لمعاهد الصّحّة الوطنيّة الأمريكيّة، والّتي تدرج النّبتة عنصر فعّال ومساعد لزيادة إدرار الحليب. الرّابط: ~https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK501899~
- تقرير حالة طبّيّة بعنوان Ayurvedic management of a chronic venous ulcer using dusting of powdered botanicals يوضّح دور النّبتة المعروفة باسم شيگرو في نصوص طبّ الأيورڤيدا القديم لمعالجة الجروح المستعصية. الرّابط: ~https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12639371~
- دراسة تاريخيّة وطبّيّة بعنوان Morphological and Pharmacognostical Evaluation of Moringa oleifera Lam تشير إلى التّاريخ القديم للنّبتة في الهند وارتباطها بالطّاقة المستدامة للجيوش والمحاربين القدماء. الرّابط: ~https://pdfs.semanticscholar.org/ecae/5c67d987b42d347b0357838982e933bbf927.pdf~
- ورقة بحثيّة بعنوان Eau de Cleopatra: Mendesian Perfume and Tell Timai تتناول عطر مينديزيّ التّاريخيّ وارتباطه بالملكة كليوپاترا وملوك مصر القديمة. الرّابط: ~https://gwern.net/doc/psychology/smell/perfume/2021-littman.pdf~
- مقال تاريخيّ مفصّل بعنوان Perfumes in Ancient Egypt يذكر زيت بن المستخرج من النّبتة وخصائصه الثّابتة في العطور المصريّة القديمة ومقاومته للحرارة. الرّابط: ~https://africame.factsanddetails.com/article/entry-1138.html~
- الوثيقة التّنظيميّة الصّادرة عن إدارة الغذاء والدّواء الأمريكيّة بشأن المكمّلات الغذائيّة الرّافضة لاعتماد موادّ تاريخيّة دون مستندات حديثة بعنوان NEW DIETARY INGREDIENT SAFETY INFORMATION. الرّابط: ~https://downloads.regulations.gov/FDA-2020-S-0023-0116/content.pdf~
- دراسة أكاديميّة شاملة بعنوان Moringa oleifera: An Unknown Crop in Developed Countries with Great Potential تسرد تفاصيل زراعة النّبتة ومقاومتها للجفاف ونموّها السّريع وفوائدها الصّناعيّة المتعدّدة. الرّابط: ~https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC7824577~





اترك رد