دراسةٌ بحثيّةٌ موسّعةٌ تستقصي 60 مدينةً وموضعاً مقدّساً في الشّرق الأوسط، وتتتبّع مسارات الأديان والشّرائع البائدة والحيّة، مع تحقيق أسماء هذه الحواضر وتأصيل جذورها التّاريخيّة والمعماريّة.
يشرع هذا البحث نوافذ واسعةً على إرثٍ روحيٍّ وتاريخيٍّ ضاربٍ في القدم، واضعاً بين يدَي القارئ حصيلة سبع سنواتٍ من الاستقصاء الميدانيّ والبحث المعجميّ والتّاريخيّ المعمّق. وكانت بدأت شرارة هذا الاشتغال قبل جائحة كورونا سنة 1441 هـ / 2019 م، بغاية تتبّع مسارات الأديان والشّرائع، بائدها وحيّها، في ربوع الشّرق الأوسط الكبير.
يغوص هذا العمل في أعماق 60 مدينةً وموضعاً مقدّساً، محقّقاً أسماءها الأصليّة ومؤصّلاً جذورها في المدوّنات المسماريّة السّومريّة والأگّديّة والبابليّة والآشوريّة، مروراً بالوثائق الهيروگليفيّة والقبطيّة، وصولاً إلى النّقوش الفينيقيّة والكنعانيّة والآراميّة والسّريانيّة والعبريّة والمسنديّة، والمصادر الإغريقيّة واللّاتينيّة، ومرويّات الجغرافيّين والإخباريّين العرب.
يستند المنهج المتّبع هنا إلى استقراءٍ دقيقٍ لِمفهوم «المدن المقدّسة»، بوصفها الحواضر والمواضع الّتي يشدّ النّاس إليها الرّحال من أراضٍ بعيدةٍ لِأداء فرائض تعبّديّةٍ مخصوصةٍ في مواسم معلومةٍ، أو لإجراء رحلةٍ دينيّةٍ خالصةٍ وإن خلت من قصد بقعةٍ بعينها. ولِضبط المعيار العلميّ لهذه الخارطة، استُثنيت المزارات والمقامات ذات التّقديس المحلّيّ الضّيّق، لِيقتصر البحث حصراً على حواضر الحجّ الدّوليّة والكونيّة الّتي تجاوز إشعاعها الرّوحيّ حدود أقاليمها الجغرافيّة، فوفد إليها الحجيج من أصقاعٍ نائيّةٍ متحمّلين مشقّة السّفر، معتقدين قصدها شعيرةً أساسيّةً من شعائر الدّين وفريضةً من فرائض العبادة.
ينأى هذا السّرد التّاريخيّ والجغرافيّ بنفسه عن نقد معتقدات الأديان والمذاهب أو التّعارض مع مرويّاتها الإيمانيّة واللّاهوتيّة، مكتفياً برصد الواقع ووصفه تجرّداً من أيّ تحيّزٍ أو مصادرةٍ، وعلى نحو ما جرى في حركة العمران البشريّ. وتتجلّى في طيّات هذه الفصول صورةٌ بانوراميّةٌ لحركة البناء، وتدافع الأمم، واستمراريّة تبدّل أحوال الحواضر بين ظهورٍ وأفولٍ وتحوّلٍ من شريعةٍ إلى أخرى. إذ تتهادى المعاني وتتغيّر عبر آلاف السّنين، فبعض المدن حافظت على قداستها ونبضها حتّى يومنا هذا، وأخرى فقدت هالتها الرّوحيّة مع اندثار شرائعها لتغدو مدناً دنيويّةً تسير فيها الحياة بعيداً عن صلوات الأمس، وطائفةٌ أخرى طواها النّسيان ومات عمرانها تماماً وصارت أثراً بعد عين.
يتجاوز هذا البحث حدود التّوثيق البسيط، لِيلامس جوهر التّجربة الإنسانيّة في سعيها الدّائم نحو المطلق. فالمدينة المقدّسة ليست بناءً من حجرٍ وطينٍ فحسب، بل هي وعاءٌ تنصهر فيه أشواق ملايين البشر، وتتراكم في ساحاتها صلوات الأجيال المتعاقبة. فيقتفي هذا العمل أثر تلك الصّلوات، ويصغي إلى همهمات الحجّاج في معابد بابل وآشور، وتراتيل الكهنة في أروقة الكرنك، وابتهالات الصّابئة في حَرّان، وصولاً إلى أصوات الأذان وأجراس الكنائس في القدس ودمشق وبغداد.
يربط هذا الاستقصاء بين جغرافيا المكان وتاريخ الفكرة، لِيبيّن كيف استطاعت بقعةٌ جغرافيّةٌ محدّدةٌ أن تفرض هيبتها على قوافل المسافرين، وتجبر الملوك والأباطرة على الرّكوع عند أعتابها.
ولعلّ من ألطف ما يكشفه هذا التّتبّع الطّويل مآلات الأماكن حين ترتحل عنها الأديان أو تتبدّل، ويسلّط الضّوء على الحكمة التّشريعيّة والعمرانيّة الكامنة وراء الحديث النّبويّ الشّريف: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى»؛ فلكثرة المواضع المقدّسة وتزاحم المحجّات القديمة في ربوع المشرق، حسم رسول الإسلام محمّدٌ هذا التّشظّي الجغرافيّ والتّاريخيّ بتوحيد القبلة وحصر وجهات الحجّ في 3 مساجد جامعةٍ فحسب، صوناً لِأفئدة النّاس من التّشتّت في دروب المزارات المتكاثرة والمتغيّرة والآيلة إلى الزّوال.
ينتقل القارئ بين دفّتَي هذا البحث مسافراً عبر الزّمن، يقرأ في طبقات الأرض وتاريخ العمارة ما خطّته يد الإنسان في لحظات خضوعه وضعفه، وفي لحظات جبروته وانتصاره. هي دعوةٌ مفتوحةٌ لِلتّأمّل في سيرورة المعتقدات، وكيف تتبادل الحواضر أدوار القداسة، فترث مدينةٌ مجد أخرى، ويندثر هيكلٌ لِيولد فوق أنقاضه مزارٌ جديدٌ. تكتمل بذلك لوحةٌ شاملةٌ ترسم مسارات الإنسان المتجدّدة، وتوثّق ذاكرة الشّرق الأوسط الّذي احتضن النّبوات القديمة، وصدّر إلى العالم أجمع مفاهيم الحجّ والزّيارة والتّقديس.
لِتيسير استعراض هذه المواضع المقدّسة، نظّمتُ الترتيب وفق تسلسلٍ ألفبائي مزدوج؛ فوضعتُ أسماء البلدان أوّلاً في ترتيبٍ ألفبائي، ثمّ أتبعتُ ذلك بترتيب أسماء المدن التّابعة لكلّ بلدٍ ترتيباً ألفبائيّاً داخليّاً.

مقاصد الحجّ في الشّرق الأوسط المعاصر
يقصد أتباع 9 أديان 85 معلماً ومزاراً فريداً للزّيارة والحجّ، تتوزّع على 26 مدينة في بلدان الشّرق الأوسط، وتستحوذ فلسطين والعراق على النّصيب الأكبر منها. وتتنوّع هذه المعالم ما بين مساجد وكنائس ومراقد ومغاور وأديرة وينابيع وجبال، وتتشارك طوائف عدّة في تقديس بعضها، ممّا يجعل المجموع التّراكميّ لمقاصد الزّيارة يبلغ 155 مقصداً عند إحصاء معالم كلّ طائفة على حدة. وتتوزّع هذه المقاصد التّراكميّة بواقع 43 معلماً للمسلمين الشّيعة، و26 معلماً للمسيحيّين الشّرقيّين، و24 معلماً للمسلمين السّنّة، و18 معلماً للمسيحيّين الرّوم الكاثوليك والفرنسيسكان، و10 معالم للبهائيّين والبابيّين والأزليّين، و8 معالم لليهود الرّبّانيّين والقرّائين. وتتضمّن كذلك 7 معالم للمجوس الزّرادشتيّين، و7 معالم لليارسانيّين والكاكائيّين، و6 معالم للإيزيديّين، و3 معالم للموحّدين الدّروز، و3 معالم للسّامريّين. ولا ترتبط شعائر الصّابئة المندائيّين بمعالم أو مبان محدّدة، بل تقتصر على المياه الجارية للأنهار.
- المسلمون الشّيعة: 43 معلماً.
- المسيحيّون الشّرقيّون: 26 معلماً.
- المسلمون السّنّة: 24 معلماً.
- المسيحيّون الرّوم الكاثوليك والفرنسيسكان: 18 معلماً.
- البهائيّون والبابيّون والأزليّون: 10 معالم.
- اليهود الرّبّانيّون والقرّاؤون: 8 معالم.
- المجوس الزّرادشتيّون: 7 معالم.
- اليارَسانيّون والكاكائيّون: 7 معالم.
- الإيزيديّون: 6 معالم.
- الموحّدون الدّروز: 3 معالم.
- السّامريّون: 3 معالم.
- الصّابئة المندائيّون: لا ترتبط شعائرهم بمعالم أو مبانٍ محددة بل بالمياه الجارية للأنهار.
تتوزّع مقاصد الحجّ الدّوليّة الحيّة في الشّرق الأوسط اليوم، والبالغ مجموعها 26 مدينةً وموضعاً من أصل 60 مدينةً وموضعاً في هذه الدّراسة أي بنسبة 43.33% من المجموع العامّ، على طيفٍ واسعٍ من الأديان والطّوائف الّتي لم تزل نابضةً بالحياة في المنطقة؛
يقصد المسلمون الشّيعة في رحاب مكّة المكرّمة المسجد الحرام والكعبة المشرّفة والحجر الأسود ومقام إبراهيم وبئر زمزم والصَّفا والمَرْوة ومشاعِر مِنى وعَرَفات ومُزْدَلِفة، وفي المدينة المنوّرة المسجد النّبويّ الشّريف والرّوضة الشّريفة وحُجرة الضّريح النّبويّ ومقبرة بقيع الغرقد وقبور أئمّة أهل البيت الأربعة إلى جانب مسجد قُباء ومسجد القبلتين ومشهد حمزة بن عبد المطّلب وشهداء أُحُد، وفي القدس المسجد الأقصى بمصلّييه القبليّ والمروانيّ وصرح قبّة الصّخرة، وفي النّجف والكوفة الحرم العلويّ ومقبرة وادي السّلام ومقامَي النّبيَّين هود وصالح ومسجد الكوفة ومسجد السّهلة ومراقد مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وميثم التّمّار، وفي كربلاء الحائر الحسينيّ ومرقد العبّاس بن عليّ، وفي بغداد الرّوضة الكاظميّة لمرقدَي الإمامين موسى الكاظم ومحمّد الجواد ومراقد الشّريف الرّضيّ والشّريف المرتضى والشّيخ المفيد ونصير الدّين الطّوسيّ، وفي سامَرّاء الرّوضة العسكريّة لمرقدَي الإمامين عليّ الهادي والحسن العسكريّ وضريحَي حكيمة ونرجس وسرداب الغيبة، وفي مشهد الحرم الرّضويّ لمرقد الإمام عليّ الرّضا، وفي قُم مرقد فاطمة المعصومة ومسجدها العتيق، وفي شيراز حرم شاه چَراغ لمرقد أحمد بن موسى ومراقد إخوته محمّد وعلاء الدّين حسين وعليّ بن حمزة وأضرحة الشّيخ ابن خفيف وروزبهان البقليّ، وفي الخليل المسجد الإبراهيميّ ومغارة المكفيلة، وفي بيت لحم مسجد بلال بن رباح وموضع مولد المسيح، وفي جبل الكرمل مغارة النّبيّ إلياس ومقام الخَضِر، وفي أنطاكيّة وسَمَنْداغ جامع ومقام حبيب النّجّار ومقامات الرّسل الثّلاثة ومزارات الخَضِر السّاحليّة.
يزور المسلمون السّنّة في مكّة المكرّمة المسجد الحرام والكعبة المشرّفة ومقام إبراهيم والحجر الأسود وبئر زمزم والمسعى بين الصّفا والمروة ومشاعر مِنى وعَرَفات ومُزْدَلِفة، وفي المدينة المنوّرة المسجد النّبويّ والرّوضة الشّريفة وحُجرة القبر النّبويّ وضريحَي أبي بكر وعمر ومقبرة بقيع الغرقد ومسجد قُباء ومسجد القبلتين ومشهد حمزة وقبور شهداء أُحُد ومساجد الخندق، وفي القدس المسجد الأقصى المبارك وقبّة الصّخرة المشرّفة، وفي الخليل المسجد الإبراهيميّ الشّريف والبلّوطة التّاريخيّة (شجرة إبراهيم)، وفي بيت لحم مسجد بلال بن رباح (قبّة راحيل)، وفي حِطّين مقام وضريح النّبيّ شُعَيْب، وفي طور سيناء قمّة جبل موسى ومصلّاه والجامع الفاطميّ داخل أسوار دير القدّيسة كاترينا، وفي أفسس مغارة ومقام أصحاب الكهف، وفي أنطاكيّة جامع ومقام الشّهيد حبيب النّجّار، إلى جانب قصد من يفد منهم إلى بغداد لمرقد الإمام أبي حنيفة النّعمان في الأعظميّة ومرقد الشّيخ عبد القادر الگيلانيّ في الرّصافة.
يقصد المسيحيّون الشّرقيّون من الرّوم الأرثوذكس والأقباط والسّريان والأرمن في القدس كنيسة القيامة والقبر المقدّس ومسار درب الآلام، وفي بيت لحم كنيسة المهد ومغارة الحليب ودير مار إلياس ودير مار سابا في برّيّتها، وفي النّاصرة كنيسة البشارة ومغارتها وكنيسة القدّيس يوسف وكنيسة القدّيس جبرائيل عند عين العذراء، وفي طور سيناء كنيسة التّجلّي الكبرى وكنيسة العليّقة الملتهبة وضريح القدّيسة كاترينا وبئر موسى ومعرض الجماجم وسلّم التّوبة الصّاعد إلى جبل موسى، وفي برّيّة وادي النّطرون دير القدّيس أنبا مقار وما يحويه من رفات المقارات الثّلاثة ومزار يوحنّا المعمدان وأليشع ودير الأنبا بيشوي ودير السّريان بكنيسته وشجرة مار أفرام ودير البراموس، وفي أفسس بازيليكا وضريح القدّيس يوحنّا الإنجيليّ فوق تلّة آياسلوغ وبيت مريم العذراء في جبل البلبل، وفي أنطاكيّة كنيسة القدّيس بُطْرُس الكهفيّة بمحرابها وسردابها الصّخريّ ونبع مائها، وفي الخليل كنيسة المسكوبيّة (دير الثّالوث المقدّس) والبلّوطة التّاريخيّة، وفي جبل الكرمل دير مار إلياس ومغارة النّبيّ إلياس.
يتوجّه المسيحيّون الكاثوليك واللّاتين والفرنسيسكان في القدس إلى كنيسة القيامة والقبر المقدّس ومراحل درب الآلام، وفي بيت لحم إلى كنيسة المهد وكنيسة القدّيسة كاترينا ومغارة الحليب، وفي النّاصرة إلى كنيسة البشارة اللاتينيّة الكبرى وكنيسة القدّيس يوسف وكنيسة الرّوم الكاثوليك والمجمع القديم، وفي جبل الكرمل إلى دير المُحْرَقة الكرمليّ ومذبحه الحجريّ ومغارة النّبيّ إلياس، وفي عكّا إلى كنيسة ودير الفرنسيسكان (كنيسة الأرض المقدّسة)، وفي أفسس إلى بيت مريم العذراء (مريم أنا إيڤي) وبازيليكا القدّيس يوحنّا، وفي أنطاكيّة إلى كنيسة القدّيس بُطْرُس الكهفيّة التّاريخيّة، وفي الخليل إلى معالم الحَرَم الإبراهيميّ ورامة الخليل.
يقصد اليهود الرّبّانيّون والقرّاؤون في القدس حائط المبكى وهضبة جبل موريا، وفي الخليل كهف البطاركة في مغارة المكفيلة ورامة الخليل، وفي بيت لحم ضريح قبّة راحيل، وفي جبل الكرمل مغارة النّبيّ إلياس وموضع المذبح الصّخريّ في المُحْرَقة، وفي طور سيناء مسالك قمّة جبل موسى (حوريب).
ويتوجّه السّامريّون في مدينة نابلس إلى حَرَمهم الدّينيّ الأعلى ومذبح تقديم أضاحي الفصح فوق قمّة جبل جرزيم، إلى جانب زيارتهم التّاريخيّة لقبر النّبيّ يوسف وبئر يعقوب في محيط تلّ بلاطة.
وإلى جانب الدّيانات الإبراهيميّة، تظهر مدنٌ مقدّسةٌ تتبع أدياناً وطوائف عريقةً أخرى ضمن قائمة الحواضر الـ 26 الحيّة؛
يتوجّه البهائيّون والبابيّون والأزليّون في حيفا إلى مقام الباب عليّ محمّد الشّيرازيّ ذي القبّة الذّهبيّة والحدائق البهائيّة المعلّقة ومجمّع القوس الإداريّ بما يضمّه من بيت العدل الأعظم ودار التّبليغ ومركز دراسة النّصوص ودار الآثار وحدائق النّصب وبيت العبادة وبيت عبد البهاء ومثوى أَمَة البهاء رُوحيّة خانُم ودُور الحجيج، وفي عكّا ومحيطها إلى ضريح بهاء اللّه في قصر البهجة وحديقة الرّضوان وبيت عبّود وبيت عبد اللّه پاشا وقصر المزرعة.
يقصد المجوس الزّرادشتيّون في حاضرة يَزْد ومحيطها الجبليّ معبد النّار الرّئيس لحفظ جذوة آتش بهرام وأبراج الصّمت القديمة (دَخْمَه)، إلى جانب ستّة مزارات جبليّة مقدّسة يتصدّرها مزار پِيرِ سَبْز (چَكْ چَكْ) وشجرة دُلبه العتيقة ونبعه الصّخريّ، ومزار پِيرِ هَرِشْت، ومزار پِيرِ نارَكِي، ومزار پِيرِ بانُو پارْس، ومزار پِيرِ قَصْرَة، ومزار پِيرِ مُراد.
يتوجّه اليارَسانيّون والكاكائيّون والشّبك في وادي پيرديور إلى مرقد مؤسّس الشّريعة سلطان سَهاك ذي القبّة الخضراء على ضفّة نهر سِيرْوان، وإلى جواره مرقد الشّيخ داود كَوْسَوار، ومرقد پِير بِنْيامِين، ومرقد پِير مُوسِي، ومرقد مُصْطفى داودان، ومقام خاتون رَزْبار، فضلاً عن الصّخرة المقدّسة، ومغارة الخلوة، وجسر پيرديور الحجريّ، ومغارة مَرِ نَوْ في جبل شِنْرْوِي.
يشدّ الإيزيديّون رحالهم في وادي لالِش إلى معبد الشّيخ عَديّ بن مسافر ذي القباب المخروطيّة المضلّعة، ونبع كانيا سپي (العين البيضاء) المخصّص لعماد الأطفال، ومغارة زمزم الجوفيّة، وجسر صِراط الحجريّ، ومقام الشّيخ شمس الدّين، ومراقد كبار الأولياء كالشّيخ حسن والشّيخ بكر.
يقصد الموحّدون الدّروز في قرية حِطّين مقام وضريح النّبيّ شُعَيْب وسفح جبل قرون حِطّين والصّخرة التي تحوي تجويف دعسة النّبيّ شُعَيْب وضريح ابنته صفّورة، وفي جبل الكرمل مقام النّبيّ إلياس أو الخَضِر.
أمّا الصّابئة المندائيّون فلا ترتبط شعائرهم ببناء مزارات أو معالم عمرانيّة مخصّصة للزّيارة في المدن، بل تنحصر شعائرهم التّعبّديّة في أداء شعائر الصّباغة والرّشامة والعماد في المياه الحيّة الجارية للأنهار كدجلة والفرات والكارون.
وبذلك تكتمل لوحة الأديان والطّوائف الحيّة في الشّرق الأوسط بين شرائع ورثت حواضر الحجّ الدّوليّ الكبرى وشرائع احتفظت بمواضعها الخاصّة خارج الحواضر العامّة.

الأديان الحيّة في الشّرق الأوسط المعاصر
الإسلام:
- أهل السّنّة والجماعة: بمذاهبهم الفقهيّة الأربعة (الحنفيّة، والشّافعيّة، والمالكيّة، والحنبليّة)، إلى جانب المذاهب التّراثيّة كالظّاهريّة.
- الشّيعة: الإثنا عشريّة (الجعفريّة بأصوليّيها وأخباريّيها وشيخيّيها)، والإسماعيليّة (النّزاريّة، والمستعليّة ببُهرتها الدّاوديّة والسّليمانيّة)، والزّيديّة، والعلويّة (النّصيريّة).
- الإباضيّة: وتتركّز في سلطنة عُمان.
- الطّوائف ذات الجذور الإسلاميّة والمذاهب الباطنيّة والتّوفيقيّة: العلويّون الأناضوليّون (القزلباش والبكتاشيّة)، والشّبك، والأحمديّة (القاديانيّة واللّاهوريّة).
المسيحيّة:
- الكنائس الأرثوذكسيّة الخلقيدونيّة (الرّوم الأرثوذكس): بطريركيّات أنطاكية والقدس والإسكندريّة والقسطنطينيّة، وكنيسة قبرص، وكنيسة سيناء.
- الكنائس الأرثوذكسيّة المشرقيّة (غير الخلقيدونيّة): الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة، والكنيسة السّريانيّة الأرثوذكسيّة، والكنيسة الأرمنيّة الرّسوليّة (في إچميادزين وبيت كيليكيا والقدس والقسطنطينيّة).
- كنائس المشرق (السّريانيّة الشّرقيّة): كنيسة المشرق الآشوريّة، والكنيسة الشّرقيّة القديمة.
- الكنائس الكاثوليكيّة الشّرقيّة والغربيّة: الكنيسة المارونيّة، وكنيسة الرّوم الملكيّين الكاثوليك، والكنيسة الكلدانيّة الكاثوليكيّة، والكنيسة السّريانيّة الكاثوليكيّة، والكنيسة القبطيّة الكاثوليكيّة، والكنيسة الأرمنيّة الكاثوليكيّة، إلى جانب الكنيسة اللّاتينيّة (الرّومانيّة الكاثوليكيّة والفرنسيسكان).
- الكنائس الإنجيليّة والپروتستانتيّة: الكنيسة الأسقفيّة (الأنگليكانيّة)، والكنائس المشيخيّة، واللّوثريّة، والمعمدانيّة.
اليهوديّة والسّامريّة:
- اليهوديّة الرّبّانيّة: وتضمّ السّفارديّين والمزراحيّين (اليهود الشّرقيّين والعرب)، والأشكناز، بتيّاراتهم الأرثوذكسيّة والحريديّة والمحافظة والإصلاحيّة.
- اليهوديّة القرّاءة: ويتركّز أتباعها التّاريخيّون في مصر وفلسطين.
- السّامريّون (شَمَرِيم ࠔࠌࠓࠉࠌ): ويقيمون في جبل جرزيم بنابلس وفي حولون قرب يافا.
الموحّدون الدّروز:
- الدّروز (بنو معروف): ويتركّزون في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن.
الأديان البابيّة والبهائيّة:
- البهائيّة: ومقرّها العالميّ في حيفا وعكّا.
- البابيّة (البيانيّة والأزليّة): ويتركّز أتباعها التّاريخيّون في إيران والعراق.
الأديان الإيرانيّة والرافدينيّة العريقة:
- المجوسيّة (الزّرادشتيّة / البهْدينيّة): ويتركّز أتباعها في إيران (يَزْد وكرمان وطهران).
- الإيزيديّة: ويتركّز أتباعها في شمال العراق (سنجار وشيخان وبعشيقة) وسوريا وتركيا وأرمينيا وجورجيا.
- الصّابئة المندائيّة: ويتركّز أتباعها في جنوب العراق ووسطه وفي إقليم الأهواز (خوزستان) بإيران.
- اليارَسانيّة (أهل الحقّ / الكاكائيّة): ويتركّز أتباعها في العراق (كركوك وخانقين والموصل) وغرب إيران (كرمانشاه وهَورامان).

خرائط تفاعليّة: مدن كانت أو لم تزل مقدّسة في الشرق الأوسط المعاصر
المدن والمواضع في هذا البحث 60 مدينةً وموضعاً؛ 14 في العراق، و 9 في فلسطين، و 9 في مصر، و 8 في إيران، و 7 في سوريا، و 4 في تركيا، و 3 في اليمن، و 3 في لبنان، و 2 في السّعوديّة، و 1 في الأردن. وصنّفتُ قوائم هذه المدن هنا إلى 3 فئات:
- 26 مدينةً وموضعاً حيّةً ولم تزل على قداستها
- 23 مدينةً لم تزل حيّةً وزالت عنها القداسة وانتهت أديانها
- 11 مدنٍ ماتت فزالت عنها القداسة ورحل عمرانها.
خريطة تفاعلية: أماكن مقدّسة في الشرق الأوسط
لون الرمز يميّز ما بين الأماكن المقدّسة في عصرنا، والأماكن التي زالت قداستها، والأماكن الميتة
خريطة تفاعلية: مزارات مقدّسة في الشرق الأوسط، يشدّ إليها الرحال
الرمز يشير إلى عدد الطوائف التي تقدّس المزار

مدن حيّة ولم تزل على قداستها
يندرج تحت هذا التّصنيف 26 مدينةً وموضعاً باقيةً تنبض بالحياة حتّى يومنا هذا، وتتوزّع قداستها بين الأديان والمذاهب الحيّة في الشّرق الأوسط من إسلامٍ بشقَّيه السّنّيّ والشّيعيّ، ومسيحيّةٍ، ويهوديّةٍ، وسامريّةٍ، ودرزيّةٍ، وبهائيّةٍ، وبابيّةٍ، وأزليّةٍ. تحافظ هذه الحواضر العريقة على مكانتها الرّوحيّة والدّينيّة بوصفها وجهات حجٍّ مقدّسةً، وتستقطب الزّوّار الوافدين إليها أفواجاً إثر أفواج، ما يمنحها خلوداً واستمراراً حتّى يومنا هذا.
لِتيسير استعراض هذه المواضع المقدّسة، نظّمتُ الترتيب وفق تسلسلٍ ألفبائي مزدوج؛ فوضعتُ أسماء البلدان أوّلاً في ترتيبٍ ألفبائي، ثمّ أتبعتُ ذلك بترتيب أسماء المدن التّابعة لكلّ بلدٍ ترتيباً ألفبائيّاً داخليّاً.

پيرديور في إيران
- الطوائف التي تقصدها اليوم: اليارَسانيّون، الكاكائيّون، الشّبك
- يزورون: مرقد سلطان سَهاك، مرقد الشّيخ داود كَوْسَوار، مرقد پِير بِنْيامِين، مرقد پِير مُوسِي، مرقد مُصْطفى داودان، مقام خاتون رَزْبار، الصّخرة المقدّسة، مغارة الخلوة، جسر پيرديور العتيق، مغارة مَرِ نَوْ في جبل شِنْرْوِي
- أسماء المدينة عبر التاريخ: پِيرْدِيْوَر، پِيرْد، پِرْد، هَوْرامان، أَوْرامان
پيرديور (في هَورامان / كرمانشاه) في إيران. أُنشئت نواتها الرّوحيّة والحضريّة في مطلع القرن 8 هـ / القرن 14 م، وتقع في وادٍ جبليٍّ سحيقٍ عند الضّفّة الصّخريّة لنهر “سِيرْوان” (رافد نهر ديالى الأعلى) قرب قرية “شِيخان” في منطقة هَوْرامان التّابعة لقضاء پاوه في محافظة كرمانشاه بغرب إيران على مقربةٍ من الحدود العراقيّة، وتحيط بها قمم جبل “شاهُو” وجبل “شِنْرْوِي” الكثيفة بأشجار الرّمّان والتّين والبلّوط والجوز، في حين يعود استيطان كهوف هَوْرامان ومدرّجاتها الحجريّة إلى العصور الحجريّة وعهد الميديّين والأشكان والسّاسان؛ إذ عُثر في مغاورها سنة 1327 هـ / 1909 م على “رقوق هَوْرامان” الشّهيرة المكتوبة باللّغتَين الإغريقيّة والپهلويّة الأشكانيّة الّتي تعود إلى القرن 7 ق.هـ / القرن 1 ق.م.
اسمها في اللّسان الگورانيّ (الهَوْراميّ) وهو لسان النّصوص المقدّسة لليارَسانيّين پِيرْدِيْوَر، وهو مركّبٌ من لفظة پِيرْد أو پِرْد الّتي تعني الجسر أو المَعْبَر، ولفظة إِيْوَر أو وَر الّتي تعني العبور أو الجهة المقابلة، فيكون معناه الحرفيّ معبر الجسر أو الموضع الواقع وراء الجسر؛ نسبةً إلى الجسر الحجريّ التّاريخيّ المشيّد فوق مضيق نهر سِيرْوان والّذي كان لزاماً على القاصدين عبوره لبلوغ الحَرَم، في حين يفسّره بعض شيوخ الطّائفة دينيّاً من لفظة پِير بمعنى الشّيخ الوليّ ودِيْوَر بمعنى الدّار والمقام، أي دار الشّيخ وملاذه.
أمّا اسم إقليمها الجبليّ هَوْرامان أو أَوْرامان فمركّبٌ في الأڤِستائيّة والپهلويّة من أَهُورا 𐬀𐬵𐬎𐬭𐬀 أو هُور بمعنى الشّمس والنّور والإله، ومَان بمعنى المسكن والموطن، أي موطن الشّمس وأرض النّور الإلهيّ، وضبط الجغرافيّون والإخباريّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” وابن الأثير في “الكامل في التّاريخ” منطقتها الجبليّة الوعرة ضمن أعمال الدِّينَوَر وحُلْوان وشَهْرَزُور باسم جبال أَوْرامان في بلاد الجبل (عراق العجم).
نالت پيرديور قداستها الكبرى بوصفها القبلة الرّوحيّة العُليا والمحجّ الدّوليّ الأقدس لأتباع الدّيانة اليارَسانيّة (المعروفين في العراق باسم الكاكائيّة، وفي إيران باسم أهل الحقّ أو يارَسان، أي أصدقاء الحقّ وأحبّاؤه)؛ وذلك حين هاجر إليها الفقيه والمتصوّف السّلطان إسحاق البرزنجيّ المعروف بلقب “سلطان سَهاك” (المولود في برزنجة من أعمال شهرزور في القرن 7 هـ / القرن 13 م والمتوفّى في القرن 8 هـ / القرن 14 م) هرباً من نزاعات إخوته، واستقرّ في مضيق نهر سِيرْوان بپيرديور.
في هذا الوادي عقد سلطان سَهاك ميثاقه الرّوحيّ الأعظم المسمّى “بيابَسِ پِيرْدِيْوَر” أي عهد الجسر مع تلاميذه وملائكة التّجلّي السّبعة المسمّين “هَفْت تَنْ” والأربعين وليّاً، وأعاد تأسيس شريعة اليارَسانيّة ورتّب حلقات الذّكر المسمّاة “جَمْ” على أنغام آلة الطّنبور المقدّسة، ودوّن أتباعه تعاليمه وأناشيده باللّسان الگورانيّ في كتابهم الأقدس “سَرَنْجام” أي الخاتمة والكمال، فصارت پيرديور في لاهوتهم بمنزلة سفينة نوح وموضع التّجلّي الإلهيّ الكامل في الأرض.
يقصد الحجيج اليارَسانيّون والكاكائيّون والشّبك وادي پيرديور من عموم إيران والعراق وتركيا وبلدان المهجر للتّبرّك بمرقد سلطان سَهاك ذي القبّة الخضراء المشيّد بين البساتين على شاطئ نهر سِيرْوان، وإلى جواره مرقد الشّيخ “داود كَوْسَوار” (فارس الجواد الأشهب وشفيع المستغيثين)، ومرقد “پِير بِنْيامِين” و”پِير مُوسِي” و”مُصْطفى داودان”، ومقام السيّدة “خاتون رَزْبار” أمّ سلطان سَهاك، فضلاً عن الصّخرة المقدّسة ومغارة الخلوة وجسر پيرديور العتيق.
وتتجلّى ذروة مواسم الحجّ والزّيارة إليها في فصل الشّتاء إبّان صوم وعيد “خاوَنْكار” (عيد سلطان العالمين) الّذي يمتدّ ثلاثة أيّامٍ عند اكتمال بدر شهر تشرين الثّاني نوڤمبر من كلّ عام؛ إحياءً لذكرى اختباء سلطان سَهاك وأصحابه ثلاثة أيّامٍ في مغارة “مَرِ نَوْ” بجبل شِنْرْوِي هرباً من خصومه قبل ظهوره وانتصاره في پيرديور، حيث ينحر الزّوّار القرابين النّذريّة من الدّيكة والكباش، ويطبخون طعام النّذر مع خبز الصّاج والرّمّان، ويقيمون حلقات الذّكر الجماعيّة بعزف الطّنبور وإنشاد كلام “السَّرَنْجام” وتقبيل أعتاب المقام.

شيراز في إيران
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسلمون الشّيعة
- يزورون: حرم شاه چَراغ (مرقد أحمد بن موسى الكاظم)، مرقد محمّد بن موسى الكاظم، مرقد علاء الدّين حسين بن موسى الكاظم، مرقد عليّ بن حمزة بن موسى الكاظم، ضريح أبي عبد اللّه محمّد بن خفيف الشّيرازيّ، ضريح روزبهان البقليّ، مثوى سعدي الشّيرازيّ، مثوى حافظ الشّيرازيّ
- أسماء المدينة عبر التاريخ: تِيرازِيش 𒋾𒊏𒍣𒅖، شِيرازِيش، شِيراچ، شِيراز، شِيرازَه، دار الأولياء، برج الأولياء
شيراز في إيران. أُنشئت نواتها الأولى حوالي سنة 2703 ق.هـ / 2000 ق.م، وتقع في سهلٍ أخضر خصيبٍ عند سفوح جبال زاگرُس الجنوبيّة بمحافظة فارس جنوب إيران، يرويها نهر “خُشْك” الموسميّ وتحيط بها البساتين وكروم العنب.
يظهر أقدم ذكرٍ تاريخيٍّ موثّقٍ لموضعها في الألواح الطّينيّة المسماريّة المكتوبة باللّغة الإيلاميّة والمستخرجة من خزائن تحصينات مدينة پارْسَه (تخت جمشيد) من العهد الأخمينيّ في القرن 12 ق.هـ / القرن 6 ق.م بصيغة تِيرازِيش 𒋾𒊏𒍣𒅖 وشِيرازِيش. وفي العهد السّاسانيّ قام حصنها ومعبد نارها في موقع “قصر أبو نصر” المشرف على سهلها المجاور لمركزها الحاليّ، ووثّقت الأختام الطّينيّة السّاسانيّة اسمها باللّغة الپهلويّة بصيغة شِيراچ، ثمّ مَصّرها العرب المسلمون معسكراً للجند وحاضرةً إداريّةً لإقليم فارس سنة 74 هـ / 693 م في عهد الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ على يد أخيه محمّد بن يوسف أو ابن عمّه محمّد بن القاسم، فورثت مكانة مدينة إِصْطَخْر السّاسانيّة وتخت جمشيد الأخمينيّة.
يذكر ياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” أنّ اسمها مشتقٌّ من تشبيهها بـ”جوف الأسد” باللّغة الفارسيّة؛ لأنّها تجتذب خيرات البلاد وتستهلكها دون أن يخرج منها شيءٌ إلى غيرها، وينسبها الإخباريّون كالإصطخريّ وابن البلخيّ في الأساطير الإيرانيّة القديمة إلى شيراز بن طهمورث، في حين يُرجعها اللّغويّون إلى كلمة “شِيرازَه” وتعني الرّباط الجامع وحاشية الكتاب المحكمة، أو إلى جودة الألبان في مرجها من لفظ “شِير” الفارسيّ بمعنى الحليب أو الأسد.
نالت شيراز قداستها ومكانتها الدّينيّة بصفتها محجّاً مهمّاً لدى المسلمين الشّيعة في القرن 7 هـ / القرن 13 م في عهد الأتابكة التّركمان السّلغريّين؛ وذلك حين اكتشف الأمير مقرب الدّين مسعود بن بدر الدّين والوزير فخر الدّين أبو بكر في عهد الأتابك أبي بكر بن سعد بن زنگي قبرَ السّيّد أحمد بن الإمام موسى الكاظم وشقيق الإمام عليّ الرّضا، الّذي قُتل أو توفّي متخفّياً في شيراز في أواخر القرن 2 هـ / القرن 8 م أو مطلع القرن 3 هـ / القرن 9 م إبّان مسيره نحو خراسان في عهد الخليفة العبّاسيّ المأمون.
عُرف مرقده بعد ظهور كراماته وتوقّد الضّياء فوق تربته باسم “شاه چَراغ” أي ملك النّور أو سيّد الضّياء، وبنى الأتابكة عليه قبّةً ورواقاً، ثمّ وسّعت الملكة تاشي خاتون عمارته ومدرسته في القرن 8 هـ / القرن 14 م، وجدّده الصّفويّون والقاجاريّون حتّى غدا ثالث أقدس المشاهد الشّيعيّة في إيران بعد مشهد وقُم.
وإلى جوار حرم شاه چَراغ يقصد الحجيج والزّوّار مرقد شقيقه السّيّد محمّد بن موسى الكاظم، ومرقد السّيّد علاء الدّين حسين بن موسى الكاظم، ومرقد عليّ بن حمزة بن موسى الكاظم، فضلاً عن عشرات الأضرحة للعلويّين والفقهاء وأقطاب المتصوّفة كالشّيخ أبي عبد اللّه محمّد بن خفيف الشّيرازيّ والشّيخ روزبهان البقليّ، ما منح المدينة لقب “دار الأولياء” و”برج الأولياء” وجعلها مقصداً دائماً للحجيج من داخل إيران وخارجها إلى جانب شهرتها التّاريخيّة الواسعة بالعلم والأدب والشّعر ومثويَي الشّاعرَين سعدي الشّيرازيّ وحافظ الشّيرازيّ.

قُم في إيران
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسلمون الشّيعة
- يزورون: مرقد فاطمة المعصومة، المسجد الجامع الأوّل
- أسماء المدينة عبر التاريخ: كُمَنْدان (قمندان)، كُومَه، كوم إيران، قُم
قُم في إيران. يعود استيطان منطقتها إلى الألفية 4 ق.م، في حين برزت بصفتها حاضرة إسلامية سنة 94 هـ / 713 م على يد العرب الأشعريّين النازحين من الكوفة بقيادة الأحوص وعبد اللّه ابني سعد بن مالك الأشعريّ.
يذكر الحسن بن محمّد القمّي في كتاب “تاريخ قم” وياقوت الحموي في “معجم البلدان” أنّ أصلها سبع قرى متجاورة عُرفت كبرى قراها باسم كُمَنْدان (قمندان)، وعندما نزلها العرب جمعوا القرى في مصرٍ واحد وأسقطوا بعض حروف اسمها فصارت قُم. ويربط باحثون أصل تسميتها باللّفظ الفارسيّ “كومَه” ويعني الأكواخ أو المظالّ التي اتّخذها الرعاة مساكن لهم حول نهرها، ويذهب آخرون إلى اشتقاقها من “كوم إيران” بمعنى مدينة إيران، وتربطها المرويّات الشيعيّة بلفظ “القيام” نسبة إلى مناصرة أهلها لآل البيت.
كانت قُم في العهد الساسانيّ وحدة إداريّة تضمّ بيوت نار زرادشتيّة عديدة أشهرها في قرية دزيجان، وشُيّد مسجدها الجامع الأوّل في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة 265 هـ / كانون الأوّل ديسمبر سنة 878 م أو كانون الثاني يناير سنة 879 م على أنقاض بيت نار قديم.
واكتسبت قُم قداستها الكبرى لدى الشيعة بعد وفاة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى الكاظم وأخت الإمام عليّ الرضا فيها، في شهر ربيع الأوّل أو ربيع الآخر سنة 201 هـ / تشرين الأوّل أكتوبر أو تشرين الثاني نوڤمبر سنة 816 م في أثناء رحلتها للحاق بأخيها في خراسان، وتحوّل مرقدها بداية من سنة 256 هـ / 870 م إلى مزارٍ عظيم ومحجّ دوليّ يقصده الزوّار وطلبة العلوم الدينيّة من شتّى الأصقاع، وظلّت حاضرة علميّة كبرى برغم تعرّضها للدمار على يد المغول سنة 621 هـ / 1224 م قبل استعادة عمرانها ومكانتها في العهد الصفويّ.

مشهد في إيران
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسلمون الشّيعة
- يزورون: الحرم الرضويّ (مرقد عليّ بن موسى الرضا)، قبر الخليفة هارون الرشيد، بستان حميد بن قحطبة الطائيّ
- أسماء المدينة عبر التاريخ: پاتيگرابانا، سوسياء Σούσια، الإسكندريّة Alexandria، ألكسندروپوليس Alexandropolis، طوس، سناباد، مشهد الرضا، مشهد المقدّسة، مشهد
مشهد في إيران. عمرها غير معروف بدقّة، وتقع في وادي نهر كشف رود بشمال شرق إيران، ومدفون فيها الخليفة العبّاسيّ هارون الرشيد والإمام عليّ بن موسى الرضا.
كان اسم حاضرتها الكبرى طوس وهي المدينة التي خرجت منها الأسرة الأشكانيّة وأنشأت الإمبراطوريّة الپارثيّة وسمّاها الپارثيّون پاتيگرابانا، وبقيت مدينة أرستقراطيّة تركيّة إلى أن فرض عليها المغول الحصار سنة 617 هـ / 1220 م ومنعوا إعمارها لتموت من الجوع.
ذُكرت في الإغريقيّة عند أريانوس باسم سوسياء Σούσια وفي اللّاتينيّة باسم الإسكندريّة Alexandria وكذلك ألكسندروپوليس Alexandropolis أي عاصمة الإسكندريّين. وقبل تغيير اسمها إلى مشهد في العهد الصفويّ كان اسمها سناباد، وفي الواقع كانت سناباد (مشهد الحاليّة) قرية عامرة بالبساتين وقصور الصيف تبعد حوالي 24 كلم عن طوس، وهي من أعمال نوقان إحدى مدن كورة طوس، ولمّا حاصر المغول طوس ودمّروها نزح من نجا من أهلها إلى سناباد وصارت فيها مدينتهم البديلة حول الحرم الرضويّ، والعديد من المشاهير المعروفين تاريخيّاً باسم الطوسيّ هم أصلاً من سناباد ونوقان.
بدأت قداسة الموضع حين توفّي الخليفة هارون الرشيد ودُفن في بستان حميد بن قحطبة الطائيّ في سناباد في شهر جمادى الآخرة سنة 193 هـ / آذار مارس سنة 809 م، ثمّ توفّي الإمام عليّ الرضا في شهر صفر سنة 203 هـ / أيلول سپتمبر سنة 818 م ودُفن إلى جواره، فاشتُهر المكان باسم “مشهد الرضا” أي موضع شهادته ودفنه، ثمّ اختُصر بمرور القرون إلى “مشهد”، كما عُرفت في العهد التيموريّ والصفويّ بلقب “مشهد المقدّسة”. وتحوّلت المدينة بفضل هذا المرقد إلى أعظم محجّ شيعيّ في إيران وواحدة من كبرى الحواضر الدينيّة والعلميّة التي يشدّ إليها الزوّار وطلبة العلوم الدينيّة الرّحال بالملايين سنويّاً من شتّى أرجاء العالم الإسلاميّ.

يَزْد في إيران
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المجوس الزّرادشتيّون (البهْدينيّون والپارسيّون)
- يزورون: معبد النّار الرّئيس (آتَشْ بَهْرام)، أبراج الصّمت (دَخْمَه)، مزار پِيرِ سَبْز (چَكْ چَكْ أو چَكْ چَكُو)، پِيرِ هَرِشْت، پِيرِ نارَكِي، پِيرِ بانُو پَارْس، پِيرِ قَصْرَة، پِيرِ مُراد
- أسماء المدينة عبر التاريخ: إِيساتِيس، إِيساتِيش، كَثَه، يَزَتَه 𐎹𐎠𐎫، يَزَتا 𐬫𐬀𐬰𐬀𐬙𐬀، يَزْدان گِرْد، دار العبادة، يَزْد
يَزْد في إيران. أُنشئت نواتها الحضريّة الأولى حوالي سنة 3734 ق.هـ / 3000 ق.م في عهد الحضارة الإيلاميّة، وتقع في واحةٍ صحراويّةٍ جافّةٍ فسيحةٍ محصورةٍ بين صحراء الدّشت الكبير شمالاً وصحراء لوط شرقاً عند سفوح جبل “شِيركُوه” في وسط إيران، ما منحها عزلةً جغرافيّةً طبيعيّةً حفظت عمرانها الطّينيّ العتيق وقنواتها الجوفيّة وأبراج التّبريد الهوائيّة المعروفة باسم البادگير.
كان اسم موضعها الأقدم إِيساتِيس أو إِيساتِيش، وتذكر الرّوايات الكلاسيكيّة والتّراثيّة أنّ الإسكندر المقدونيّ أنشأ فيها سجناً حصيناً لأسراه في القرن 10 ق.هـ / القرن 4 ق.م فسمّيت كَثَه، وهو اللّفظ الّذي يفسّره الإخباريّون والجغرافيّون كالإصطخريّ وياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” بمعنى الحصن أو السّجن المحفر، وكانت كَثَه قصبة كورة إِصْطَخْر الشّرقيّة قبل أن يغلب اسم الإقليم يَزْد على الحاضرة ذاتها.
أمّا اسمها الشّائع يَزْد فمشتقٌّ من اللّفظ الپهلويّ يَزَتَه 𐎹𐎠𐎫 وأصله في الأڤِستائيّة يَزَتا 𐬫𐬀𐬰𐬀𐬙𐬀 من الجذر يَز 𐬫𐬀𐬰، ويعني المقدّس أو الجدير بالعبادة والقربان والتّبجيل، وينسبها المؤرّخون الفرس والعرب كأحمد بن الحسين الكاتب في “تاريخ جديد يزد” إلى الملك السّاسانيّ يَزْدَجِرْد الأوّل بن شاپور (حكم 230 ق.هـ / 399 م – 208 ق.هـ / 420 م) الّذي أعاد إعمارها وسمّاها يَزْدان گِرْد أي مدينة اللّه أو صنع الخالق، وعُرفت في العصور الإسلاميّة بلقب “دار العبادة”.
نالت يَزْد ومحيطها الجبليّ قداستها الدّوليّة الكبرى لدى المجوس الزّرادشتيّين (البهْدينيّين) عقب الفتح الإسلاميّ لإيران في القرن 1 هـ / القرن 7 م وسقوط الحواضر الكهنوتيّة السّاسانيّة في إِصْطَخْر والشّيز وطيسفون؛ إذ لاذ الموابذة والكهنة الزّرادشتيّون بواحة يَزْد وجبال عَقْدا وأَردَكان حاملين معهم جذوة النّار الملوكيّة المقدّسة الكبرى “آتَشْ بَهْرام” (نار بهرام أو نار النّصر)، والّتي يسود الاعتقاد لديهم أنّها متّقدةٌ دون انطفاءٍ منذ حوالي سنة 191 ق.هـ / 470 م في العهد السّاسانيّ، حيث نُقلت خُفيةً بين قرى عقدا وترك آباد وأردكان قروناً طويلةً حتّى استقرّت في معبد النّار الرّئيس في مدينة يَزْد المشيّد بصورته المعاصرة سنة 1353 هـ / 1934 م، وإلى جوارها في أطراف المدينة تقع أبراج الصّمت المعروفة باسم “دَخْمَه” الّتي كانت تُعرَض فوقها الجثامين لطيور السّماء حتّى أُوقفت هذه الشّعيرة في القرن 14 هـ / القرن 20 م.

تتركّز شعائر الحجّ الدّوليّ السّنويّ للمجوس في يَزْد عند ستّة مزاراتٍ جبليّةٍ مقدّسةٍ تُعرف باسم “پِير”، ويتصدّرها مزار “پِيرِ سَبْز” (أو الشّيخ الأخضر) الواقع في جرفٍ صخريٍّ شاهقٍ قرب مدينة أَردَكان على مسافة نحو 68 كيلومتراً إلى الشّمال الغربيّ من مدينة يَزْد، والّذي يُعرف شائعاً باسم “چَكْ چَكْ” أو “چَكْ چَكُو”؛ محاكاةً لصوت قطرات الماء العذب المتساقطة باستمرارٍ من سقف الصّخر الجبليّ في جوف المفازة القاحلة، ونموّ شجرة دُلبٍ معمّرةٍ ضخمةٍ عند منبعه.
وتربط الميثولوجيا الزّرادشتيّة هذا الحَرَم الجبليّ بقصّة الأميرة السّاسانيّة “نِيكْ بانُو” (حَسَنة الوجه) ابنة آخر ملوك السّاسان يَزْدَجِرْد الثّالث؛ إذ يُعتقد أنّها فرّت من الجيوش العربيّة سنة 31 هـ / 651 م ولجأت إلى هذا الجبل العطشان مستغيثةً بالإله أَهُورا مَزْدا، فانفلق الصّخر ليبتلعها ويحميها من الأسر، وظلّت قطرات الماء المتساقطة من سقف المغارة تُفسَّر بوصفها دموع الجبل على فراقها، تماماً كما خُلّد لجوء أخواتها وحاشيتها في المزارات الخمسة الأخرى حول يَزْد وهي: پِيرِ هَرِشْت، وپِيرِ نارَكِي، وپِيرِ بانُو پَارْس، وپِيرِ قَصْرَة، وپِيرِ مُراد.
يفد الحجيج الزّرادشتيّون (المجوس والپارسيّون) من عموم إيران والهند وأوروپا وأمريكا إلى يَزْد ومزار پِيرِ سَبْز في موسم الحجّ السّنويّ المفروض الّذي يمتدّ 5 أيّامٍ من يوم 14 إلى يوم 18 حزيران يونيو من كلّ عام (الموافق لأيّام 24 إلى 28 خُرداد في التّقويم الإيرانيّ)، ويُشترط على الحاجّ أن يترجّل عن دابّته أو مركبته حالما يلوح له الجبل المقدّس من بعيدٍ ليكمل مسيره ماشياً، فإذا بلغ حضرة المغارة خلع نعليه وارتدى غطاء الرّأس الأبيض وأوقد الشّموع ودارك النّار بقطع العود واللّبان، وتلا صلوات الأڤِستا واقفاً بخشوعٍ إلى جوار شجرة الدُّلب المقدّسة ومنبع الماء، قبل أن يجتمع الحجيج في أروقة المزار الجبليّة لتناول الولائم النّذريّة وإحياء ذكرى أسلافهم.

أفسس في تركيا
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسيحيّون الكاثوليك، المسيحيّون الأرثوذكس، المسلمون
- يزورون: بازيليكا القدّيس يوحنّا العظمى وقبره في تلة آياسلوغ، كنيسة مريم، بيت مريم العذراء (مَرْيَم أَنَا إِيڤِي) في جبل البُلبل، مغارة ومقام أصحاب الكهف (الفتية السّبعة النّيام) عند سفح جبل پيون، أطلال هيكل أرتميس (الأرتميزيون)
- أسماء المدينة عبر التاريخ: أَپَاسَا 𒀀𒉺𒀀𒊭، إِفِسُوسوس / Ephesus، أَفِسُوس ܐܦܣܘܣ، أَرْسِينُوِي Ἀρσινόη، آيُوس ثِيُولُوغُوس Ἅγιος Θεολόγος، أَلْتُولُوغُو Alto Luogo، آيَاسُلُوغ Ayasuluk، سَلْچُوق، أَفْسُس، أَبْسُس
أفسس في تركيا. مدينةٌ مقدّسةٌ للمسيحيّين الكاثوليك والأرثوذكس والمسلمين، أُنشئت نواتها الأولى في العصر البرونزيّ حوالي سنة 2703 ق.هـ / 2000 ق.م، وتقع أطلالها ومزاراتها الحيّة في مدينة سَلْچُوق التّابعة لمحافظة إزمير بغرب الأناضول عند مصبّ نهر كُچُوك مَنْدَرِس (كايستر قديماً) على ساحل بحر إيجة.
كان اسمها الأصليّ في المدوّنات المسماريّة الحثّيّة واللّوڤيّة من القرن 21 ق.هـ / القرن 14 ق.م أَپَاسَا 𒀀𒉺𒀀𒊭، وكانت عاصمة مملكة أَرْزَاوَا الأناضوليّة، ويربط اللّغويّون جذر اسمها باللّفظ الحثّيّ واللّوڤيّ الدّالّ على النّحل أو مدينة الملكة الأمّ؛ لاتّخاذ النّحلة رمزاً مقدّساً لإلهتها الكبرى ونقشها على مسكوكاتها النّقديّة طوال قرون. وعن الاسم الأناضوليّ أَپَاسَا تحدّرت تسميتها في الإغريقيّة بصيغة إِفِسُوس Ἔφεσος وفي اللّاتينيّة إِفِسُوس Ephesus، ووردت في السّريانيّة بصيغة أَفِسُوس ܐܦܣܘܣ.
وفي العهد الهلنستيّ حوّل القائد لِيسِيماخُوس اسمها حوالي سنة 940 ق.هـ / 290 ق.م إلى أَرْسِينُوِي Ἀρσινόη على اسم زوجته ابنة پطليموس الأوّل، غير أنّ أهلها عادوا إلى اسمها العتيق فور مقتله، ثمّ عُرفت في العهد البيزنطيّ المتأخّر باسم آيُوس ثِيُولُوغُوس Ἅγιος Θεολόγος أي القدّيس اللّاهوتيّ (نسبةً إلى يوحنّا الإنجيليّ)، ومنه تحوّر اسمها في الإيطاليّة إلى أَلْتُولُوغُو Alto Luogo وفي التّركيّة السّلجوقيّة والعثمانيّة إلى آيَاسُلُوغ Ayasuluk، قبل أن تُسمّى مدينتها المعاصرة سنة 1332 هـ / 1914 م باسم سَلْچُوق نسبةً إلى السّلاجقة، وضبطها الإخباريّون والجغرافيّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” والإدريسيّ والهرويّ باسم أَفْسُس وأَبْسُس.
مرّت قداسة أفسس بطورَين دينيَّين عالميَّين؛ ففي العالم القديم كانت المحجّ الدّوليّ الأعظم لعبادة الإلهة الأمّ الأناضوليّة الّتي طابقها الإغريق مع أَرْتَمِيس Ἄρτεμις والرّومان مع دِيَانَا Diana، واحتضنت “هيكل أرتميس” الشّهير (الأرتميزيون) الّذي جُدّد بناؤه الرّخاميّ الضّخم في القرن 12 ق.هـ / القرن 6 ق.م والقرن 10 ق.هـ / القرن 4 ق.م ليُعدّ إحدى عجائب الدّنيا السّبع، فكانت وفود الحجيج تفد إليه من عموم حوض المتوسّط والأناضول في شهر أرتميزيون الرّبيعيّ، حتّى خُرّب المعبد على يد القوط سنة 373 ق.هـ / 262 م وأُغلق نهائيّاً في مطلع القرن 2 ق.هـ / القرن 5 م.
أمّا قداستها المسيحيّة والإسلاميّة الباقية إلى اليوم فارتبطت بارتحال الحواريّ يوحنّا بن زبدي الإنجيليّ ومريم العذراء إليها في القرن 6 ق.هـ / القرن 1 م؛ إذ شيّد الإمبراطور جستينيان الأوّل فوق قبر يوحنّا على تلة آياسلوغ بازيليكا القدّيس يوحنّا العظمى، وعُقد في كنيسة مريم بأفسس المجمع المسكونيّ الثّالث سنة 196 ق.هـ / 431 م الّذي أقرّ لقب “ثيوتوكوس” أي والدة الإله لمريم العذراء.
وفي جبل البُلبل المشرف على أفسس يقع “بيت مريم العذراء” الحجريّ الصّغير (مَرْيَم أَنَا إِيڤِي)، الّذي يسود الاعتقاد لدى الكاثوليك وكثيرٍ من المسيحيّين والمسلمين أنّ مريم العذراء قضت فيه أواخر سنين حياتها قبل انتقالها، ويقصده الحجيج من أنحاء العالم ولا سيّما في موسم عيد انتقال العذراء في يوم 15 آب أغسطس من كلّ عام، كما تضمّ المدينة عند سفح جبل پيون مغارة ومقام “أصحاب الكهف” (الفتية السّبعة النّيام) الّتي يقصدها الزّوّار المسلمون والمسيحيّون للتّبرّك.

الرُّهَا في تركيا
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسيحيّون، المسلمون
- يزورون: بركة إبراهيم (بَالِيكْلِي گُول)، مغارة مولد إبراهيم، كهف ونبع مقام النّبيّ أيّوب، مدرسة الرُّهَا
- أسماء المدينة عبر التاريخ: أُورْهَاي ܐܘܪܗܝ، أُورَّائِي Օրրոէ، أُوسْرُوئِينِي Ὀσροηνή، إِدِيسَّا Ἔδεσσα، ملكوتة دبيت أورهي، أُرُّها، الرُّهَا، أُورْفَا، شانلِي أُورْفَا
الرُّهَا في تركيا. أُنشئت نواتها الحضريّة في العصور القديمة، وتقع في إقليم الجزيرة العُليا بجنوب شرق تركيا، في سهلٍ زراعيٍّ خصيبٍ تحيط به التّلال الجيريّة، وتُعرف اليوم باسم أُورْفَا أو شانلِي أُورْفَا.
اسمها الأصليّ في المدوّنات الآراميّة والسّريانيّة هو أُورْهَاي ܐܘܪܗܝ، وعن هذا الأصل الآراميّ أخذ الإغريق والرّومان اسمها فدوّنوه بصيغة أُورَّائِي Օրրոէ أو أُوسْرُوئِينِي Ὀσροηνή اسماً لمملكتها، ثمّ أطلق عليها الملك السّلوقيّ سَلُوقُس الأوّل نِيكَاتُور في القرن 4 ق.هـ / القرن 3 ق.م الاسم الإغريقيّ إِدِيسَّا Ἔδεσσα تيمّناً بالعاصمة المقدونيّة القديمة. ولمّا نشأت فيها مملكة أورهي “ملكوتة دبيت أورهي” العربيّة-السريانيّة ألحن الناس اسمها إلى أُرُّها ثمّ لمّا فتحها المسلمون، صارت في المدوّنات الجغرافيّة والتّاريخيّة الرُّهَا، قبل أن يغلب عليها التّحوير التّركيّ والكرديّ المعاصر أُورْفَا.
نالت الرُّهَا قداستها الكونيّة الكبرى في شقَّين دينيَّين عظيمَين؛ الأوّل مسيحيٌّ ارتبط بأسطورة الملك أَبْگَار الخامس الّذي راسل يسوع المسيح طالباً الشّفاء، فبعث إليه المسيح بمنديلٍ طُبعت عليه صورة وجهه، فغدا “منديل الرُّهَا” (أو صورة إديسّا غير المصنوعة بيدٍ بشريّةٍ) أقدس الذّخائر المسيحيّة في الشّرق، ومحجّاً توافدت إليه الجموع للتّبرّك والاستشفاء حتّى نُقل إلى القسطنطينيّة في القرن 4 هـ / القرن 10 م. وتجلّت مكانتها بوصفها عاصمة اللّاهوت والأدب السّريانيّ، فاحتضنت “مدرسة الرُّهَا” الّتي خرّجت أئمّة اللّاهوت مثل مار أفرام السّريانيّ.
أمّا الشّقّ الثّاني فإسلاميّ وإبراهيميّ؛ إذ يسود الاعتقاد المحلّيّ الرّاسخ أنّ الرُّهَا هي مدينة النّبيّ إبراهيم الخليل ومسقط رأسه، وفيها وقعت حادثة إلقائه في النّار بأمر الملك النُّمْرُود. ويقصد الحجيج والزّوّار في قلب المدينة معلماً مقدّساً حيّاً هو “بركة إبراهيم” (بَالِيكْلِي گُول)، فنار المحرقة تحوّلت برداً وسلاماً، واستحالت أخشابها أسماكاً مقدّسةً يحرّم النّاس صيدها حتّى اليوم. وإلى جوار البركة، يزور الوافدون مغارة مولد إبراهيم، ومقام النّبيّ أيّوب الّذي يُعتقد أنّه كابد مرضه في كهفٍ بضواحيها واغتسل من نبعها العذب، لتبقى الرُّهَا مدينةً حيّةً تنبض بالزّوّار وتجمع بين الموروث السّريانيّ البائد والقداسة الإبراهيميّة الممتدّة.

أنطاكيّة في تركيا
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسيحيّون الشّرقيّون والغربيّون، المسلمون، العلويّون
- يزورون: كنيسة القدّيس بُطْرُس (مغارة مار بُطْرُس والسرداب الصخري)، جامع ومقام حَبِيب النّجّار ومقامات الرّسُل الثّلاثة (يوحنّا وبُولُس وشمعون الصّفا)، مزارات الخَضِر في ساحل السويديّة (سَمَنْدَاغ)، ضاحية دَفْنِي ومعبد زوس وأپولو
- أسماء المدينة عبر التاريخ: بُوتْيَا، مَرْيَامِين، إِيُوبُولِس، أَنْطِيُوخِيَا Ἀντιόχεια، أَنْطِيُوخِيَا إِپِي أُورُونْتُو Ἀντιόχεια ἐπὶ Ὀρόντου، أَنْطِيُوخِيَا أَد أُورُونْتِم Antiochia ad Orontem، أنطاكية قرب دَفْنِي Ἀντιόχεια ἐπὶ Δάفنῃ، أَنْطِيُوخِيَا ܐܢܛܝܘܟܝܐ، ثِيُوپُولِس Θεούπολις، قصبة العواصم، أَنْطَاكْيَه Antakya، أَنْطَاكِيَّة
أنطاكيّة في تركيا. مدينةٌ مقدّسةٌ للمسيحيّين الشّرقيّين والغربيّين والمسلمين والعلويّين، أُنشئت مدينتها الكبرى في شهر أيّار مايو سنة 951 ق.هـ / 300 ق.م على يد الملك السّلوقيّ سَلُوقُس الأوّل نِيكاتُور، في حين يعود استيطان سهلها وضفاف نهرها إلى الألفيّة 6 ق.هـ / الألفيّة 5 ق.م، وتقع في سهل العَمْق الخصيب عند السّفح الغربيّ لجبل حَبِيب النّجّار (جبل سِلْپِيُوس قديماً) على الضّفّة الشّرقيّة لنهر العاصي قبيل مصبّه في البحر الأبيض المتوسّط، ضمن محافظة هاتاي (خطاي / إسكندرون).
قبل تأسيسها الهلنستيّ قامت في موضعها وحوله قرىً آراميّةٌ وإغريقيّةٌ قديمةٌ مثل بُوتْيَا ومَرْيَامِين وإِيُوبُولِس، فلمّا اختطّها سَلُوقُس الأوّل سَمّاها أَنْطِيُوخِيَا Ἀντιόχεια تخليداً لاسم أبيه أَنْطِيُوخُس (أو ابنه أَنْطِيُوخُس الأوّل)، ولتمييزها عن عشرات المدن الأخرى الحاملة للاسم ذاته سُمّيت في الإغريقيّة أَنْطِيُوخِيَا إِپِي أُورُونْتُو Ἀντιόχεια ἐπὶ Ὀρόντου وفي اللّاتينيّة أَنْطِيُوخِيَا أَد أُورُونْتِم Antiochia ad Orontem أي أنطاكية العاصي، كما وُصفت بـ”أنطاكية قرب دَفْنِي” Ἀντιόχεια ἐπὶ Δάφνῃ نسبةً إلى ضاحيتها المقدّسة دَفْنِي (بيت الماء)، ووردت في السّريانيّة بصيغة أَنْطِيُوخِيَا ܐܢܛܝܘܟܝܐ. ولعظمتها ومكانتها الرّوحيّة بعد انتشار المسيحيّة وتدمير زلزال سنة 99 ق.هـ / 526 م لها، منحها الإمبراطور البيزنطيّ جستينيان الأوّل سنة 97 ق.هـ / 528 م اسم ثِيُوپُولِس Θεούπολις أي “مدينة اللّه”، وضبطها الجغرافيّون والإخباريّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” والبلاذريّ وابن الشِّحنة باسم أَنْطَاكِيَّة وقصبة العواصم، وسمّاها العثمانيّون والأتراك أَنْطَاكْيَه Antakya.
كانت أنطاكية في العهدَين الهلنستيّ والرّومانيّ ثالث أعظم حواضر العالم المتوسّطيّ بعد روما والإسكندريّة، وكان محجّها الوثنيّ الأوّل في غياض ضاحيتها “دَفْنِي” المكرّسة لعبادة الإله أَپُولُّو إله الشّمس والوحي والحوريّة دَفْنِي إلى جوار معبد زِوس، قبل أن تنال قداستها المسيحيّة الدّوليّة الخالدة منذ القرن 6 ق.هـ / القرن 1 م؛ إذ استقرّ فيها الحواريّون بُطْرُس وبُولُس وبرنابا، وفيها أطلق النّاس على أتباع يسوع لأوّل مرّةٍ في التّاريخ الاسم الإغريقيّ خْرِيسْتْيَانُوي Χριστιανοί (وباللّاتينيّة خْرِيسْتْيَانِي Christiani، وفي السّريانيّة كْرِسْطْيَانِي ܟܪܣܛܝܢܐ) نسبةً إلى اللّقب الإغريقيّ خْرِيسْتُوس Χριστός، ترجمةٌ لمعنى اللّقب الآراميّ السّريانيّ مَشِيحَا ܡܫܝܚܐ أي الممسوح بالزّيت المقدّس، والّذي تُرجم لاحقاً إلى السّريانيّة بصيغة مَشِيحَايِي ܡܫܝܚܝܐ وإلى العربيّة بصيغة المسيحيّين. وبذلك غدت أنطاكية مقرّ “الكرسيّ الرّسوليّ الأنطاكيّ” الّذي تتفرّع عنه اليوم خمس بطريركيّاتٍ للسّريان والرّوم والموارنة، ومدرسةً لاهوتيّةً كبرى خرّجت أئمّة الكنيسة كيوحنّا الذّهبيّ الفم وإغناطيوس النّورانيّ.
تتركّز مقاصد الحجّ المسيحيّ الدّوليّ في أنطاكية عند كنيسة القدّيس بُطْرُس (مغارة مار بُطْرُس) المنحوتة في صخر جبل ستاوريس (جبل الصّليب / حَجّ كُورْدِي) الشّرقيّ، والّتي تُعدّ أقدم كنيسةٍ كهفيّةٍ في العالم المسيحيّ؛ إذ يسود الاعتقاد أنّ القدّيس بُطْرُس نفسه حفَر محرابها وأقام فيها أوّل قدّاسٍ للجماعة المسيحيّة الأولى، وزوّدها بـ”سردابٍ” صخريٍّ لفرار المؤمنين عند الاضطهاد ونبع ماءٍ يتبرّك به الزّوّار للاستشفاء، ثمّ أضاف الصّليبيّون إليها واجهةً حجريّةً سنة 492 هـ / 1098 م جُدّدت سنة 1280 هـ / 1863 م، وأعلنها الڤاتيكان محجّاً عالميّاً يُحتفل بعيده السّنويّ الكبير في يوم 29 حزيران يونيو من كلّ عام.
وإلى جانب كنيسة مار بُطْرُس يقصد الحجيج المسلمون والعلويّون والمسيحيّون في قلب المدينة جامع ومقام “حَبِيب النّجّار” المشيّد عند سفح الجبل، والّذي يضمّ في سردابه ضريح الشّهيد الأنطاكيّ حبيب النّجّار (الّذي يُجمع المفسّرون على أنّه مؤمنُ آلِ ياسين المذكور في سورة يس في القرآن الكريم) إلى جوار المقامات المنسوبة إلى الرّسُل الثّلاثة (يوحنّا وبُولُس وشمعون الصّفا)، فضلاً عن مزارات الخَضِر المنتشرة في ساحلها بالسويديّة (سَمَنْدَاغ).

المدينة المنوّرة في السّعوديّة
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسلمون كافّةً (أهل السّنّة والجماعة والشّيعة)
- يزورون: المسجد النّبويّ الشّريف، الرَّوْضة الشّريفة، الحُجْرة الشّريفة (قبر النّبيّ محمّد وقبرا أبي بكر وعمر)، أسطوانات المسجد (عائشة، التّوبة، الوفود، المُخَلَّقة)، مقبرة بَقيع الغَرْقَد (قبّة العبّاس أو قبّة أهل البيت سابقاً)، مسجد قُباء، مسجد القِبْلَتَيْن، مشهد سيّد الشّهداء حمزة ومقبرة شهداء أُحُد، مساجد الخندق (السّبعة)
- أسماء المدينة عبر التاريخ: يَثْرِب، يثرو ܝܛܪܘ، يَثْريبُو 𒌷𒅀𒀜𒊑𒁍 (لاطريبو)، 𐩺𐩻𐩧𐩨، يثريپّا Ἰάθριππα، لاثريپّا Λάθριپپا، طَيْبَة، طَابَة، المَدِينَة (مَدِينْتا ܡܕܝܢܬܐ)، مدينة الرّسول، دار الهجرة، دار السُّنّة، دار الإيمان، العَذْراء، الجَبّارة، المَحْبُوبة، القاصِمة، المِسْكِينة، الشّافية، المُبارَكة، المدينة المنوّرة
المدينة المنوّرة في السّعوديّة. أُنشئت في القرن 16 ق.هـ / القرن 9 ق.م، وتقع في واحةٍ خصبةٍ منبسطةٍ في إقليم الحجاز بغرب الجزيرة العربيّة، تحفّها الحرّات البركانيّة السّوداء كحرّة واقم شرقاً وحرّة الوبرة غرباً، وتكتنفها الجبال مثل جبل أُحُد وجبل ثَوْر شمالاً وجبل عَيْر وجبل سَلْع جنوباً وغرباً. وتفيض في قاع واحتها الأودية الموسميّة المنحدرة من الجبال والحرّات، وفي مقدّمتها وادي العَقيق المبارك ووادي بُطْحان ووادي قَناة ووادي مَهْزور، ما جعل تربتها البركانيّة الغنيّة ومياهها الجوفيّة العذبة بيئةً زراعيّةً مثاليّةً لقيام أقدم حواضر النّخيل والزّروع والآطام (الحصون الحجريّة) في شمال الحجاز.
اسمها المعروف قبل الإسلام هو «يَثْرِب» (وورد مرّةً واحدةً بهذا اللّفظ في القرآن الكريم في سورة الأحزاب على لسان المنافقين)، وهي مذكورةٌ في التّدوينات السّريانيّة والبابليّة باسم يثرو ܝܛܪܘ، وتظهر في النّقوش المسماريّة البابليّة للملك نبونيد (الّذي اتّخذ من تيماء عاصمةً له واستولى على واحات الحجاز ومنها يثرب) في القرن 12 ق.هـ / القرن 6 ق.م بصيغة «يَثْريبُو» 𒌷𒅀𒀜𒊑𒁍 (لاطريبو)، وفي النّقوش المعينيّة والسّبئيّة المسنديّة (مثل نقوش المأذونين والتّجّار المعينيّين في دادان والعُلا) بصيغة «يَثْرِب» 𐩺𐩻𐩧𐩨، وعند الجغرافيّين الإغريق والرّومان ككلاوديوس پطليموس في القرن 5 ق.هـ / القرن 2 م وإصطيفان البيزنطيّ في القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م بصيغة يثريپّا Ἰάθριππα أو لاثريپّا Λάθριππα.
ويُرجع اللّغويّون المختصّون في اللّغات العروبيّة الجنوبيّة والشّماليّة أصل لفظة «يَثْرِب» إلى الجذر المسنديّ والعروبيّ ث.ر.ب المقابل للجذر ث.ر.ي الدّالّ على الثَّرى والأرض النّديّة الخصيبة الغنيّة بالشّحم والخير والماء، فيكون معناها الأصيل «الواحة الخصيبة الغنّاء». أمّا الإخباريّون واللّغويّون العرب كالياقوت الحمويّ في «معجم البلدان» والسّمهوديّ في «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» وابن شبّة في «تاريخ المدينة»، فيذكرون أنّ اسمها القديم منسوبٌ إلى أوّل من سكنها وعمّرها بعد الطّوفان وهو يثرب بن قانية بن مهلائيل من نسل عَبيل وعَمْليق (العمالقة)، أو أنّه مشتقٌّ في اللّسان العربيّ من «الثَّرْب» بمعنى الفساد والإفساد، ومن «التَّثْريب» أي اللّوم والتّأنيب والتّعيير.
ولِما في هذا اللّفظ من إيهامِ التّثريب واللّوم، غيّر رسول الإسلام محمّدٌ اسمها ونهى عن تسميتها يثرب، وسَمّاها «طَيْبَة» و«طَابَة» تفاؤلاً بطيبها وطيب هوائها وزكاء تربتها وطهارتها من الشّرك، وعُرفت في صدر الإسلام والعصور اللّاحقة باسم «المَدِينَة» (وهو لفظٌ آراميٌّ عروبيٌّ «مَدِينْتا» ܡܕܝܢܬܐ من جذر الدِّين والقضاء والحُكم، أي حاضرة السّلطان والشّريعة)، و«مدينة الرّسول»، و«دار الهجرة»، و«دار السُّنّة»، و«دار الإيمان»، و«العَذْراء»، و«الجَبّارة»، و«المَحْبُوبة»، و«القاصِمة»، و«المِسْكِينة»، و«الشّافية»، و«المُبارَكة»، وأحصى لها المؤرّخ السّمهوديّ ما يربو على 94 اسماً ولقباً، قبل أن يتحوّل اسمها الرّسميّ الشّائع في عهد الدّولة الأيّوبيّة في القرن 6 هـ / القرن 12 م ثمّ المملوكيّة والعثمانيّة إلى «المدينة المنوّرة»؛ نسبةً إلى إشراقها بنور النّبوّة والوحي.
شهدت الواحة قبل الإسلام تعاقب أممٍ وقبائل شتّى؛ فسكنها العمالقة وبنو عبيل، ثمّ وفدت إليها قبائل يهوديّةٌ طائيّةٌ عربيّةٌ في العصور البابليّة والرّومانيّة استقرّت في قراها وحصونها، وأشهرها بنو قَيْنُقاع وبنو النَّضِير وبنو قُرَيْظة، وتلاهم نزوح قبيلتَي الأَوْس والخَزْرَج القحطانيّتَين الأزديّتَين من اليمن بعد تصدّع سدّ مأرب واستقرارهم في حرارها ومزارعها، وكانت الأوس والخزرج في جاهليّتها تعبد الصّنم «مَناة» الثّالثة الأخرى المشيّد معبدها عند ساحل قُدَيْد بين مكّة والمدينة، فيحجّون إلى مكّة ويطوفون بالبيت غير أنّهم لا يحلقون رؤوسهم ولا يَسْعَون بين الصّفا والمروة حتّى يوافيوا صنمهم مَناة فيهلّون له ويحلقون عنده، كما اتّخذت البطون في دُورها أصناماً منزليةً كصنم «مَناف» و«اللّات» و«العُزّى» و«السّعيدة» و«شَمْس».
نالت المدينة قداستها الدّوليّة الكبرى لدى المسلمين عقب بيعتَي العقبة وهجرة النّبيّ محمّدٍ إليها من مكّة، ووصوله إلى ظاهرها الجنوبيّ في قرية «قُباء» في يوم الإثنين 8 أو 12 ربيع الأوّل سنة 1 هـ / أيلول سپتمبر سنة 622 م (وهو الحدث الفاصل الّذي اتّخذه الخليفة عمر بن الخطّاب سنة 17 هـ / 638 م مبدأً للتّقويم الهجريّ الإسلاميّ).
في قلب المدينة بركت ناقة النّبيّ في مربدٍ للتّمر كان لغلامَين يتيمَين من بني النّجّار هما سهل وسهيل ابنا عَمْرو، فاشتراه النّبيّ وشرع مع المهاجرين والأنصار في تأسيس «المسجد النّبويّ الشّريف» بلبِن الطّين وجذوع النّخل وجريده، وجعل قبلته الأولى شطر بيت المقدس قبل تحويلها إلى الكعبة في شهر شعبان سنة 2 هـ / شباط فبراير سنة 624 م، وبنى إلى جوار جداره الشّرقيّ حجرات أزواجه، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وكتب «صحيفة المدينة» (الوثيقة الدّستوريّة الأولى في الإسلام) لتنظيم شؤون الدّولة النّاشئة، وأعلن المدينة «حَرَماً آمناً» مقدّساً ما بين لابَتَيْها (حرّتَيها الشّرقيّة والغربيّة) وما بين جبلَي عَيْرٍ وثَوْرٍ، لا يُقطع شجرُها ولا يُعضد عِضاهُها، ولا يُصاد صيدُها، ولا يُختلى خلاها، ولا يُحمل فيها سلاحٌ لقتال، ولا يُحدث فيها حدثٌ.
ولمّا توفّي النّبيّ محمّدٌ في ضحى يوم الإثنين 12 ربيع الأوّل سنة 11 هـ / حزيران يونيو سنة 632 م، دُفن في موضع فراشه داخل «حُجْرة عائشة» الملحقة بالمسجد النّبويّ، ثمّ دُفن إلى جواره صاحباه وخليفتاه أبو بكرٍ الصّدّيق سنة 13 هـ / 634 م وعمر بن الخطّاب سنة 23 هـ / 644 م.
شهد المسجد النّبويّ والحُجرة الشّريفة تطوّراتٍ معماريّةً كبرى عبر التّاريخ الإسلاميّ؛ فبعثت المدينةُ جيوشَ الفتوح في عهد الخلفاء الرّاشدين الأربعة حتّى سنة 36 هـ / 656 م، ووسّع الخليفة عمر بن الخطّاب المسجد سنة 17 هـ / 638 م، ثمّ بناه عثمان بن عفّان بالحجارة المنقوشة والقصّة (الجصّ) وسقفه بخشب السّاج سنة 29 هـ / 649 م.
وفي العهد الأمويّ أمر الخليفة الوليد بن عبد الملك واليَه على المدينة عمر بن عبد العزيز بين سنتَي 88 هـ / 707 م و91 هـ / 710 م بتوسعة المسجد توسعةً كبرى وإدخال الحُجرات النّبويّة وحُجرة الضّريح الشّريف في جوف المسجد، فبنى عمر بن عبد العزيز حول القبور الثّلاثة جداراً مخمّس الأضلاع مسنّم السّقف (ليلاّ يُشبّه بالكعبة المربّعة فيُصلّى إليه)، وزُيّن المسجد بالفسيفساء المذهّبة والرّخام والمآذن الأربع والمحراب المجوّف لأوّل مرّةٍ في الإسلام.
وتوالت عليه عمارة الخلفاء العبّاسيّين كالمهديّ سنة 161 هـ / 778 م، ثمّ أحاط السّلطان نور الدّين محمود الزّنگيّ سنة 557 هـ / 1162 م الحُجرة الشّريفة بخندقٍ عميقٍ صُبّ فيه الرّصاص المذاب لحماية الجسد النّبويّ من محاولات النّبش.
وفي يوم 1 رمضان سنة 654 هـ / أيلول سپتمبر سنة 1256 م شبّ في المسجد النّبويّ حريقٌ هائلٌ التهم سقفه ومنبره النّبويّ (وتزامن ذلك مع ثوران بركان حرّة رهط الشّهير شرق المدينة)، فأعاد السّلطان المملوكيّ الظّاهر بيبرس وأمراء المماليك والعبّاسيّين إعماره، وبنى السّلطان المملوكيّ المنصور قلاوون الصّالحيّ سنة 678 هـ / 1279 م أوّل قبّةٍ خشبيّةٍ مربّعةٍ تعلوها ألواح الرّصاص فوق الحُجرة النّبويّة، ثمّ شيّد السّلطان الأشرف قايتباي بعد الحريق الثّاني سنة 886 هـ / 1481 م القبّة الحجريّة الكبرى والمقصورة النّحاسيّة، قبل أن يأمر السّلطان العثمانيّ محمود الثّاني سنة 1228 هـ / 1813 م بتجديد القبّة ثمّ طلائها باللّون الأخضر سنة 1253 هـ / 1837 م، لتُعرف مذّاك في الوجدان الإسلاميّ العالميّ باسم «القبّة الخضراء»، وصولاً إلى العمارة السّلطانيّة العثمانيّة الشّاملة في عهد السّلطان عبد المجيد الأوّل بين سنتَي 1265 هـ / 1849 م و1277 هـ / 1861 م والتّوسعات المعاصرة الكبرى.
وصارت المدينة المنوّرة منذ عهد النّبوّة ثاني أقدس البقاع في الإسلام بعد مكّة المكرّمة، وثاني المساجد الثّلاثة الّتي لا تُشدّ الرّحال إلاّ إليها، وتضاعف فيها الصّلاة بألف صلاةٍ فيما سواها.
ويشدّ المسلمون بمذاهبهم كافّةً الرّحالَ إليها بالملايين على مدار العام، ولا سيّما قبل أداء مناسك الحجّ أو بعدها، للصّلاة في المسجد النّبويّ وفي «الرَّوْضة الشّريفة» (وهي الفضاء الممتدّ ما بين بيت النّبيّ ومنبره والّذي وُصف في الحديث النّبويّ بأنّه روضةٌ من رياض الجنّة)، وللسّلام على قبر النّبيّ محمّدٍ وصاحبَيه أبي بكرٍ وعمر، والوقوف عند أسطوانات المسجد التّاريخيّة (كأسطوانة السّيدة عائشة وأسطوانة التّوبة وأسطوانة الوفود وأسطوانة المُخَلَّقة).
وإلى جوار الحرم النّبويّ من جهة الشّرق يقصد الزّوّار مقبرة «بَقيع الغَرْقَد» (جنّة البقيع) الّتي تضمّ رفات نحو عشرة آلافٍ من الصّحابة وآل البيت وأمّهات المؤمنين، وفي مقدّمتهم الخليفة الثّالث عثمان بن عفّان، والعبّاس بن عبد المطّلب، وإبراهيم ابن النّبيّ، وبناته، وأئمّة أهل البيت الأربعة لدى الشّيعة (الإمام الحسن بن عليّ بن أبي طالب، والإمام عليّ بن الحسين زين العابدين، والإمام محمّد بن عليّ الباقر، والإمام جعفر بن محمّد الصّادق) الّذين كانت تعلو قبورهم قبّةٌ عظيمةٌ تُعرف بـ«قبّة العبّاس» أو «قبّة أهل البيت» قبل هدم القباب في البقيع سنة 1344 هـ / 1925 م.
كما يزور الحجيج في أرجاء المدينة «مسجد قُباء» (أوّل مسجدٍ أُسّس على التّقوى)، و«مسجد القِبْلَتَيْن» في حرّة الوبرة، ومشهد «سيّد الشّهداء حمزة بن عبد المطّلب» ومقبرة شهداء معركة أُحُد عند سفح جبل أُحُد وجبل الرُّماة، ومساجد الخندق (السّبعة) عند جبل سَلْع، لتظلّ المدينة المنوّرة على امتداد أربعة عشر قرناً مهوى أفئدة المسلمين ومثابةً روحيّةً وعلميّةً لا ينقطع عنها وفود الزّائرين من مشارق الأرض ومغاربها.

مكّة المكرّمة في السّعوديّة
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسلمون عامّةً
- يزورون: المسجد الحرام، الكعبة المشرّفة، الحَجَر الأسود، مقام إبراهيم، بئر زمزم، الصَّفا والمَرْوة، وادي مِنى، صعيد عَرَفات (جبل الرّحمة)، مُزْدَلِفة (جَمْع)، الجمرات الثّلاث، الحِجْر (حِجر إسماعيل)، جبل حِراء، جبل ثَوْر، جبل أبي قُبَيْس
- أسماء المدينة عبر التاريخ: مَكورابه Μακοράβα، مَگوربه Macoraba (مَقوربه)، مِكْراب 𐩣𐩫𐩧𐩨، مَقْرَب، مَكَّرْب، مَكَّة، بَكَّة، أمّ القرى، البلد الأمين، البيت العتيق، القادس، صَلاح، البَسّاسة، النّاسّة، الحاطمة، الرّأس، كُوثى، مكّة المكرّمة
مكّة في السّعوديّة. عمرها غير معروف بدقّة، وتقع في وادٍ صخريٍّ ضيّقٍ غير ذي زرعٍ تحفّه جبال السّراة والدرع العربيّ الوعرة كجبل أبي قُبَيْس وجبل قُعَيْقِعان وجبل حِراء وجبل ثَوْر في إقليم الحجاز بغرب الجزيرة العربيّة، وتلتقي في بطحائها مسالك الأودية المنحدرة من الشّعاب كوادي إبراهيم. وترتبط نشأتها الأولى في أساطير المرويّات التّاريخيّة والدّينيّة باستقرار هاجر وابنها إسماعيل عند بئر زمزم ومجاورة قبيلة جُرْهُم القحطانيّة لهما، ثمّ رفع النّبيّ إبراهيم وابنه إسماعيل لقواعد الكعبة، لتغدو حاضرة قبيلة جُرهم فخزاعة ثمّ قريش في عهد قُصيّ بن كلاب في القرن 2 ق.هـ / القرن 5 م، وهي اليوم قبلة المسلمين وموضع الكعبة وشعائر الحجّ الإسلاميّ الرّئيسة.
ذُكرت في المصادر الكلاسيكيّة، فورد اسمها القديم وفقاً للإغريق ما قبل العهد الرّومانيّ وعند الجغرافيّ كلاوديوس پطليموس في القرن 5 ق.هـ / القرن 2 م في كتابه «الجغرافيا» بصيغة مَكورابه Μακοράβα وهو ذاته في اللّاتينيّة بصيغة مَگوربه Macoraba (مَقوربه)، ويرجّح اللّغويّون والمؤرّخون اشتقاقه من العبارة العربيّة الجنوبيّة والمسنديّة السّبئيّة «مِكْراب» 𐩣𐩫𐩧𐩨 أو «مَقْرَب» وتعني المَعبَد أو الحَرَم المقدّس وموضع التّقرّب إلى اللّه. وقد يكون اسمها الإغريقيّ مَقوربه Μακοράβα في الأساس نحتاً عن «مقه + و + ربّا» Mac-o-raba أي موضع إقامة شعائر المعبود «مَقَه» (ألمقه) أو ساحة قرابينه المهيّأة.
كما ذهب فريقٌ من علماء اللّغات العروبيّة إلى مقارنة اسمها بلفظة «مَكْرب» أو بالجذر الآراميّ والبابليّ «مَكّ» الدّالّ على انخفاض الأرض واستوائها في بطن الوادي بين الجبال، في حين فحصت دراساتٌ استشراقيّةٌ حديثةٌ (مثل أبحاث پاتريشيا كرون في كتابها «تجارة مكّة وظهور الإسلام») السّياقات التّجاريّة والجغرافيّة لهذا الموضع في المصادر الكلاسيكيّة.
ووردت المدينة في القرآن الكريم باسمَي «مَكَّة» (في سورة الفتح) و«بَكَّة» (في سورة آل عمران)، وإبدال الباء ميماً شائعٌ في الألسن العروبيّة لتقارب مخرجيهما الشّفويّ. وتتّصل لفظة «بَكَّة» في التّحقيق الفيلولوجيّ المقارن بشبكةٍ واسعةٍ من أسماء المعابد والمواضع المقدّسة في جغرافية الشّرق الأوسط الّتي حملت اسم «بَكّ» و«بَكَّة» و«بَقَّة» (مثل بَعْلَبَكّ في لبنان، وبَكَّة في حوران، وبَقَّة على الفرات، وبكّة في هرمزگان، وبكّة جوقين في طهران، وبكّة راشيّا في لبنان، وبكّا في السّويداء بسوريا)، وهي لفظةٌ تحدّرت من إلحاق تاء النّسبة والمكانيّة باسم الخالق «بَق» أو «بَگ» أو «بَغ» (الّذي يعني الخالق والرّبّ المعبود في اللّغات المشرقيّة والهندوإيرانيّة القديمة، كالپهلويّة القديمة بَگَ 𐎠𐎥𐎠 والأڤِستائيّة بَغَ 𐬠𐬀𐬌𐬀، ومنه اسم بَغْداد بق+أداد)، فصارت «بَقَّة» و«بَكَّة» بمعنى بيت الخالق ومعبده وحَرَم العبادة.
أمّا الإخباريّون واللّغويّون العرب كالياقوت الحمويّ في «معجم البلدان» والأزرقيّ في «أخبار مكّة» والفاكهيّ وابن منظور، فيفسّرون أصل تسميتها من قول العرب «امتكّ الفصيلُ ضرعَ أمّه» أي امتصّه كلّه، سُمّيت بذلك لقِلّة الماء فيها قديماً فكانوا يمتكّونه استخراجاً، أو لأنّها «تَمُكّ الذّنوب» أي تذهب بها، ويفسّرون «بَكَّة» بأنّها «تَبُكّ أعناقَ الجبابرة» أي تدقّها وتذلّها، أو لأنّ الخلائق يبكّ بعضهم بعضاً فيها أي يتزاحمون عند الطّواف، وفرّق بعضهم بين الاسمين فجعل «بَكَّة» موضع البيت الحرام والمطاف خاصّةً، و«مَكَّة» اسم البلدة والحَرَم كلّه. ومن أسمائها التّاريخيّة والتّراثيّة أيضاً: أمّ القرى، والبلد الأمين، والبيت العتيق، والقادس (من القُدْس والطّهارة)، وصَلاح، والبَسّاسة، والنّاسّة، والحاطمة، والرّأس، وكُوثى.
اكتسبت مكّة قداستها منذ عصور ما قبل الإسلام بصفتها حَرَماً آمناً تحوطه الأنصاب الحجريّة المحدّدة لتخومه، فلا يُسفك فيه دمٌ، ولا يُعضد شجرُه، ولا يُنفّر صيدُه، يأمن فيه الجاني والخائف، فغدت مقصداً لحجيج العرب من شتّى أرجاء الجزيرة العربيّة وباديتها ومثابةً للتّجارة والأشهر الحُرُم والأسواق الأدبيّة الكبرى كعُكاظ ومَجَنَّة وذي المَجاز.
وفي العصر الجاهليّ المتأخّر تحوّلت الكعبة وفناؤها إلى مجمعٍ لاهوتيٍّ (پانثيون) لآلهة القبائل العربيّة كافّةً؛ إذ نُصبت حولها وداخلها 360 صنماً ونَصْباً حجريّاً، يتصدّرها الإله «هُبَل» المصنوع من العقيق الأحمر (والّذي جلبه عَمْرو بن لُحَيّ الخُزاعيّ من مآب أو هيت في الشّام والعراق) وإلى جواره قداح الاستقسام بالأزلام، وصنما «إِساف» و«نائِلة» عند زمزم، فضلاً عن ارتباط شعائرها بعبادة الثّالوث العربيّ القديم «اللّات» و«العُزّى» و«مَناة»، وتدلّيتها بقرنَي كبش إسماعيل وحليّ الغزالَين الذّهبيَّين اللّذين دفنهما جُرهم في بئر زمزم ثمّ استخرجهما عبد المطّلب بن هاشم.
ولمّا آلت سيادة مكّة في القرن 2 ق.هـ / القرن 5 م إلى قُصَيّ بن كلاب الجدّ الرّابع للنّبيّ محمّد بعد إجلائه خزاعة وبني بكر عنها، جَمَع بطون قريش في الشّعاب والظّواهر، وبنى «دار النَّدْوة» ليتشاوروا فيها، ونظّم وظائف الكهنوت والخدمة الحجّيّة الموروثة في ستّ مراتب رئيسةٍ هي:
- «الحِجابة والسِّدانة» (حفظ مفاتيح الكعبة وفتح بابها)،
- و«السِّقاية» (توفير الماء والنّبيذ المحلّى بالزّبيب والتّمر للحجيج)،
- و«الرِّفادة» (خراجٌ تخرجه قريش من أموالها كلّ موسمٍ لإطعام الحجّاج الفقراء والمنقطعين)،
- و«اللِّواء» (راية الحرب)،
- و«القِيادة»،
- و«النَّدْوة».
كما استحدثت قريش وحلفاؤها نظام «الحُمْس» (التّشدّد في الدّين)، فامتنعوا في إحرامهم عن الوقوف بعرفات لأنّها خارج حدود الحَرَم واكتفوا بالإفاضة من المزدلفة، وألزموا الحجيج الغرباء من «الحِلّة» ألاّ يطوفوا بالبيت إلاّ في ثياب قريش الحُمْس أو يطوفوا عُراةً حتّى يطرحوا ثيابهم الّتي قارفوا فيها الذّنوب.
وفي مطلع القرن 1 ق.هـ / أواخر القرن 6 م تجلّت مكانة مكّة في الوجدان العربيّ حين زحف أبرهة الحبشيّ حاكم اليمن بجيشه وفيلته لهدم الكعبة وصرف حجّ العرب إلى كنيسته «القُلَّيْس» في صنعاء، فهلك جيشه في «عام الفيل» حوالي سنة 53 ق.هـ / 570 م، وسمّيت قريش يومئذٍ «أهل اللّه» وازدادت حرمة البيت في نفوس القبائل، ثمّ أعادت قريش بناء الكعبة بالحجارة المرصوفة والخشب في شباب النّبيّ محمّد سنة 18 ق.هـ / 605 م بعد أن صدّعها سيلٌ جارفٌ.
ترسّخت قداسة مكّة العالميّة مع ظهور الإسلام وبعثة النّبيّ محمّد فيها، ثمّ تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرّفة في شهر شعبان سنة 2 هـ / شباط فبراير سنة 624 م، تلاه فتح مكّة في شهر رمضان سنة 8 هـ / كانون الثّاني يناير سنة 630 م، وتطهير الكعبة من الأصنام وإقرار شعائر الحجّ الإسلاميّ فريضةً سنويّةً في شهر ذي الحجّة.
أعاد الإسلامُ صياغةَ شعائر الحجّ الموروثة بتجريدها من مظاهر الوثنيّة وإرجاعها إلى أصول الحنيفيّة الإبراهيميّة؛ فأبطل النّبيّ محمّد في حجّة الوداع سنة 10 هـ / آذار مارس سنة 632 م طواف العُراة، وألغى امتيازات «الحُمْس» القرشيّين فأفاض مع النّاس جميعاً من عرفات، وأبطل نظام «النَّسِيء» الجاهليّ الّذي كان يُحِلّ الأشهر الحُرُم بالتّأجيل والتّلاعب بدورة الزّمن، لتستقرّ مناسك الحجّ الكبرى في منظومةٍ شعائريّةٍ ومكانيّةٍ متكاملةٍ تبدأ بالإحرام من المواقيت المحدّدة، والطّواف بالكعبة سبعة أشواطٍ واستلام «الحَجَر الأسود» (وهو حجرٌ ذو أصلٍ سماويٍّ أو نيزكيٍّ مثبتٌ في الرّكن الشّرقيّ للكعبة ومُحاطٌ بإطارٍ من الفضّة)، والصّلاة خلف «مقام إبراهيم» (وهو الحجر الّذي يحمل أثر قدمَي إبراهيم عند رفعه البناء)، وشرب ماء زمزم، والسّعي سبعة أشواطٍ بين جبيلَي «الصَّفا والمَرْوة» استذكاراً لسعي هاجر، ثمّ الخروج في يوم التّروية (8 ذي الحجّة) إلى وادي «مِنى»، والوقوف في يوم 9 ذي الحجّة بصعيد «عَرَفات» (جبل الرّحمة) الّذي هو ركن الحجّ الأعظم، ثمّ النّفرة عند الغروب للمبيت في «مُزْدَلِفة» (جَمْع)، والعودة في يوم النّحر (10 ذي الحجّة وأيّام التّشريق الثّلاثة) إلى مِنى لرمي الجمرات الثّلاث (الصّغرى والوسطى وجمرة العقبة الكبرى)، ونحر الهَدي والأضاحي، والحَلْق أو التّقصير، وختام المناسك بطواف الإفاضة وطواف الوداع.
وشهدت عمارة الكعبة والمسجد الحرام تطوّراتٍ كبرى عبر العصور الإسلاميّة؛ ففي عهد الخليفة عمر بن الخطّاب سنة 17 هـ / 638 م وعثمان بن عفّان سنة 26 هـ / 647 م وُسّع المطاف وأُحيط المسجد الحرام بأوّل جدارٍ قصيرٍ، وعندما احترقت الكعبة وتصدّعت جدرانها إبّان حصار جيش الحصين بن نمير لعبد اللّه بن الزّبير سنة 64 هـ / 683 م، هدمها ابن الزّبير وأعاد بناءها سنة 65 هـ / 684 م على قواعد إبراهيم الأصليّة فأدخل فيها «الحِجْر» (حِجر إسماعيل المقوّس) وجعل لها بابَين ملتصقَين بالأرض يدخل النّاس من أحدهما ويخرجون من الآخر، حتّى قتله الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ سنة 73 هـ / 692 م في عهد الخليفة الأمويّ عبد الملك بن مروان، فهدم الحجّاج ما زاده ابن الزّبير وأخرج الحِجْر وأغلق الباب الغربيّ ورفع الباب الشّرقيّ على الهيئة القرشيّة، وهي الهيئة الّتي استقرّ عليها البناء وأعاد السّلطان العثمانيّ مراد الرّابع تشييدها بالحجارة الصّلدة سنة 1040 هـ / 1630 م بعد أن هدمها سيلٌ عظيمٌ، قبل التّوسعات الهائلة لعمارة الحرم المكيّ وأروقته في العصر الحديث.
وصارت مكّة منذ صدر الإسلام المركزَ الكونيَّ لوحدة القبلة لدى المسلمين كافّةً في مشارق الأرض ومغاربها، يتوجّهون شطرها خمس مرّاتٍ في اليوم واللّيلة في صلواتهم ويوجهون إليها محاريب مساجدهم وموتاهم في قبورهم، وظلّت عبر العصور محجّاً دوليّاً يشدّ إليه المسلمون الرّحال بالملايين على مدار العام لأداء العمرة وفي شهر ذي الحجّة لأداء فريضة الحجّ من أصقاع الأرض كافّةً دون انقطاع، برغم ما اعترضها مرّةً واحدةً في تاريخها حين أغار القرامطة بقيادة أبي طاهر الجَنّابيّ على المسجد الحرام سنة 317 هـ / 930 م فقتلوا الحجيج واقتلعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى هَجَر في الأحساء مدّة 22 سنةً حتّى أُعيد إلى موضعه في الكعبة سنة 339 هـ / 951 م.

بغداد في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسلمون الشّيعة، المسلمون السّنّة، الصّوفيّة
- يزورون: الرّوضة الكاظميّة (مرقد موسى الكاظم ومحمّد الجواد)، مراقد الشّريف الرّضيّ والشّريف المرتضى والشّيخ المفيد ونصير الدّين الطّوسيّ، مرقد الإمام أبي حنيفة النّعمان في الأعظميّة، مرقد الشّيخ عبد القادر الگيلانيّ في الرّصافة
- أسماء الكاظميّة عبر التاريخ: شُونِيا ܫܘܢܝܐ، شُونْيا دِكُوشْطا، قطربّل، تلّ عَقْرَقُوف (دُور كُورِيگالْزُو)، مقابر قريش، مقبرة باب التِّبْن، الكاظمَيْن، مشهد الكاظمَيْن، الكاظميّة، بغداد. وأسماء بغداد عبر التاريخ: باق أداد، سوق بَگداد، بِكدادو، بَگدادا، بَكداد، مدينة السّلام، الزّوراء، الزّوره، بغداد.
الكاظميّة في بغداد في العراق. أُنشئت نواتها الحضريّة الإسلاميّة مقبرةً رسميّةً سنة 145 هـ / 762 م بأمر الخليفة العبّاسيّ أبي جعفر المنصور عند تأسيسه مدينة بغداد المدوّرة، وتقع على الضّفّة الغربيّة لنهر دجلة إلى الشّمال من مركز بغداد التّاريخيّ، في حين يعود استيطان موضعها الزّراعيّ النّهريّ في العهود البابليّة والآراميّة والپهلويّة إلى الألفيّة 2 ق.هـ / الألفيّة 1 ق.م.
كان اسم موضعها قبل الإسلام وفي صدره باللّغة الآراميّة السّريانيّة شُونِيا ܫܘܢܝܐ أو شُونْيا دِكُوشْطا، ومعناه الهور المائيّ أو مخازن الغِلال ومواضع الخَزْن لكثرة بساتينها وأنهارها المتفرّعة عن دجلة ودُجيل، وعُرف شطرٌ من أرضها باسم قطربّل وتلّ عَقْرَقُوف المجاور حيث أطلال مدينة “دُور كُورِيگالْزُو” الكاشيّة القديمة. ولمّا شرع الخليفة المنصور في تخطيط بغداد خصّص هذه البقعة خارج سور المدينة الشّماليّ مقبرةً لأعيان بني هاشم وقريش فسمّيت “مقابر قريش”، وكان أوّل من دُفن فيها ابنه جعفر الأكبر سنة 150 هـ / 767 م، وذكرها ياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” والخطيب البغداديّ في “تاريخ بغداد” باسم “مقبرة باب التِّبْن”؛ لمجاورتها باب التّبن الواقع على الخندق الشّماليّ للحربيّة، حيث كانت تُباع أعلاف الدّوابّ والتّبن.
أمّا اسمها الشّائع اليوم “الكاظميّة” فمنسوبٌ إلى لقب الإمام موسى بن جعفر الكاظم، أي الحليم الكاظم لغيظه، وعُرفت عند الجغرافيّين والإخباريّين بصيغة المثنّى “الكاظمَيْن” أو “مشهد الكاظمَيْن” تغليباً للقب موسى الكاظم على حفيده محمّد الجواد المدفون إلى جواره.
اكتسبت الكاظميّة قداستها الكبرى ومكانتها الدّينيّة لدى الشّيعة بعد وفاة الإمام السّابع لدى الشّيعة الإثني عشريّة موسى بن جعفر الكاظم في سجن السّنديّ بن شاهك ببغداد في يوم 25 رجب سنة 183 هـ / 1 أيلول سپتمبر سنة 799 م في عهد هارون الرّشيد، ودفنه في مقابر قريش، ثمّ دُفن إلى جواره حفيده الإمام التّاسع محمّد بن عليّ الجواد (التّقيّ) عقب وفاته في أواخر ذي القعدة سنة 220 هـ / أواخر تشرين الثّاني نوڤمبر سنة 835 م في عهد الخليفة المعتصم.
تحوّلت الرّوضة منذ القرن 3 هـ / القرن 9 م إلى مزارٍ عظيمٍ تنمّت حوله مساكن العلويّين وطلبة العلم، وشهدت أوّل عمارةٍ كبرى في عهد الأمير البويهيّ معزّ الدّولة أحمد بن بويه سنة 336 هـ / 947 م، ثمّ بنى عضد الدّولة البويهيّ سورها الحصين سنة 369 هـ / 979 م، وجدّد الخليفة العبّاسيّ الظّاهر بأمر اللّه وابنه المستنصر باللّه قبّتها الدّاخليّة بعد احتراقها في القرن 7 هـ / القرن 13 م، قبل أن يشيّد الشّاه إسماعيل الصّفويّ سنة 926 هـ / 1520 م عمارتها الرّئيسة ذات القبّتَين المزدوجتَين والمآذن الأربع الّتي كُسيَت بالذّهب لاحقاً في العهد القاجاريّ سنة 1212 هـ / 1797 م.
تُعدّ الكاظميّة اليوم ثالث الحواضر المقدّسة في العراق لدى الشّيعة بعد النّجف وكربلاء، ومحجّاً دوليّاً يشدّ إليه الزّوّار الرّحال بالملايين سنويّاً من أنحاء العالم الإسلاميّ، لا سيّما في موسم ذكرى وفاة موسى الكاظم في يوم 25 رجب من كلّ عام. وإلى جوار الحَرَم الكاظميّ تضمّ الرّوضة ومحيطها في بغداد مراقد عددٍ من كبار الأعلام الإسلام، في مقدّمتهم الشّريف الرّضيّ والشّريف المرتضى، والفقيه الشّيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النّعمان، والفلكيّ الفيلسوف نصير الدّين الطّوسيّ، كما يقصد الحجيج الوافدون إليها على الضّفّة الشّرقيّة المقابلة من دجلة في حيّ الأعظميّة مرقدَ الإمام أبي حنيفة النّعمان (المتوفّى سنة 150 هـ / 767 م) إمام المذهب الحنفيّ لدى أهل السّنّة، ومرقدَ الشّيخ عبد القادر الگيلانيّ مؤسّس الطّريقة القادريّة الصّوفيّة في الرّصافة.

سامَرّاء في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسلمون الشّيعة
- يزورون: الرّوضة العسكريّة (مرقد عليّ الهادي والحسن العسكريّ، وحكيمة بنت محمّد الجواد، ونرجس خاتون)، سرداب الغَيْبة، الجامع الكبير ومئذنته المَلْوِيّة، جامع أبي دُلَف، قصر الجوسق الخاقانيّ، قصر بلكوارا، قصر العاشق
- أسماء المدينة عبر التاريخ: سُور مَرّاتي 𒌷𒋢𒌨𒈥𒊏𒋾، شُومَرا ܫܘܡܪܐ، سُومْرا، حصن سُومِيرَه Sumere، سُومَرا Σούμαρα، سُرَّ مَنْ رَأى، ساءَ مَنْ رَأى، سامِراء، سامَرّاء
سامَرّاء في العراق. أُنشئت حاضرتها الإسلاميّة الكبرى سنة 221 هـ / 836 م بأمر الخليفة العبّاسيّ المعتصم باللّه بن هارون الرّشيد لتكون عاصمةً للدّولة العبّاسيّة ومعسكراً لجنده، وتقع على الضّفّة الشّرقيّة لنهر دجلة في محافظة صلاح الدّين على مسافة 125 كيلومتراً إلى الشّمال من بغداد، في حين يعود استيطان موضعها الزّراعيّ النّهريّ إلى العصر الحجريّ النّحاسيّ وعصر حضارة سامَرّاء ما قبل التّاريخ حوالي سنة 6314 ق.هـ / 5500 ق.م.
اسمها الأصليّ في المدوّنات المسماريّة الآشوريّة والبابليّة هو سُور مَرّاتي 𒌷𒋢𒌨𒈥𒊏𒋾، ووثّقته مسلّة الملك الآشوريّ سنحاريب سنة 1354 ق.هـ / 690 ق.م، ويعني في اللّسان الأگّديّ والآراميّ الحصن المنيع أو سور الحماية والمرارة، ووردت في التّدوينات السّريانيّة بصيغة شُومَرا ܫܘܡܪܐ أو سُومْرا، وعند المؤرّخ الرّومانيّ أميانوس مارسلينوس في القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م خلال حملة الإمبراطور يوليان سنة 267 ق.هـ / 363 م بصيغة حصن سُومِيرَه Sumere، وفي الإغريقيّة سُومَرا Σούμαρα.
ولمّا شَرَع الخليفة المعتصم في بناء عاصمته عند ديرٍ مسيحيٍّ سريانيٍّ قديمٍ وقناةٍ ساسانيّةٍ عُرفت باسم القاطول، أطلق عليها رسميّاً على نقود الدّولة اسم “سُرَّ مَنْ رَأى” تفاؤلاً ببهجة عمارتها واتّساع قصورها، ثمّ لمّا خربت عساكرها وتراجع عمرانها في أواخر القرن 3 هـ / القرن 9 م تندّر النّاس بتحوير اسمها إلى “ساءَ مَنْ رَأى”، قبل أن يستقرّ اللّفظ على اختصارٍ يوافق اسمها الأگّديّ والآراميّ العتيق “سامَرّاء” أو “سامِراء” كما ضبط لغاتها ياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” واليعقوبيّ في كتاب “البلدان”.
بقيت سامَرّاء عاصمة الخلافة العبّاسيّة مدّة 58 سنةً تعاقب فيها على الحكم 8 خلفاء من المعتصم وحتّى المعتمد على اللّه الّذي أعاد العاصمة إلى بغداد سنة 279 هـ / 892 م، وشُيّدت فيها روائع العمارة العبّاسيّة كالجامع الكبير ومئذنته المَلْوِيّة الشّهيرة وجامع أبي دُلَف وقصر الجوسق الخاقانيّ وقصر بلكوارا وقصر العاشق.
غير أنّ قداستها الدّينيّة العظمى وبقاءها على قيد الحياة بعد رحيل ديوان الخلافة عنها ارتبطا لدى المسلمين الشّيعة باحتضانها مرقدَي الإمامَين العاشر والحادي عشر لدى الشّيعة الإثني عشريّة؛ إذ استقدم الخليفة المتوكّل على اللّه الإمام عليّ بن محمّد الهادي (النّقيّ) من المدينة المنوّرة إلى سامَرّاء سنة 233 هـ / 848 م وأسكنه في محلّة العَسكر تحت الرّقابة حتّى توفّي ودُفن في داره في يوم 3 رجب سنة 254 هـ / 27 حزيران يونيو سنة 868 م، ثمّ توفّي ابنه الإمام الحسن بن عليّ العسكريّ في يوم 8 ربيع الأوّل سنة 260 هـ / 1 كانون الثّاني يناير سنة 874 م ودُفن إلى جوار أبيه، فنُسب الاثنان إلى محلّة الجند وعُرفا بلقب “العسكريَّيْن”.
في تلك الدّار عينها وإلى جوار الرّوضة العسكريّة يقع “سرداب الغَيْبة”، وهو المصلّى والمعتكف الجوفيّ الّذي كان يتعبّد فيه الإمامان الهادي والعسكريّ، والّذي يسود الاعتقاد لدى الشّيعة الإثني عشريّة أنّ الإمام الثّاني عشر محمّد بن الحسن المهديّ (المولود في سامَرّاء في يوم 15 شعبان سنة 255 هـ / 29 تمّوز يوليو سنة 869 م) غاب منه عن الأبصار في غيبته الصّغرى سنة 260 هـ / 874 م ثمّ الكبرى سنة 329 هـ / 941 م. وإلى جوار المرقدَين دُفنت كذلك حكيمة بنت الإمام محمّد الجواد عمّة الحسن العسكريّ، ونرجس خاتون أمّ المهديّ.
شُيّدت أولى القبب فوق الضّريحَين في عهد الأمير الحمدانيّ ناصر الدّولة الحسن بن عبد اللّه بن حمدان سنة 333 هـ / 944 م، ووسّعها البويهيّون في عهد معزّ الدّولة وعضد الدّولة وأرسلان البساسيريّ، ثمّ أُعيد إعمارها بعد حريقٍ في عهد الخليفة العبّاسيّ النّاصر لدين اللّه سنة 606 هـ / 1209 م، وكُسيَت قبّتها بالذّهب في العهد القاجاريّ بأمر ناصر الدّين شاه سنة 1285 هـ / 1868 م، ثمّ أُعيد بناء القبّة والمئذنتَين بعد تفجيرهما في سنتَي 1427 هـ / 2006 م و1428 هـ / 2007 م، لتظلّ سامَرّاء رابع الحواضر المقدّسة الكبرى في العراق ومقصداً لملايين الحجيج الشّيعة سنويّاً من شتّى أرجاء العالم.
حول زعم سامَرّائيّة السّومريّين
لا تعود تسمية الحضارة السّومريّة إلى اسم مدينة سامَرّاء القديم، والخلط بينهما ناجمٌ عن التّشابه اللّفظيّ ووجود ما يُعرف في علم الآثار باسم حضارة سامَرّاء؛ فثَمّة فارقٌ تاريخيٌّ ولغويٌّ وجغرافيٌّ واضحٌ بين التّسميتَين.
أطلق الأگّديّون العروبيّون في الألفيّة 4 ق.هـ / الألفيّة 3 ق.م اسم شُومِيرُو 𒅴𒂠 أو مَات شُومِيرِم على الإقليم الواقع في أقصى جنوب بلاد الرّافدين (ما بين جنوبيّ بغداد ومصبّ الفرات والخليج العربيّ، حيث مدن أور والوركاء ولَرسه ونِفَّر وإريدو)، ومن اللّفظ الأگديّ “شُومِير” دخلت التّسمية إلى العبريّة التّوراتيّة بصيغة شِنْعار שִׁנְעָר وإلى اللّغات المعاصرة بصيغة سُومَر.
أمّا السّومريّون أنفسهم فكانوا يُسمّون بلادهم في نصوصهم المسماريّة كِي إِنْ گِير 𒆠𒅴𒂠، ومعناها “أرض السّادة النّبلاء” أو “أرض اللّسان الأصيل”، ويُسمّون أنفسهم صَگ گِي گَه 𒌦𒊕MI𒂠 أي “ذوي الرّؤوس السّوداء”.
أمّا سامَرّاء فتقع في وسط العراق شمال بغداد بعيداً عن سهل سومر الجنوبيّ، واسمها المسماريّ الموثّق في الحوليات الآشوريّة والبابليّة (مثل مسلّة الملك سنحاريب سنة 1354 ق.هـ / 690 ق.م) هو سُور مَرّاتي 𒌷𒋢𒌨𒈥𒊏𒋾، وهو مركّبٌ من لفظة “سُور” بمعنى الحصن أو الجدار، و”مَرّات” بمعنى القسوة المرّة (الشديدة)، وعنه تحدّرت الصّيغة الآراميّة السّريانيّة شُومَرا ܫܘܡܪܐ واللّاتينيّة سُومِيرَه Sumere.
يعود سبب الرّبط الشّائع بينهما إلى وجود طورٍ حضاريٍّ زراعيٍّ من العصر الحجريّ النّحاسيّ ازدهر في وسط العراق وشماله حوالي سنة 6314 ق.هـ / 5500 ق.م (أي قبل ظهور الكتابة والحضارة السّومريّة في الجنوب بنحو ألفَي عام)، وأطلق عليه علماء الآثار الألمان في مطلع القرن 14 هـ / القرن 20 م (مثل إرنست هرتسفلد) اسم حضارة سامَرّاء؛ لاكتشاف فخّارها الملوّن الأوّل مرّةً في موقع تلّ الصّوّان ومقبرة ما قبل التّاريخ في مدينة سامَرّاء، فارتبط اسما “سامَرّاء” و”سومر” في الأذهان لتقارب حروفهما برغم اختلاف جذريهما اللّغويَّين وموضعيهما الجغرافيَّين.

كربلاء في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسلمون الشّيعة
- يزورون: الحائر الحسينيّ (مرقد الحسين بن عليّ بن أبي طالب)، مرقد العبّاس بن عليّ، موضع واقعة الطّفّ
- أسماء المدينة عبر التاريخ: الكربلات، كرب إيل، كور بابل، كُرْبَلِّه، نينوى، الغاضريّة، النواويس، عقر بابل، كربلاء
كربلاء في العراق. أُنشئت حوالي سنة 61 هـ / 680 م مقبرة، وتقع في سهل فسيح على الحافّة الغربيّة لنهر الفرات عند تخوم البادية، وتحيط بها بساتين النخيل والفاكهة التي ترويها جداول متفرّعة عن الفرات مثل نهر الحسينيّة.
ذكرها ياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” باسم “الكربلات” من فعل الكربلة، ويعني رخاوة الأرض، أو تنقية الحنطة وتذريتها، لكثرة حنطتها وطيب أرضها وخلوّ تربتها من الحصى والحجارة. ويقول البعض بأنّ أصل التسمية هو تحوير عن العبارة الآراميّة والأكّديّة “قربان الإله” أو “كرب إيل” بمعنى حَرَم الإله ومصلّاه، والبعض الآخر يقول بأنّها تحويل تسمية “كور بابل” أي مجموعة القرى البابليّة القديمة التي اشتملت على مواضع مثل نينوى والغاضريّة والنواويس وعقر بابل، ويقول فريق ثالث بأنّها في الأصل قرية بابليّة قديمة كان اسمها كُرْبَلِّه سكنها النازحون عن نينوى في القرن 14 ق.هـ / القرن 7 ق.م، في حين تقول المراجع الشيعيّة بأنّ أصل التسمية هو دمج كلمتَي كرْب وبلاء.
اكتسبت كربلاء قداستها الكبرى ومكانتها الدينيّة بعد واقعة الطفّ التي شهدت مقتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب وأهل بيته وأصحابه في يوم عاشوراء الموافق ليوم 10 المحرّم سنة 61 هـ / 10 تشرين الأوّل أكتوبر سنة 680 م، ودفنهم في موضع الحائر الحسينيّ وإلى جواره مرقد أخيه العبّاس بن عليّ. وصارت المدينة منذ ذلك التاريخ مزاراً عظيماً ومحجّاً دوليّاً يشدّ إليه الشيعة الرّحال من شتّى بقاع العالم، لا سيّما في مواسم الزيارة المخصوصة كزيارة عاشوراء وزيارة الأربعين في يوم 20 صفر وزيارة النصف من شعبان، وظلّت حاضرة دينيّة وعلميّة عامرة بالمدارس والحوزات برغم ما اعترضها عبر تاريخها من هدم في عهد الخليفة العبّاسيّ المتوكّل سنة 236 هـ / 850 م وغارات متفرّقة في القرون اللاحقة.

وادي لالِش في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: الإيزيديّون
- يزورون: معبد الشّيخ عَديّ بن مسافر، نبع كانيا سْپِي (العين البيضاء)، مغارة زَمْزَم المقدّسة، جسر صِراط الحجريّ، مقام ومرقد الشّيخ شَمْس الدّين، مرقد الشّيخ حَسَن، مرقد الشّيخ بَكْر، جبل حَظْرة، جبل عَرَفات، جبل مِشْط
- أسماء المدينة عبر التاريخ: لالِش، لالِشْكَه، دير مار يُوحَنّان، دير مار إِيشُوعْ سَبْران، الخانقاه العدويّة، زاوية الشّيخ عَديّ
وادي لالِش في العراق. موضعٌ مقدّسٌ وحَرَمٌ دينيٌّ خاصٌّ لا سُكنى دائمة فيه لغير القائمين على خدمته من الرّجال والرّاهبات والكهنة، يعود أصلُ قداسةِ معبده الجبليّ والعيون المائيّة الجارية فيه إلى العصور الرّافدينيّة القديمة مطلع الألفيّة 3 ق.هـ / الألفيّة 2 ق.م، قبل أن يتّخذ هيئته الرّهبانيّة والحضريّة المعاصرة في القرن 6 هـ / القرن 12 م، ويقع في وادٍ جبليٍّ ضيّقٍ تحيط به ثلاثة جبالٍ خضراء كثيفة الأشجار هي جبل حَظْرة وجبل عَرَفات وجبل مِشْط ضمن قضاء الشّيخان في محافظة نينوى بشمال العراق، على مسافة نحو 60 كيلومتراً إلى الشّمال الشّرقيّ من مدينة الموصل.
اسمه في اللّسان الكرمانچيّ وعند أهله الإيزيديّين لالِش، ويفسّر اللّغويّون والباحثون في التّراث الكرديّ والمشرقيّ أصل تسميته من لفظة لال الكرديّة والفارسيّة الّتي تعني الصّمت والهدوء والخشوع أو الياقوت الأحمر واللّعل المتوهّج بنور الشّمس، وذهب آخرون إلى اشتقاقه من عبارة لالِشْكَه أي العشّ الصّامت والملاذ الخاشع، في حين يربطه باحثون في اللّغات الرّافدينيّة بالجذر السّومريّ والأگّديّ لال 𒋭 بمعنى الشّهد والعسل الصّافي والفيض الطّيّب؛ عطفاً على عذوبة ينابيعه الجبليّة، ولكونه كان مقصداً لجامعي العسل.
وفي المدوّنات السّريانيّة المسيحيّة في العهد السّاسانيّ وصدر الإسلام، عُرف هذا الوادي ومحيطه الجبليّ في إقليم مَرْگا وحَدياب باسم دير مار يُوحَنّان أو دير مار إِيشُوعْ سَبْران قبل تحوّله إلى الخانقاه العدويّة، وضبطه الإخباريّون والجغرافيّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” وابن الأثير في “الكامل في التّاريخ” وابن خلّكان في “وفيات الأعيان” ضمن أعمال جبل الهَكّاريّة ونينوى، وسمّوه زاوية الشّيخ عَديّ في بلاد الهكّاريّة.
يرتبط وادي لالِش في الميثولوجيا الإيزيديّة بنشأة الخليقة ذاتها؛ إذ يسود الاعتقاد لديهم أنّ اللّه لمّا خلق الكون من الدُّرّة البيضاء وأرسل الطّاووس مَلَك والملَائكة السّبعة إلى الأرض، هبطوا أوّل ما هبطوا في لالِش فكانت خميرة الأرض ومركز استقرارها ومنبت أوّل شجرةٍ وعين ماءٍ فيها.
أمّا في التّاريخ الموثّق، فقد تجدّدت قداسة الوادي واتّخذت صبغتها الدّوليّة الجامعة في مطلع القرن 6 هـ / القرن 12 م حين اعتزل فيه الصّوفيّ الزّاهد الشّيخ عَديّ بن مسافر الأمويّ الهكّاريّ، المولود في بيت فار من أعمال بعلبك بلبنان والّذي رحل إلى بغداد ثمّ استقرّ في جبال الهكّاريّة وشيخان حتّى وفاته ودفنه في زاويته بلالِش سنة 557 هـ / 1162 م. التفّت حول زاويته وذريّة ابن أخيه الشّيخ عَديّ بن أبي البركات القبائل الفيليّة والعربيّة واللّرّيّة الّتي كانت تحتفظ بعيونٍ من ديانات الشّمس والميثرائيّة والإيرانيّة القديمة، فامتزجت تعاليم الطّريقة العدويّة الصّوفيّة بالموروث الدّينيّ القديم لتتبلور الهويّة التّنظيميّة للإيزيديّة، وبرغم تعرّض المرقد والزّاوية للهدم والنّبش سنة 817 هـ / 1414 م على يد الأمير جلال الدّين محمّد بن عزّ الدّين الحلوانيّ والي الموصل وفي حملاتٍ عثمانيّةٍ لاحقةٍ، أعاد الإيزيديّون بناء الحَرَم وقببه المخروطيّة المضلّعة الّتي ترمز بأضلاعها إلى أشعّة الشّمس السّاطعة.
يُعدّ وادي لالِش اليوم القبلة الوحيدة والمحجّ الدّوليّ الأقدس للإيزيديّين في العالم، يفدون إليه حُفاة الأقدام من العراق وسوريا وتركيا وأرمينيا وجورجيا وبلدان المهجر الأوروپيّ، ولا سيّما في موسم الحجّ السّنويّ الكبير المسمّى عيد الجَمَاعيّة، والّذي يمتدّ 7 أيّامٍ من يوم 6 إلى يوم 13 تشرين الأوّل أكتوبر من كلّ عام. ويقصد الحجيج في قلب الوادي معبد الشّيخ عَديّ بن مسافر ذا القبب الثّلاث المخروطيّة، ونبع “كانيا سْپِي” أي العين البيضاء الّتي يُعمّد بمائها أطفال الإيزيديّين كافّة، ومغارة “زَمْزَم” المقدّسة الجارية تحت المعبد، وجسر “صِراط” الحجريّ الصّغير، إلى جانب مراقد الشّيوخ كالشّيخ حَسَن والشّيخ شَمْس والشّيخ بَكْر، حيث يؤدّي الحجّاج شعائر الطّواف وتقبيل الأعتاب وإيقاد فتائل زيت الزّيتون في المساء ورقصة “السَّماع” الدّينيّة الخاشعة، ونحر ثور القربان الخريفيّ عند مقام الشّيخ شَمْس الدّين وتناول طعام البركة المسمّى “سِمَاط”.

النّجف في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسلمون الشّيعة
- يزورون: الحَرَم العلويّ (مرقد الإمام عليّ بن أبي طالب)، مقبرة وادي السّلام (مقاما هود وصالح)، مسجد الكوفة الأعظم، مسجد السّهلة، مرقد مسلم بن عقيل، مرقد هانئ بن عروة، مرقد ميثم التّمّار
- أسماء المدينة عبر التاريخ: النَّجَف، نَجَفَة، ظَهْر الكوفة، الغَرِيّ، الغَرِيَّيْن، نِجْفا ܢܓܦܐ، پِيث نِجْفا، بانيقيا ܒܢܝܩܝܐ בְּנֵי בְּרַק، المشهد الغَرويّ، النّجف الأشرف
النّجف في العراق. أُنشئت مدينتها الحاضرة حوالي سنة 170 هـ / 786 م في عهد الخليفة العبّاسيّ هارون الرّشيد فوق هضبةٍ رمليّةٍ مرتفعةٍ تشرف على بادية السّماوة غرباً وعلى أطلال مدينة الحيرة التّاريخيّة وسهل الكوفة ونهر الفرات شرقاً، في حين يعود استيطان هضبتها وأديرتها المسيحيّة ومقابرها في العهدَين الپارثي الأشكاني والسّاسانيّ وعند عرب المناذرة إلى القرن 4 ق.هـ / القرن 3 م.
اسمها في اللّسان العربيّ النَّجَف، ومفردها نَجَفَة، ويذكر ياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” وابن منظور في “لسان العرب” أنّ النّجف هو الموضع المرتفع المستطيل الّذي لا يعلوه الماء فيكون كالمسناة تصدّ السّيول عن ما وراءها؛ وذلك لأنّ هضبتها كانت تحجز مياه الفرات وبحيرة النّجف القديمة (بحر النّجف أو أهوار الكوفة) عن الانسياب نحو البادية، وعُرف الموضع قبل الإسلام وفي صدره باسم “ظَهْر الكوفة” و”الغَرِيّ” و”الغَرِيَّيْن”؛ نسبةً إلى صَومعتَين أو بناءَين شاهقَين مطليَّين بالجصّ شُيّدا في ظاهر الحيرة بأمر ملوك اللّخميّين المناذرة كالمنذر بن امرئ القيس أو النّعمان بن المنذر وكانا مزاراً في الجاهليّة.
أمّا في السّريانيّة والآراميّة البابليّة فكان يُعرف ظاهر الحيرة وهضبتها باسم نِجْفا ܢܓܦܐ أو پِيث نِجْفا، وكذلك عُرف شطرٌ منها في التّدوينات التّلموديّة البابليّة باسم بانيقيا ܒܢܝܩܝܐ בְּנֵי בְּרַק أو بَنيقيا الّتي يربطها الإخباريّون العرب في المرويّات التّراثيّة بمرور النّبيّ إبراهيم الخليل بها، كما انتشرت على حافّة هضبتها عشرات الأديرة المسيحيّة السّريانيّة التّابعة لكنيسة المشرق والّتي عمّرها العباد اللّخميّون مثل دير هند الكبرى ودير حَنّا ودير اللُّجّ ودير الجماجم.
نالت النّجف قداستها الكبرى لدى المسلمين الشّيعة وعموم العالم الإسلاميّ لاحتضانها مرقد الإمام عليّ بن أبي طالب رابع الخلفاء الرّاشدين وأوّل الأئمّة لدى الشّيعة، والّذي قُتل في مسجد الكوفة في يوم 19 رمضان ودُفن سرّاً في هضبة الغريّ بظاهر الكوفة في يوم 21 رمضان سنة 40 هـ / 29 كانون الثّاني يناير سنة 661 م إخفاءً لموضعه عن خصومه من بني أميّة والخوارج. وبقي موضع القبر مكتوماً يتوارث معرفته خواصّ آل البيت حتّى أُظهر في مطلع العهد العبّاسيّ في أيّام هارون الرّشيد حوالي سنة 170 هـ / 786 م، فبُني عليه صندوقٌ وقبّةٌ أولى، ثمّ شيّد والي طبرستان محمّد بن زيد الدّاعي العلويّ عمارةً وحائطاً حول المرقد حوالي سنة 279 هـ / 892 م، وتلاه الأمير الحمدانيّ أبو الهيجاء عبد اللّه بن حمدان الّذي شاد عليه قبّةً عظيمةً وحصناً منيعاً في مطلع القرن 4 هـ / القرن 10 م، ثمّ عظّم البويهيّون في عهد عضد الدّولة البويهيّ سنة 369 هـ / 979 م بنيان الحَرَم وأوقفوا عليه الأوقاف وسكن النّاس والعلماء حوله، فمنحوه لقب “المشهد الغَرويّ” و”النّجف الأشرف”.
تحوّلت النّجف منذ ذلك العهد إلى أعظم محجٍّ دوليٍّ للشّيعة في العراق إلى جوار كربلاء، يشدّون إليه الرّحال بالملايين سنويّاً من شتّى أصقاع الأرض، ولا سيّما في مواسم الزّيارة المخصوصة كزيارة يوم الغدير في يوم 18 ذي الحجّة وزيارة المبعث النّبويّ في يوم 27 رجب وذكرى مقتل الإمام عليّ في شهر رمضان.
وإلى الشّمال من الحَرَم العلويّ تمتدّ مقبرة “وادي السّلام” التّاريخيّة الكبرى الّتي يُنقل إليها موتى الشّيعة من أنحاء العالم تبرّكاً بجوار مرقد عليّ بن أبي طالب ويُنسَب فيها مقامان للنّبيَّين هود وصالح، فضلاً عن احتضان ضواحيها في الكوفة لمسجد الكوفة الأعظم ومسجد السّهلة ومرقدَي مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وميثم التّمّار. كما غدت المدينة منذ هجرة الشّيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطّوسيّ إليها من بغداد سنة 448 هـ / 1056 م وتأسيسه حوزتها العلميّة العريقة، العاصمةَ الفقهيّةَ والعلميّةَ الأولى للتّشيّع الإثني عشريّ ومقرّ المرجعيّة الدّينيّة العُليا حتّى يومنا هذا.

بيت لحم في فلسطين
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسيحيّون، المسلمون، اليهود
- يزورون: كنيسة المهد (وداخلها كنيسة القدّيسة كاترينا)، مغارة الحليب، دير مار إلياس، مسجد بلال بن رباح (قبّة راحيل)، دير مار سابا
- أسماء المدينة عبر التاريخ: بيت لَخْم ܒܝܬ ܠܚܡ، بيت لَحْم، بيت لِحِم בֵּית לֶחֶם، بِثْلام Βηθλεέم، بِيثْلِيم Bethleem، أَفْراتَه אֶפְרָתָה
بيت لحم في فلسطين. مدينة مقدّسة للمسيحيّين والمسلمين واليهود، يفوق عمرها 3500 سنة ولا نعرف تاريخ إنشائها بدقّة، غير أنّ أقدم ذكرٍ موثّقٍ لها عُثر عليه في موقع تلّ العمارنة الأثريّ في مصر ضمن رسالةٍ وجّهها حاكم القدس “عبدِ هِبه” إلى ملك مصر (إذ كانت القدس آنذاك تتبع حكم مصر) حوالي سنة 2085 ق.هـ / 1400 ق.م. وتقع المدينة على سلسلة جبال القدس إلى الجنوب من مدينة القدس على مسافةٍ قريبةٍ منها، في موضعٍ مشرفٍ على بادية الخليل والبحر الميّت شرقاً.
اسمها في الأصل من اللّغة البابليّة الآراميّة بيت لَخْم ܒܝܬ ܠܚܡ ومعناه عشيرة الخبّازين، فلَخْمُ ܠܚܡܐ هو اسم فعل الخَبْز في البابليّة وكذلك اسم الخُبْز، ووردت في السّريانيّة بصيغة بيت لَحْم ܒܝܬ ܠܚܡ وفي العبريّة بيت لِحِم בֵּית לֶחֶם. أمّا اسمها في الإغريقيّة فهو بِثْلام Βηθλεέμ، وفي اللّاتينيّة بِيثْلِيم Bethleem، كما ذُكرت في التّراث التّوراتيّ بلقبها القديم أَفْراتَه אֶפְרָתָה أي المثمرة الخصيبة، وضبطها ياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” باسم بيت لَحْم بوصفها البقعة الّتي وُلد فيها المسيح عيسى بن مريم.
وأخطأ الأوروپيّون بترجمة كلمة لَخْمُ ܠܚܡܐ إلى “لحم” عن العبريّة؛ فمقابل اللّحم في اللّغة البابليّة الآراميّة كلمة شِير ܣܪܐ إذا كان نيّئاً، وشُبِي ܫܘܝܐ إذا كان مطبوخاً، وسِلْقُ ܫܠܩܐ إذا كان مسلوقاً، وقُتَنْدُ ܩܘܬܢܕܐ إذا كان لحم أضحية، وخِلِدامُ ܚܠܕܡܐ إذا كان لحم خنزير أو كلب أو قرد، ولا وجود لاستعمال كلمة لَخْم ܠܚܡ بمعنى لحم في أيٍّ من معجمات البابليّة الآراميّة.

نالت بيت لحم قداستها الدّوليّة الكبرى لدى أتباع الدّيانات الإبراهيميّة الثّلاث، ويقصدها الحجيج من أنحاء العالم لزيارة خمس أماكن مقدّسة رئيسة؛ في مقدّمتها كنيسة المهد (وداخلها كنيسة القدّيسة كاترينا) الّتي يسود الاعتقاد بأنّها شُيّدت فوق المغارة الّتي وُلد فيها يسوع المسيح، وبناها الإمبراطور البيزنطيّ قسطنطين الأوّل وأمّه الملكة هيلانة سنة 296 ق.هـ / 335 م قبل أن يجدّد الإمبراطور جستينيان الأوّل عمارتها في القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م، وإلى جانبها “مغارة الحليب” الّتي يُعتقد أنّ مريم العذراء أرضعت فيها ابنها المسيح واختبأت فيها العائلة المقدّسة قبل رحلتها إلى مصر.
كما يزور الحجيج فيها دير مار إلياس الواقع شمال المدينة على الطّريق الواصلة إلى القدس (وهو غير دير مار إلياس الكرمليّ في حيفا)، ومسجد بلال بن رباح (قبّة راحيل) الّذي يُعتقد أنّ من بَنَتْه هي راحيل أمّ النّبيّ يوسف فكان كنيساً ومزاراً قديماً ثمّ صار مسجداً، فضلاً عن دير مار سابا التّاريخيّ المشيّد في برّيّة بيت لحم سنة 144 ق.هـ / 482 م، والّذي ظلّ من أعظم معاقل الرّهبنة الأرثوذكسيّة والتّدوين اللّيتورجيّ في المشرق حتّى يومنا هذا.

حِطّين في فلسطين
- الطوائف التي تقصدها اليوم: الموحّدون الدّروز، المسلمون السّنّة
- يزورون: مقام وضريح النّبيّ شُعَيْب، ضريح صَفُّورة، الصّخرة المقدّسة (دَعْسة النّبيّ شُعَيْب)، سفح جبل قرون حِطّين، عين حِطّين، وادي الحَمّام
- أسماء المدينة عبر التاريخ: الصِّدّيم הַצִּדִּים، الأدَمَة אֲדָמָה، خِطِّين ܚܛܝܢ، كْفَر خِطِّين כְּפַר חִטִּין، كْفَر حِطِّيا כְּפַר חִטַּיָּא، حَطِّين، حِطِّين
حِطّين في فلسطين. قريةٌ تاريخيّةٌ وموضعٌ مقدّسٌ للموحّدين الدّروز والمسلمين السّنّة، يعود استيطان تلّها الأثريّ وقلعتها الكنعانيّة في العصر البرونزيّ الأوّل إلى حوالي سنة 3734 ق.هـ / 3000 ق.م، وتقع عند السّفح الشّماليّ لجبل “قرون حِطّين” البركانيّ ذي القمّتَين في الجليل الأسفل بشمال فلسطين، على مسافة نحو 8 كيلومترات إلى الغرب من مدينة طبريّا وبحيرتها، في سهلٍ خصيبٍ ترويه عيون الماء الجارية مثل عين حِطّين ووادي الحَمّام.
اسمها في الأصل باللّغة البابليّة الآراميّة خِطِّين ܚܛܝܢ، جمع لفظة خِطّآ ܚܛܬܐ الّتي تعني الحِنْطة والقَمْح؛ نسبةً إلى خصوبة مرجها وجودة قمحها، ووردت بهذا الاسم في التّدوينات التّلموديّة والعبريّة بصيغة كْفَر خِطِّين כְּפַר חִטִּין أو كْفَر حِطِّيا כְּפַר חִטַּיָּא أي قرية الحنطة، في حين يربط علماء الآثار موقعها الكنعانيّ الأقدم بمدينة الصِّدّيم הַצִּדִּים أي الجوانب والمنحدرات، أو مدينة الأدَمَة אֲדָמָה أي الأرض الحمراء المذكورتَين في التّوراة ضمن مدن سبط نفتالي. وضبطها الجغرافيّون والإخباريّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” والهرويّ في “الإشارات إلى معرفة الزّيارات” وابن خَلِّكان في “وفيات الأعيان” باسم حِطِّين وحَطِّين، واشتُهر سهلها في التّاريخ العسكريّ الإسلاميّ بوقعة حِطّين الفاصلة الّتي هزم فيها السّلطان صلاح الدّين الأيّوبيّ جيوش الصّليبيّين في يوم 25 ربيع الآخر سنة 583 هـ / 4 تمّوز يوليو سنة 1187 م.
تتركّز قداسة حِطّين ومكانتها بصفتها المحجّ الدّوليّ السّنويّ الأوّل للموحّدين الدّروز في العالم عند “مقام النّبيّ شُعَيْب” المشيّد على سفح جبل قرون حِطّين؛ إذ يحتلّ النّبيّ شُعَيْب في العقيدة الدّرزيّة منزلةً رفيعةً بوصفه النّاطق بالحقّ والمعلّم الرّوحيّ للنّبيّ موسى وصهره (يثرو الكاهن المدينيّ في التّوراة)، ويرمز إليه اللّون الأخضر في رايتهم الخماسيّة الألوان. وتربط المرويّات التّاريخيّة والدّينيّة هذا الموضع الجبليّ بوفاة النّبيّ شُعَيْب ودفنه فيه إلى جوار ابنته صَفُّورة زوجة النّبيّ موسى.
كما تذكر تقاليد الموحّدين الدّروز أنّ السّلطان صلاح الدّين الأيّوبيّ رأى في حُلُمه ليلة معركة حِطّين مَلاكاً يبشّره بالنّصر شريطة أن يبني مقاماً للنّبيّ شُعَيْب في المكان الّذي تتوقّف عنده فرسه بعد المعركة، فلمّا انتصر شُيّد البناء الأوّل فوق المغارة والضّريح في أواخر القرن 6 هـ / القرن 12 م، وعزّز أمراء التّنوخيّين والمعنيّين الدّروز مكانة المقام في القرون اللّاحقة، ثمّ أجرى الشّيخ مهنّا طريف قاضي الطّائفة الدّرزيّة من قرية جولس حملة إعمارٍ وتوسعةٍ كبرى للحَرَم سنة 1302 هـ / 1885 م بمساهمة دروز سوريا ولبنان وفلسطين، وجُدّدت أروقته وقبّته البيضاء في العقود التّالية بعد إخلاء القرية وتدمير بيوتها سنة 1367 هـ / 1948 م.
يفد الحجيج الدّروز من الجليل والكرمل والجولان ولبنان وسوريا والأردن وبلدان المهجر إلى مقام النّبيّ شُعَيْب في حِطّين في موسم الزّيارة السّنويّ الرّسميّ الكبير الّذي يمتدّ 4 أيّامٍ من يوم 25 إلى يوم 28 نيسان أبريل من كلّ عام، حيث يجتمع شيوخ العقل والخلَوات والزّوّار لإقامة الصّلوات والابتهالات وإيفاء النّذور وعقد مجالس التّشاور الدّينيّة والاجتماعيّة. وفي قلب الحَرَم يقصد الزّوّار الضّريح المغطّى بالستائر الخضراء، وإلى جواره الصّخرة المقدّسة الّتي تحوي تجويفاً غائراً يُعرف باسم “دَعْسة النّبيّ شُعَيْب” أي أثر قدمه اليُسرى، حيث يصبّ الحجيج زيت الزّيتون في موضع الأثر ويمسحون به جباههم وأيديهم طلباً للبركة والشّفاء والتّيَمّن.

مدينة حيفا في فلسطين
- الطوائف التي تقصدها اليوم: البهائيّون، البابيّون، الأزليّون
- يزورون: مقام الباب عليّ محمّد الشّيرازيّ، الحدائق البهائيّة المعلّقة، مجمّع القوس الإداريّ (بيت العدل الأعظم، دار التّبليغ، مركز دراسة النّصوص، دار الآثار)، حدائق النَّصْب، بيت العبادة البهائيّ، بيت عبد البهاء، مثوى أَمَة البهاء رُوحِيَّة خانُم، دُور الحجيج، تلّ السّمك
- أسماء المدينة عبر التاريخ: سُوگُن / سِيگُن 𐤎𐤂𐤍، سُوكامِينُون Συκάμινον، سُوكامِينُوپُولِس Συκαμίνων πόλις، شِكْمُونَه שִׁקְמוֹנָה، إِيفا EFA، هِيفا سُوكامِينُون، حَيْفا
مدينة حيفا في فلسطين. مدينة مقدّسة للبابيّين والبهائيّين والأزليّين، أسّستها مملكة صور الفنيقيّة عند السّفح الشّماليّ لجبل الكرمل على ساحل البحر الأبيض المتوسّط وخليج عكّا في شمال فلسطين، وأطلقت عليها اسم سُوگُن أو سِيگُن 𐤎𐤂𐤍 ومعناها تين بصيغة جمع. وعن هذا الأصل الفنيقيّ صار اسمها الإغريقيّ سُوكامِينُون Συκάμινον، تحويرٌ كذلك عن كلمة سُوكُون σῦκον الإغريقيّة الّتي تعني شجرة تين عن كلمة سُكُو συκῆ الّتي تعني ثمرة تين كما في الفنيقيّة.
ويقع موضع سُوگُن القديم اليوم في تلّ السّمك في حيفا، والّذي تعود أقدم طبقاته الأثريّة إلى العصر البرونزيّ المتأخّر في القرن 21 ق.هـ / القرن 14 ق.م. والتّين المقصود في تسميتها هو تين الجُمَّيْز أو الحَماط الجبليّ الّذي أحضره الفنيقيّون من اليمن، نفسه شجر الرُّقاع والثّالِق أو الثّالِگ والإبْرا. ولا ينحدر اسم تلّ السّمك عن اسم الأسماك البحريّة، بل من اسم نبات السُّمّاق الّذي كان أحد أهمّ صادرات حيفا القديمة وعنصراً أساسيّاً في المطبخ الفلسطينيّ.
ذكر المؤرّخ والجغرافيّ الإغريقيّ إسطرابون Στράβων مدينة سُوكامِينُون باسم سُوكامِينُوپُولِس Συκαμίνων πόλις، وأفاد بأنّها كانت خرائب مهجورةً أيّام حياته في القرن 7 ق.هـ / القرن 1 ق.م. لكنّ نصوص المشناه البابليّة المدوّنة في القرن 5 ق.هـ / القرن 2 م تذكر سُوكامِينُون باسم شِكْمُونَه שִׁקְמוֹנָה، تحويرٌ عن سُوكامِينُون، وتفيد بأنّها كانت أهمّ مصدرٍ لنبات السِّدْر، وهو من النّباتات المقدّسة في الإسلام.
وعلى الجهة الدّاخليّة لرأس سُوكامِينُون خارج المدينة، أسّس الرّومان في القرن 6 ق.هـ / القرن 1 م قلعةً عسكريّةً باسم إِيفا EFA، ومعناها غير معروف، وجعلوا فيها حاميةً من الطيايا اليهود. ومذّاك بدأ النّاس يخلطون بين استعمال اسم المدينة واسم القلعة، حتّى صار الاسم الرّسميّ للمدينة في العهد البيزنطيّ منذ القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م يجمع الاسمَين معاً بصيغة هِيفا سُوكامِينُون. ومع مرور الزّمن تراجع استعمال الكلمة الثّانية لمصلحة الأولى، فلفظها النّاس حَيْفا واختفى اسم المدينة الأصليّ من التّداول، وضبطها الجغرافيّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” باسم حَيْفا بوصفها حصناً على ساحل بحر الشّام بين عكّا وقيساريّة.
تُمثّل حيفا في العصر الحديث أهمّ مقاصد الحجّ الدّوليّة لأتباع الدّيانة البابيّة وكلّ المذاهب المتفرّعة عنها من بهائيّة وأزليّة وغيرها، لا سيّما بعد أن منعت كلٌّ من إيران والعراق شعائر الحجّ البابيّة في موطنها الأصليّ. ويقصد الحجيج البابيّون والبهائيّون في سفح جبل الكرمل بحيفا مقامَ الباب عليّ محمّد الشّيرازيّ ذا القبّة الذّهبيّة (حيث دُفن رُفاته سنة 1327 هـ / 1909 م)، والحدائق البهائيّة المعلّقة، ومجمّع القوس الإداريّ (الّذي يضمّ بيت العدل الأعظم ودار التّبليغ ومركز دراسة النّصوص ودار الآثار)، وحدائق النَّصْب، وبيت العبادة البهائيّ، وبيت عبد البهاء، ومثوى أَمَة البهاء رُوحِيَّة خانُم، ودُور الحجيج. وبعد إتمام الشّعائر في حيفا ينتقل الحجيج عبر الخليج شمالاً لزيارة المشاهد البهائيّة في مدينة عكّا.

مدينة الخليل في فلسطين
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسلمون، اليهود، المسيحيّون
- يزورون: المسجد الإبراهيميّ (الحَرَم الإبراهيميّ الشّريف، كهف البطاركة، مغارة المَكْفِيلة מְעָרַת הַמַּכְפֵּלָה)، كنيسة المسكوبيّة (دير الثّالوث المقدّس)، رامة الخليل، الشّجرة المقدسيّة (بلّوطة إبراهيم)
- أسماء المدينة عبر التاريخ: قرية أربع، الأربع قريات، قريات أربع קִרְיַת אַרְבַּع، حَبْرون ܚܒܪܘܢ، خِبْرون חֶבְרוֹן، خِڤْرون Χεβρών، هِيبرون Hebron، خليل الرّحمن، الخليل
مدينة الخليل في فلسطين. مدينة مقدّسة للمسلمين واليهود والمسيحيّين، أُنشئت حوالي سنة 4249 ق.هـ / 3500 ق.م على يد المورو قبل إنشاء بابل وتحوّلهم إلى الآراميّين، وتقع على هضبةٍ جبليّةٍ مرتفعةٍ في جنوب فلسطين إلى الجنوب من مدينة القدس وبيت لحم وسط كروم العنب والتّين والزّيتون.
كان اسمها الأوّل قرية أربع أو الأربع قريات أو قريات أربع קִרְיַת אַרְבַּע، ويعني هذا الاسم أربع قرى أو مدينة أربعة أحياء أو أربع تلال أو أربع عشائر، ثمّ صار اسمها حَبْرون ܚܒܪܘܢ، وفي العبريّة القديمة نقرأ اسمها خِبْرون חֶבְרוֹן وهو الاسم الّذي تستعمله السّلطات الإسرائيليّة اليوم، ووردت في الإغريقيّة بصيغة خِڤْرون Χεβρών وفي اللّاتينيّة هِيبرون Hebron.
وينحدر اسم خِبْرون من كلمة خَبِر חָבֵר العبريّة والآراميّة ܚܒܪܐ الّتي تعني الرّفيق والصّديق والخليل، لذا فاسم خِبْرون هو ترجمة حرفيّة للاسم العربيّ الخليل أو العكس. أمّا اسمها العربيّ الخليل (أو خليل الرّحمن كما ضبطها الجغرافيّون كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان”) فمنحولٌ من الآية 125 من سورة النّساء في القرآن الكريم “وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا”؛ إذ يسود الاعتقاد بأنّ النّبيّ إبراهيم الخليل هاجر إلى هذه المدينة من مدينة أُر (أور) السّومريّة في العراق، ثمّ تحالف مع اثنتَين من عشائر المدينة الموريّة فجعلوه أميراً عليهم.
يزور الحجيج من أنحاء العالم في مدينة الخليل المسجد الإبراهيميّ المقتسم اليوم ما بين اليهود والمسلمين، إلى جانب كنيسة المسكوبيّة (دير الثّالوث المقدّس)، ورامة الخليل، والشّجرة المقدسيّة (بلّوطة إبراهيم)؛ وهي شجرة معمّرة يزيد عمرها على 5000 سنة. ويُعدّ المسجد الإبراهيميّ أو الحَرَم الإبراهيميّ الشّريف أو كهف البطاركة أو مغارة المَكْفِيلة מְעָרַת הַמַּכְפֵּלָה ثاني أقدم بناءٍ مقدّسٍ لم يزل مستخدماً إلى اليوم دون انقطاعٍ بعد المسجد الأمويّ في دمشق.
شُيّد المسجد فوق مغارةٍ يُعتقد أنّ النّبيّ إبراهيم وآله (زوجته سارة، وابنه إسحاق وزوجته رفقة، وحفيده يعقوب وزوجته ليئة) مدفونون فيها جميعاً منذ سنة 2328 ق.هـ / 1638 ق.م وفق التّلمود البابليّ. ويذكر المؤرّخ مجير الدّين الحنبليّ في كتابه “الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل” في القرن 10 هـ / القرن 16 م أنّ الحَرَم الإبراهيميّ في الأساس سورٌ يُسمّى اليوم “الحَيْر”، وهو مبنيٌّ على طبقتَين؛ الأولى مبنيّة في القرن 17 ق.هـ / القرن 10 ق.م، والثّانية مبنيّة عليها في القرن 9 ق.هـ / القرن 2 ق.م.
وفي القرن 7 ق.هـ / القرن 1 ق.م بُني معبدٌ في المكان، حوّله البيزنطيّون في القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م إلى كنيسةٍ ثمّ أُعيد بناؤها في القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م، قبل أن تُهدم سنة 8 ق.هـ / 614 م إبّان الغزو السّاسانيّ، ثمّ بُني المسجد الإبراهيميّ في عهد الخليفة الأمويّ عبد الملك بن مروان في نهاية القرن 1 هـ / القرن 7 م.

مدينة عكّا في فلسطين
- الطوائف التي تقصدها اليوم: البهائيّون، البابيّون، المسيحيّون الفرنسيسكان
- يزورون: ضريح بهاء اللّه في قصر البهجة، حديقة الرّضوان، بيت عبّود، بيت عبد اللّه پاشا، قصر المزرعة، كنيسة ودير الفرنسيسكان (كنيسة الأرض المقدّسة)، جامع الجزّار ومزار الشّعرات النّبويّة، تلّ الفخّار
- أسماء المدينة عبر التاريخ: عُك 𐤏𐤊، أُوك، عَكّا، عَك، عَكَّه 𒀝𒅗، عَكُّو / عَكِّه ܥܟܘ، عَكُّو עַכּוֹ، آكِي Ἄκη، أَگِه Ace، پطولِمِيس Πτολεμαΐς، أنطاكيّة پطولِمِيس Ἀντιόχεια τῆς ἐν Πτολεμαΐδι، گِيرْمانِيكا في پطولِمِيس Γερμανίκεια τῆς ἐν Πτολεμαΐδι، عَكّة
مدينة عكّا في فلسطين. مدينة مقدّسة للبهائيّين والبابيّين والمسيحيّين الفرنسيسكان، تقع على لسانٍ صخريٍّ بارزٍ عند الطّرف الشّماليّ لخليج حيفا على ساحل البحر الأبيض المتوسّط في شمال فلسطين.
ظلّت عكّا منذ تأسيسها حاملةً لاسمها الأوّل؛ إذ أنشأها الفنيقيّون حوالي سنة 3734 ق.هـ / 3000 ق.م في الموضع المسمّى اليوم تلّ الفخّار شرق المدينة المعاصرة، ثمّ دمّرت كارثةٌ بحريّةٌ الموقعَ القديم فهُجرت المدينة إلى أن أعاد النّاس إحياءها حوالي سنة 2703 ق.هـ / 2000 ق.م، وظلّت حيّةً عامرةً لم تنقطع مذّاك إلى اليوم.
أطلق عليها بُناتُها الفنيقيّون اسم عُك 𐤏𐤊، ويُقرأ كذلك في الفنيقيّة الغربيّة أُوك بمعنى طائر البوم أو البوهة الفرعونية (عُكّة = بومة). وفي النّقوش المصريّة القديمة المدوّنة في القرن 26 ق.هـ / القرن 19 ق.م تظهر باسم عَكّا، وفي نصوص الملك تحتمس الثّالث في القرن 22 ق.هـ / القرن 15 ق.م تظهر باسم عَك. أمّا في اللّغة الأگّديّة فترد في رسائل تلّ العمارنة في القرن 21 ق.هـ / القرن 14 ق.م باسم عَكَّه 𒀝𒅗، وفي السّريانيّة عَكُّو وعَكِّه ܥܟܘ، وفي العبريّة عَكُّو עַכּוֹ، وفي الإغريقيّة آكِي Ἄκη ويحمل اسمها في الإغريقيّة معاني الدّواء والشّفاء، ثمّ تحوّر الاسم في اللّاتينيّة إلى أَگِه Ace، وضبطها الجغرافيّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” باسم عَكّا وعَكّة وفسّروا لفظها في العربيّة بالرّملة الحارّة الشّديدة الوهج تحت الشّمس. غير أنّ اسمها الأصلي كما أسلفنا هو طائر البوم.
وفي حقبة التّنازع السّلوقيّ الپطولميّ على الشّام في القرن 10 ق.هـ / القرن 3 ق.م والقرن 9 ق.هـ / القرن 2 ق.م، غيّر الپطالمة اسم عكّا إلى پطولِمِيس Πτολεμαΐς، ثمّ غيّر السّلوقيّون اسمها إلى أنطاكيّة Ἀντιόχεια، فصار اسمها في سوريا الهلنستيّة أنطاكيّة پطولِمِيس Ἀντιόχεια τῆς ἐν Πτολεμαΐδι. وفي العهد الرّومانيّ في القرن 6 ق.هـ / القرن 1 م صار اسمها الرّسميّ گِيرْمانِيكا في پطولِمِيس Γερμανίκεια τῆς ἐν Πτολεμαΐδι أي الجرمانيّة في الپطولميّة (جرمانيّة = العسكريّة)، ويظهر أنّ اسم شمال فلسطين صار في العهدَين الهلنستيّ والرّومانيّ پطولِمِيس قبل تعميم اسم فلسطين، غير أنّ أهل المدينة حافظوا على اسم عكّا الأصيل ولم يدرج على ألسنتهم استعمال الأسماء الرّسميّة الوافدة.
نالت عكّا قداستها الدّوليّة المعاصرة لدى البهائيّين والبابيّين عقب نفي السّلطات العثمانيّة للميرزا حسين عليّ النّوريّ (بهاء اللّه) وأتباعه إليها سنة 1285 هـ / 1868 م، ويقصدها الحجيج البهائيّون بعد إتمام شعائرهم في حيفا لزيارة أربعة أماكن مقدّسة رئيسة؛ في مقدّمتها ضريح بهاء اللّه في قصر البهجة شمال المدينة (وهو القبلة العُليا للبهائيّين، وفيه توفّي ودُفن سنة 1309 هـ / 1892 م)، وحديقة الرّضوان، وبيت عبّود (حيث دوّن بهاء اللّه كتابه الأقدس سنة 1290 هـ / 1873 م)، وبيت عبد اللّه پاشا، وقصر المزرعة الواقع في قرية المزرعة خارج عكّا بنحو 6 كيلومترات والّذي كان مملوكاً لعبد اللّه پاشا والي عكّا.
وإلى جانب المزارات البهائيّة، يزور الحجيج المسيحيّون في عكّا كنيسة ودير الفرنسيسكان المعروفة باسم كنيسة الأرض المقدّسة؛ ويُزعم في الرّوايات المتداولة أنّ الكنيسة بُنيت إبّان وجود القدّيس فرنسيس الأسيزيّ في القرن 7 هـ / القرن 13 م، لكنّها في الواقع أُنشئت سنة 1084 هـ / 1673 م في القرن 11 هـ / القرن 17 م في عهد الإمارة المعنيّة، كما تشتهر المدينة في العمارة الإسلاميّة بجامع الجزّار التّاريخيّ الّذي شيّده أحمد پاشا الجزّار سنة 1196 هـ / 1781 م ويضمّ مزاراً للشّعرات النّبويّة.

القدس في فلسطين
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسلمون، المسيحيّون، اليهود (الرّبّانيّون والقرّاؤون)
- يزورون: المسجد الأقصى (المصلّى القبليّ والمصلّى المروانيّ)، صرح قبّة الصّخرة المشرّفة، كنيسة القيامة والقبر المقدّس، درب الآلام، حائط المبكى، جبل موريا (هضبة الحَرَم)
- أسماء المدينة عبر التاريخ: يَبُوسُ (يَبُسُ / Yabusu)، جِبُس Jebus، يِڤُس Jevus، يِڤُشي، سَليمُ، شَليمو، أوروساليم، أورشالِم ܐܘܪܫܠܡ، أُر-إشْليم، أُور-شَليمو، إيروسَليم Ιερουσαλήμ، هيروسولُيمه Hierosolyma، مُرَيَّا (موريا Moria)، كُولُونْيَا إِيلِيَّة كاپِيتُولِينَا Colonia Aelia Capitolina، إِيْلْيَاء، إيليّاه قَپِّيطوليناه אֵילִיָּה קַפִּיטוֹلִינָה، البَلاط، بيت مُقَدَّس، بيت المَقْدِس، القُدُس، القُدْس
القدس في فلسطين. أُنشئت حوالي سنة 3737 ق.هـ / 3000 ق.م، وتقع على هضاب جبال الخليل المشرفة على غور الأردن شرقاً والسّاحل المتوسّطيّ غرباً، وترتفع نواتها المقدّسة فوق جبل موريا (هضبة الحَرَم وجبل الصّخرة) على علوّ 770 متراً فوق سطح البحر.
أُنشأت المدينةَ أولى المستوطنات الحضريّة على يد قبيلةٍ عربيّةٍ قديمةٍ وافدةٍ من الجنوب هي قبيلة “يَبُوس”، إحدى قبائل المورو (الآراميّين) الّتي أخرجت الأسرة البابليّة الأولى في بلاد سومر، ما يجعل لسان يبوس لهجةً شقيقةً للّغة البابليّة ذاتها. وأطلق النّاس على حاضرتها الأولى اسم “يَبُوسُ” (أو يَبُسُ، بضمّةٍ في آخره هي أداة النّسبة في ذلك العهد)، ووثّق الآثاريّ البريطانيّ ثيوفِلُس پِنچس Theophilus Pinches ورود هذا الاسم قبل نحو 4200 سنة، قبل أن يتحوّر Yabusu مع قلب الحروف في النّقوش إلى جِبُس Jebus في اللّاتينيّة ويِڤُس Jevus أو يِڤُشي في الإغريقيّة، حتّى ذهب پِنچس إلى أنّ اسم “يهوذا” Judah واليهوديّة ذاتها منحوتان في الأصل من اسم قبيلة يبوس وديانتها.
ومع توسّع مملكة يبوس في المنطقة وبسط سلطانها، صار اسم المدينة “سَليمُ”، ولفظها العرب القدماء بصيغتَين: سَليمُ وشَليمو، وتعني في عربيّة المرحلة الأگّديّة القديمة السّلام والسِّلم و”التّحالف عن وئامٍ وتفاهم”؛ لكونها غدت عاصمةً جامعةً لأقاليم كانت تتطاحن فيما سبق. وتظهر في نصوص اللّعنة المصريّة القديمة في القرن 26 ق.هـ / القرن 19 ق.م وفي رسائل تلّ العمارنة الأگّديّة في القرن 21 ق.هـ / القرن 14 ق.م بصيغة أوروساليم، وذكرتها الدّولة السّريانيّة باسم أورشالِم ܐܘܪܫܠܡ وكتبها الصُّغديّون في وسط آسيا أُر-إشْليم.
غير أنّ التّحقيق التّاريخيّ واللّسانيّ يكشف أنّ نمط تسمية “أورشليم” ليس نمطاً محلّيّاً كنعانيّاً؛ فالشّعوب الّتي قطنت الشّام وفلسطين كانت تسمّي مدنها على منطق العرب البسيط القائم على الصّفة والنّسبة، في حين أنّ تصدير أسماء العواصم بالبادئة “أُور” نمطٌ عراقيٌّ سومريٌّ خالصٌ سبق نشوء الممالك الشّاميّة بنحو 1000 سنة، وتوقّف العمل به في العراق نفسه مع قيام المملكة البابليّة الأولى. أُور أو أُر 𒋀𒀕 بمعنى عاصمة، وأصلها اسم مدينة أُرِم / أُور السّومريّة الّتي تعني القرقورة أو الزّلعومة لشكل مجرى الفرات عندها، ثمّ صارت تعني عاصمة كذا أو أرض كذا، مثل: أوروم، وأوروك، وأورفا، وأوركيش، وأوراش.
يضاف إلى ذلك غياب أيّ نقشٍ أو شاهدٍ أثريٍّ داخل مدينة القدس يحمل اسم “أورشليم” طوال عصور الممالك والإمبراطوريّات القديمة؛ ممّا يرجّح أنّ مدوّن التّوراة حين كتب نصّه في العراق إبّان الأسر البابليّ استعمل النّمط العراقيّ القديم في تسمية البلدان، فقال “أُور-شَليمو” قاصداً “أرض شَليمو” أو “عاصمة سَليمُ”، ومن هذا التّدوين التّوراتيّ انتقل الاسم إلى اللّغة الإغريقيّة الكوينيّة بصيغة إيروسَليم Ιερουσαλήμ (هيروسَليم) وإلى اللّاتينيّة بصيغة هيروسولُيمه Hierosolyma.
ويوم دخل الرّومان فلسطين كان اسم المدينة المتداول هو مُرَيَّا (موريا Moria)، حتّى منحها الإمبراطور الرّومانيّ هادريان Caesar Traianus Hadrianus في القرن 5 ق.هـ / القرن 2 م الاسم الرّسميّ كُولُونْيَا إِيلِيَّة كاپِيتُولِينَا Colonia Aelia Capitolina أي “عاصمة مستوطنة إيليّة”؛ نسبةً إلى عشيرة هادريان الثّريّة إيليا Aelia gens الّتي عُرفت في روما طوال 800 سنةٍ واتّخذت الفَرَس شعاراً لها.
وعن تسمية “إيليّة” هذه أخذ العرب أهل فلسطين اسم “إِيْلْيَاء” على وزنٍ سريانيّ، كما دوّنتها المراجع العبريّة الطّبريّة حتّى ما بعد القرن 4 هـ / القرن 10 م بصيغة إيليّاه قَپِّيطوليناه אֵילִיָּה קַפִּיטוֹלִינָה دون أن تذكر اسم أورشليم. وفي العهد الأمويّ أطلق عليها بعض الكتّاب اسم “البَلاط” بمعنى عرش الأمير لاتّخاذها عاصمةً ثانيةً للدّولة، وشاعت ما بين القرنَين 1 هـ / 7 م و3 هـ / 9 م التّسمية الأمويّة “بيت مُقَدَّس” (وهي الّتي انتشرت في الفارسيّة والتّركيّة) قبل أن تتحوّر في العهد العبّاسيّ إلى “بيت المَقْدِس”، في حين ظهر اسم “القُدْس” (أو القُدُس، وهي صفةٌ عربيّةٌ تعني المكان الأقدس والطُّهر والبركة، وتشاركتها تاريخيّاً مواضع ومعابد عدّة في الشّام واليمن وفلسطين ولبنان والأردن كحَرَم معبد دمشق القديم) اسماً علماً للمدينة في القرن 3 هـ / القرن 9 م.
نالت المدينة قداستها الفريدة في الأديان الإبراهيميّة الثّلاثة؛ فعرفها التّراث اليهوديّ الربّانيّ والقرّاء حاضرةً لداود وسليمان وموضعاً للهيكل الأوّل والثّاني وحائط المبكى، وصارت في المسيحيّة محجّاً عالميّاً لاحتضانها كنيسة القيامة (ذات المدوّرة المركزيّة المشيّدة فوق القبر المقدّس) ودرب الآلام ومواضع صلب المسيح ودفنه وقيامته وفق المعتقد المسيحيّ، وباتت للمسلمين أولى القبلتَين وثالث الحرمَين الشّريفَين ومسرى النّبيّ محمّد ومعراجه إلى السّماوات.
تجلّت الذّروة المعماريّة والرّمزيّة لقداسة المدينة في الإسلام فوق هضبة موريا (جبل بيت المقدس)، حيث الصّخرة الطّبيعيّة المقدّسة الّتي تشير فرضيات آثاريّة (عند أوليگ گرابار وهيريبيرت بوسّه) إلى إحاطتها بقبّةٍ خشبيّةٍ أوّليّةٍ في عهد هرقل أو في مطلع خلافة معاوية بن أبي سفيان، قبل أن يكلّف الخليفة الأمويّ عبد الملك بن مروان في شهر أيلول سپتمبر سنة 66 هـ / 685 م المهندسَين العربيَّين رجاء بن حيوة الكنديّ البيسانيّ ويزيد بن سلّام المقدسيّ بتصميم صرح “قبّة الصّخرة” فوق أرض الهضبة الممهّدة الخالية من أيّ معبدٍ أو كنيسةٍ أو كنيسٍ سابق. استغرق البناء 6 سنواتٍ واكتمل بكسوته وزخارفه في شهر كانون الثّاني يناير سنة 72 هـ / 691 م (قبل بناء الجامع الأمويّ بدمشق بـ 20 سنةً) وإلى جواره المسجد الأقصى (المصلّى القبليّ والمروانيّ).
صُمّمت قبّة الصّخرة وفق مخطّطٍ هندسيٍّ فريدٍ يقوم على “مثمّنٍ مزدوج” (بطول ضلعٍ يتراوح بين 20 و21 متراً) يحيط بنواةٍ دائريّةٍ تعلوها قبّةٌ خشبيّةٌ مذهّبةٌ بقطر 20.5 متراً محمولةٌ على طبلونٍ أسطوانيٍّ مثقّبٍ بالنّوافذ يرتكز على 4 دعائم حجريّةٍ و12 ساريةً، ويلتفّ حولها رواقٌ مثمّنٌ داخليٌّ يُتيح للحجيج الطّواف حول الصّخرة في حركةٍ فراغيّةٍ وبصريّةٍ وصوتيّةٍ متوازنةٍ تربط الأرض بالسّماء عبر أحزمة النّور والفسيفساء الزّجاجيّة المذهّبة والخطّ الكوفيّ الخالي من التّشخيص الآدميّ.
ومن هذا التّداخل الهندسيّ بين الدّائرة المركزيّة والمثمّن المزدوج انبثق الرّمز البصريّ الشّهير المعروف باسم “نجمة القدس” الثّمانيّة (والمرتبط بصيغة “رُبع الحِزب”)؛ إذ استعاد المعماريّان الأمويّان تقليداً سيميائيّاً مشرقيّاً ضارباً في القدم يمتدّ إلى عصر جمدة نصر وحضارات سومر وأگّدة وبابل قبل نحو 4700 سنة قبل الهجرة، حين كانت النّجمة الثّمانيّة رمزاً للإلهة إنَنَّة / عشتار وشارةً لـ”الشّرعنة العموديّة” الّتي تربط السّلطة الأرضيّة بالنّظام السّماويّ، فأعادا صياغته في الفضاء الإسلاميّ ليغدو الرّواق الثّمانيّ ترجمةً لفكرة “الاكتمال المكانيّ” والإحاطة بالجهات الثّماني حول مركز العالم.

تجاوز إشعاع هذا الصّرح حدود العمارة المحليّة ليصنع لغةً رمزيّةً عابرةً للأديان والإمبراطوريّات؛ فمنه استلهمت الدّولة السّلجوقيّة في القرنَين 5 و6 هـ / 11 و12 م شعار “نجمة السّلاجقة” Selçuklu Yıldızı على العمارة وشواهد القبور كما في مدفن دربند، وحفره الخزّافون في دمشق وحلب توقيعاً مقدّساً على مصنوعاتهم، واعتمدته دولٌ إسلاميّةٌ تاريخيّةٌ ومعاصرةٌ (كالمرينيّين والسّعديّين في المغرب، وإمارة أفغانستان، وأذربيجان، وتركمانستان) على راياتها وشعاراتها السياديّة.
ولمّا احتلّ الصّليبيّون القدس في شهر تمّوز يوليو سنة 492 هـ / 1099 م حوّلوا قبّة الصّخرة إلى كنيسةٍ للطّائفة الأوغسطينيّة الكاثوليكيّة، واتّخذت مؤسّسة “فرسان الهيكل” سنة 513 هـ / 1119 م من المصلّى المروانيّ مقرّاً لها حتّى تحرير صلاح الدّين الأيّوبيّ للمدينة سنة 583 هـ / 1187 م؛ وخلال تلك الحقبة ظنّ الصّليبيّون قبّة الصّخرة هيكل سليمان القديم فسمّوها “معبد الرّبّ” Templum Domini، ووضعوا شكلها المثمّن على ختمهم الرّسميّ Sigillum Templi، واستنسخوا تخطيطها الثّمانيّ في بناء كنائسهم المدوّرة ومعموديّاتهم في إيطاليا وجنوب فرنسا، حتّى شاع رمز “نجمة أورشليم” Stella Hierosolymitana في الأدبيّات الكاثوليكيّة شارةً للحجّ إلى الأراضي المقدّسة.
حظيت قبّة الصّخرة والحَرَم القدسيّ برعايةٍ متّصلةٍ عبر العصور، فنجت لروعتها من الهدم في مطلع العهد العبّاسيّ (واكتفى الخليفة المأمون في القرن 3 هـ / القرن 9 م باستبدال اسمه باسم عبد الملك بن مروان في نقوشها)، وأفردت لها دولة المماليك مؤسّسةً سلطانيّةً مستقلّةً لتمويلها وصيانتها بين سنتَي 648 هـ / 1250 م و916 هـ / 1510 م، ثمّ كسا السّلطان العثمانيّ سليمان القانونيّ واجهاتها الخارجيّة بالبلاطات الخزفيّة الزّرقاء المزدانة بالنّجوم الثّمانيّة في ترميمٍ دام 7 سنواتٍ بدأ سنة 926 هـ / 1520 م، تلاه ترميم السّلطان محمود الثّاني سنة 1232 هـ / 1817 م، وترميم السّلطان عبد العزيز للفسيفساء سنة 1292 هـ / 1875 م، ثمّ التّرميم الشّامل سنة 1374 هـ / 1955 م لإصلاح آثار زلزال شهر تشرين الثّاني نوڤمبر سنة 1345 هـ / 1927 م، لتظلّ القدس عبر القرون محجّاً دوليّاً خالداً يشدّ إليه أتباع الدّيانات الثّلاث الرّحال من أرجاء المعمورة كافّة.

جبل الكرمل في فلسطين
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسيحيّون (الكاثوليك والشّرقيّون)، الموحّدون الدّروز، اليهود، المسلمون
- يزورون: دير المُحْرَقة (دير مار إلياس الكرمليّ والمذبح الحجريّ)، مغارة النّبيّ إلياس (مقام الخَضِر)
- أسماء المدينة عبر التاريخ: الرّأس المقدّس، كَرْم إِيل 𐤊𐤓𐤌 𐤀𐤋، كَرْمْلا ܟܪܡܠܐ (كرمالله)، كَرْمِل כַּרְמֶל، كَرْمِيلُس Κάρμηλος، كَرْمِيلُس Carmelus، جبل كَرْمِل
جبل الكرمل في فلسطين. موضعٌ مقدّسٌ للمسيحيّين الكاثوليك والدّروز واليهود على السّواء، ويمتدّ جبل الكرمل في شمال فلسطين على هيئة سلسلةٍ جبليّةٍ ساحليّةٍ خضراء تشرف على البحر الأبيض المتوسّط وخليج حيفا غرباً وعلى مرج ابن عامر شرقاً، وتعود قداسته التّعبّديّة في المصادر المصريّة والفنيقيّة إلى الألفيّة 3 ق.هـ / الألفيّة 2 ق.م حين وُصف في قوائم الملك المصريّ تحتمس الثّالث في القرن 22 ق.هـ / القرن 15 ق.م بلقب الرّأس المقدّس.
اسمه في الأصل باللّغة الفنيقيّة والبابليّة الآراميّة كَرْم إِيل 𐤊𐤓𐤌 𐤀𐤋 و بالسّريانيّة كَرْمْلا ܟܪܡܠܐ (كرمالله) وبالعبريّة كَرْمِل כַּרְמֶל، ومعناه جَنّة الإله أو كَرْم اللّه وبستانه الخصيب لكثرة كرومه وأشجاره دائمة الخضرة، وعنه انتقل الاسم إلى الإغريقيّة بصيغة كَرْمِيلُس Κάρμηλος وإلى اللّاتينيّة بصيغة كَرْمِيلُس Carmelus، وضبطه ياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” باسم جبل كَرْمِل المشرف على بحر الشّام.
في العصور القديمة كان الجبل حَرَماً فنيقيّاً ومزاراً لبعل كَرْمِل وعشتار يتبرّك فيه الملّاحون والملوك، ثمّ ارتبطت قداسته الإبراهيميّة بقصّة النّبيّ إلياس (إيليّا أو الخَضِر) الّذي تصارع في هذا الموضع مع كهنة بعل وعشتروت وانتصر عليهم في القرن 16 ق.هـ / القرن 9 ق.م؛ ووفق الأسطورة التّوراتيّة ذبح النّبيّ إلياس تلاميذ ورهبان دير بعل ثمّ أحرقهم أضحيةً للّه في هذا المكان، وهذا سبب تسميته بالمُحْرَقة.
تتركّز قداسة الجبل ومقاصد الحجّ الدّوليّة فيه عند “دير المُحْرَقة” الواقع على قمّته الشّرقيّة المشرفة على مرج ابن عامر، والّذي يُسمّى اليوم دير مار إلياس، إلى جانب مغارة النّبيّ إلياس (مقام الخَضِر) عند سفحه الغربيّ. كما شُيّدت في الموقع كنيسةٌ بيزنطيّةٌ قديمةٌ في القرن 2 ق.هـ / القرن 5 م، وفي أرجاء هذا الجبل تأسّست الرّهبنة الكرمليّة الكاثوليكيّة إبّان الحروب الصّليبيّة في القرن 6 هـ / القرن 12 م فنُسبت إلى اسمه، ثمّ بنى رهابنتها الكرمليّون الكاثوليك سنة 1284 هـ / 1867 م الدّير القائم إلى اليوم، وضمّوا إليه المذبح الحجريّ الّذي يسود الاعتقاد بأنّ النّبيّ إلياس بناه بيديه من 12 حجراً، ولا يزال الجبل وديره ومغارته محجّاً سنويّاً ومزاراً مشتركاً تشدّ إليه الرّحال وفود المسيحيّين الكاثوليك والشّرقيّين واليهود والدّروز والمسلمين للتّبرّك بمقام النّبيّ إلياس والخَضِر.

مدينة نابلس في فلسطين
- الطوائف التي تقصدها اليوم: السّامريّون
- يزورون: الحَرَم السّامريّ على قمّة جبل جرزيم ࠄࠓ ࠂࠓࠉࠆࠉࠌ، قبر النّبيّ يوسف، بئر يعقوب، تلّ بلاطة
- أسماء المدينة عبر التاريخ: شكيم، مَعْبَرْتا ܡܥܒܪܬܐ، مَبارْثَه Μαβάρθα، مَمُورْثَه Mamortha، نياپُولِس Νεάπολις Neapolis، فلاڤْيَه نياپُولِس، يُولْيَه نياپُولِس Julia Neapolis، دمشق الصّغرى، نابُلُس
مدينة نابلس في فلسطين. مدينة مقدّسة للسّامريّين، وتُعرف بلقب دمشق الصّغرى، وتقع في وادٍ خصيبٍ بين جبلَي عيبال شمالاً وجرزيم جنوباً في وسط فلسطين، ويعود استيطان حوضها في موقع تلّ بلاطة الأثريّ (شكيم الكنعانيّة القديمة) إلى الألفيّة 5 ق.هـ / الألفيّة 4 ق.م.
اسمها في الأصل بآراميّة المورو مَعْبَرْتا ܡܥܒܪܬܐ ويعني المَعْبَر؛ لوقوعها معبراً جبليّاً فاصلاً بين جبل عيبال وجبل جرزيم. وعن هذا الاسم الآراميّ أخذت اسمها الإغريقيّ مَبارْثَه Μαβάρθα الّذي صار في اللّاتينيّة مَمُورْثَه Mamortha. وفي سنة 567 ق.هـ / 72 م أمر الإمبراطور الرّومانيّ ڤِسْپازيان Vespasian ببناء مدينةٍ جديدةٍ لتطوير مَعْبَرْتا مَمُورْثَه، فسمّاها النّاس نياپُولِس Νεάπολις Neapolis أي المدينة الجديدة، وصارت مَعْبَرْتا أحد أحيائها.
ولمّا كان ڤِسْپازيان من العشيرة الفلاڤيّة Flavia، أطلق النّاس على المدينة الجديدة اسم فلاڤْيَه نياپُولِس. ثمّ في سنة 390 ق.هـ / 244 م غيّر الإمبراطور فيليپ العربيّ اسم المدينة إلى يُولْيَه نياپُولِس Julia Neapolis على اسم أبيه أو عشيرته ورفعها إلى رتبة مستوطنةٍ رومانيّةٍ. وبقي اسم نياپُولِس يتداوله النّاس حتّى تحوّر على ألسنتهم إلى نابُلُس، وضبطها الجغرافيّون العرب كالمقدسيّ وياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” بهذا الاسم ووصفوها بكثرة عيونها الجاري ماؤها وبساتينها وأشجار زيتها.
تتركّز قداسة نابلس ومواسم حجّها لدى اليهود السّامريّين شَمَرِيم ࠔࠌࠓࠉࠌ، الّذين يقصدون قمّة جبل جرزيم ࠄࠓ ࠂࠓࠉࠆࠉࠌ ثلاث مرّاتٍ سنويّاً في أعياد الفصح والأسابيع (الحصاد) والعُرْش (المظالّ)، وهذا الأخير يُحتفل به في يوم أربعاء. ويعتقد السّامريّون أنّ جبل جرزيم هو البقعة المختارة والقبلة المقدّسة وجبل صهيون الحقيقيّ الّذي شُيّد عليه معبد سليمان وليس في القدس، كما يؤمنون بأنّه الجبل الّذي أمر اللّه عليه إبراهيم أن يذبح ابنه إسحاق ثمّ افتداه بالكبش، وينكرون أيّ قدسيّةٍ يهوديّةٍ لمدينة القدس ويرون أنّهم وحدهم بنو إسرائيل الأصليّون الحافظون للتّوراة القديمة. وإلى جانب الحَرَم السّامريّ على جبل جرزيم، تضمّ نابلس معالم دينيّةً وتاريخيّةً أخرى يزورها النّاس مثل قبر النّبيّ يوسف وبئر يعقوب.

مدينة النّاصرة في فلسطين
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسيحيّون (الشّرقيّون، اللاتين الفرنسيسكان، الرّوم الكاثوليك)
- يزورون: كنيسة البشارة ومغارة البشارة، كنيسة القدّيس يوسف (منجرة يوسف النّجّار)، كنيسة القدّيس جبرائيل وعين العذراء، كنيسة الرّوم الكاثوليك والمجمع القديم
- أسماء المدينة عبر التاريخ: نَصْرَت ܢܨܪܬ، نَصْرات נָצְרַת، ناصَرِيث Ναζαρέθ، ناصَرا Νᾱζᾰρᾱ́، ناصِرات، نازارِث Nazareth، النّاصرة
مدينة النّاصرة في فلسطين. مدينة مقدّسة للمسيحيّين الشّرقيّين والفرنسيسكان والرّوم الكاثوليك، سُكنت منذ حوالي سنة 2908 ق.هـ / 2200 ق.م ثمّ صارت مدينةً كبرى حوالي سنة 333 ق.هـ / 300 م، وتقع في حوضٍ جبليٍّ خصيبٍ في قلب الجليل الأسفل بشمال فلسطين على مقربةٍ من مرج ابن عامر وجبل طابور.
اسمها باللّغة البابليّة الآراميّة نَصْرَت ܢܨܪܬ ثمّ نَصْرات נָצְרַת بألفٍ مائلةٍ، وهو مصدر اسمها الإغريقيّ ناصَرِيث Ναζαρέθ ثمّ ناصَرا Νᾱζᾰρᾱ́ الّذي صار في العربيّة ناصرة وصار في العبريّة ناصِرات נָצְרַת بألفٍ مائلة، ودخل اللّاتينيّة بصيغة نازارِث Nazareth. والاسم الأوّل نَصْرَت ܢܨܪܬ يعني المحروسة، من فعل نَصارُ ܢܛܪ بمعنى الحراسة، وضبطها ياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” باسم النّاصرة في جبل الجليل.
تُعدّ مدينة النّاصرة من أكثر المدن قداسةً لدى المسيحيّين الشّرقيّين والغربيّين على السّواء؛ إذ يسود الاعتقاد بأنّ الملاك جبرائيل بشّر مريم العذراء بولادة يسوع المسيح فيها، كما أنّها المدينة الّتي نشأ فيها المسيح فنُسب إليها ودُعي بيسوع النّاصريّ في الإنجيل والقرآن. ويُسمّي مسيحيّو القدّيس توما المسيحيّةَ بالنّصرانيّة ويُسمّون الواحد منهم ناصريّاً، كما هي الحال في القرآن الكريم كذلك، وفي اللّغة العبريّة واليهوديّة يُسمّى المسيحيّون نُصْرِيم נוּצְריְם أي ناصريّين.
يزور الحجيج المسيحيّون في النّاصرة كنيسة البشارة ومغارة البشارة، وهما من أقدس الأماكن المسيحيّة في عالم اليوم؛ وكان في موضعها كنيسةٌ سريانيّةٌ مبنيّةٌ في القرن 4 ق.هـ / القرن 3 م، استبدلها البيزنطيّون بكنيسةٍ جديدةٍ سنة 201 ق.هـ / 427 م، ثمّ هدمها الصّليبيّون في القرن 6 هـ / القرن 12 م وابتنوا كنيسةً أكبر هُدمت في عهد السّلطان المملوكيّ الظّاهر بيبرس سنة 662 هـ / 1264 م.
وفي العهد العثمانيّ بُنيت كنيسةٌ فرنسيسكانيّةٌ سنة 1152 هـ / 1739 م ثمّ هُدمت سنة 1380 هـ / 1960 م لتُبنى فوقها الكنيسة الكبرى الحاليّة. وإلى جانب كنيسة البشارة يزور الحجيج كنيسة القدّيس يوسف المنسوبة إلى موضع منجرة يوسف النّجّار، وكنيسة القدّيس جبرائيل عند عين العذراء حيث نبع الماء التّاريخيّ، وكنيسة الرّوم الكاثوليك والمجمع القديم؛ ويفيد تقليدٌ متوارثٌ من القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م أنّ في ذلك الموضع كان يُقام المجمع الّذي كان المسيح يتردّد إليه للتّعليم والقراءة في النّاصرة.

طور سيناء في مصر
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسيحيّون (الأرثوذكس وعموم الكنائس)، المسلمون، اليهود
- يزورون: دير القدّيسة كاترينا (كنيسة التّجلّي، كنيسة العليّقة، شجيرة العُلَّيْقة الملتهبة، بئر موسى، معرض الجماجم)، الجامع الفاطميّ داخل الدّير، جبل موسى (سُلَّم التّوبة، المصلّى والمسجد الصّغير على القمّة)، جبل القدّيسة كاترينا، جبل الصّفصافة، الوادي المقدّس طُوى، مغارة النّبيّ إيليّا
- أسماء المدينة عبر التاريخ: بِياو، خاسِت مَفْكات، طُورا دِسِيناي ܛܘܪܐ ܕܣܝܢܝ، هَر سِيناي הַר סִינַי، حُورِيب חֹרֵב، أُورُس سِينا Ὄρος Σινᾶ، تَوْ نْسِينا ⲧⲟⲟⲩ ⲛ̀ⲥⲓⲛⲁ، مونس سِينا Mons Sina، دير طُور سِيناء، دير التّجلّي، دير سانت كاترين، الطُّور، طُور سِينِين، طُور سَيْناء، طور سيناء
طور سيناء في مصر. موضعٌ جبليٌّ مقدّسٌ للمسيحيّين الأرثوذكس وعموم المسيحيّين والمسلمين واليهود، تعود قداسته التّعبّديّة في المدوّنات المصريّة والرّافدينيّة القديمة إلى الألفيّة 4 ق.هـ / الألفيّة 3 ق.م، في حين أُنشئت كنيسة العليّقة الأولى فيه سنة 291 ق.هـ / 337 م بأمر الملكة هيلانة أمّ الإمبراطور قسطنطين الأوّل، تلاها تشييد الدّير الحصين بأمر الإمبراطور البيزنطيّ جستينيان الأوّل بين سنتَي 98 ق.هـ / 527 م و59 ق.هـ / 565 م. ويقع في وادٍ صخريٍّ مرتفعٍ عند سفح جبل موسى وجبل القدّيسة كاترينا وجبل الصّفصافة في قلب الكتلة الجرانيتيّة الوعرة بجنوب شبه جزيرة سيناء في مصر.
اسمه في الأصل من اللّغة البابليّة الآراميّة والسّريانيّة طُورا دِسِيناي ܛܘܪܐ ܕܣܝܢܝ، فلفظة طُور أو طُورا ܛܘܪܐ تعني الجبل في الآراميّة والسّريانيّة، وأمّا سِيناء فمشتقّةٌ من اسم إله القمر والحكمة الرّافدينيّ والعربيّ القديم سِين 𒀭𒌍 الّذي انتشرت عبادته ومنازل قوافل عبّاده في بوادي الشّام والجزيرة العربيّة بما فيها سيناء منذ الألفيّة 3 ق.هـ / الألفيّة 2 ق.م، ويفسّرها بعض اللّغويّين من لفظة سِنِه סְנֶה العبريّة والآراميّة الّتي تعني شجيرة العُلَّيْق البرّيّ الشّوكيّ، أو من الحجارة الصّخريّة المسنّنة. لكنّها ببساطة جبل القمر أو جبل ربّ القمر (جبل الله).
وورد الاسم في العبريّة التّوراتيّة بصيغة هَر سِيناي הַר סִינַי إلى جانب لقبه الآخر حُورِيب חֹרֵב بمعنى الأرض الجافّة أو المتوهّجة بالحرارة، وذُكر في الإغريقيّة بصيغة أُورُس سِينا Ὄρος Σινᾶ وفي القبطيّة بصيغة تَوْ نْسِينا ⲧⲟⲟⲩ ⲛ̀ⲥⲓⲛⲁ وفي اللّاتينيّة مونس سِينا Mons Sina، في حين سمّى المصريّون القدماء إقليم جبال سيناء ومناجمها في نقوشهم الهيروغليفيّة “بِياو” أي أرض المعادن، و”خاسِت مَفْكات” أي بلاد الفيروز، حيث شُيّد في هضبتها معبد الإلهة حتحور “سيّدة الفيروز”. وضبطه المفسّرون والجغرافيّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” والمقريزيّ في “المواعظ والاعتبار” باسم الطُّور وطُور سِيناء وطُور سِينِين كما ورد في القرآن الكريم في سورة التّين “وَطُورِ سِينِينَ” وفي سورة المؤمنون “وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ”، وفسّروا سِينِين وسَيْناء بالحَسَن البهيّ أو المبارك الكثير الأشجار.
نال طور سيناء قداسته الإبراهيميّة الكبرى لارتباطه في التّوراة والإنجيل والقرآن بمناجاة النّبيّ موسى لربّه عند الشّجرة المشتعلة (العُلَّيْقة المقدّسة) في الوادي المقدّس طُوى، وتلقّيه ألواح الشّريعة والوصايا العشر فوق قمّة الجبل، فضلاً عن التجاء النّبيّ إيليّا (إلياس) إلى مغارته الجبليّة.
منذ القرن 4 ق.هـ / القرن 3 م تقاطرت وفود الرّهبان والنّسّاك من مصر والشّام وبلاد الرّوم للخلوة في كهوف الجبل هرباً من اضطهاد الأباطرة غير الإبراهيميّين، فاجتمعوا حول شجيرة العُلَّيْقة الّتي بنت عندها الملكة هيلانة كنيسةً صغيرةً وبرجاً لحمايتهم. وفي القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م أمر الإمبراطور جستينيان الأوّل ببناء أسوار الدّير الحجريّة الجرانيتيّة المنيعة وكنيسة التّجلّي الكبرى لحماية الرّهبان وتأمين طريق الحجيج من غارات البدو، وأرسل إليهم مئة أسرةٍ من بلاد البنطس (تركيا المعاصرة) ومئة أسرةٍ من مصر لخدمة الدّير وحراسته، وهم أسلاف قبيلة “الجَباليّة” الّذين لا يزالون يقيمون حول الدّير حتّى اليوم.
عُرف الحَرَم قديماً باسم “دير طُور سِيناء” و”دير التّجلّي”، ثمّ شاع اسمه المعاصر “دير القدّيسة كاترينا” (أو دير سانت كاترين) ابتداءً من القرن 3 هـ / القرن 9 م والقرن 4 هـ / القرن 10 م؛ إثر شيوع الرّواية المسيحيّة القائلة بأنّ الملائكة حملت جثمان الشّهيدة الفيلسوفة كاترينا الإسكندرانيّة (الّتي قُتلت في الإسكندريّة في عهد الإمبراطور مكسيمينوس دايا حوالي سنة 326 ق.هـ / 307 م) ووضعته فوق أعلى قمّةٍ في جبال سيناء، فاكتشف الرّهبان رُفاتها ونقلوه في موكبٍ مهيبٍ إلى داخل كنيسة الدّير، مما جذب إليه أفواج الحجيج والملوك من أوروپا وروسيا والمشرق.
وحظي الدّير برعايةٍ متّصلةٍ في عصور حكومات المسلمين بموجب “العهدة النّبويّة” المحفوظة نسختها في الدّير والمنسوبة إلى النّبيّ محمّد لتأمين رهبانه وممتلكاته، وفي العهد الفاطميّ في زمن الخليفة الآمر بأحكام اللّه والوزير الأفضل شاهنشاه سنة 500 هـ / 1106 م شُيّد داخل أسوار الدّير إلى جوار الكنيسة الكبرى مسجدٌ تاريخيٌّ للمسلمين لا يزال قائماً إلى اليوم، ليجسّد تعايش الشّرائع في ذلك الحَرَم الجبليّ.
يمثّل دير القدّيسة كاترينا في طور سيناء اليوم أقدم ديرٍ مسيحيٍّ مأهولٍ في العالم حافظ على وظيفته الرّهبانيّة دون انقطاع، وهو مقرّ “كنيسة سيناء المستقلّة” التّابعة روحيّاً لبطريركيّة القدس للرّوم الأرثوذكس، ويضمّ ثاني أعظم خزانة مخطوطاتٍ دينيّةٍ وتاريخيّةٍ في العالم بعد مكتبة الڤاتيكان؛ إذ حفظت عزلة الجبل وجفاف مناخه آلاف الرّقوق السّريانيّة والإغريقيّة والعربيّة والقبطيّة والحبشيّة والأرمنيّة (ومنها المخطوطة السّينائيّة الشّهيرة للكتاب المقدّس) وأقدم الأيقونات المصوّرة بشمع العسل الّتي نجت من حرب تحطيم الأيقونات البيزنطيّة.
ويشدّ الحجيج الرّحال إليه من أنحاء المعمورة لزيارة كنيسة التّجلّي ورفات القدّيسة كاترينا، وشجيرة العُلَّيْقة الملتهبة، وبئر موسى، ومعرض الجماجم (بيت الأموات)، والجامع الفاطميّ، ثمّ يصعدون ليلاً عبر الدَّرَج الحجريّ المسمّى “سُلَّم التّوبة” والمؤلّف من 3750 درجةً نحتها الرّهبان في الصّخر لبلوغ قمّة جبل موسى ومصلّاه ومسجده الصّغير عند شروق الشّمس.

وادي النّطرون في مصر
- الطوائف التي تقصدها اليوم: المسيحيّون (الأقباط الأرثوذكس وعموم الكنائس المشرقيّة)
- يزورون: دير القدّيس أنبا مقار (مزار رفات مقاريوس الثّلاثة، مزار رفات يوحنّا المعمدان وأليشع)، دير الأنبا بيشوي، دير السيّدة العذراء (دير السّريان وشجرة مار أفرام)، دير السيّدة العذراء البَراموس، قلالي ومغاور البرّيّة وحصون الجُوسَق
- أسماء المدينة عبر التاريخ: شِتْ پِتْ 𓈙𓏏𓊪𓏏𓈇، سَخِتْ حَماتْ 𓇏𓏏𓈇𓎛𓅓𓂝𓏏𓍖𓈓𓊖، شِيهِيت ϣⲓϩⲏⲧ (شِي هِيت)، سْكِياثِيكِي خُورا Σκιαθικὴ χώρα، سْكِيتِس Σκῆτις / Scetis، سْكِيتِي Σκήτη، وادي هَبِيب، برّيّة الأسقيط، ميزان القلوب، برّيّة شِيهِيت، وادي النّطرون
وادي النّطرون (برّيّة شِيهِيت) في مصر. موضعٌ رهبانيٌّ مقدّسٌ للمسيحيّين الأقباط الأرثوذكس وعموم الكنائس المشرقيّة، تعود قداسة سبخاته المِلحيّة في الشّعائر المصريّة القديمة إلى الألفيّة 4 ق.هـ / الألفيّة 3 ق.م، في حين أُنشئت تجمّعاته الرّهبانيّة المسيحيّة الأولى حوالي سنة 302 ق.هـ / 330 م على يد القدّيس مقاريوس الكبير (أنبا مقار)، ويقع في منخفضٍ صحراويٍّ مستطيلٍ بالصّحراء الغربيّة موازٍ لفرع رشيد بغرب دلتا النّيل ضمن محافظة البحيرة في شمال مصر، على مسافة نحو 90 كيلومتراً إلى الشّمال الغربيّ من القاهرة ونحو 110 كيلومترات إلى الجنوب الشّرقيّ من الإسكندريّة، وتنتشر في قاعه سلسلةٌ من البحيرات المِلحيّة الضّحلة الّتي تتبخّر مياهها صيفاً مرصّعةً الأرضَ بقشور أملاح النّطرون الطّبيعيّة.
اسمه الأقدم في اللّغة المصريّة القديمة الموثّق في نصوص الأهرام هو شِتْ پِتْ 𓈙𓏏𓊪𓏏𓈇 أي بحيرة السّماء، كما عُرف في البرديّات المصريّة باسمه الجغرافيّ الشّهير سَخِتْ حَماتْ 𓇏𓏏𓈇𓎛𓅓𓂝𓏏𓍖𓈓𓊖 أي حقل المِلْح؛ لكثرة استخراج معدن النّطرون المسمّى بالهيروغليفيّة حَسْمَن 𓎛𓋴𓅓𓈖𓍖𓈓 أو نِتْري 𓊹𓇋𓏏𓂋𓇋𓍘𓇋𓈓 من سبخاته. وعُرف الوادي بالقبطيّة باسم شِيهِيت ϣⲓϩⲏⲧ، وهي تسميةٌ صاغها وفسّرها آباء البرّيّة الأقباط في التّراث الرّهبانيّ من العبارة القبطيّة شِي هِيت ϣⲓ ϩⲏⲧ وتعني ميزان القلوب (ويرى بعض الباحثين أنّها نُحتت مجانسةً للاسم القديم شِتْ پِتْ)؛ لاعتقادهم أنّ اللّه يَزِن في هذه البرّيّة القاحلة قلوبَ النّسّاك وأفكارهم ويمتحن صبرهم. وذُكر الإقليم في الإغريقيّة عند پطليموس بصيغة سْكِياثِيكِي خُورا Σκιαθικὴ χώρα وفي المدوّنات الرّهبانيّة بصيغة سْكِيتِس Σκῆτις وسْكِيتِي Σκήτη، وعنها انتقل إلى اللّاتينيّة بصيغة سْكِيتِس Scetis، ومنه اشتُقّ المصطلح الرّهبانيّ الأرثوذكسيّ العالميّ إسْقِيط أي صومعة النّاسك. (التّدقيق المعجميّ من قواميس اللّغة المصريّة القديمة مثل معجم برلين Wörterbuch der ägyptischen Sprache، ومعجم هنري گوتييه الجغرافيّ، ومعجم ياروسلاڤ چيرني الإشتقاقيّ القبطيّ)
أمّا اسمه الشّائع “وادي النّطرون” فمأخوذٌ من معدن النَّطْرون (كربونات الصّوديوم المائيّة الطّبيعيّة)، وأصل الكلمة مصريٌّ قديمٌ هو “نِتْري” 𓊹𓇋𓏏𓂋𓇋𓍘𓇋𓈓 ومشتقٌّ من لفظة “نِتْر” 𓊹 الّتي تعني الإله والمقدّس والطّاهر؛ لأنّ كهنة مصر القديمة كانوا يستخرجون هذا الملح من بحيرات الوادي لتطهير المعابد وصناعة البخور وتحنيط مومياوات الملوك والموتى لحفظ أجسادهم للبعث، وعن المصريّة انتقل اللّفظ إلى الأگّديّة بصيغة نِتْرُو وإلى الآراميّة والسّريانيّة بصيغة نِطْرا ܢܛܪܐ وإلى العبريّة بصيغة نِتِر נֶתֶר وإلى الإغريقيّة بصيغة نِتْرون νίτρον واللّاتينيّة نِتْروم nitrum، وضبطه الجغرافيّون والإخباريّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” والإدريسيّ والمقريزيّ في “المواعظ والاعتبار” باسم “وادي النَّطْرون” و”برّيّة شِيهِيت” و”وادي هَبِيب”؛ نسبةً إلى الصّحابيّ أو التّابعيّ هَبيب بن مُغفّل الغِفاريّ الّذي اعتزل النّاس بعد الفتح الإسلاميّ لمصر وسكن هذا الوادي متنسّكاً، كما عُرف في العصر المملوكيّ باسم “برّيّة الأسقيط” و”ميزان القلوب”.
نال وادي النّطرون قداسته المسيحيّة الدّوليّة الكبرى لارتباطه أوّلاً في التّقليد الكنسيّ بمرور العائلة المقدّسة (مريم العذراء والمسيح الطّفل ويوسف النّجّار) به ومباركته إبّان رحلة الهروب إلى مصر، ثمّ بتحوّله منذ الرّبع الثّاني من القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م إلى أعظم حاضرةٍ رهبانيّةٍ في العالم المسيحيّ القديم؛ إذ هجر القدّيس مقاريوس الكبير المِصريّ العالمَ سنة 302 ق.هـ / 330 م واستقرّ في جوف هذه الصّحراء، وتبعه آلاف الرّهبان والنّسّاك من مصر والشّام والحبشة والنّوبة وروما وبلاد الرّوم وأرمينيا، مثل القدّيس بيشوي، والقدّيس يحنّس القصير، والقدّيس موسى الأسود، والعلّامة إڤاگريوس البنطيّ، والأخوَين الرّومانيَّين مكسيموس ودوماديوس.
وفي القرن 2 ق.هـ / القرن 5 م والقرن 1 ق.هـ / القرن 6 م بلغ عدد الأديرة والمغاور والقلالي في برّيّة شِيهِيت نحو 700 ديرٍ ومنشأةٍ رهبانيّةٍ يقطنها عشرات الآلاف من الرّهبان، وخرجت من صوامعهم مدوّنة “حِكَم آباء البرّيّة” (الأبوفثيگماتا) الّتي أرست قواعد الرّهبنة والتّصوّف المسيحيّ في الشّرق والغرب، كما غدا الوادي معقلاً لاهوتيّاً للكنيسة القبطيّة والمذهب المونوفيزيّ في مواجهة السّلطة البيزنطيّة الخلقيدونيّة.
تعرّضت أديرة الوادي في القرن 2 ق.هـ / القرن 5 م لثلاث غاراتٍ كبرى شنّتها قبائل البَرْبَر والمَازِيق ((بالقاف المعقودة الّتي تُلفظ گافاً: المَازِيگ) بالقبطية الماسِيك ⲙⲁⲥⲓⲕ بالروميّة المازِيكِس Μάζικες بالرومانية المازِيقس Mazices) من بادية ليبيا في سنوات 222 ق.هـ / 407 م و219 ق.هـ / 410 م و183 ق.هـ / 444 م، ثمّ غارةٍ رابعةٍ حوالي سنة 53 ق.هـ / 570 م في القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م، تلتها غاراتٌ كبرى لقبائل اللّواتة والأعراب سنة 201 هـ / 817 م وفي منتصف القرن 3 هـ / القرن 9 م.
دفعت هذه الغارات الرّهبانَ منذ أواخر القرن 2 ق.هـ / القرن 5 م في عهد الإمبراطور زينون إلى تشييد الحصون الدّفاعيّة المربّعة المعروفة باسم “الجُوسَق” أو “القَصْر”، والّتي يُولَج إليها عبر جسرٍ خشبيٍّ متحرّكٍ وتضمّ بئر ماءٍ ومطحنةً ومخازن غلالٍ وكنيسةً عُلويّةً على اسم رئيس الملائكة ميخائيل، ثمّ أتمّ البطريرك شِنودة الأوّل (حكم 244 هـ / 859 م – 266 هـ / 880 م) تحصين دير أنبا مقار والأديرة الرّئيسة بأسوارٍ حجريّةٍ خارجيّةٍ شاهقةٍ.
كما غدا الوادي منذ القرن 1 هـ / القرن 7 م ملاذاً ومقرّاً لإقامة العديد من بطاركة الإسكندريّة وتكريس الميرون المقدّس قبل استقرار الكرسيّ البابويّ في القاهرة في القرن 5 هـ / القرن 11 م. وفي القرن 2 هـ / القرن 8 م اشترى التّاجر السّريانيّ التّكريتيّ “مَروان بنُ حَبيب” دير السيّدة العذراء هناك ليُخصَّص لرهبان الكنيسة السّريانيّة الأرثوذكسيّة القادمين من العراق والشّام، فعُرف مذّاك باسم “دير السّريان”، وحفظ في خزانته بفضل ما جلبه رئيسه موسى النّصيبينيّ في القرن 4 هـ / القرن 10 م أندر المخطوطات السّريانيّة والقبطيّة في العالم.
صمدت في وادي النّطرون حتّى يومنا هذا 4 أديرةٍ تاريخيّةٍ كبرى عامرةٍ بالرّهبان والحجيج من أصل مئات الأديرة القديمة، وهي: دير القدّيس أنبا مقار في أقصى الجنوب الشّرقيّ (ويضمّ رفات القدّيسين مقاريوس الثّلاثة، ويُنسب فيه مزارٌ لرفات النّبيّ يوحنّا المعمدان والنّبيّ أليشع)، ودير الأنبا بيشوي، ودير السيّدة العذراء المعروف بدير السّريان (وفيه شجرة مار أفرام السّريانيّ وكنيسة العذراء المزدانة بالنّقوش الجصّيّة السّريانيّة واللّوحات الجداريّة من القرن 3 هـ / القرن 9 م)، ودير السيّدة العذراء البَراموس في أقصى الشّمال الغربيّ (واسمه معرّبٌ عن القبطيّة پَا رُومِيُوس ⲡⲁⲣⲱⲙⲉⲟⲥ أي دير الرّوميَّين مكسيموس ودوماديوس).
ويُعدّ الوادي اليوم القلبَ النّابضَ للرّهبنة القبطيّة، ومن أديرته الأربع يُختار معظم بطاركة وأساقفة الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة، وتشدّ إليه الرّحال وفود الحجيج المسيحيّين من عموم مصر والمشرق وإثيوپيا وأوروپا على مدار العام، ولا سيّما في مواسم الأصوام الكبرى وأعياد القدّيسين وعيد حلول الرّوح القدس (العنصرة) للتّبرّك بأجساد الآباء الأوائل والخلوة الرّوحيّة في برّيّة شِيهِيت.

مدن لم تزل حيّة وقد زالت عنها القداسة وانتهت أديانها
أدرجتُ في هذا التّصنيف 23 مدينةً باقيةً ومأهولةً بالسّكّان حتّى يومنا الحاليّ. ماتت الأديان القديمة الّتي منحت هذه الحواضر قداستها ومكانتها الرّوحيّة في العصور الخالية. ونتيجةً لاندثار تلك المعتقدات، خسرت هذه الأماكن صفتها المقدّسة، وانقطع مجيء الحجّاج إليها وانتهت فيها شعائر الزّيارة الدّينيّة.
لِتيسير استعراض هذه المواضع المقدّسة، نظّمتُ الترتيب وفق تسلسلٍ ألفبائي مزدوج؛ فوضعتُ أسماء البلدان أوّلاً في ترتيبٍ ألفبائي، ثمّ أتبعتُ ذلك بترتيب أسماء المدن التّابعة لكلّ بلدٍ ترتيباً ألفبائيّاً داخليّاً.

شوش في إيران
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها قداستها الأولى وانقرضت الديانة الإيلاميّة
- يزورون: معبد الإله إِنْشُوشِنَك، زقّورة چُغا زَنبيل، مرقد النبيّ دانيال، أطلال القصور الأخمينيّة
- أسماء المدينة عبر التاريخ: شَوْشَن 𒈹𒂞𒆠، شوشَن، شوشُن، شوش ܫܘܫ، شوشَن שׁוּשָׁן، سوسه Σοῦσα / Susa، السوس، شوش
شوش في إيران. أُنشئت حوالي سنة 5177 ق.هـ / 4400 ق.م باسم شَوْشَن 𒈹𒂞𒆠، وتقع في سهل خوزستان (الأهواز) الخصيب بين نهرَي الكرخة ودز في جنوب غرب إيران عند سفوح جبال زاگرس. واسمها معناه الخضرة والنماء أو السوسن، وذات الكلمة بذات المعنى استعملها الفنيقيّون كذلك والبابليّون ما يشير إلى أنّها ربّما مدينة فنيقيّة موريّة الأساس.
ذُكرت في المدوّنات الإيلاميّة بصيغة شوشَن وشوشُن، وفي السريانيّة شوش ܫܘܫ وفي العبريّة شوشَن שׁוּשָׁן، وفي الإغريقيّة سوسه Σοῦσα، وهو الاسم الذي دخل اللّاتينيّة بصيغة سوسه Susa وعُرفت به عند الجغرافيّين العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” والإصطخريّ باسم “السوس”.
صارت شوش مدينةً مقدّسةً وحاضرةً للديانة الإيلاميّة لاحتضانها معبد الإله الحامي “إِنْشُوشِنَك” 𒀭𒈹𒂞 (أو إِنْشُشِنَك) أي سيّد شوش، وإلى جوارها زقّورة “چُغا زَنبيل” الشهيرة المشيّدة في القرن 20 ق.هـ / القرن 13 ق.م للإله الأعظم هُمْبَن، وانتشرت عباداتها ومواسم حجّها على طول جنوب آسيا وسواحل بحر العرب والخليج.
في أرجاء معابدها جمع الملوك الإيلاميّون نفائس الشرق القديم كمسلّة حمورابي ومسلّة نَرَم سين بعد غزوهم لبابل في القرن 19 ق.هـ / القرن 12 ق.م. لكن سنة 1898 ق.هـ / 1218 ق.م (أو في حملات الملك البابليّ نبوخذنصّر الأوّل ثمّ الآشوريّ آشور بانيپال سنة 1308 ق.هـ / 647 ق.م) دُمّرت المدينة وزالت قداستها الأولى وتحوّلت لاحقاً إلى الديانة السريانيّة المشرقيّة، كما اتّخذها الملوك الأخمينيّون كداريوش الأوّل عاصمةً شتويّةً لإمبراطوريّتهم، ونُسب إليها مرقد النبيّ دانيال.
وبقيت خصوصيّتها السياسيّة واللّغويّة في إطار مملكة سوسياء (إِليمايِس) حتّى القرن 4 ق.هـ / القرن 3 م حين قضى عليها الساسان بقيادة أردشير الأوّل وشاپور الأوّل وفرضوا فيها اللّغة الپهلويّة، وظلّت مدينةً عامرةً بالتجارة وصناعة الخزّ والسكر بعد الفتح الإسلاميّ سنة 17 هـ / 638 م حتّى خُرّبت في الغزو المغوليّ في القرن 7 هـ / القرن 13 م.

حَرّان في تركيا
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة الكوكبيّة وانقرضت شريعتها الصّابئيّة
- يزورون: تلّ حَرّان وقلعة المعبد المدوّرة، أطلال معبد القمر سِين (إِي خُولْ خُولْ)، هياكل الكواكب السّبعة البائدة، مزار دير كَادِي، معبد سُومَاتَار، المنازل الطّينيّة المخروطيّة، أطلال الجامع الأمويّ الكبير
- أسماء المدينة عبر التاريخ: خَرّانُم 𒄯𒊏𒉡𒌝𒆠، خَرّانُو 𒌷𒄯𒊏𒉡 (كَسْكَل 𒌷𒆜)، حَرّان ܚܪܢ، حَاران חָרָן، كَارّاي Κάρραι، قارّاي Carrhae، هِيْلِينُوپُولِس Ἑλληνόπολις، مَدِينَت حَنْپِي ܡܕܝܢܬܐ ܕܚܢܦܐ (مدينة الحُنَفاء)
حَرّان في تركيا. مدينةٌ عربيّة تاريخيّةٌ حيّةٌ بمنازلها الطّينيّة المخروطيّة زالت عنها قداستها الكوكبيّة القديمة وانقرضت شريعتها الصّابئيّة، يعود استيطان تلّها الأثريّ في العصر البرونزيّ المبكّر إلى حوالي سنة 3218 ق.هـ / 2500 ق.م، وتقع في سهلٍ فسيحٍ خصبٍ عند مجرى نهر الجُلّاب (أحد روافد نهر البليخ المفضي إلى الفرات) في إقليم الجزيرة الفراتيّة العليا ضمن محافظة أورفة (الرّها) بجنوب شرق تركيا، على مسافة نحو 44 كيلومتراً إلى الجنوب الشّرقيّ من مدينة الرّها ونحو 20 كيلومتراً إلى الشّمال من الحدود السّوريّة.
اسمها الأصليّ في المدوّنات المسماريّة السّومريّة والأگّديّة والبابليّة والآشوريّة (ومنها ألواح إيبلا في القرن 31 ق.هـ / القرن 24 ق.م بصيغة خَرّانُم 𒄯𒊏𒉡𒌝𒆠 وألواح ماري في القرن 25 ق.هـ / القرن 18 ق.م) هو خَرّانُم وخَرّانُو 𒌷𒄯𒊏𒉡، وكتبه الكتبة البابليّون والآشوريّون كذلك بالعلامة الرّمزيّة السّومريّة الدّالّة على الطّريق والقافلة 𒌷𒆜 (كَسْكَل)؛ إذ يطابق اسمُها اللّفظَ الأگّديّ خَرّانُو بمعنى الطّريق السّالك، ومفترق الدّروب، ومحطّة القوافل، والحملة التّجاريّة؛ لوقوعها في عقدة المواصلات الدّوليّة الرّابطة بين بلاد الرّافدين والشّام والأناضول، في حين يردّه فريقٌ من علماء العروبيّات نظراً لنطقه بالحاء الحلقيّة في اللّغات العروبيّة الغربيّة إلى الجذر العروبيّ الدّالّ على الأرض الحارّة المحترقة بالشّمس.
ووردت بهذا الرّسم في الآراميّة والسّريانيّة بصيغة حَرّان ܚܪܢ، وفي العبريّة التّوراتيّة بصيغة حَاران חָרָן، وعنها تحدّرت الصّيغة الإغريقيّة كَارّاي Κάρραι واللّاتينيّة قارّاي Carrhae (الّتي اشتهرت في التّاريخ العسكريّ الرّومانيّ بمعركة حَرّان الفاصلة الّتي سحق فيها الأشكان الپهلويّون جيش القائد الرّومانيّ كراسوس سنة 695 ق.هـ / 53 ق.م).
وبعد استيطان المقدونيّين فيها في العهد الهلنستيّ، أطلق عليها البيزنطيّون في القرون المسيحيّة الأولى لقب هِيْلِينُوپُولِس Ἑλληνόπολις أي “مدينة الهيلينيّين (أي عبدة الكواكب)” وسَمّاها السّريان مدينة الحُنَفاء ܡܕܝܢܬܐ ܕܚܢܦܐ؛ لتمسّك أهلها بديانتهم الفلكيّة وفلسفتهم اليونانيّة في وجه التّنصير البيزنطيّ. وضبطها الجغرافيّون والإخباريّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” والمسعوديّ في “مروج الذّهب” وابن النّديم في “الفهرست” وابن شدّاد في “الأعلاق الخطيرة” باسم حَرّان، ووصفوها بأنّها قصبة ديار مُضَر ومنازل الصّابئين، ونسبها الإخباريّون والنّسّابة إلى هاران أخي النّبيّ إبراهيم الخليل، أو ذكروا أنّها أوّل مدينةٍ بُنيت على وجه الأرض بعد الطّوفان.
في الميثولوجيا الإغريقيّة القديمة، ينتسب الهيلينيّون إلى جدّهم الأسطوريّ الأعلى هِلِّين Ἕλλην بن ديوكاليون (نوح الإغريق الّذي نجا من الطّوفان) وبيرها، وتسمّت بلادهم باسمه هِلَّاس Ἑλλάς. وفي الأصل كانت “هِلَّاس” منطقةً صغيرةً في إقليم ثِسّاليا بشمال اليونان حول معبد دُودُونا العتيق، ويربط بعض اللّغويّين جذر الاسم بلفظة سِلُّوي Σελλοί أو هِلُّوي Ἑλλοί (وهم كهنة زيوس في دودونا)، أو بالجذر الهندو-أوروپيّ سْوِل (swel-) الّذي يعني الضّياء والنّور وإشراق الشّمس (ومنه كلمة الشّمس بالإغريقيّة هِيْلِيُوس Ἥλιος)، قبل أن يتّسع مدلول الكلمة في القرن 13 ق.هـ / القرن 7 ق.م ليشمل عموم الشّعوب النّاطقة باللّسان الإغريقيّ.
وعندما ترجم السّريان في سوريا (الرّها) والشّام والعراق هذه الكلمة الإغريقيّة هِلِّينِس Ἕλληνες إلى لسانهم السّريانيّ، لم يعرّبوها لفظيّاً في سياقها الدّينيّ، بل ترجموها إلى لفظة حَنْپِي ܚܢܦܐ (ومفردها حَنْپَا أي الحَنِيف، الّتي تعني في السّريانيّة الكنسيّة: الوثنيّ الصّابئ المائل عن المسيحيّة والمتمسّك بدين الكواكب والفلسفة). لذلك، فإنّ تسمية البيزنطيّين لمدينة حَرّان بلقب هِيْلِينُوپُولِس Ἑλληνόπολις (ومقابله السّريانيّ مَدِينَت حَنْپِي ܡܕܝܢܬܐ ܕܚܢܦܐ أي مدينة الحُنَفاء) لا تعني أنّ سكّان حَرّان كانوا من الجنس اليونانيّ، بل تعني في لسان ذلك العصر “مدينة الوثنيّين الحكماء وعَبَدة الكواكب”؛ لأنّها بقيت المدينة الوحيدة في الإمبراطوريّة البيزنطيّة الّتي رفضت التّنصير وجمعت بين ديانة القمر الرّافدينيّة والفلسفة اليونانيّة الأفلاطونيّة والهرمسيّة.
جمعت حَرّان في تاريخها الرّوحيّ بين قداسةٍ إبراهيميّةٍ تأسيسيّةٍ وقداسةٍ فلكيّةٍ كوكبيّةٍ عظمى استمرّت زهاء ثلاثة آلاف عام؛ ففي الموروث التّوراتيّ والإسلاميّ ارتبطت بهجرة النّبيّ إبراهيم الخليل وأبيه تارح (آزر) وابن أخيه لوط وزوجته سارة من “أور الكلدانيّين” في جنوب العراق واستقرارهم في حَرّان، حيث توفّي أبوه تارح، ومنها انطلق إبراهيم بأمر ربّه إلى أرض كنعان، وإليها عاد حفيده النّبيّ يعقوب ليتزوّج من ابنتَي خاله لابان (ليئة وراحيل).
أمّا قداستها الكوكبيّة الدّوليّة العظمى فقامت على احتضانها المعبد الرّئيس والأقدس في الشّرق الأدنى القديم لعبادة إله القمر والحكمة الرّافدينيّ “سِين” 𒀭𒌍 (الّذي عُرف في الآراميّة بحَرّان بلقب بَعْل حَرّان ܒܥܠ ܚܪܢ أي سيّد حَرّان، وبلقب شِهْر إله القمر)، إلى جوار قرينته الإلهة “نِينْگال” (نِكّال أي السيّدة العظيمة)، وابنهما إله الشّمس “شَمَش”، وابنتهما إلهة الزّهرة “إِنَنَّة / عَشْتَار”.
وكان معبد إله القمر سِين في حَرّان المسمّى بالسّومريّة والأگّديّة “إِي خُولْ خُولْ” 𒂍𒄾𒄾 أي “بيت البهجة العظمى” يضارع في قداسته ومهابته معبد القمر الأمّ في مدينة أور السّومريّة؛ فعندما كانت الملوك في آشور وبابل تعقد المعاهدات الدّوليّة في الألفيّتَين 3 و2 ق.هـ / 2 و1 ق.م كانت تُشهِد “سِين السّاكن في حَرّان” ضامناً للعهود، وجدّد بناء هذا الهيكل العظيم ملوك آشور كشلمنصر الثّالث وآشور بانيپال، ثمّ تولّى إعماره وتوسيعه آخر ملوك بابل الكلدانيّين “نَبُونِيد” (حكم 1213 ق.هـ / 556 ق.م – 1199 ق.هـ / 539 ق.م) الّذي كانت أمّه “أَدَد گُوپِّي” الكاهنة العُليا لمعبد القمر في حَرّان وعاشت فيه أكثر من مئة عام، فرأى نَبُونِيد في منامه أنّ الإله مَردوق أمره بإعادة بناء معبد “إِي خُولْ خُولْ” في حَرّان، فاعتزل بابل في تيماء وجعل عبادة القمر سِين في حَرّان محور الدّيانة الإمبراطوريّة.
وفدت إلى حَرّان ومزاراتها المحيطة بها (مثل معبد القمر الرّيفيّ في تلّ چاگِر بازار ومزار “دير كَادِي” ومعبد “سُومَاتَار” الجبليّ في جبال تك تك) قوافل الحجيج والأباطرة من عموم الرّافدين والشّام والأناضول وروما؛ إذ قصدها الإمبراطور الرّومانيّ كركلّا حاجّاً إلى هيكل القمر في شهر نيسان أبريل سنة 418 ق.هـ / 217 م وقُتل في طريق عودته منها، كما زارها الإمبراطور الفيلسوف يوليان سنة 267 ق.هـ / 363 م في طريقه لغزو العراق فقدّم القرابين الفخمة لإله القمر واستطلع وحي الكواكب في معابدها.
ومع انتصار المسيحيّة وتدمير الهياكل “الوثنيّة” في مدن الإمبراطوريّة البيزنطيّة، صمدت حَرّان معقلاً وحيداً لديانة الكواكب والفلسفة الهلنستيّة والهرمسيّة؛ إذ زاوج حكماؤها وكهنتها بين عبادة الكواكب السّبعة الرّافدينيّة القديمة (القمر، والشّمس، وزُحَل، والمشتري، والمرّيخ، والزّهرة، وعطارد) وبين الفلسفة الأفلاطونيّة المحدثة وتعاليم “هرمس الهرامسة” و”أَغَاثَادِيمُون”.
في العصر الإسلاميّ، وبعد فتح حَرّان صلحاً على يد عياض بن غنم سنة 18 هـ / 639 م واتّخاذ آخر خلفاء بني أميّة مروان بن محمّد إيّاها عاصمةً للخلافة الإسلاميّة سنة 127 هـ / 744 م، ظلّ أهلها على ديانتهم النّجوميّة القديمة حتّى مرّ بهم الخليفة العبّاسيّ المأمون سنة 215 هـ / 830 م في طريقه لغزو الرّوم، فأنكر عليهم زيّهم وشعورهم المرسلة وخيّرهم بين الإسلام أو الدّخول في إحدى الدّيانات المذكورة في القرآن الكريم وإلاّ استباح دماءهم؛ فاستشار الحَرّانيّون فقيهاً أرشدهم إلى التّسمّي باسم “الصّابئة” لورود ذكرهم في القرآن مع أهل الكتاب، فعُرفوا مذّاك في التّراث الإسلاميّ باسم “صَابِئَة حَرّان” أو “الحَرّانيّين” (تمييزاً لهم عن الصّابئة المندائيّين في بطائح العراق).
حفظ ابن النّديم في “الفهرست” والمسعوديّ في “مروج الذّهب” والبيرونيّ في “الآثار الباقية” والدّمشقيّ في “نخبة الدّهر” وصفاً تفصيليّاً لهياكل حَرّان الكوكبيّة وشعائر حجّها السّنويّة؛ إذ شُيّد لكلّ كوكبٍ من الكواكب السّبعة وللعِلّة الأولى وللنّفس الكلّيّة هيكلٌ على هيئةٍ هندسيّةٍ خاصّةٍ (
- فهيكل زُحل مسدّسٌ أسود،
- وهيكل المشتري مثلّثٌ أخضر،
- وهيكل المرّيخ مستطيلٌ أحمر،
- وهيكل الشّمس مربّعٌ مذهّب،
- وهيكل الزّهرة مثلّثٌ مستطيلٌ في جوف مربّعٍ أزرق لازورديّ،
- وهيكل عطارد مثلّثٌ في جوف مستطيلٍ ملوَّنٍ موشّىً بشتّى الألوان (يغلب عليه الأزرق الآسمانجونيّ والأخضر الزّبرجديّ ولون الزّئبق)،
- وهيكل القمر مثمّنٌ أو مخمّسٌ أبيض فضّيّ)،
وكان الحجيج الصّابئة يخرجون في يوم 20 من شهر نيسان أبريل إلى “دير كَادِي” في ضواحي حَرّان فينحرون ثيران القرابين لآلهة الكواكب، ويقيمون في منتصف شهر تمّوز يوليو مناحة “البُوقَات” (أي الباكيات، وبالسّريانيّة بَاكْيَاتَا ܒܟܝܬܐ) وهنّ النّساء الباكيات على الإله “تَاوُز” (تمّوز) فلا يأكلون فيه شيئاً مطحوناً بالرّحى؛ لأنّ سيّده طحن عظام تمّوز في الرّحى، كما كانوا يحجّون إلى معبد القمر الأعظم في تلّ حَرّان عند مطلع كلّ شهرٍ قمريٍّ وعند اقتران النّيّرين.

ومن رحاب هذه المدارس الكهنوتيّة والفلكيّة في حَرّان نبغ كبار علماء الفلك والرّياضيّات والطّبّ والتّرجمة في الحضارة الإسلاميّة كالعالِم ثابت بن قُرّة الحَرّانيّ وحفيده إبراهيم بن سنان والبتّانيّ الفلكيّ الحَرّانيّ، وظلّ آخر معبدٍ مدوَّرٍ للقمر عامراً في حَرّان حتّى استولى عليه أمراء بني نُمَيْر في عهد الأمير شَبيب بن وثّاب النُّمَيْريّ وحوّلوه إلى قلعةٍ للمدينة سنة 424 هـ / 1033 م، ثمّ ازدهرت حَرّان حاضرةً علميّةً وفقهيّةً حنبليّةً كبرى في العهدَين الزّنگيّ والأيّوبيّ (وموطناً لآل تيميّة) قبل أن تستسلم لهولاگو سنة 658 هـ / 1260 م ثمّ يدمّرها المغول في عهد ابنه أَباقا خان ويُجلوا أهلها عنها قسراً إلى ماردين والموصل سنة 670 هـ / 1272 م، فلم يبقَ من معابدها ومدرستها وجامعها الأمويّ الكبير اليوم سوى الأطلال الأثريّة وقلعة المعبد المدوّرة.

بَعْلَبَكّ في لبنان
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة الكونيّة القديمة وانقرضت ديانتها القديمة
- يزورون: تلّة الأكروپوليس، معبد جوپيتر الأعظم (أحجار التريليثون وحجر الحبلى)، معبد بق (باخوس)، معبد ڤينوس الدّائريّ، نبع رأس العين، نبع اللّجوج، الجامع الكبير والقلعة، مقام السّيّدة خَوْلة
- أسماء المدينة عبر التاريخ: بَعْل بَكِي בַּעַל בְּכִי، بَعَلْبَك ܒܥܠܒܟ، بَعَلْبِق ܒܥܠܒܩ، أَمْقِي 𒆠𒄠𒆠، بَعْل جَاد בַּעַל גָּד، هِيْلِيُوپُولِس Ἡλιούπολις / Heliopolis، مَدِينَت شِمْشَا ܡܕܝܢܬ ܫܡܫܐ، كُولُونْيَا يُولْيَا أَوْغُسْطَا فِيلِيكْس هِيْلِيُوپُولِيتَانَا، بَعْلَبَكّ
بَعْلَبَكّ في لبنان. مدينةٌ حيّةٌ زالت عنها قداستها الكونيّة القديمة وانقرضت شريعتها الكنعانيّة والرّومانيّة، يعود استيطان تلّها الأثريّ الواقع تحت بهو معبدها الكبير إلى العصر الحجريّ النّحاسيّ وعصر البرونز المبكّر حوالي سنة 3630 ق.هـ / 2900 ق.م، وتقع في صدر سهل البقاع الفسيح عند السّفح الغربيّ لسلسلة جبال لبنان الشّرقيّة على ارتفاع نحو 1170 متراً فوق سطح البحر، عند خطّ تقسيم المياه الفاصل بين منابع نهر العاصي المتّجه شمالاً نحو أنطاكيّة ومنابع نهر اللّيطاني المتّجه جنوباً نحو صور، وتروي بساتينها الغنّاء ينابيع غزيرةٌ في مقدّمتها نبع “رأس العين” ونبع “اللّجوج”.
اسمها مركّبٌ في اللّسان الكنعانيّ والآراميّ، وورد أقدم تدوينٍ نصّيٍّ صريحٍ لهيئته المركّبة في التّلمود البابليّ والمِشناه بصيغة بَعْل بَكِي בַּעַל בְּכִי، وفي المدوّنات السّريانيّة بصيغتَي بَعَلْبَك ܒܥܠܒܟ وبَعَلْبِق ܒܥܠܒܩ؛ فالشّطر الأوّل هو اسم الإله الكنعانيّ والمشرقيّ الأعلى “بَعْل” (حَدَد، مردوق) سيّد المطر والخصب والرّعد والملك، وتعدّدت مذاهب اللّغويّين والإخباريّين في تحقيق الشّطر الثّاني “بَكّ”: وأصرح هذه المذاهب وأوثقها اتّصالاً بجغرافية المعابد القديمة ربطُ لفظة “بَكّ” بكلمة “بَكَّة” الواردة في القرآن الكريم في سورة آل عمران {لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} اسماً لموضع البيت الحرام، وهي لفظةٌ تكرّرت في جغرافية الشّرق الأوسط اسماً لعدّة مواضع مقدّسةٍ بمعنى “المعبد” وحَرَم العبادة (مثل بَكَّة في حوران وبَقَّة على الفرات وبكّة في هرمزجان وبكّة جوقين في طهران وبكة راشيّا في لبنان وبكا السويداء في سوريا)، وتحدّرت من إلحاق تاء النّسبة والمكانيّة باسم الخالق بَق أو بَگ أو بَغ (الّذي يعني الخالق والرّبّ المعبود في اللّغات المشرقيّة والهندوإيرانيّة القديمة، كالپهلويّة القديمة بَگَ 𐎠𐎥𐎠 والأڤِستائيّة بَغَ 𐬠𐬀𐬌𐬀، ومنه اسم بَغْداد)، فصارت “بَقَّة” و”بَكَّة” بمعنى بيت الخالق ومعبده، ويكون تركيب “بَعْل بَكّ” ببساطةٍ هو “معبد بَعْل”.
وإلى جانب هذا التّأصيل، ذهب فريقٌ من علماء السّاميّات (العروبيّات) إلى أنّ الشّطر الثّاني منحوتٌ من لفظة “بَقْع” و”بِقاع” الكنعانيّة والآراميّة الّتي سُهّلت عينُها، فيكون معناه “بَعْلُ البِقاع” أي سيّد سهل البقاع وإلهه الحامي، وذهب فريقٌ آخر استناداً إلى الرّسم التّلموديّ إلى ردّه إلى الجذر العروبيّ ب.ك.ي بمعنى النّواح والدّمع أو شجر البَكاء؛ نسبةً إلى شعائر البكاء السّنويّة على الإله بعل أو تمّوز عند غيابه في العالم السّفليّ، أو لتدفّق عيون الماء من صخورها كالدّموع، في حين فسّره اللّغويّون العرب كابن منظور في “لسان العرب” وأبي عبيد البكريّ بأنّه مركّبٌ من اسم الصّنم “بَعْل” ومن الفعل “بَكَّ” بمعنى زَحَمَ ودَقَّ العنق لتزاحم الحجيج في معبدها، وذكر ياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” أنّها كانت قصرَ ومَهرَ بلقيس عند زواجها بالنّبيّ سليمان، وزعم متأخّرون أنّ “بَكّ” اسم ملكٍ قديمٍ أُضيف إلى الصّنم.
وفي المدوّنات القديمة عُرف سهلها في رسائل تلّ العمارنة من القرن 21 ق.هـ / القرن 14 ق.م باسم أَمْقِي 𒆠𒄠𒆠 أي العَمْق، وطابق الآثاريّون موضعها الكنعانيّ مع مدينة بَعْل جَاد בַּעַל גָּד المذكورة في التّوراة عند سفح جبل حرمون. ولمّا بسط البطالمة والسّلوقيّون نفوذهم على الشّام في القرن 10 ق.هـ / القرن 4 ق.م والقرن 9 ق.هـ / القرن 3 ق.م، طابقوا بين إلهها الكنعانيّ بعل الّذي اتّخذ صفات الشّمس وبين إله الشّمس الإغريقيّ “هِيْلِيُوس” Ἥλιος، فمنحوها الاسم الإغريقيّ الرّسميّ هِيْلِيُوپُولِس Ἡλιούπολις واللّاتينيّ هِيْلِيُوپُولِس Heliopolis، ومعناه “مدينة الشّمس” (وترجمته السّريانيّة مَدِينَت شِمْشَا ܡܕܝܢܬ ܫܡܫܐ). وعندما ألحقها الإمبراطور أغسطس قيصر بمستعمرة بيروت الرّومانيّة سنة 657 ق.هـ / 15 ق.م، ثمّ أفردها الإمبراطور سِپْتِيمْيُوس سِڤِيرُوس مستعمرةً مستقلّةً بذاتها سنة 441 ق.هـ / 194 م، حملت على مسكوكاتها اللّقب الرّومانيّ الرّسميّ كُولُونْيَا يُولْيَا أَوْغُسْطَا فِيلِيكْس هِيْلِيُوپُولِيتَانَا Colonia Julia Augusta Felix Heliopolitana.
تضرب قداسة بعلبك بجذورها الأولى في أعماق الحقبة الكنعانيّة والآراميّة قبل العهد الهلنستيّ بقرونٍ طويلةٍ؛ إذ نشأ حَرَمها العتيق فوق تلّها الأثريّ معبداً مركزيّاً لعبادة الإله الأعلى بَعْل شَامِين (بَعْل شَمِيم 𐤁𐤏𐤋 𐤔𐤌𐤌 في الفينيقيّة، وبَعْل شْمِين ܒܥܠܫܡܝܢ في الآراميّة، أي “سيّد السّماوات”)، وهو التّجلّي الكونيّ العروبيّ لإله العاصفة والمطر الكنعانيّ بَعْل حَدَد حين ارتقى في المعتقد شمال العربيّ ليغدو ربّ الأرباب وسيّد الأفلاك والشّمس والخصب.
وفي رحاب هذا المعبد العروبيّ القديم انتظمت العقيدة الكنعانيّة والآراميّة حول ثالوث بَعْل شَامِين المقدّس، المؤلّف من الأب السّماويّ بَعْل شَامِين، وقرينته الأمّ الكبرى إلهة الخصب والحبّ وكوكب الزّهرة عَشْتَار (عَشْتُورَت 𐤏𐤔𐤕𐤓𐤕، وعَتَرْعَتَا الآراميّة)، والابن الإله الشّابّ الّذي يمثّل انبعاث الطّبيعة وحراسة القطعان والمياه والوحي الإلهيّ، والّذي عُرف في الحواضر الكنعانيّة والآراميّة بألقاب أَدُون (أدونيس / تَمُّوز / ذو الشرى) ومَلَقْبَل (مَلاك بَعْل ورسوله) إلى جانب قرينَيه الفلكيَّين في التّقاليد الآراميّة لإله الشّمس وإله القمر.
وعلى هذا الأساس الكنعانيّ والآراميّ الرّاسخ نالت بعلبك قداستها الدّوليّة العظمى في العهدَين الهلنستيّ والرّومانيّ بوصفها المعقل الأقدس لعبادة “ثالوث هِيْلِيُوپُولِس” الكونيّ، الّذي أعاد صياغة الثّالوث المشرقيّ القديم بأسماءٍ إغريقيّةٍ ورومانيّةٍ من غير أن يغيّر جوهره الكنعانيّ، فظلّ مؤلّفاً من الأب والأمّ والابن؛ أمّا الأب فهو الإله الكنعانيّ الأعلى “بَعْل شَامِين / بَعْل حَدَد” الّذي طُوبق أوّلاً مع إله الشّمس “هِيْلِيُوس” و”زِوس”، ثمّ عُرف في العهد الرّومانيّ باسم “يُوپِيتَر الهِيْلِيُوپُولِيّ” (جوپيتر) Jupiter Optimus Maximus Heliopolitanus، وكان يُصوَّر على هيئته الشّرقيّة شابّاً أمرد منتصب القامة يعتمر تاج الخصب الكنعانيّ (الكالوس) ويقبض بيمينه على سوط البرق والصّاعقة وبيساره على سنابل القمح، ويحيط بقاعدة تمثاله الذّهبيّ ثوران يرمزان إلى حَدَد؛ وأمّا الأمّ فهي قرينته الإلهة الكنعانيّة “عَشْتَار” (أو أتارگاتيس) الّتي عُرفت باسم “ڤِينُوس الهِيْلِيُوپُولِيّة” Venus Heliopolitana؛ وأمّا الابن فهو الإله الشّابّ الخَصيب الّذي طابقه الرّومان مع الإله “مِيرْكُورِي” Mercurius (عطارد / هرمس) إلى جانب عبادة إله الكرمة والنّشوة والانبعاث بقُّس (بَاخُوس) Bacchus (ديونيسوس).
ولإعلاء شأن هذا الحَرَم الكونيّ، شرع الأباطرة الرّومان منذ عهد أغسطس قيصر ونيرون في القرن 7 ق.هـ / القرن 1 ق.م والقرن 6 ق.هـ / القرن 1 م، ثمّ أنطونينوس پيوس وكركلّا وفيليپ العرب حتّى القرن 4 ق.هـ / القرن 3 م، في تشييد أضخم مجمّعٍ معماريٍّ لمعابد الحجر في تاريخ الإمبراطوريّة الرّومانيّة قاطبةً فوق المصطبة الكنعانيّة العتيقة لتلّة الأكروپوليس؛ فبُنِي معبد جوپيتر الأعظم المحاط بـ 54 عموداً كورنثيّاً شاهقاً بارتفاع 22 متراً فوق مصطبةٍ جبّارةٍ تضمّ في قاعدتها ثلاثة أحجارٍ منحوتةٍ هائلةٍ عُرفت في الإغريقيّة باسم “تْرِيلِيثُون” Τρίλιθον، يزن كلّ حجرٍ منها نحو 800 طنٍّ (إلى جوار “حجر الحُبْلى” البالغ وزنه نحو 1000 طنٍّ في المقلع الجنوبيّ)، ويتقدّم المعبد بهوٌ مسدّسٌ فريدٌ ذو طابعٍ مشرقيٍّ خالصٍ وساحةٌ كبرى للمذبح وبرج القرابين ومدخلٌ ملكيٌّ عظيمٌ (الپروپيليا)، وإلى الجنوب منه شُيّد معبد بق (معبد باخوس) الّذي لا يزال محتفظاً ببنيانه ونقوشه الدّقيقة، وخارج الأسوار شُيّد معبد ڤينوس الدّائريّ ذو المحاريب المقعّرة على شكل الصَّدَفة البحريّة، ومعبد “مِيرْكُورِي” فوق قمّة تلّ الشّيخ عبد اللّه المشرف على المدينة.
كانت وفود الحجيج والملوك والأباطرة تفد إلى بعلبك من عموم الشّام وفنيقيا ومصر والأناضول واليونان وإيطاليا وروما ذاتها (حيث شُيّد لبعل هِيْلِيُوپُولِس معبدٌ خاصٌّ فوق تلّة يانيكولوم في روما) التماساً للوحي واستنطاقاً للعِرافة الذّائعة الصّيت؛ إذ سجل المؤرّخ اللّاتينيّ ماكروبيوس في كتابه “السّاتورناليا” في القرن 2 ق.هـ / القرن 5 م تفصيل شعيرة استنطاق تمثال جوپيتر الهِيْلِيُوپُولِيّ في بعلبك؛ فكان كبار أعيان الإقليم وكهنته يحملون التّمثال الذّهبيّ المفرغ فوق أكتافهم على محفّةٍ خشبيّةٍ بعد الاغتسال وحلق الرّؤوس والتزام العفّة، فيتحرّك التّمثال بقوّة الرّوح الكامنة فيه موجّهاً حامليه يميناً أو شمالاً أو إلى الأمام أو الخلف، ويفسّر الكهنة حركاته إجابةً عن أسئلة الحجّاج والمستشيرين. وإلى جانب شعيرة الوحي، كان الحجيج يقيمون في رحاب المعبد وعند نبع رأس العين مواسم الأعياد الشّمسيّة والزّراعيّة الكبرى، ويؤدّون شعائر البغاء المقدّس النّذريّ في هيكل ڤينوس تبرّكاً بخصب الإلهة عشتار.
حتّى إنّ الإمبراطور الرّومانيّ تراجان أرسل إلى معبد بعلبك سنة 523 ق.هـ / 114 م يستفتي الإله عن مصير حملته العسكريّة الكبرى على الإمبراطوريّة الأشكانيّة في العراق، فأجابه الوحي بإرسال غصن كرمةٍ مقطّعٍ ملفوفٍ في منديلٍ، وكان ذلك نبوءةً بموت تراجان وعودة عظامه مقطّعةً إلى روما.
أفل نجم قداسة بعلبك تدريجيّاً في القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م حين أصدر الإمبراطور قسطنطين الأوّل أمره بمنع شعائر معبد ڤينوس وبنى كنيسةً مسيحيّةً في المدينة، غير أنّ أهلها ثاروا دفاعاً عن معابدهم في عهد الإمبراطور يوليان سنة 269 ق.هـ / 361 م، حتّى حسم الإمبراطور ثيودوسيوس الأوّل الأمر حوالي سنة 249 ق.هـ / 379 م بهدم مذبح جوپيتر العظيم وتحويل ساحته الكبرى إلى كنيسةٍ مسيحيّةٍ بازيليكيّةٍ كرّست للقدّيس بطرس، ثمّ نُقِلت ثمانية أعمدةٍ من حجر السّمّاق الأحمر من معبدها إلى القسطنطينيّة في القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م لتُرفع في كنيسة آيا صوفيا بأمر الإمبراطور جستينيان الأوّل.
وبعد فتح الإسلام لبعلبك صلحاً على يد أبي عبيدة بن الجرّاح سنة 15 هـ / 636 م، حوّل الأمويّون والأيّوبيّون والمماليك تلة المعابد الضّخمة إلى قلعةٍ عسكريّةٍ حصينةٍ، وبُنِي الجامع الكبير في شمالها من حجارة المعابد وأعمدتها، ونُسبت آثارها الجبّارة في المخيال الشّعبيّ والتّراثيّ إلى النّبيّ سليمان بن داود والجنّ، وفي العصور الإسلاميّة اللّاحقة احتضنت المدينة مقاماً يُنسب إلى السّيّدة خَوْلة بنت الحسين بن عليّ، ومقاماتٍ محليّةً أخرى، بعد أن طوى التّاريخ صفحتها بوصفها أعظم محجٍّ للشّمس والخصب في العصر الرّومانيّ.

جُبَيل في لبنان
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها قداستها الكنعانيّة والفينيقيّة وانقرضت شعائرها
- يزورون: تلّ المعابد الفينيقيّة، أطلال معبد سيّدة جبيل، معبد المسلّات، النبع المقدّس، قلعة جبيل الصليبيّة، المسرح الرّومانيّ، كاتدرائيّة مار يوحنّا مرقس، مغارة أفقا ومجرى نهر إبراهيم
- أسماء المدينة عبر التاريخ: گُبْل 𐤂𐤁𐤋، كَبْنِي 𓎡𓃀𓈖𓇋𓈉، كُپْنَا، گُبْلَا 𒌷𒄖𒌒𒆷، گْبَال / گْڤَال גְּבַל، گْبَل / گْڤَل ܓܒܠ، بِيبْلُوس Βύβλος / Byblos، جِيبِيلِيت Gibelet، جِيبْلِيت Giblet، جُبَيْل
جبيل في لبنان. مدينةٌ ساحليّةٌ حيّةٌ زالت عنها قداستها الكنعانيّة والفينيقيّة القديمة وانقرضت شريعتها التّعبّديّة الأولى، يعود استيطان تلّها الأثريّ المشرف على البحر في العصر الحجريّ الحديث إلى الألفيّة 8 ق.هـ / الألفيّة 7 ق.م، في حين نشأت مدينتها المسوّرة ومعابدها الكبرى في مطلع الألفيّة 4 ق.هـ / الألفيّة 3 ق.م. وتقع على جرفٍ صخريٍّ ساحليٍّ مطلٍّ على البحر الأبيض المتوسّط عند سفوح جبال لبنان الغربيّة على مسافة نحو 37 كيلومتراً إلى الشّمال من بيروت، وبجوارها جنوباً يصبّ نهر إبراهيم (نهر أدونيس قديماً) المنحدر من مغارة أفقا في أعالي الجبل.
اسمها الأصليّ في النّقوش الفينيقيّة الملكيّة من القرن 17 ق.هـ / القرن 10 ق.م (مثل نقش الملك يَحِيمِلْك ونقشَي أَبِيبَعْل وإِيلِيبَعْل) هو گُبْل 𐤂𐤁𐤋، ومشتقٌّ من الجذر العروبيّ الكنعانيّ الثّلاثيّ (گ ب ل / ج ب ل) الدّالّ على الجَبَل والتّلّ الصّخريّ المرتفع أو الحَدّ والتّخم الفاصل؛ لقيام حاضرتها الأولى فوق رابيةٍ صخريّةٍ مشرفةٍ على الميناء، في حين ذهب فريقٌ من المستشرقين الأوائل إلى تأثيله نحتاً من مقطعين هما “گُبّ” أي البئر والجبّ العميق، و”إِيل” أي الإله الأعلى بمعنى “بئر الإله إيل” لارتباط معابدها بالنّبع المقدّس في وسط تلّها.
غير أنّ الشّواهد الكتابيّة الأقدم تنقض هذا التأثيل الاستشراقي وتثبت أصالة اللّام في جذره الثّلاثيّ؛ إذ وُثّقت المدينة منذ عصر الدّولة القديمة في المدوّنات المصريّة في الألفيّة 4 ق.هـ / الألفيّة 3 ق.م بصيغة كَبْنِي 𓎡𓃀𓈖𓇋𓈉 أو كُپْنَا (بإبدال اللّام العروبيّة نوناً على سنن الخطّ الهيروغليفيّ القديم)، ووُثّقت في رسائل تلّ العمارنة والحوليات المسماريّة الآشوريّة والبابليّة بصيغة گُبْلَا 𒌷𒄖𒌒𒆷، وفي العبريّة التّوراتيّة بصيغة گْبَال / گْڤَال גְּבַל (ونُسب إليها البنّاؤون الجُبليّون المهرة الّذين شاركوا في قطع الحجارة وأخشاب الأرز لبناء هيكل سليمان)، وفي الآراميّة والسّريانيّة بصيغة گْبَل / گْڤَل ܓܒܠ.
أمّا في الإغريقيّة فدُعيت بِيبْلُوس Βύβλος وعنها في اللّاتينيّة Byblos؛ لانقلاب الگاف باءً بالمماثلة الصّوتيّة الرّجعيّة مع الباء الثّانية في اللّسان الإغريقيّ، ولكون ميناء جبيل المركز التّجاريّ الأوّل لتصدير لفائف البرديّ المصريّ إلى بلاد اليونان، فسمّى الإغريق نبات البرديّ ولحائف الكتب باسم المدينة بِيبْلُوس وجمعها بِيبْلِيَا βιβλία (أي الكراريس الجُبليّة)، ومنه اشتُقّ اسم الكتاب المقدّس في اللّغات غرب الأوروپيّة Bible. وضبطها الجغرافيّون والإخباريّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” والإدريسيّ وأبي الفداء بصيغة التّصغير العربيّة جُبَيْل، وسَمّاها الصّليبيّون والجِنويّون في القرون الوسطى جِيبِيلِيت Gibelet وجِيبْلِيت Giblet.
نالت جبيل قداستها الدّوليّة العظمى طوال ثلاثة آلاف عامٍ بوصفها أقدم حاضرةٍ دينيّةٍ مقدّسةٍ للفينيقيّين على ساحل البحر الأبيض المتوسّط، بعد انتقال الموروث التّعبّديّ والمعماريّ الكنعانيّ والفينيقيّ الأوّل من مهده الفراتيّ الأقدم في معبد الإله الأب دَگَان (دجن) بحاضرة تُتُل 𒌷𒅗𒌌 (مدينة الرَّقَّة في سوريا اليوم) إلى السّاحل الشّاميّ؛ حتّى إنّ الكاهن المؤرّخ الفينيقيّ سَنْخُونْيَاثُن جعل جبيل في مدوّنته اللّاهوتيّة أوّل مدينةٍ شُيّدت على السّاحل بأمر الإله الأكبر إِيل (كرونوس) شقيق دَگَان.
ودارت عقيدة جبيل حول ثنائيّة الإلهة الأمّ الحامية “بَعْلَت گُبْل” 𐤁𐤏𐤋𐤕 𐤂𐤁𐤋 أي “سيّدة جبيل” (عشتار الفينيقيّة)، وقرينها الإله الشّابّ المقتول والمنبعث “أَدُون” (من اللّفظ الكنعانيّ أَدُون 𐤀𐤃𐤍 أي السيّد والرّبّ، وهو تمّوز الرّافدينيّ الّذي عُرف في الإغريقيّة باسم أَدُونِيس Ἄδωνις).
ومنذ عصر الدّولة القديمة في مصر نشأت توأمةٌ لاهوتيّةٌ فريدةٌ بين جبيل ووادي النّيل؛ إذ طابق المصريّون القدماء بين “سيّدة جبيل” وإلهتهم “حَتْحُور” ثمّ “إِيزِيس”، وطابقوا بين إله جبيل الشّابّ وإله البعث المصريّ “أُوزِيرِيس”، فوفدت بعثات الفراعنة محمّلةً بالقرابين الذّهبيّة وأواني المرمر إلى معبد سيّدة جبيل (الّذي شُيّد حوالي سنة 3527 ق.هـ / 2800 ق.م) مقابلةً لاستيراد خشب أرز لبنان المقدّس وراتنجه اللازمَين لبناء مراكب الشّمس الملكيّة وتحنيط المومياوات، وحفظت أسطورة إيزيس وأوزيريس (كما دوّنها پلوتارخ) قصّة رسوّ تابوت أوزيريس على شاطئ جبيل والتفاف شجرةٍ عظيمةٍ حوله اتّخذها ملك جبيل عموداً لقصره قبل أن تستردّه إيزيس.
وإلى جوار معبد سيّدة جبيل شُيّد في مطلع الألفيّة 3 ق.هـ / الألفيّة 2 ق.م “معبد المسلّات” الشّهير الكاشف عن عبادة إله العاصفة والفداء “رَشَف”، والمرصوف بنحو 40 مسلّةً وحجراً منصبيّاً (مَصّيبُوت / بيت إيل) كانت تُودع تحتها تماثيل النّذور البرونزيّة المصفّحة بالذّهب.
بلغت شعائر الحجّ في جبيل ذروتها الدّوليّة في العصرَين الهلنستيّ والرّومانيّ حول “مواسم أَدُونِيس” السّنويّة (الأدونيا Ἀδώνια)، الّتي وصفها عيانيّاً الأديب السّوريّ لُوقْيَانُوس السّميساطيّ في القرن 5 ق.هـ / القرن 2 م بعد زيارته لهيكل أفروديت الجُبليّة (سيّدة جبيل)؛ ففي مطلع كلّ ربيعٍ عند ذوبان الثّلوج في جبال لبنان، كانت سيول نهر أدونيس (نهر إبراهيم) تجرف التّربة الحديديّة الحمراء من جبال أفقا فتصبغ مياه النّهر وموج البحر قبالة جبيل بلونٍ أحمر قانٍ، فيعتقد الحجيج أنّ هذا الاحمرار هو دم الإله الشّابّ أدونيس الّذي افترسه الخنزير البرّيّ في أحراج جبل لبنان.
وعندئذٍ كانت تنطلق في جبيل ومغارة أفقا مناحةٌ عظمى يفد إليها الحجّاج من عموم الشّام وفنيقيا وقبرص واليونان ومصر؛ فيقرع النّاس صدورهم ويبكون الإله الصّريع على أنغام المزامير الحزينة، ويحلق الرّجال والنّساء رؤوسهم حداداً (فمَن امتنعت من النّساء عن حلق شعرها وجب عليها أن تقف يوماً كاملاً في سوق المعبد تبذل جسدها للغرباء حصراً، وتودع أجر ذلك البغاء المقدّس النّذريّ قُرباناً في خزانة الإلهة)، ويزرعون “جِنان أدونيس” سريعة الذّبول في أوانٍ فخّاريّةٍ، فإذا انقضى يوم الدّفن أعلن الكهنة في صبيحة اليوم التّالي انبعاث أدونيس حيّاً وارتقاءه إلى السّماء، فتنقلب المناحة إلى أعياد بهجةٍ وطوافٍ حول المذبح المقدّس المصوّر على مسكوكات الإمبراطور ماكرينوس الرّومانيّة بهيئة حجرٍ مخروطيٍّ مقدسٍ (بيتيلي) تحيط به أروقة المعبد.
أفلت شريعة جبيل ومواسم أدونيس تدريجيّاً في القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م بعد أن أمر الإمبراطور قسطنطين الأوّل حوالي سنة 296 ق.هـ / 335 م بهدم معبد أفقا الجبليّ ومنع شعائر البغاء المقدّس، ثمّ أُغلقت هياكلها نهائيّاً بمراسيم الإمبراطور ثيودوسيوس الأوّل في أواخر ذلك القرن، فتحوّلت جبيل في العهد البيزنطيّ إلى حاضرةٍ مسيحيّةٍ ومقرٍّ أسقفيٍّ يُنسَب تأسيس كنيسته الأولى إلى القدّيس يوحنّا مرقس في القرن 6 ق.هـ / القرن 1 م.
وبعد فتح المسلمين لها بقيادة يزيد ومعاوية ابني أبي سفيان سنة 15 هـ / 636 م، شحنها معاوية بن أبي سفيان بالمقاتلة المرابطين لحماية ثغرها من غارات الأسطول البيزنطيّ، وشُيّد فيها حصنٌ إسلاميٌّ في العهدَين العبّاسيّ والفاطميّ. وفي شهر رجب سنة 497 هـ / نيسان أبريل 1104 م استولى الصّليبيّون بقيادة ريموند صنجيل والأسطول الجِنويّ على جبيل، وسلّموها إقطاعيّةً لأسرة “إِمْبْرْيَاكُو” الجِنويّة سنة 502 هـ / 1108 م، فوسّع الصّليبيّون الحصن الإسلاميّ الفاطميّ المشرف على تلّ المعابد الفينيقيّة وبنَوا مكانه “قلعة جبيل” الحصينة مستعملين أعمدة المعابد وحجارتهم، كما شيّدوا سنة 509 هـ / 1115 م كاتدرائيّةً كرّسوها لشفيع جِنوة القدّيس يوحنّا المعمدان (والّتي أُعيدت تسميتها لاحقاً على اسم أسقف جبيل الأوّل مار يوحنّا مرقس).
وفي شهر جمادى الأولى سنة 583 هـ / آب أغسطس 1187 م أخذها صلاح الدّين الأيّوبيّ ودكّ أسوار قلعتها، قبل أن يسترجعها الإفرنج سنة 593 هـ / 1197 م، حتّى خضعت للسّلطان المملوكيّ المنصور قلاوون سنة 688 هـ / 1289 م وعادت نهائيّاً إلى الحكم العربيّ في عهد ابنه الأشرف خليل بن قلاوون سنة 690 هـ / 1291 م، لتبقى جبيل في العصر الحديث شاهداً حيّاً تتجاور في ساحته البحريّة معابد الألفيّة 4 ق.هـ / الألفيّة 3 ق.م والمسرح الرّومانيّ والقلعة والجامع السّلطانيّ الأيّوبيّ المملوكيّ وكنيسة مار يوحنّا.

صور في لبنان
- الطوائف التي تقصدها اليوم: انقطعت شعائرها وانتهت ديانتها القديمة
- يزورون: الهيكل الأعظم للإله مَلْقَرْت وساريتَي الذهب والزمرّد، أطلال أوْشُو (پاليَتيرُس)، أطلال الكاتدرائيّة
- أسماء المدينة عبر التاريخ: شُر 𐤑𐤓، شُور 𐤑𐤅𐤓، صُورّي 𒋗𒌨𒊑، طِيْرَه، تيرُس Τύρος، تورُس Tyrus، طُور، צוֹר، صور
صور في لبنان. أُنشئت حوالي سنة 3476 ق.هـ / 2750 ق.م، وتقع على ساحل البحر الأبيض المتوسّط في جنوب لبنان، وكانت في أصلها جزيرةً صخريّةً بحريّةً منيعةً تقابلها على البرّ مدينة أوْشُو (پاليَتيرُس Παλαιτύρος أي صور العتيقة) قبل وصلهما برزخاً رمليّاً عريضاً في عهد الإسكندر المقدونيّ عند حصارها سنة 983 ق.هـ / 332 ق.م.
كان اسمها الأوّل بالفنيقيّة شُر 𐤑𐤓 ثمّ كُتبت شُور 𐤑𐤅𐤓 فهي على اسم آشور دون تعريف، ووردت في رسائل تلّ العمارنة الأكّديّة في القرن 21 ق.هـ / القرن 14 ق.م بصيغة صُورّي 𒋗𒌨𒊑، ويفسّر اللّغويّون والإخباريّون كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” اسمها بمعنى الصخرة الشاهقة أو الحصن الصخريّ. غير أنّ تأصيل اسمها العلمي يطابق تأصيل اسم آشور، مشرق الشمس أو شرق.
بعد تطوّر عبادة العنقاء صار اسمها طِيْرَه لأنّها عرش العنقاء، وعنه صار اسمها في الإغريقيّة تيرُس Τύρος وفي اللّاتينيّة تورُس Tyrus، واسمها في البابليّة (الآراميّة) والعبريّة طُور وצוֹר.
كانت صور مدينةً مقدّسةً لعرش الفنيقيّين، يؤمّها الحجيج على ديانة داگون بعد زيارة معبده الرئيس في الرقّة والمرور في دمشق، واحتضنت الهيكل الأعظم للإله مَلْقَرْت 𐤌𐤋𐤒𐤓𐤕 (مَلِك القَرْية وحامي المدينة وربّ الملاحة والشمس، الذي طابقه الإغريق مع هِرَقْل Ηρακλής) الذي جدّد عمارته الملك حِيرام الأوّل في القرن 17 ق.هـ / القرن 10 ق.م، ونُصبت في باحته ساريتان عظيمتان إحداهما من الذهب الخالص والأخرى من الزمرّد المضيء ليلاً كما وصفهما المؤرّخ هيرودوت.
كانت الوفود البحريّة والبعثات الرسميّة تفد إلى صور سنويّاً في فصل الربيع من عموم مدن الشام والمستعمرات الفنيقيّة مثل قرطاج وقادِش في الأندلس لتقديم عُشر الغنائم والنذور في عيد إگيرسِس ἔγερσις (إييرسس) أي البعث، من الفعل إگيرو ἐγείρω (إييرو) أي النهوض والانتصاب، والمقصود بعث مَلْقَرْت باللّهيب المقدّس، هذه الكلمة الإغريقيّة هي ترجمة حرفيّة للمصطلح الدينيّ الفنيقيّ مِقَام إِيلِم 𐤌𐤒𐤌 𐤀𐤋𐤌 أي “مُقيم الإله” أو “مُوقِظ الإله” (وهو اللّقب الكهنوتيّ الرسميّ للملك أو الكاهن الأعلى الذي يتولّى هذه الشعيرة، والمشتقّ من الجذر العروبي “قوم” بمعنى القيام والنهوض).
واستمرّت قداسة معبد صور وحجّها في العهدين الهلنستيّ والرومانيّ حتّى انقطعت شعائرها مع انتشار المسيحيّة الرسميّة وبناء كاتدرائيّة صور في القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م.

حمص في سوريا
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها قداستها الدينيّة الفلكيّة القديمة
- يزورون: أطلال معبد النيازك والحجر الأسود المخرّب، معبد إيل گبل
- أسماء المدينة عبر التاريخ: إميسه، حمث ܚܡܬ، إميسه Ἔμεσα، إميسُس Emesus، حمص
حمص في سوريا. أُنشئت حوالي سنة 2703 ق.هـ / 2000 ق.م، وتقع في سهل فسيح وسط سوريا على الضفّة الشرقيّة لنهر العاصي عند ملتقى القوافل بين الساحل المتوسّطيّ والبادية. صارت أهمّ مدن عبادة النيازك (إيل گبَل) في العهد السلوقيّ، وعبادة النيازك هي مذهب خرج في الأساس عن ديانة أنُ 𒀭 وعبادة الشمس، على اعتبار أنّ النيازك هي سواقط مرسلة من أنُ.
ومع قداسة المدينة صار اسمها إميسه أي الشمسيّة، من دمج (إ) للتعريف و(مي) بمعنى شمس وسين النسبة وتاء التأنيث، واسمها السريانيّ حمث ܚܡܬ واسمها الإغريقيّ إميسه Ἔμεσα وفي اللّاتينيّة إميسُس Emesus.
بدأت قداسة حمص في العهد السلوقيّ مع بناء أكبر معابد النيازك فيها، وفيه احتُفظ بالحجر الأسود المخروطيّ محمولاً على عربة ذهبيّة تجرّها 4 خيول من الذهب وتقودها الربّة مي وتمثالها كذلك مصبوب من الذهب. هي نفسها سول أو سونّا في الميثولوجيا الإسكندناڤيّة والجرمانيّة، ساوليه في الميثولوجيا البلطيقيّة، شَپَشُ في الميثولوجيا الكنعانيّة والأُگاريتيّة، ربّة النّصر المجنّحة نيكه وربّة الفجر إيوس في الميثولوجيا الإغريقية، ڤيكتوريا Victoria في الميثولوجيا الرّومانيّة، سوريا وأوشاس في الميثولوجيا الڤيديّة.
صار للمدينة ولديانتها مجدها الأعظم في العهد الرومانيّ منذ تحالفت مملكة حمص العربيّة الآراميّة تحت حكم سلالة شمسي گرام مع الجمهوريّة الرومانيّة سنة 688 ق.هـ / 46 ق.م، ثمّ بلغت ذروتها حين اعتلى عرش روما أباطرة السلالة الحمصيّة كالإمبراطور أنطونينوس إيل گبل سنة 416 ق.هـ / 218 م، الذي نقل الحجر المقدّس بموكب مهيب إلى معبد “إيلاگاباليوم” على هضبة الپالاتين في روما، فانتشرت ديانة إيل گبل Elagabalus في ربوع الإمبراطوريّة الرومانيّة حتّى وصلت بريطانيا، وهي ذاتها الديانة التي عبد فيها بعض العرب ربّاً اسمه العزيز، وهو اسم ثاني ملوك السلالة الحمصيّة المقدّسة.
بقيت ديانة إيل گبل حيّة حتّى القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م حين تحوّل أتباعها جميعاً إلى المسيحيّة، وفقدت حمص آنذاك قداستها الدينيّة القديمة. وكانت استندت الديانة الحمصيّة إلى الفلسفة والأفلاطونيّة المحدثة، وأُغلقت آخر معابد إيل گبل في الإسكندريّة بمصر وفي أثينا باليونان في القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م، وعاشت آخر قدّيسة وفيلسوفة معروفة من السلالة الحمصيّة المقدّسة في الإسكندريّة مطلع ذلك القرن باسم ثيودورا الحمصيّة Theodora of Emesa التي تتلمذ عليها الفيلسوف داماسكيوس.

دمشق في سوريا
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها صفة الحجّ المفروض القديم
- يزورون: الجامع الأمويّ الكبير، مقام رأس يوحنّا المعمدان (النبيّ يحيى)، أطلال وبقايا جدران معبد جوپيتر الدمشقيّ وحرم الإله حدد رِمّون، ومقام السّيّدة زينب بنت عليّ بن أبي طالب في منطقة قبر السّتّ، ومقام السّيّدة رقيّة بنت الحسين في حيّ العمارة، ومقبرة الباب الصّغير الّتي تضمّ أضرحة ومقامات مثل مقام سكينة بنت الحسين ومقام أمّ كلثوم ورؤوس شهداء معركة كربلاء وتُربة الصّحابيّ بلال الحبشيّ.
- أسماء المدينة عبر التاريخ: شَعِميرِشُ 𒐼𒄿𒈨𒊑𒋙𒌋، دِي ماسقه 𒁲𒈦𒀸𒋡، تِمَسقُ، دَرمسوق ܕܰܪܡܣܘܩ، ديميترياس Δημητριάς، دَمسكوس Δαμασκός، دَمَسكينُس Damascenus، جِلَّق، الفيحاء، الشام، دمشق
دمشق في سوريا. أُنشئت حوالي سنة 7138 ق.هـ / 6300 ق.م، وتقع في حوض الغوطة الخصيب عند السفح الشرقيّ لجبل قاسيون وسلسلة جبال لبنان الشرقيّة، حيث يرويها نهر بردى وفروعه السبعة.
قامت في الأساس معبداً ولم تكن قبلها لا قرية ولا مدينة، إذ إنّ المنشأة كانت مكرّسة في الأساس للتنسّك والعبادة، تماماً كمدينة أوام اليمنيّة. وكان اسمها في البداية شَعِميرِشُ 𒐼𒄿𒈨𒊑𒋙𒌋 (بمعنى أرض تشرين أو أرض الغسق والرياح)، وتحوّل لاحقاً مع تحوّلها إلى مدينة في المدوّنات المسماريّة ورسائل تلّ العمارنة في القرن 21 ق.هـ / القرن 14 ق.م إلى دِي ماسقه 𒁲𒈦𒀸𒋡 وتعني المُصلّى (أو ذات القُدّاس)، ووردت في قوائم الملك المصريّ تحتمس الثالث في القرن 22 ق.هـ / القرن 15 ق.م بصيغة تِمَسقُ، في حين يفسّر الإخباريّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” وابن عساكر في “تاريخ دمشق” اسمها من قول العرب “دمشقتُ الشيء” إذا أسرعتُ في عمله وبنائه، ومن ألقابها جِلَّق والفيحاء والشام على اسم إقليمها.
اسمها في السريانيّة دَرمسوق ܕܰܪܡܣܘܩ (الراء غالباً مدّ لا يلفظ) وفي الإغريقيّة الهلنستيّة ديميترياس Δημητριάς (نسبةً إلى الملك السلوقيّ ديمتريوس الثالث) وكذلك دَمسكوس Δαμασκός، وفي اللّاتينيّة دَمَسكينُس Damascenus وهذه الأخيرة تعني المحفليّة (القُدّاسيّة).
في العهد الفينيقيّ والآراميّ كُرّس معبدها الأعظم للإله داگون (والمعروف محليّاً بلقبه حَدَد أو هَدَد رِمّون إله العاصفة والمطر والخصب) وصار لها قُدّاس شتويّ يردّ على قُدّاس صور الصيفيّ، فكان على الملك الفنيقيّ أن يتبرّك في دمشق كلّ عام ثمّ يعود إلى عرشه في صور. استمرّت قداسة معبدها في العهد الرومانيّ تحت اسم جوپيتر الدمشقيّ، إلى أن توقّف الحجّ إليها وانتهت ديانتها القديمة في أواخر القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م حين أُغلق المعبد وحُوّل في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الأوّل حوالي سنة 238 ق.هـ / 391 م إلى كاتدرائيّة يوحنّا المعمدان.

في العهد الرومانيّ وُسّع حرم المعبد وبُني على أنقاضه معبد جوپيتر الدمشقيّ (المشتري) مرّتين في القرن 6 ق.هـ / القرن 1 م والقرن 4 ق.هـ / القرن 3 م ليكون أحد أضخم المعابد في المشرق العربي، ثمّ تحوّلت قطعة من بين سوريّ حَرمه الداخليّ في أواخر القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الأوّل إلى كاتدرائيّة القدّيس يوحنّا المعمدان (النبيّ يحيى)، إلى أن شاد الخليفة الأمويّ الوليد بن عبد الملك إلى جانبه الجامع الأمويّ الكبير في موضع جامع الرفقاء؛ بين سنتَي 86 هـ / 705 م و96 هـ / 715 م بعد اتّخاذ دمشق عاصمةً للخلافة الأمويّة سنة 41 هـ / 661 م.
وبعد ذلك التحوّل، لم ينقطع وفود الزوّار إلى دمشق كلّيّاً، بل تبدّلت صبغته؛ فاستمرّت مقصداً لزوّار المسيحيّين للتبرّك برأس يوحنّا المعمدان حتّى نهاية العهد الأمويّ، وحين شُيّد الجامع الأمويّ الكبير بقيت للمدينة مكانتها الروحيّة لدى المسلمين ومزاراتها الشيعيّة والسنّيّة، غير أنّها خرجت منذ القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م من تصنيف “مدن الحجّ المفروض” الذي كانت عليه في ديانتها القديمة.

يتوافد الزّوّار الشّيعة إلى المقامات الدّينيّة في دمشق دائماً على مدار العام، وتزداد أعدادهم بكثافة في شهر محرّم الحرام، وخاصّةً في يوم عاشوراء الموافق 10 محرّم، وفي ذكرى الأربعين في 20 صفر، وفي ذكرى وفاة السّيّدة زينب في 15 رجب 62 هـ / 4 نيسان أبريل 682 م، ليتبرّكوا بالزّيارة أيضاً في أشهر رجب وشعبان ورمضان.
شهدت هذه المقامات تطوّراً معماريّاً عبر العصور. وتشير النّصوص التّاريخيّة إلى وجود ضريح متواضع لمقام السّيّدة زينب منذ القرن 2 الثّاني الهجريّ / 8 الثّامن الميلاديّ، ونال اهتماماً في العهد الأيّوبيّ. وضع المهندس محمّد رضا مرتضى مخطّط البناء الحديث للمقام سنة 1371 هـ / 1952 م، ليأخذ شكله الضّخم المعاصر بمساحة 15000 متر مربّع سنة 1410 هـ / 1990 م.
يضمّ البناء صحناً واسعاً تحيط به 70 غرفة بواجهات من الحجر البازلتيّ، وترتفع فوق الضّريح قبّة شاهقة يصل ارتفاعها إلى 20 متراً مكسوّة بصفائح نحاسيّة مطليّة بالذّهب، وتحيط بها مئذنتان أسطوانيّتا الشّكل بطول 50 متراً. ويضمّ الحرم ضريحاً من الفضّة الخالصة أهدته عائلة من پاكستان سنة 1373 هـ / 1954 م، ويحتوي على صندوق من خشب الأبنوس المطعّم بالعاج والذّهب.

تغيّر مقام السّيّدة رقيّة المبنيّ فوق ضريح الطّفلة المتوفّاة بعد واقعة كربلاء الّتي جرت في 10 محرّم 61 هـ / 10 تشرين الأوّل أكتوبر 680 م. كما زال البناء القديم البسيط سنة 1405 هـ / 1985 م، ونهض مكانه هيكل ضخم بعمارة إيرانيّة تكسوه المرايا والفسيفساء الإسلاميّة.
حملت مقبرة الباب الصّغير ومقاماتها بصمات أيّوبيّة ومملوكيّة واضحة. رمّم الأيّوبيّون تُربة الصّحابيّ بلال الحبشيّ سنة 625 هـ / 1228 م بحجارة الأبلق ذات اللّونين المتناوبين وقبّة كرويّة، كما رمّموا مقام سكينة بنت الحسين بمداميك الأبلق وبنوا له بوّابة شرقيّة و3 قباب ملساء. كما شملت العناية الأيّوبيّة بوّابة الباب الصّغير الّتي رمّمها الملك المعظّم عيسى الأيّوبيّ سنة 623 هـ / 1226 م، وأضاف المماليك باب الباشورة المجاور سنة 903 هـ / 1497 م، واستمرّ الولاة العثمانيّون بترميم هذه الأماكن لاحقاً.

الرُصافة في سوريا
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة وانقطع مجيء الحجّاج إليها
- يزورون: كاتدرائيّة ومعبد القدّيسين سرگيس وباخوس، قصر ومجلس الغساسنة، مسجد هشام بن عبد الملك الجامع، صهاريج المياه والأسوار البلّوريّة
- أسماء المدينة عبر التاريخ: رَشَپَّه، رصپّه، رصافه Ρεσαφα، سِرگيوپوليس Σεργιούπολις، أنستاسيوپوليس Anastasiopolis، رصافة هشام، الرُصافة
الرُصافة في سوريا. أُنشئت حوالي سنة 1466 ق.هـ / 800 ق.م، وتقع في بادية الشام إلى الجنوب الغربيّ من نهر الفرات والرقّة على مسلك القوافل الواصل بين تدمر وحلب والفرات.
كان اسمها في النقوش المسماريّة الآشوريّة رَشَپَّه أو رصپّه نسبةً إلى الإله الكنعانيّ الموري رَشَف، وذكرها الإغريق وعند پطليموس باسم رصافه Ρεσαφα، ويفسّر الإخباريّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” اسمها من رصف الحجارة المتقاربة في بنائها وصهاريجها التي تحفظ مياه الأمطار في تلك المفازة العطشى.
نالت قداستها الكبرى لكونها محجّ المسيحيّين الأوّل في المشرق وكان فيها معبد وكاتدرائيّة القدّيسين سرگيس وباخوس شفعاء العرب من الغساسنة والتنوخيّين وتغلب، وذلك بعد مقتل الضابط التغلبي في الجيش الرومانيّ سرگيس ودفنه فيها أواخر عهد الإمبراطور الرومانيّ دقلديانوس أو مكسيميانوس حوالي سنة 329 ق.هـ / 303 م.
لقداستها وذيوع صيت كراماتها سمّاها البيزنطيّون سِرگيوپوليس Σεργιούπολις أي مدينة سرگيس، وتحوّر هذا الاسم في اللاتينيّة الرسميّة في عهد الإمبراطور أنستاسيوس الأوّل مطلع القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م إلى أنستاسيوپوليس Anastasiopolis، كما حصّنها الإمبراطور جستينيان الأوّل بأسوارها المشيّدة بحجر الجبس البلّوريّ المتلألئ، وبنى الغساسنة بقيادة الحارث بن جبلة وابنه المنذر قصرهم ومجلسهم خارج أسوارها الشماليّة لاستقبال حجيج القبائل العربيّة في موسم عيد القدّيس سرگيس في يوم 7 تشرين الأوّل أكتوبر من كلّ عام.
استمرّت الرصافة حاضرة عامرة في العهد الأمويّ حين اتّخذها الخليفة هشام بن عبد الملك (حكم 105 هـ / 724 م – 125 هـ / 743 م) مقرّاً صيفيّاً لخلافته فعُرفت باسم “رصافة هشام” وبنى فيها مسجده الجامع الملاصق لكاتدرائيّة سرگيس، وظلّت آهلةً بالمسلمين والمسيحيّين معاً حتّى هجرها أهلها ونُقلوا منها بأمر الظاهر بيبرس عقب الغزو المغوليّ في أواخر القرن 7 هـ / القرن 13 م.

الرقّة في سوريا
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة وانتهت ديانتها القديمة
- يزورون: تلّ البيعة وأطلال معبد الإله داگون (دجن)، أطلال مدينة الرافقة العبّاسيّة وقصور هارون الرشيد
- أسماء المدينة عبر التاريخ: تُتُّل، تتل ܬܬܠ، نِكِفوريُن Νικηφόριον، گلِّنِگُس، گلِّنِگُم Callinicum (قلنقو)، ليوپونتوس Leontopolis، الرافقة، الرگّة، الرقّة
الرقّة في سوريا. أُنشئت حوالي سنة 2703 ق.هـ / 2000 ق.م، وتقع أطلالها القديمة عند تلّ البيعة على الضفّة الشماليّة الشرقيّة لنهر الفرات عند التقائه بنهر البليخ في قلب الجزيرة الفراتيّة.
كان اسمها الأوّل في المدوّنات المسماريّة السومريّة والأكّديّة تُتُّل بمعنى التلال، واسمها السريانيّ تتل ܬܬܠ. نالت قداستها العظمى لكونها محجّ الفينيقيّين الأوّل من كلّ مكان لوجود معبد الإله داگون (دجن) الرئيس فيها، سيّد الحبوب والخصب وأب الآلهة في المشرق، وقدّسها كذلك كلّ من كان على ديانة الفينيقيّين، كالإغريق والمقدون والصوماليّين واللّاتين الأوائل، وكان ملوك أكّد مثل سرگون الأكّديّ ونرام سين في الألفية 4 ق.هـ / الألفية 3 ق.م يقصدون معبدها للتبرّك ونيل الشرعيّة الدينيّة لسلطانهم على بلاد الغرب.
في العهد الهلنستيّ غيّر السلوقيّون اسمها في مطلع القرن 10 ق.هـ / القرن 3 ق.م إلى نِكِفوريُن Νικηφόριον أي مدينة النصر، وكان ملوك السلوقيّين يجدّدون ويرمّمون المدينة تقرّباً إلى اللّه. ثمّ تحوّل اسمها لاحقاً في عهد الملك سلوقس الثاني إلى گلِّنِگُس وتعرّب في اللّاتينيّة بصيغة گلِّنِگُم Callinicum (قلنقو) نسبةً إلى الفيلسوف السوفسطائيّ كالّينيكوس أو بمعنى النصر الجميل، وعُرفت في القرن 2 ق.هـ / القرن 5 م باسم ليوپونتوس Leontopolis أي مدينة الأسد نسبةً إلى الإمبراطور البيزنطيّ ليو الأوّل.
فُتحت للإسلام سنة 18 هـ / 639 م ثمّ، بعد سقوط الدولة الأمويّة؛ بنى الخليفة العبّاسيّ المنصور إلى جوارها مدينة الرافقة سنة 155 هـ / 772 م، ثمّ اتّخذها هارون الرشيد عاصمةً لخلافته بين سنتَي 180 هـ / 796 م و192 هـ / 808 م.
دمّرها المغول سنة 656 هـ / 1258 م فانتقل أهلها إلى حلب، ولمّا حضرها بدو العرب وجدوا انبساط هضبتها على شاطئ الفرات كأنّها ظهر سلحفاة فأطلقوا عليها اسم الرقّة (الرگّة)، وهو ما يوافقه تفسير الجغرافيّين كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” بأنّ الرقّة هي كلّ أرض منبسطة إلى جنب وادٍ ينبسط عليها الماء أيّام الفيضان ثمّ ينحسر فتطيب للزراعة.

مَنْبِج في سوريا
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة الدينيّة وانقرضت شريعتها
- يزورون: منتزه عين التّينة (موضع البحيرة المقدّسة)، أطلال معبد أَتَارْگَاتِيس (عَتَرْعَتَا)، بقايا الصروح البازلتيّة والكلسيّة
- أسماء المدينة عبر التاريخ: مَبُّوگ ܡܒܘܓ، مَنْبُوگ، نَپِّيگُو 𒌷𒈾𒀊𒁉𒄖، لِيتَا أَشُّور، بَمْبُوكِي Βαμβύκη، بَمْبِيكِي Bambyce، هِيْرَاپُولِس Ἱεράπολις، هِيْرُوپُولِس Ἱερόπολις، مَنْ بِه، مَنْبِج
مَنْبِج في سوريا. مدينةٌ حيّةٌ زالت عنها القداسة الدّينيّة وانقرضت شريعتها القديمة، ويعود استيطان موضعها وتلّها الأثريّ وعيونها المائيّة في العصر البرونزيّ الأوّل إلى الألفيّة 4 ق.هـ / الألفيّة 3 ق.م، في حين برزت حاضرةً آراميّةً وآشوريّةً كبرى في القرن 15 ق.هـ / القرن 9 ق.م. وتقع في سهلٍ زراعيٍّ خصيبٍ غزير المياه في شمال سوريا ضمن محافظة حلب، على مسافة نحو 80 كيلومتراً إلى الشّمال الشّرقيّ من مدينة حلب ونحو 30 كيلومتراً إلى الغرب من مجرى نهر الفرات.
اسمها الأصليّ في المدوّنات الآراميّة والسّريانيّة هو مَبُّوگ ܡܒܘܓ (أو مَنْبُوگ ببقاء النّون القديمة)، ومشتقٌّ من الجذر العروبيّ والآراميّ نَبَگ ونَبَعَ، ومعناه نَبْعُ الماءِ الغزيرِ ومَفْجَرُ العُيون؛ لكثرة القنوات والينابيع المتدفّقة في أرضها والّتي كانت تملأ بحيرتها المقدّسة. وفي الحوليات المسماريّة الآشوريّة في عهد الملك شلمنصر الثّالث سنة 1525 ق.هـ / 856 ق.م وُثّقت المدينة باسم نَپِّيگُو 𒌷𒈾𒀊𒁉𒄖، قبل أن يبدّل الملك الآشوريّ بتلات پلاسر الثّالث اسمها إداريّاً في القرن 14 ق.هـ / القرن 8 ق.م إلى لِيتَا أَشُّور أي انتصار آشور.
وعن الاسم الآراميّ مَبُّوگ ومَنْبُوگ دوّنها المؤرّخون والجغرافيّون الإغريق والرّومان مثل پلينيوس الأكبر وسترابون بصيغتَي بَمْبُوكِي Βαμβύκη وبَمْبِيكِي Bambyce، وعندما أعاد الملك السّلوقيّ سلوقس الأوّل نيكاتور تنظيمها وتوسيع معبدها حوالي سنة 951 ق.هـ / 300 ق.م منحها رسميّاً الاسم الإغريقيّ هِيْرَاپُولِس Ἱεράπολις (أو هِيْرُوپُولِس Ἱερόπολις) ومعناه “المدينة المقدّسة”؛ لعظمة هيكلها ومكانتها الكهنوتيّة في العالم القديم.
أمّا في المصادر التّراثيّة العربيّة والفارسيّة، ففسّر ياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” وحمزة الأصفهانيّ اسمها بأنّ كسرى من ملوك السّاسان لمّا غزا الشّام وبنى فيها بيت نارٍ سمّاها “مَنْ بِه” أي أنا خيرٌ وأجود، فعُرّبت إلى مَنْبِج، غير أنّ التّحقيق اللّسانيّ يقطع بأنّ اسمها العربيّ مَنْبِج تحدّر مباشرةً من أصلها الآراميّ العتيق مَنْبُوگ بقلب الگاف جيماً على السّنن الصّوتيّ العربيّ.
نالت منبج قداستها الدّوليّة العظمى في العالم القديم العروبيّ والهلنستيّ والرّومانيّ لاحتضانها المعبد الرّئيس والأمّ للإلهة السّوريّة “أَتَارْگَاتِيس” Ἀταργάτις، والّتي عُرفت في الآراميّة باسم عَتَرْعَتَا ܥܬܪܥܬܐ (اسمٌ مركّبٌ من اسمَي الإلهتَين الكنعانيّتَين عَشْتَار وعَنَات)، وسمّاها الرّومان “دِيا سِيرْيا” Dea Syria أي الإلهة سوريا، بصحبة قرينها إله العاصفة والسّماء “حَدَد” (الّذي طابقه الإغريق مع زِوس)، وابنهما الشّابّ أو الرّمز الكونيّ المسمّى “سِيمْيَا” Σημήϊον.
وحفظ الأديب السّوريّ لُوقْيَانُوس السّميساطيّ في القرن 5 ق.هـ / القرن 2 م وصفاً عيانيّاً دقيقاً لمعبدها وشعائر حجّها في رسالته الشّهيرة “في الإلهة سوريا” De Dea Syria؛ إذ كان المعبد يقوم فوق رابيةٍ في وسط المدينة محاطاً بسورَين مزدوجَين، ويتقدّم مدخله الشّماليّ عمودان حجريّان شاهقان كالمسلّات يبلغ ارتفاعهما نحو 30 قامةً، يصعد إلى رأس أحدهما كاهنٌ مرّةً أو مرّتَين في كلّ عامٍ فيقيم في ذروته سبعة أيّامٍ متواصلةً بلا نومٍ يدعو للحجيج ويشفع لهم، وفي داخل قدس الأقداس كان ينتصب تمثالا أتارگاتيس وحدد المصنوعان من الذّهب الخالص والمرصّعان بالجواهر وحجر “اللّامپاس” الّذي يضيء الهيكل ليلاً، فإذا التفت الزّائر إلى تمثال الإلهة أبصره ينظر إليه أينما تحرّك.
وإلى جوار المعبد كانت تمتدّ “البحيرة المقدّسة” العميقة الّتي تعيش فيها أسماكٌ مقدّسةٌ ضخمةٌ أليفةٌ، تتحلّى كبرى سمكاتها بحُليٍّ من الذّهب الخالص، وتستجيب لمناداة الكهنة بألقابها وتأكل القرابين من أيدي الحجّاج دون أن يجرؤ أحدٌ على صيدها، وفي وسط البحيرة يقوم مذبحٌ حجريٌّ يسبح إليه الحجيج والنّاذرون كلّ يومٍ لتتويجه بالأكاليل وإيقاد البخور عليه حتّى في الشّتاء القارس.
كانت وفود الحجّاج تفد إلى منبج بمئات الآلاف سنويّاً من عموم الجزيرة العربيّة بما فيها الشّام وبلاد الرّافدين وفنيقيا وپونتوس وگپّادوكيا وأرمينيا ومصر، ولا سيّما في موسمين عظيمَين: الأوّل “عيد الشُّعلة أو المحرقة” في مطلع الرّبيع، حيث تُنصب في باحة المعبد أشجارٌ ضخمةٌ حيّةٌ تُعلّق عليها قرابين الماعز والضّأن والطّيور والحلل الذّهبيّة والفضّيّة ثمّ تُضرَم فيها النّار بعد الطّواف حولها بالأوثان، والثّاني “حجّ البحر” الّذي كان يُقام مرّتَين في السّنة، حيث يسير الحجيج من منبج إلى ساحل البحر الأبيض المتوسّط فيملأون جراراً مختومةً بماء البحر ويعودون بها إلى معبد منبج ليصبّوها في شقٍّ عميقٍ تحت الهيكل؛ إحياءً لذكرى انحسار ماء طوفان “ديوكاليون” (طوفان نوح في الميثولوجيا المشرقيّة) من تلك الهوّة.
كما كان الفتيان والفتيات يقصّون خصلات شعورهم الأولى ويودعونها في أوعيةٍ من الفضّة والذّهب في المعبد، ويؤدّي الكهنة المخصيّون المسمّون في الإغريقيّة گالُّوس Γάλλος وجمعها گالُّوي Γάλλοι رقصاتهم الدّامية على قرع الدّفوف والمزامير؛ وهي تسميةٌ تحدّرت إلى الأناضول والشّام من لقب كهنة الإنشاد والنّواح في معابد عشتار السّومريّة گالّا 𒌑𒆪 والأگديّة كَلُو، والّتي قارنها بعض اللّغويّين بالجذر السّاميّ للقول 𐩤𐩥𐩡 والتّرتيل الّذي اشتُقّ منه لقب الأقيال في اليمن القديم، في حين التبست صوتيّاً في جغرافية الأناضول باسم شعب وكهنة الإله خالدي في بلاد ڤان وباسم قبائل الگالاتيّين في فريجيا.
والوجه الّذي جعل بعض الباحثين يقاربون بين القَيْل اليمنيّ وبين الگالّا الرّافدينيّ (والّذي صار في الأگديّة كَلُو) هو تقارب الصّوت والدّلالة الشّعائريّة؛ إذ إنّ وظيفة كاهن الگالّا السّومريّ والكَلُو البابليّ كانت تقوم في جوهرها على القول والإنشاد والتّرتيل الطّقسيّ في المعابد لتهدئة غضب الآلهة، حتّى إنّ بعض اللّغويّين قارنوا اللّفظ الأگديّ كَلو بالجذر العروبيّ المشترك ق.و.ل / ق.ا.ل (ومنه في العبريّة قُول קוֹל وفي السّريانيّة قَالَا ܩܠܐ بمعنى الصّوت والنداء والتّرتيل). غير أنّ الفارق الجوهريّ في فقه اللّغة هو أنّ لفظة گالّا 𒌑𒆪 هي في أصلها مفردةٌ سومريّةٌ دخلت الأگّديّة استعارةً بصيغة kalû لوصف الكهنة المخصيّين المنشدين، في حين أنّ أَقْيال اليمن هي مفردةٌ عروبيّة جنوبيّةٌ خالصةٌ من جذر القول والبيان السّياديّ، ولا علاقة لها بشعيرة الخصاء الكهنوتيّ.
أخذت قداسة منبج الوثنيّة في الأفول مع انتصار المسيحيّة في الإمبراطوريّة الرّومانيّة وتجفيف موارد المعبد وإغلاقه نهائيّاً في أواخر القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م، فتحوّلت المدينة في العهد البيزنطيّ إلى حاضرةٍ أسقفيّةٍ كبرى ومقرٍّ لمطرانيّة السّريان الأرثوذكس، واستوطن فيها القائد الفيلسوف السّريانيّ فيلوكسينوس المنبجيّ (مار أكسنايا) في مطلع القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م، قبل أن يفتحها المسلمون صلحاً على يد عياض بن غنم سنة 16 هـ / 637 م، ويجعلها الخليفة هارون الرّشيد قصبةً لإمارة العواصم والثّغور سنة 170 هـ / 786 م، لتعيش في التّاريخ الإسلاميّ مدينةً عامرةً بالبساتين والتّجارة والأدب أنجبت الشّاعرَين البحتريّ وأبا فراس الحمدانيّ، ولم يبقَ من معبدها وبحيرتها المقدّسة اليوم سوى “منتزه عين التّينة” وبقايا الحجارة البازلتيّة والكلسيّة المطمورة تحت عمران المدينة الحديثة.

آشور في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة وانتهت عباداتها القديمة (لا تقصدها طوائف دينيّة اليوم)
- يزورون: أطلال قلعة الشرقاط، معبد إي خرصگ گل كُرّ، الزقّورة الكبرى، معابد عشتار وسين وشمش وأنو وأدد، السراديب الملكيّة والقصر القديم
- أسماء المدينة عبر التاريخ: أشُّر 𒀭𒊹𒆠، أشور ܐܫܘܪ، سوريه Συρία، أسّوريا Assyria، لبّانه، عقر ابن هبيرة، الشرقاط، آشور
آشور في العراق. أُنشئت حوالي سنة 3219 ق.هـ / 2500 ق.م، وتقع أطلالها المعروفة باسم قلعة الشرقاط على هضبة صخريّة تشرف على الضفّة الغربيّة لنهر دجلة شمال التقاء نهر الزاب الأسفل به، واسم منطقتها اليوم هو الشرقاط.
لفظ اسمها الأصليّ في المسماريّة هو أشُّر 𒀭𒊹𒆠 ويعني مشرق الشمس، وهو مطابق تماماً لاسم إلهها القوميّ الأعلى أشُّر، وعن اسم هذه الحاضرة والدولة المنسوبة إليها اشتُقّ اسم إقليم آشور برمّته. ذُكرت في السريانيّة باسم أشور ܐܫܘܪ وفي الإغريقيّة باسم سوريه Συρία وفي اللّاتينيّة أسّوريا Assyria، في حين عُرفت في العهد الپارثيّ باسم لبّانه وفي المصادر العربيّة الجغرافيّة باسم عقر ابن هبيرة والشرقاط.
نالت المدينة قداستها العظمى بصفتها العاصمة الدينيّة والروحيّة الأولى للدولة الآشوريّة عبر عصورها القديم والوسيط والحديث، لاحتضانها معبد “إي خرصگ گل كُرّ” أي بيت الجبل الأراضي العظيم، وهو المقرّ الرئيس لعبادة الإله أشُّر وإلى جواره زقّورتها الكبرى ومعابد عشتار وسين وشمش وأنو وأدد.
ظلّت آشور محجّاً مقدّساً حتّى بعد انتقال العاصمة السياسيّة والإداريّة إلى كالح ثمّ دور شروكين فنِينوى (الموصل)، ففيها حصراً كانت تُقام مراسم تتويج الملوك الآشوريّين واحتفالات رأس السنة “أكيتو”، وإليها كانت تُحمل جثامين الملوك لتُدفن في السراديب الملكيّة تحت القصر القديم.
تعرّضت للتخريب على يد الميديّين والبابليّين سنة 1274 ق.هـ / 614 ق.م، ثمّ استعادت عمرانها وعباداتها في العهد الپارثيّ في القرن 6 ق.هـ / القرن 1 م والقرن 5 ق.هـ / القرن 2 م قبل سقوطها بيد الساسانيّين. ثمّ دُمّرت وهُجرت المدينة بأمر الإيلخان المغوليّ سنة 656 هـ / 1258 م، وعمرها بدو العرب لاحقاً.

بابل في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة وانقرضت ديانتها القديمة
- يزورون: معبد إيساگيلا الأعظم، زقّورة إيتيمينانكي (برج بابل)، شارع الموكب، بوّابة عشتار، بيت الاحتفالات، أطلال الحِلّة السفيّة
- أسماء المدينة عبر التاريخ: كا دنگيرّا، بابِلِم 𒆍𒀭𒊏𒆠، باب إيلاني، باب إيلِم، ܒܵܒܹܠ، 𐡁𐡁𐡋، بابيلون Βαβυλών / Babylon، تينتير، إريدوگي، بابل، الحلّة
بابل في العراق. أُنشئت حوالي سنة 3013 ق.هـ / 2300 ق.م باسم بابِلِم 𒆍𒀭𒊏𒆠، وتقع أطلالها على ضفّتَي نهر الفرات الأوسط، واسم حاضرتها المجاورة اليوم هو الحلّة، وهي المدينة التي نالت أعظم مكانة دينيّة عبر العصور، وقصدها الحجّاج من كلّ أصقاع العالم القديم بلا استثناء، تماماً كما هي اليوم مكّة.
يعود أصل اسمها في اللّغة الأكّديّة إلى عبارة “باب إيلاني” أو “باب إيلِم” وتعني بوّابة الإله أو بوّابة الآلهة، وهو ترجمة للاسم السومريّ الأقدم كا دنگيرّا بالمعنى ذاته. اسمها بلغة أهلها الآراميّين ܒܵܒܹܠ وفي السريانيّة والآراميّة الإمبراطوريّة 𐡁𐡁𐡋 وفي الإغريقيّة بابيلون Βαβυλών وهو الذي صار في اللّاتينيّة Babylon، كما عُرفت في النصوص المسماريّة بألقاب مقدّسة مثل “تينتير” أي موضع الحياة و”إريدوگي” أي المدينة الطيّبة.
بلغت بابل ذروة قداستها منذ عهد الملك حمورابي في القرن 25 ق.هـ / القرن 18 ق.م ثمّ في عهد نبوخذنصّر الثاني في القرن 13 ق.هـ / القرن 6 ق.م، إذ صارت مركز الكون في اللّاهوت الرافدينيّ ومقرّ الإله الأعلى مردوق (بيل) في معبده الأعظم “إيساگيلا” أي البيت رفيع الرأس، وإلى جواره زقّورتها الشهيرة “إيتيمينانكي” أي بيت أسس السماء والأرض، التي يربطها التراث التوراتيّ ببرج بابل.
كانت وفود الحجيج والملوك تفد إليها سنويّاً في مطلع الربيع للمشاركة في عيد رأس السنة البابليّة “أكيتو” الذي يمتدّ 12 يوماً، وتُحمل فيه تماثيل الآلهة من مختلف المدن عبر شارع الموكب وبوّابة عشتار نحو بيت الاحتفالات.
هُجرت بابل تدريجيّاً واندثرت معابدها بعد الفتح الأخمينيّ وتأسيس سلوقية، ثمّ خُرّبت تماماً في القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م حين ثارت على الساسان فدمّروها، وأعاد العرب عمران منطقتها فيما بعد عند تأسيس الحلّة السفيّة في القرن 5 هـ / القرن 11 م.

لَرسه في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة الدينيّة وانتهت شرائعها القديمة
- يزورون: تلّ الصنكرة (السنكرة)، معبد وزقّورة إي بابّار، صنم ومزار ربّ المورو (أمورو/مارتو)
- أسماء المدينة عبر التاريخ: لَرْسَم 𒌓𒀕، لارِسّا Λάρισσα، إلّاسار، لَرْسه
لَرْسه في العراق. أُنشئت حوالي سنة 3528 ق.هـ / 2800 ق.م، وتقع أطلالها في سهل سومر بجنوب العراق إلى الجنوب الشرقيّ من مدينة الوركاء، واسم موقعها اليوم هو تلّ الصنكرة أو السنكرة. اسمها الأصل في المدوّنات المسماريّة هو لَرْسَم 𒌓𒀕، ويعني باللّغة السومريّة موضع النور المشعّ أو مَسْكَنُ الضياء، وذُكرت في الإغريقيّة الكلاسيكيّة بصيغة لارِسّا Λάρισσα، ويربطها بعض الباحثين بمدينة إلّاسار المذكورة في التوراة.
نالت المدينة قداستها الكبرى لاحتضانها معبد “إي بابّار” أي البيت الأبيض أو البيت المشرق، وهو المقرّ الرئيس وزقّورة عبادة إله الشمس والعدل أوتو (شمش في الأكّديّة) وزوجته شيريدا (آيا)، إلى جانب كونها في مطلع الألفية 3 ق.هـ / الألفية 2 ق.م محجّ المورو العرب لوجود صنم ربّ المورو فيها (واسمه أمورو أو مارتو). ويُعتقد أنّ المورو حضروا إلى العراق من بادية الشام ولم يكن في ديانتهم البدويّة الأولى عادة الحجّ، ثمّ قلّدوا السومريّين وجعلوا لهم مدينة مقدّسة ومزاراً جامعاً في بلاد السومريّين.
بلغت لَرْسه ذروة ازدهارها السياسيّ والدينيّ حين أسّس فيها القائد الموريّ نپلانوم سلالة حاكمة مستقلّة حوالي سنة 2729 ق.هـ / 2025 ق.م، وتعاقب عليها ملوك عظام من أصول موريّة وإيلاميّة مثل گونگونوم وسين إيدينام وورَد سين وأخيه ريم سين الأوّل، فحكمت جنوب بلاد الرافدين وأشرف ملوكها على تجديد معابدها وشقّ القنوات المائيّة واستقبال وفود الحجيج والتجّار من الخليج العربيّ والجزيرة العربيّة.
استمرّ مجدها حتّى فتحها الملك البابليّ حمورابي سنة 2457 ق.هـ / 1763 ق.م، ثمّ هجّر ملوك المورو البابليّين في عهد خليفته سمسو إيلونا أهلها إلى بابل حوالي سنة 2365 ق.هـ / 1674 ق.م بعد ثورة ريم سين الثاني، مع نقل قداسة لَرْسَم ومكانتها الدينيّة إلى بابل، وظلّ معبد الشمس فيها يُرمّم في العهد الكاشيّ والبابليّ الحديث على يد نبوخذنصّر الثاني ونبونيد حتّى هُجرت كليّاً في العهد الهلنستيّ.

الموصل في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة القديمة المرتبطة بديانة عشتار النينويّة
- يزورون: أطلال نينوى وتلولها الأثريّة، معبد إي مشمش، القصر عديم النظير، موضع مكتبة آشور بانيپال، قلعة حصنا عبرايا
- أسماء المدينة عبر التاريخ: نِنوا 𒌷𒉌𒉡𒀀 (نينُوا)، نَيْنَوَىٰ ܢܝܼܢܘܹܐ، حصنا عبرايا ܚܨܢܐ ܐܒܪܐܝܠ، نينو پوليس Νίνου πόλις، نِنيڤيه Nineveh، باجرمى، بوذ أردشير (نوذ أردشير)، بيث عَربايي (باعربايا)، الموصل
الموصل في العراق. أُنشئت حوالي سنة 6829 ق.هـ / 6000 ق.م، وتقع على الضفّتَين الشرقيّة والغربيّة لنهر دجلة في شمال العراق، وبقيت قريتها الأولى غير ذات قداسة إلى أن أنشأ فيها الملك نينو معبداً مقدّساً (حَسَبَ الأسطورة الكلاسيكيّة عند ديودور الصقلّيّ) نقل إليه قداسة أشُّر فصار اسمها في المدوّنات المسماريّة نِنوا 𒌷𒉌𒉡𒀀 أو نينُوا، ويربط اللّغويّون الاسم بالسومريّة “نينا” وبالأكّديّة “نون” أي السمكة رمز الخصب والحياة.
والمدينة مهد اللّغة السريانيّة الكلاسيكيّة وموطن تراثها الأوّل، وذُكرت بالسريانيّة باسم نَيْنَوَىٰ ܢܝܼܢܘܹܐ وكذلك حصنا عبرايا ܚܨܢܐ ܐܒܪܐܝܠ أي الحصن المعبر (أو العابر على الضفّة المقابلة)، وفي الإغريقيّة باسم نينو پوليس Νίνου πόλις أي عاصمة نينو، وفي اللّاتينيّة نِنيڤيه Nineveh نقلاً عن الاسم الساسانيّ والعبرانيّ.
نالت نينوى قداستها الكبرى لاحتضانها معبد “إي مشمش” أي بيت القرابين، وهو الحَرَم الأعظم لعبادة الإلهة عشتار النينويّة (شوشكا عند الحوريّين والميتانيّين) سيّدة السماء والحبّ والحرب والشفيعة الشافية، فكان الملوك يرسلون تمثالها المقدّس للاستشفاء كما أرسله الملك الميتانيّ توشراتا إلى فرعون مصر أمنحوتپ الثالث في القرن 21 ق.هـ / القرن 14 ق.م.
بلغت المدينة ذروة عظمتها وعمرانها حين اتّخذها الملك الآشوريّ سنحاريب حوالي سنة 1365 ق.هـ / 700 ق.م عاصمةً للإمبراطوريّة الآشوريّة الحديثة وبنى فيها “القصر عديم النظير” وشقّ إليها قنوات الريّ، وتبعه حفيده آشور بانيپال الذي جمع فيها مكتبته المسماريّة الشهيرة، فانتشرت قداسة نينوى في عزّها من وسط آسيا حتّى غرب المتوسّط.
سقطت نينوى على يد تحالف الميديّين والبابليّين سنة 1272 ق.هـ / 612 ق.م وصار اسمها بيث عَربايى على اسم إقليمها، ونشأت على الضفّة الغربيّة المقابلة لها قلعة حصنا عبرايا التي مَصّرها العرب المسلمون سنة 20 هـ / 641 م وسمّوها “الموصل” ترجمة حرفيّة لاسم الحصن حصنا عبرايا ܚܨܢܐ ܐܒܪܐܝܠ. أو لأنّها وصلت بين الجزيرة والعراق أو بين دجلة والزاب كما يذكر ياقوت الحمويّ في “معجم البلدان”. دمّرها المغول بقيادة هولاكو سنة 656 هـ / 1258 م ثمّ عمرها العرب واستعادت ازدهارها في العهد العثمانيّ.
في الواقع كانت نينوى قد استحالت في عهد الأشكان بلدة زراعّية قليلة السكّان باسم باجرمى، ولو أنّ قلّة من الطائفة القديمة استمرّت بالحجّ إلى أطلال نينوى. ثمّ، باحتلال حَدياب (أديابين)، غيّر الساسان عام سنة 224 م / 410 ق.هـ اسم الضفّتين إلى بوذ أردشير أو نوذ أردشير. غير أنّ الاسم الآراميّ السّريانيّ للإقليم بيث عَربايي —الذي عرّبه أهل البلد إلى باعربايا— طغى على التّسمية الدّيوانيّة الفارسيّة المجرّدة (بوذ أردشير) وما استعملها أهل المنطقة.

الوركاء في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة وانتهت دياناتها القديمة
- يزورون: حيّ كُلَّبَ (كُلَّبْ 𒆰𒀕𒆠) والمعبد الأبيض ومصطبة أنُ، حيّ إي أنَّه 𒂍𒀭𒈾، أسوار گِلگامِش
- أسماء المدينة عبر التاريخ: أُرأُگ 𒀕𒆠، أُنأُگ 𒀕، إيرِخ אֶרֶךְ، أوروك ܐܘܿܪܘܿܟ، أورخوي Ὀρχόη / Orkhoē، الوركاء
الوركاء في العراق. أُنشئت حوالي سنة 4249 ق.هـ / 3500 ق.م، وتقع أطلالها في سهل سومر بجنوب العراق إلى الشرق من المجرى الحديث لنهر الفرات ضمن محافظة المثنّى.
كان اسمها الأصليّ أُرأُگ 𒀕𒆠 أي “المدينة العرش” ويلفظها العرب اليوم أوروك، واسمها في الأصل دمج كلمتَين من الأگديّة هما أُرُ 𒌷 بمعنى مدينة وكلمة أُگُ (أق) بمعنى عرش، ومن أسمائها كذلك أُنأُگ 𒀕 بمعنى عرش العرش. اسمها في البابليّة والتوراة إيرِخ אֶרֶךְ، وفي السريانيّة أوروك ܐܘܿܪܘܿܟ وفي الإغريقيّة أورخوي Ὀρχόη وفي اللّاتينيّة Orkhoē.
بناها العرب محجّاً لديانة أنُ 𒀭 وهو خالق الدنيا وسيّد الفلك الأعلى وواهب عشتار (إنانا) ابنها شرى 𒀭𒆠، الذي صارت له ديانة فيما بعد وعُبد الابن باسم ذو شرى. وانقسمت الحاضرة الدينيّة إلى حيَّين مقدّسَين رئيسَين؛ الأوّل حيّ كُلَّبَ (أو كُلَّبْ عند الوقف) 𒆰𒀕𒆠 (كُل-أب) الذي احتضن المعبد الأبيض فوق مصطبة أنُ الشاهقة، ومعنى اسمه الحرفيّ بالسومريّة “موضع البذار” أو “حرم الشيوخ”. والثاني حيّ “إي أنَّه” 𒂍𒀭𒈾 أي بيت سماء عبادة عشتار، وشهدت المدينة تشييد أسوارها الضخمة المنسوبة إلى ملكها الأسطوريّ گِلگامِش في القرن 35 ق.هـ / القرن 27 ق.م.
كانت أُرأُگ في أوج ازدهارها مدينةً تعوم على قنوات الماء المتفرّعة من الفرات القديم فلا شوارع فيها لغير الزوارق، وهي مهد نظام الكتابة المسماريّ والتدوين البشريّ الأوّل وأكبر حاضرة عمرانيّة في العالم القديم في مطلع الألفية 4 ق.هـ / الألفية 3 ق.م. وحافظت على مكانتها الدينيّة والعلميّة حتّى العهدين السلوقيّ والپارثيّ، ثمّ هُجرت في القرن 2 هـ / القرن 8 م نتيجة فيضان حوّل مجرى الفرات عنها، وأُعيد عمران منطقتها في عهد الدولة المشعشعيّة في القرن 9 هـ / القرن 15 م.

آتِن في مصر
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة وانقرضت ديانتها
- يزورون: موقع تلّ العمارنة، معبد آتِن الأكبر (پر آتِن)، معبد آتِن الأصغر (حوت آتِن)، اللوحات الحدوديّة الصخريّة
- أسماء المدينة عبر التاريخ: أخيتاتُن 𓈌𓏏𓊖، آتِن، تلّ بني عمران، العمارنة
آتِن في مصر. أُنشئت سنة 2030 ق.هـ / 1346 ق.م، وتقع أطلالها في سهل رمليّ فسيح يحيط به هلال صخريّ من الهضبة الجيريّة على الضفّة الشرقيّة لنهر النيل في مصر الوسطى ضمن نطاق محافظة المنيا، واسمها المعاصر هو العمارنة نسبةً إلى عرب بني عمران (العمارنة) الذين نزلوا منطقتها وعمروها حديثاً في القرن 12 هـ / القرن 18 م، وفيها موقع تلّ العمارنة أهمّ موقع أثريّ مصريّ حاليّاً.
بناها ملك مصر أمنحوتپ الرابع (أخناتون) لتكون عاصمةً جديدةً لمملكته ومحجّاً مركزيّاً لعبادة الإله الواحد آتِن (آتون) المرموز إليه بقرص الشمس السّاطع ذي الأشعّة المنتهية بأكفّ بشريّة تمنح الحياة، وسمّاها بالمصريّة القديمة أخيتاتُن 𓈌𓏏𓊖 أي “أُفق آتِن”، بعد هجره العاصمة القديمة طيبة (الأقصر) وإبطاله عبادة الإله آمون وسائر الآلهة المتعدّدة.
حدّد الملك تخوم مدينته المقدّسة عبر 14 لوحة حدوديّة محفورة في صخور الجبال المحيطة بضفّتَي النيل، أقسم فيها ألّا يتجاوز حدودها وألّا يتّخذ عاصمةً غيرها، وشيّد في قلبها معبد آتِن الأكبر المعروف باسم “پر آتِن” أي بيت آتِن، ومعبده الأصغر “حوت آتِن” أي قصر آتِن، بتصميم معماريّ فريد مكشوف الأسقف تماماً ليسمح بمرور أشعّة الشمس مباشرةً إلى المذابح ومصاطب القرابين دون حواجز مظلمة كما في المعابد المصريّة التقليديّة.
في أرجاء هذه المدينة عُثر سنة 1305 هـ / 1887 م على أرشيف “رسائل تلّ العمارنة” المدوّن بالخطّ المسماريّ واللّغة الأكّديّة على ألواح طينيّة، الذي وثّق المراسلات الدبلوماسيّة بين بلاط مصر وملوك بابل وآشور وحثّي وأمراء الشام وفلسطين.
لكنّ المدينة سرعان ما هُجرت عاصمةٍ سياسيّةٍ مع وفاة الملك أخناتون سنة 2016 ق.هـ / 1332 ق.م وعودة بلاط ابنه توت عنخ آمون إلى منف وطيبة، وبقيت محجّاً سنويّاً للرّهبان والأتباع الباقين من جماعته دون عمرانها، حتّى أمر الملك حورمحب ثمّ رمسيس الثاني في القرن 20 ق.هـ / القرن 13 ق.م بتفكيك حجارة معابدها المسمّاة “التلاتات” لإعادة استعمالها في بناء الصروح الجديدة في الأشمونين والكرنك.

أسوان في مصر
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة الدينيّة وانتهت ديانتها القديمة
- يزورون: معبد الحبيبة (معبد إيزيس/علّيسة) على جزيرة فيلة، معابد الإله خنوم على جزيرة إلفنتين، الشلّال الأوّل، محاجر حجر الصوان
- أسماء المدينة عبر التاريخ: سوِنِط، سُوان Ⲥⲟⲩⲁⲛ، سييني Συήνη / Syene، سِوِنه، يِبو، إلفنتين Ἐλεφαντίνη، أسوان
أسوان في مصر. أُنشئت سنة 1353 ق.هـ / 690 ق.م، وتقع على الضفّة الشرقيّة لنهر النيل عند الشلّال الأوّل في أقصى جنوب صعيد مصر، ما جعلها بوّابة مصر الجنوبيّة وحلقة الوصل التجاريّة والدينيّة مع بلاد النوبة وإفريقيا ومناجم حجر الگرانيت الورديّ الشهير باسم “حجر صوان”.
اسمها في الأصل بالمصريّة القديمة سوِنِط ويعني التجارة أو السوق، وفي القبطيّة سُوان Ⲥⲟⲩⲁⲛ وفي الإغريقيّة سييني Συήνη، وهو الاسم الذي دخل اللّاتينيّة بصيغة سييني Syene وورد في النصوص الآراميّة والعبريّة بصيغة سِوِنه، في حين عرفتها جزيرتها المقابلة باسم يِبو أي الفيل أو العاج وعنها جاءت التسمية الإغريقيّة إلفنتين Ἐλεφαντίνη.
في عهد دولة قرطاج وصلت أسوان ديانة قرطاج التي تبجّل علّيسة (إليزا) شفيعة لعبادها. وبعد سقوط قرطاج ودمارها على يد الرومان سنة 791 ق.هـ / 146 ق.م انتقلت قداستها إلى أسوان وصار معبد الحبيبة على جزيرة فيلة (الحبيبة) هو المعبد الرئيس لتقديم شعائر التبجيل لشفيعة الفنيقيّين عِلّيسة، التي عرفها المصريّون في العهد القبطيّ (الپطولميّ) باسم إيسه Ⲏⲥⲉ، وإلى جوارها معابد الإله خنوم واهب مياه النيل على جزيرة إلفنتين.
صارت جزيرة فيلة في أسوان محجّاً دوليّاً يشدّ إليه الحجيج الرّحال من عموم حوض المتوسّط ومصر وبلاد النوبة والبجّة للتبرّك وتقديم النذور والاحتفال بالمواسم المقدّسة. واستمرّت عبادتها وقداسة أسوان حتّى القرن 2 ق.هـ / القرن 5 م حين أكرهها الإمبراطور جستين الأوّل Ἰουστῖνος (وقريبه الإمبراطور جستينيان في القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م) على المسيحيّة وأمر بإغلاق المعبد وتحويل جميع المعابد إلى كنائس، وانتهت هكذا ديانة قرطاج.

الإسكندريّة في مصر
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها قداسة حجّها المفروض القديم المرتبط بديانة سيراپيس
- يزورون: معبد السيراپيوم الأعظم فوق ربوة رَگاطِت، عمود السواري، مقرّ الكرازة المرقسيّة، أطلال المكتبة الصغرى
- أسماء المدينة عبر التاريخ: رَگاطِت، ركاتِس Ῥακῶτις، ركات ⲣⲁⲕⲟϯ، الإسكندريّة Αλεξάνδρεια / Alexandria
الإسكندريّة في مصر. أُنشئت حوالي سنة 2086 ق.هـ / 1400 ق.م، وتقع على شريط ساحليّ يفصل بين البحر الأبيض المتوسّط شمالاً وبحيرة مريوط جنوباً غرب مصبّ الفرع الكانوبيّ لنهر النيل.
اسمها الأوّل هو رَگاطِت ويعني بالمصريّة القديمة موقع البناء أو الحصن المشيّد، وكانت مدينة عسكريّة للعرب المضريّين في خدمة ملك مصر لحماية التخوم الشماليّة الغربيّة. وذكرها الإغريق قبل العهد الهلنستيّ باسم ركاتِس Ῥακῶτις وكانت قاعدة عسكريّة لهم في العهد الأخمينيّ، واسمها في القبطيّة ركات ⲣⲁⲕⲟϯ.
بعد دخول الإسكندر المقدونيّ مصر سنة 983 ق.هـ / 332 ق.م (كما يُعتقد) ووضع مخطّطها الجديد على يد المهندس دينوقراطيس، غيّر الپطالمة اسمها إلى الإسكندريّة Αλεξάνδρεια (وباللاتينيّة Alexandria) طمعاً بجعلها مدينة خليفة الإسكندر وعاصمةً لدولتهم ومثوىً لجثمان الإسكندر.
ولمّا فشل الپطالمة في مسعاهم السياسيّ لتوحيد إمبراطوريّة الإسكندر، تأسّست في المدينة بأمر پطليموس الأوّل سوتير في القرن 10 ق.هـ / القرن 3 ق.م ديانة سيراپيس Σέραπις الشافي المعافي، وهو ذاته الذي عبده بعض العرب باسم عُزير وسمّاه القبط أُزيرخَپي ⲟⲩⲥⲉⲣϩⲁⲡⲓ دمجاً بين أوزيريس وأپيس. شُيّد لعبادته معبد السيراپيوم الأعظم فوق ربوة رَگاطِت وإلى جواره مكتبتها الصغرى وعمود السواري، فصارت الإسكندريّة محجّاً دوليّاً يشدّ إليه الحجيج والمرضى وطلبة الحكمة الرّحال من عموم حوض المتوسّط والعالم الهلنستيّ والرومانيّ طلباً للاستشفاء والبركة والوحي، كما غدت لاحقاً مقرّ الكرازة المرقسيّة ومهد اللاهوت المسيحيّ، وظلّت عبادة سيراپيس حيّة فيها حتّى هُدم معبد السيراپيوم سنة 238 ق.هـ / 391 م في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الأوّل والبطريرك ثيوفيلوس.

الأقصر في مصر
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة الدوليّة وانتهت ديانتها
- يزورون: مجمع معابد الكرنك (إپِت سُوت)، معبد الأقصر (إپِت رِسِت)، طريق الكباش، مقابر الملوك والمعابد الجنائزيّة
- أسماء المدينة عبر التاريخ: واسِط 𓌀𓏏𓊖، نيوت، نو آمون، پاپه ⲡⲁⲡⲉ، طيبة، ثيباي Θῆβαι، ثيبايس سوپيريور Thebais Superior، دِيوْسْپوليس مَگْنا Διόσπολις Μεγάλη، الأُقصر
الأقصر في مصر. أُنشئت حوالي سنة 3940 ق.هـ / 3200 ق.م، وتقع على الضفّتَين الشرقيّة والغربيّة لنهر النيل في صعيد مصر.
اسمها الأصل في اللّغة المصريّة القديمة واسِط 𓌀𓏏𓊖 ويعني مدينة الصولجان أو الحاضرة ذات السطوة، وعُرفت كذلك بلقب “نيوت” أي المدينة، وعنه جاء اسمها التوراتيّ والآشوريّ “نو آمون” أي مدينة الإله آمون. وهي أكثر المدن زيارةً ما بين العهدَين الآشوريّ والرومانيّ على موازاة بابل، ولكونها مدينة محجّ اكتسبت ثروات هائلة من النذور والغنائم حتّى صارت مليئة بالمعابد والقصور على ضفّتها الشرقيّة ومقابر الملوك والمعابد الجنائزيّة على ضفّتها الغربيّة، وهو سبب تسميتها العربيّة الأُقصر جمع قَصْر كما ذكر ياقوت الحمويّ في “معجم البلدان”.
وفي أيّام عزّها إبّان الدولة الوسطى والحديثة (من القرن 28 ق.هـ / القرن 21 ق.م إلى القرن 18 ق.هـ / القرن 11 ق.م) كانت مضرب المثل حول العالم القديم برخاء العيش وفخامة التقاليد وذيوع الصيت حتّى وصفها الشاعر الإغريقيّ هوميروس في الإلياذة بذات المئة بوّابة.
اسمها القبطيّ پاپه ⲡⲁⲡⲉ (المشتقّ من “إپِت” أي الحَرَم الأقدس)، ومن أسمائها العربيّة كذلك طيبة (من ألقاب المدينة المنوّرة) ويقترن به الاسم الإغريقيّ ثيباي Θῆβαι وعنه الاسم اللّاتينيّ ثيبايس سوپيريور Thebais Superior، كما سمّاها الإغريق دِيوْسْپوليس مَگْنا Διόσπολις Μεγάλη أي مدينة زِوس العظمى لمطابقتهم الإله آمون مع زِوس.
نالت قداستها الكبرى لاحتضانها مجمع معابد الكرنك (“إپِت سُوت” أي أقدس البقاع) ومعبد الأقصر (“إپِت رِسِت” أي الحَرَم الجنوبيّ) المكرّسَين لثالوث طيبة المقدّس: الإله الأعلى آمون رع وزوجته موت وابنهما خونسو إله القمر، وكانت الوفود تشدّ الرّحال إليها سنويّاً في موسم الفيضان لحضور عيد “أُپِت” وعيد الوادي الجميل، حيث تُنقل مراكب الآلهة الذهبيّة عبر النيل وطريق الكباش في مواكب مهيبة.
فقدت الأقصر قداستها الدينيّة الدوليّة في العهد الپطولميّ في القرن 10 ق.هـ / القرن 3 ق.م لمصلحة ديانة سيراپيس المستحدثة في الإسكندريّة، ثمّ أُغلقت معابدها وحُوّل بعضها إلى كنائس في القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م.

عَيْنُ شَمْسٍ في مصر
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة الكونيّة المصريّة القديمة، ويقصد مزارها اليوم المسيحيّون والمسلمون
- يزورون: شجرة مريم ونبع الماء العذب (بئر البلسم وبئر المَطَرِيَّة)، مسلّة الملك سنوسرت الأوّل في تلّ الحِصْن وعرب الحِصْن، أطلال معبد الشّمس الأكبر
- أسماء المدينة عبر التاريخ: إِيُونُو 𓉺𓏌𓊖، پِر رَع 𓉐𓏤𓇳𓏤، أُونُ 𒌷𒌋𒉡، أُون ⲱⲛ، أُون אֹן، أُوِن אָוֶן، بَيْت شَمَش בֵּית שֶׁמֶשׁ، بَيْت شِمْشَا ܒܝܬ ܫܡܫܐ، هِيْلِيُوپُولِس Ἡλιούπολις / Heliopolis، عَيْن شَمْس
عَيْنُ شَمْسٍ في مصر. حاضرةٌ تاريخيّةٌ حيّةٌ تحوّلت أطلالُها إلى ضاحيةٍ عمرانيّةٍ كبرى وزالت عنها قداستها الكونيّة المصريّة القديمة، في حين احتفظت بمزارٍ مسيحيٍّ وإسلاميٍّ حيٍّ مرتبطٍ برحلة العائلة المقدّسة.
يعود استيطان موضعها في عصر ما قبل الأسرات (حضارة المعادي) إلى حوالي سنة 4560 ق.هـ / 3800 ق.م، قبل أن تغدو العاصمة اللّاهوتيّة والفلكيّة الأولى لمصر منذ عصر الأسرات المبكّرة حوالي سنة 3733 ق.هـ / 3000 ق.م. وتقع أطلال معبدها الأعظم اليوم في منطقة “تلّ الحِصْن” و”عرب الحِصْن” ضمن حيَّي المَطَرِيَّة وعين شمس في الشّمال الشّرقيّ من مدينة القاهرة، عند رأس دلتا النّيل قريباً من الضّفّة الشّرقيّة للنّهر.
اسمها الأصليّ في النّصوص الهيروگليفيّة المصريّة القديمة منذ متون الأهرام في الدّولة القديمة هو إِيُونُو 𓉺𓏌𓊖 ، ومشتقٌّ من اللّفظ المصريّ القديم إِيُون 𓉺 بمعنى العَمُود، والدِّعامة، والمسلّة الحجريّة المنصوبة؛ فيكون معناه “مدينة الأعمدة والمسلّات”؛ لكثرة الأنصاب والمسلّات الحجريّة الّتي شُيّدت في رحابها رمزاً لأشعّة الشّمس المتجسّدة على الأرض، كما لُقّبت في المتون الكهنوتيّة المصريّة باسم پِر رَع 𓉐𓏤𓇳𓏤 أي “بيت الإله رَع (بيت الشّمس)”.
وعن الاسم المصريّ العتيق إِيُونُو تحدّرت تسميتها في الحوليات المسماريّة الآشوريّة (في نقوش آشور بانيپال من القرن 13 ق.هـ / القرن 7 ق.م) بصيغة أُونُ 𒌷𒌋𒉡، وفي اللّغة القبطيّة بصيغة أُون ⲱⲛ، وفي العبريّة التّوراتيّة البابليّة بصيغتَي أُون אֹן وأُوِن אָוֶן (حيث ذكر سفر التّكوين أنّ النّبيّ يوسف تزوّج من “أسنات بنت فوطي فارع كاهن أُون”)، كما ترجمها النّبيّ إرميا في العهد القديم إلى العبريّة باسم بَيْت شَمَش בֵּית שֶׁמֶשׁ أي بيت الشّمس، وترجمتها السّريانيّة بَيْت شِمْشَا ܒܝܬ ܫܡܫܐ.
ولمّا وفد المؤرّخون والفلاسفة الإغريق إليها (مثل هيرودوت وأفلاطون وسترابون) ترجموا لقبها الكهنوتيّ المصريّ “پِر رَع” إلى اللّسان الإغريقيّ باسم هِيْلِيُوپُولِس Ἡλιούπολις وعنه في اللّاتينيّة Heliopolis، ومعناه “مدينة الشّمس”. وبعد فتح الإسلام لمصر، سمّاها الجغرافيّون والإخباريّون العرب كالمقريزيّ في “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار” وياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” وابن دُقْماق والمسعوديّ باسم عَيْن شَمْس؛ جمعاً بين ترجمة اسمها الشّمسيّ القديم وبين “عين الماء” العذبة المتدفّقة في جوار معبدها (الّتي عُرفت لاحقاً ببئر المَطَرِيَّة وبئر البلسم)، مع احتفاظ التّراث التّفسيريّ والقبطيّ باسمها العتيق أُون.
نالت عين شمس (أُون) قداستها الكونيّة العظمى طوال ثلاثة آلاف عامٍ بوصفها المهد الأوّل للّاهوت المصريّ والمرصد الفلكيّ الّذي وُضع فيه التّقويم الشّمسيّ المصريّ؛ ففي عقيدة كهنتها خُلِق الكونُ عندما برزت التّلّة الأزليّة الأولى (البِنْبِن) من محيط المياه العدميّة المظلمة (نُون)، وهبط فوق ذروتها إلهُ الشّمس والخَلْق الأعلى أَتُوم – رَع (الّذي يتجلّى عند الشّروق باسم خِپْرِي، وفي كبد السّماء باسم رَع – حُور أَخْتِي، وعند الغروب باسم أَتُوم)، ومن ذاته أوجد الزّوجين الأوّلين: إله الهواء شُو وإلهة الرّطوبة تِفْنُوت، اللّذين أنجبا إله الأرض گِب وإلهة السّماء نُوت، ومنهما وُلد الإخوة الأربعة: أُوزِيرِيس، وإِيزِيس، وسِت، ونِفْتِيس؛ ليؤلّف هؤلاء الآلهةُ التّسعةُ “تَاسُوع أُون المقدّس”.
وفي قلب قدس أقداس معبدها الأعظم كان يُحفظ حجر “البِنْبِن” 𓃀𓈖𓃀𓈖𓉶 المخروطيّ المقدّس (وهو حجرٌ نيزكيٌّ أو هُريمٌ حجريٌّ مصفّحٌ بالذّهب والالكتروم تستقرّ عليه أوّل شعاعة شمسٍ عند الفجر، ومنه اشتُقّ الشّكل الهندسيّ للأهرامات ورؤوس المسلّات). وإلى جانب حجر البِنْبِن، قدّس الحجيجُ في عين شمس ثلاثةَ رموزٍ حيّةٍ لتجلّي روح الشّمس:
- الأوّل طائر “البِينُو” 𓅣 الأسطوريّ (طائر الفينيق / العنقاء) الّذي كان الحجّاج يعتقدون أنّه يطير من بلاد العرب كلّ 500 عامٍ ليحرق نفسه في نيران البخور فوق مذبح الشّمس في عين شمس ثمّ ينبعث فتيّاً من رماده؛
- والثّاني الثّور المقدّس الأبلق “مْنِڤِيس” (مِرْ – وَر 𓌸𓂋𓅨𓂋𓃒) الّذي كان يُعبَد حيّاً في حظيرةٍ فخمةٍ بوصفه الرّوح النّاطقة للإله رَع ثمّ يُحنَّط ويُدفن في مقابر خاصّة؛
- والثّالث شجرة “الإِيشِد” المقدّسة (شجرة اللّبخ أو البرسيا) الّتي يسجّل الإله تَحُوت والإلهة سِشَات أسماء الملوك وسنيّ حكمهم على أوراقها.
كانت عين شمس الجامعةَ العلميّةَ والكهنوتيّةَ الكبرى في العالم القديم، فإليها حجّ ملوك مصر الأرباب من سائر الأسر المصريّة لتتويج سلطانهم بـ”أعياد السِّد” اليوبيليّة ومضاعفة مسلّات معبدها (ومن أشهرها مسلّة الملك سنوسرت الأوّل من الأسرة الثّانية عشرة المنتصبة حتّى اليوم في المَطَرِيَّة بارتفاع 20.4 متراً ووزن 121 طنّاً من الگـرانيت الورديّ، والّتي شُيّدت حوالي سنة 2612 ق.هـ / 1942 ق.م، فضلاً عن “مسلّات كليوپاترا” المنقولة منها إلى الإسكندريّة ثمّ إلى لندن ونيويورك وروما)، وإلى مدارس كهنتها وفد حكماؤها وطلّاب العلم الإغريق كالفيلسوف فيثاغورس وصولون وأفلاطون وعالِم الفلك إِيدُوكْسُوس لدراسة الفلك والهندسة والطّبّ، وخرج من كهنوتها المؤرّخ المصريّ مَانِيتُون السّمنّوديّ.
أخذت مكانة معبد الشّمس في أُون تتراجع بعد غزو الملك الإخميني قمبيز الثّاني لمصر سنة 1182 ق.هـ / 525 ق.م وإحراقه لبعض أروقتها، ثمّ بعد تأسيس مدينة الإسكندريّة في العهد البَطْلَميّ ونقل كثيرٍ من مسلّاتها وتماثيلها إليها وإلى روما، حتّى زارها الجغرافيّ الإغريقيّ سترابون سنة 666 ق.هـ / 24 ق.م فوجد معبدها العظيم شبه مهجورٍ وقد خلت مساكن علمائه وكهنته.
ومع انتشار المسيحيّة ثمّ فتح الإسلام لمصر (حيث دارت في سهلها “معركة عين شمس” الفاصلة بقيادة عمرو بن العاص في شهر شعبان سنة 19 هـ / تمّوز يوليو 640 م)، استُعملت حجارة معابدها في بناء الفسطاط ثمّ القاهرة الفاطميّة والأيّوبيّة، ولكنّ قداسة الموقع استمرّت حيّةً في الموروث المسيحيّ والإسلاميّ عند “شجرة مريم” ونبع الماء العذب في المَطَرِيَّة (بئر البلسم)؛ إذ يُجمع التّقليد الكنسيّ القبطيّ وكتب الخطط الإسلاميّة على أنّ مريم العذراء والمسيح الطّفل ويوسف النّجّار استظلّوا بشجرة الجمّيز المباركة في عين شمس واغتسلوا من نبعها العذب، ونبتت حول هذا النّبع في العصور الوسطى شجيرات “البَلْسَم” (البَلَسان) الّتي لم تكن تنبت في موضعٍ آخر من أرض مصر، فكان يُستخرج من دهنها “زيت الميرون” المقدّس لتعميد الملوك والمؤمنين في كنائس الشّرق والغرب، ولا تزال شجرة مريم وبئرها في المَطَرِيَّة مزاراً حيّاً يقصده الزّوّار المسيحيّون والمسلمون حتّى اليوم.

ميت رهينة في مصر
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة الكونيّة القديمة
- يزورون: معبد حُوت كا پتَح، سراديب العجل أپيس (السيراپيوم بسقّارة)، أطلال هرم پيپي الأوّل
- أسماء المدينة عبر التاريخ: إِنِب حِج 𓊅𓌉، مِن نَفَر 𓏠𓈖𓄤𓆑𓂋𓉴𓊖، مَنْف، مِمپي، مَف، نُوف، مِمفي ⲙⲉⲙϥⲓ، ميمفِس Μέμφις / Memphis، حُوت كا پتَح، خِكُوپتاخ 𒄭𒆪𒌒𒋫𒀪، إيگيپتوس Αἴγυπτος، منية رَهينة، مات رهينه، ميت رهينة
ميت رهينة في مصر. أُنشئت حوالي سنة 3424 ق.هـ / 2700 ق.م (أو مع توحيد القطرَين على يد الملك مينا نَرمَر في مطلع الألفية 4 ق.هـ / الألفية 3 ق.م)، وتقع أطلالها في قرية ميت رهينة التابعة لمركز البدرشين بمحافظة الجيزة على الضفّة الغربيّة لنهر النيل عند مدخل الدلتا، ويعود اسمها العربيّ المعاصر إلى “منية رَهينة” أي القرية المرهونة (لكذا) أو الموقوفة بالخراج. فهي المدينة الوقف.
كان اسمها الأوّل عند تأسيسها بالمصريّة القديمة “إِنِب حِج” 𓊅𓌉 أي الجدار الأبيض، ثمّ غلب عليها في الدولة القديمة منذ القرن 31 ق.هـ / القرن 24 ق.م اسم هَرَم الملك پيپي الأوّل “مِن نَفَر” 𓏠𓈖𓄤𓆑𓂋𓉴𓊖 بمعنى المستقرّ الجميل أو الباقي الحَسَن، وصار اختصاراً في العربيّة مَنْف، وفي المدوّنات الآشوريّة مِمپي وفي العبريّة مَف ونُوف، واسمها القبطيّ مِمفي ⲙⲉⲙϥⲓ وفي الإغريقيّة ميمفِس Μέμφις وهو كذلك في اللّاتينيّة Memphis.
كما عُرفت المدينة باسم معبدها الأعظم “حُوت كا پتَح” أي بيت روح پتاح، وعن هذا اللّقب الدينيّ اشتقّ الإغريق تسمية “إيگيپتوس” Αἴγυπτος التي صارت اسماً لمصر كلّها في اللّغات الأوروپيّة. والتسمية عن اللّغة في العهد الأگّدي “خِكُوپتاخ” 𒄭𒆪𒌒𒋫𒀪 ورومنتها (ḫi-ku-up-ta-aḫ) وتعريبها (حِ-كُ-ءُپ-تَ-اح). وتحمل ذات المعنى المصري. في الواقع كان أطلقها المُضريّون على البلد لمّا حكموا مصر في العهد السرياني (الآشوري) منذ القرن 8 ق.م. نسبة إلى معبد {پتاح} الرئيس ومحجّه في مدينة منف المقدّسة القديمة التي كانت حيث مدينة {ميت رهينة} المعاصرة جنوب الجيزة في القاهرة.
من تلك الحقبة صار لقب ملك مصر هو إكُى پتاح أو إگُى پتاح بصوت G بدلاً عن K وهي جميعاً تحويرات لصوت ق Q حين يكون الأصل إقُپتاح، وكان صوت گ آنذاك هو الصوت المقابل لحرف ق المعاصر. أمّا صفة إگُى پتاح فمعناها ببساطة: الوعل پتاح. وهو الوعل المقدّس أو الجدي المقدّس. وبقي اللّقب ذاته مستعملاً في العهد الأخميني (بعد السرياني) ثمّ كذلك في العهد الپطولمي الهلنستي. ومع الزمن تحوّر اللّقب على ألسنة الناس من {إگُى پتاح} إلى {إگُپتاح} إلى {إگُپتا}، وكتبها العرب {إقُبتا}، ثمّ صارت في يونانية مصر بلفظ: {إقُبطا} ونقلتها عنها العربية بالتالي: {القُبط}، وصارت شائعة. واسم پتاح في المصريّة القديمة پتَخ 𓊪𓏏𓎛 وفي الإغريقيّة پثا Φθά وفي القبطيّة پتاح ⲡⲧⲁϩ.
كانت مَنْف محجّاً عالميّاً لعبّاد الإله پتاح خالق الكون بالكلمة والقلب وشفيع الحرفيّين والبنّائين والصنّاع، وكان التعبّد في ديانة پتاح يقوم على إتقان العمل والصناعة والبناء وابتكار الفنون، ما جعل المدينة عاصمةً صناعيّةً وتجاريّةً لمصر القديمة، وأحد أهمّ المراكز التجاريّة والحرفيّة في الشرق الأوسط، وإلى جوار پتاح قُدّس فيها ثالوثه المتمثّل في زوجته سَخْمِت وابنهما نَفَرْتُوم، فضلاً عن العجل المقدّس أپيس (حَپي) الذي يُدفن في سراديب السيراپيوم بسقّارة.
فقدت مَنْف قداستها الكونيّة في العهد الپطولميّ في القرن 10 ق.هـ / القرن 3 ق.م لمصلحة ديانة سيراپيس المستحدثة في الإسكندريّة، ثمّ عانت من الفقر والإهمال وهدم المعابد في العهد البيزنطيّ في القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م والقرن 2 ق.هـ / القرن 5 م، إلى أن هجرها أهلها نهائيّاً وانتقلوا إلى الفسطاط مع بناء العاصمة الإسلاميّة الجديدة على الضفّة الشرقيّة للنيل في القرن 1 هـ / القرن 7 م سنة 20 هـ / 641 م.

رأس الحمري في اليمن
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة وانقرضت عبادة الديوسكوري
- يزورون: معبد ومحجّ الديوسكوري في موقع رَاس دي حَمري الساحليّ
- أسماء المدينة عبر التاريخ: ذو صَكوريد ܕܝ ܣܟܘܪܝܕ، ذو صكوريد 𐩹𐩥|𐩮َ𐩫𐩥𐩧𐩺𐩵، ديوسكورِيدو Dioskouridou / Διοσκουρίδου، دڤيپه سُخاداره، سُقُطْراء، رَاس دي حَمري
رأس الحمري في اليمن. عمرها غير معروف بدقّة، موقع ساحليّ يقع على الشاطئ الشماليّ لجزيرة سقطرى شرقيّ العاصمة حديبو في بحر العرب عند مدخل خليج عدن، واسمه بعربيّة الجزيرة واللّغة السقطريّة “رَاس دي حَمري” أي الرأس الأحمر لبروز صخوره الضاربة إلى الحمرة.
تقول المعتقدات اللّاتينيّة وراثةً عن الپونيقيّة بأنّ الديوسكوري ولدا فيها. لهذا السبب كان اسم الجزيرة في عهد الإمبراطوريّة الرومانيّة وعند ملّاحي البحر الأحمريّ في القرن 6 ق.هـ / القرن 1 م هو ديوسكورِيدو Dioskouridou (وبالإغريقيّة Διοσκουρίδου) التي تعني في عربيّتنا اليوم الديوسكوريّة. والاسم اللّاتينيّ والإغريقيّ تحوير عن النبطيّ “ذو صَكوريد” ܕܝ ܣܟܘܪܝܕ وهو ذاته الاسم السبئيّ المسنديّ ذو صكوريد 𐩹𐩥|𐩮َ𐩫𐩥𐩧𐩺𐩵، في حين يربط بعض اللّغويّين التسمية اللّاحقة سقطرى بعبارة سنسكريتيّة هي “دڤيپه سُخاداره” أي جزيرة السعادة والنعيم نظراً لتوافد تجّار الهند والبحر العربيّ إليها لجمع دم الأخوين والصبر واللّبان، وذكرها ياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” باسم سُقُطْراء.

الديوسكوري Διόσκουροι هما في الواقع معبودان اثنان، ويعني اسمهما من اللّغة الإغريقيّة “أبناء زِوس”، وطالما أنّ زِوس الإغريقيّ هو ذاته داگون الفنيقيّ بعد أن تعلّم الحرث والزراعة، فالديوسكوري گاستُر Κάστωρ وپوليذيسيس Πολυδεύκης هما ابنا داگون الفنيقيّ. عرفهما التراث الإغريقيّ واللّاتينيّ بالإلهين التوأم، حُماة البحّارة والمسافرين وأمهر الخيّالة.
وكانت الإمبراطوريّة الرومانيّة تحتفل بيوم الديوسكوري في يوم 15 تمّوز يوليو من كلّ عام بعرض عسكريّ كامل للفرسان في مدينة روما. وفي التراث الرومانيّ والفينيقيّ، كان محجّ الديوسكوري ومعبدهما الأوّل في قرية رَاس دي حَمري (رأس الحَمري) في جزيرة سُقطرى، فكانت السفن العابرة بين موانئ البحر الأحمر واليمن وسواحل الهند ترسو عندها لتقديم النذور والقرابين طلباً للسلامة في الإبحار، واستمرّت قداستها البحريّة حتّى مطلع القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م حين دخل أهل الجزيرة في المسيحيّة النسطوريّة وتلاشت عبادة الديوسكوري.

صنعاء في اليمن
- الطوائف التي تقصدها اليوم: انقطع حجّها المفروض القديم بدخول الإسلام
- يزورون: صرح قصر غُمْدان، موضع كنيسة القُلَّيْس، الجامع الكبير بصنعاء
- أسماء المدينة عبر التاريخ: صَنْعَو 𐩮𐩬𐩲𐩥 (صَمْعَو)، مدينة سام، أزال (أزأل)، إقّليسيا ἐκκλησία، قْليسيا ܟܠܹܣܝܐ، إقليسيه ⲉⲕⲕⲗⲏⲥⲓⲁ، إگّليسيه ecclēsia، كِليسا، كِلِسى، القُلَّيْس، صنعاء
صنعاء في اليمن. عمرها غير معروف بدقّة، وتقع في قاعٍ فسيحٍ بأعالي الهضبة الجبليّة اليمنيّة عند السفح الغربيّ لجبل نُقُم ومجرى وادي السَّيْلة.
اسمها في الأصل باللّغة السبئيّة صَنْعَو 𐩮𐩬𐩲𐩥 (صَمْعَو)، ويعني المدينة الحصينة المنيعة ذات الأسوار المشيّدة، ويفسّر الإخباريّون العرب كالهمدانيّ في “صفة جزيرة العرب” وياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” اسمها من الصَّنْعة وجودة البناء وإتقانه، وينسبها الإخباريّون في التراث اليمنيّ القديم إلى اسم بانيها الأوّل سام بن نوح فسمّيت “مدينة سام”، وعُرفت قديماً باسم أزال أو أزأل قبل غلبة اسم صنعاء عليها.
كانت المدينة محجّاً عريقاً لديانة عشتار (عَثْتَر الشَّرْقَن في النقوش المسنديّة) ينتشر حجيجها ما بين پاكستان وتشاد المعاصرات وكان لها عبّاد كذلك في القوقاز، وارتبطت قداستها بصرح قصر غُمْدان الشهير ذي الطبقات السبع أو العشرين الذي بناه ملوك سبأ وحِمْيَر مثل إيلي شَرْح يَحْضِب في القرن 6 ق.هـ / القرن 1 م والقرن 5 ق.هـ / القرن 2 م وزُيّن أعلاه برخامٍ شفّافٍ وتماثيلَ من النحاس والذهب.
اسمها في الإغريقيّة إقّليسيا ἐκκλησία ويعني بيت الدعاء أو النداء، وهي ترجمة لدعوة الناس كي يحضروا من كلّ مكان إلى الحجّ. وعن التسمية الإغريقيّة تحوّرت التسمية السريانيّة قْليسيا ܟܠܹܣܝܐ والقبطيّة إقليسيه ⲉⲕⲕⲗⲏⲥⲓⲁ واللّاتينيّة إگّليسيه ecclēsia والفارسيّة كِليسا والتركيّة كِلِسى، ومن تحوّراتها كلمة كنيسة وكنيس.
ويعرف العرب فيها موضع القُلَّيْس، وهي الكنيسة المقدّسة القديمة التي شيّدها أبرهة الحبشيّ في القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م بالحجارة الملّونة والفسيفساء والذهب لصرف حجّ العرب إليها قبل انقطاع حجّها القديم بدخول اليمن في الإسلام وبناء الجامع الكبير بصنعاء في صدر الهجرة سنة 6 هـ / 627 م.

مدن ماتت، فزالت عنها القداسة ورحل عمرانها
يضمّ هذا التّصنيف 11 مدينةً كانت مقدّسةً في أزمان غابرة. ماتت هذه الحواضر وزالت عنها قداستها ومكانتها الرّوحيّة. رحل عمرانها وهجرها أهلها لتغدو أطلالاً خاويةً بلا سكّان.
لِتيسير استعراض هذه المواضع المقدّسة، نظّمتُ الترتيب وفق تسلسلٍ ألفبائي مزدوج؛ فوضعتُ أسماء البلدان أوّلاً في ترتيبٍ ألفبائي، ثمّ أتبعتُ ذلك بترتيب أسماء المدن التّابعة لكلّ بلدٍ ترتيباً ألفبائيّاً داخليّاً.

البتراء في الأردن
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة ورحل عمرانها (مدينة أطلال مهجورة لا تقصدها طوائف للتعبّد)
- يزورون: قصر البنت (هيكل ذو الشَّرى الأعظم)، المعبد الكبير، المذبح الكبير في جبل المذبح، صرح الدَّير، المحكمة، مضيق السِّيق
- أسماء المدينة عبر التاريخ: رَقْمُو 𐢛𐢚𐢓𐢈، الرَّقيم، رَقْم ܪܩܡ، رَقَم רֶקֶם، پِتْرا Πέτρα / Petra، پِتْرا هادريانه، البتراء
البتراء في الأردن. أُنشئت حوالي سنة 1016 ق.هـ / 365 ق.م (مع أنّ استيطان واديها يعود إلى العصور الحجريّة وعهد الأدوميّين في مطلع الألفية 2 ق.هـ / الألفية 1 ق.م)، وتقع في حوضٍ صخريٍّ حصينٍ وسط جبال الشَّراة ووادي موسى في جنوب الأردن، عند ملتقى مسالك القوافل التجاريّة الواصلة بين جنوب الجزيرة العربيّة وموانئ غزّة والشام ومصر.
اسمها الأصليّ عند أهلها الأنباط وفي نقوشهم المسطّرة بالحرف النبطيّ هو رَقْمُو 𐢛𐢚𐢓𐢈 (أو الرَّقيم كما عرفها الإخباريّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان”)، ويعني في اللّسان العربيّ والنبطيّ الصخرة المرقومة ذات الألوان المتداخلة والخطوط المنقوشة نسبةً إلى طبقات حجرها الرمليّ الورديّ المتلوّن، وذُكرت بهذا الاسم في السريانيّة بصيغة رَقْم ܪܩܡ وفي الآراميّة والعبريّة رَقَم רֶקֶם. أمّا اسمها الشائع البتراء فعربيّ معرّب عن الإغريقيّة پِتْرا Πέτρα واللّاتينيّة پِتْرا Petra ومعناه الحرفيّ “الصخرة”، ترجمة لمعنى هيئتها الحجريّة المنحوتة في الجبال الشاهقة التي يُفضي إليها مضيق “السِّيق”.
نالت البتراء قداستها الكبرى لكونها العاصمة الدينيّة والسياسيّة لمملكة الأنباط العرب (الطيايا غير اليهود) ومحجّهم الأعظم لعبادة الإله ذو الشَّرى (دُوشَرا 𐢅𐢈𐢝𐢛𐢀 في النقوش النبطيّة) سيّد الجبال والنهار وربّ البيت المرموز إليه بالنَّصْب الحجريّ المربّع الأملس المسمّى “مُوتَبه” (أي العرش والمجلس)، وإلى جواره قُدّست الإلهة العُزّى (الكُتْبى أو اللّات) حامية العيون والينابيع.
احتضنت المدينة في قلبها “قصر البنت” (هيكل ذو الشَّرى الأعظم) والمعبد الكبير والمذابح العالية على قمم الجبال كالمذبح الكبير في جبل المذبح والدَّير، وكانت وفود الحجيج والقوافل تفد إليها سنويّاً في الانقلاب الشتويّ في يوم 25 كانون الأوّل ديسمبر للاحتفال بعيد ميلاد ذو الشَّرى من عذراء (“خَعْبو”)، وتقديم النذور وإقامة الولائم المقدّسة المسمّاة “مَرْزَحا”.
بلغت البتراء ذروة ازدهارها وعمرانها في عهد ملوكها عُبَيْدة الثالث والحارث الرابع (حكم 651 ق.هـ / 9 ق.م – 600 ق.هـ / 40 م)، واستمرّت مكانتها التجاريّة والدينيّة بعد ضمّ الإمبراطور تراجان مملكة الأنباط إلى روما تحت اسم “الولاية العربيّة البترائيّة” سنة 532 ق.هـ / 106 م ومنحها هادريان لقب “پِتْرا هادريانه” سنة 506 ق.هـ / 131 م، إلى أن تراجعت تجارتها وضربها زلزال مدمّر سنة 267 ق.هـ / 363 م، فتحوّل أهلها إلى المسيحيّة في القرن 2 ق.هـ / القرن 5 م وحُوّلت بعض صروحها كالمحكمة والدَّير إلى كنائس، ثمّ هُجرت تدريجيّاً عقب الفتح الإسلاميّ وانتقال طرق القوافل والحجّ عنها في القرن 1 هـ / القرن 7 م.

تخت جمشيد في إيران
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة وانتهت شعائرها
- يزورون: قصر أَپَدانَه، قصر تَچَر، قاعة المئة عمود، بوّابة كلّ الأمم، مصطبة الصروح عند سفح جبل رحمت
- أسماء المدينة عبر التاريخ: پَارْسَه 𐎱𐎠𐎼𐎿، بَإِيرْشَه، پِرْسِپُولِس Περσέπολις / Persepolis، تخت جمشيد، چِهِلْ مَنار، مَلْعب سليمان (مسجد سليمان)
تخت جمشيد في إيران. أُنشئت حوالي سنة 1173 ق.هـ / 518 ق.م، وتقع أطلالها عند السَّفح الغربيّ لجبل رحمت (كوه رحمت) في سهل مَرْوْدَشْت بمحافظة فارس جنوب إيران، على مقربة من مجرى نهر پُلْوَار وإلى الشَّمال الشَّرقيّ من مدينة شيراز.
كان اسمها الأصليّ في المدوّنات المسماريّة الپهلوية القديمة پَارْسَه 𐎱𐎠𐎼𐎿 أي مكان الفأس (فأس المحارب)، وورثت الإغريقيّة هذا الاسم مضافاً إلى لفظة المدينة فسمّتها پِرْسِپُولِس Περσέπολις أي مدينة پَارْسَه أو عاصمة الپارسيّين، وعنها انتقل إلى اللّاتينيّة بذات الصّيغة Persepolis، كما وردت في الألواح المسماريّة الإيلاميّة المستخرجة من خزائنها بصيغة بَإِيرْشَه.
أمّا اسمها الفارسيّ والعربيّ المتأخّر “تخت جمشيد” فيعني عرش الملك الأسطوريّ جمشيد في الميثولوجيا الإيرانيّة، لاعتقاد النّاس في العصور الوسطى أنّ تلك الأعمدة الشّاهقة من صُنع الجنّ لسليمان أو جمشيد، وعُرفت كذلك عند الفرس باسم “چِهِلْ مَنار” أي الأربعون منارةً أو عموداً، وعند الجغرافيّين والإخباريّين العرب كالإصطخريّ وياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” باسم “مَلْعب سليمان” أو “مسجد سليمان” ضمن كورة إِصْطَخْر.
بناها الملك الأخمينيّ داريوش الأوّل (دارا الأوّل) وأتمّ صروحها ابنه خَشْيارْشا الأوّل (أحشويروش) وحفيده أَرْتَخْشَثْرا الأوّل على مصطبة صخريّة ضخمة، فلم تكن مجرّد عاصمة إداريّة، بل أُريد لها أن تكون حَرَماً إمبراطوريّاً مقدّساً ومحجّاً سنويّاً جامعاً لشعوب الإمبراطوريّة الأخمينيّة في عيد النَّوروز عند الاعتدال الرّبيعيّ في يوم 21 آذار مارس من كلّ عام.
تحت رعاية الإله الأعلى أَهُورا مَزْدا، الّذي يعلو رمزه المجنّح (الفَرَوَهَر) واجهات الصّروح، كانت وفود الأقاليم الخاضعة من الهند وآسيا الوسطى حتّى مصر وليبيا والشّام والأناضول تفد في مواكب مهيبة مصوّرة بدقّة على أفاريز درَج قصر “أَپَدانَه” لتقديم الهدايا والنّذور والجزية للملك بوصفه ظلّ أَهُورا مَزْدا في الأرض، وتجديد ميثاق الطّاعة والبركة مع ولادة الشّمس الرّبيعيّة، وإلى جوارها شُيّد قصر “تَچَر” وقاعة المئة عمود وبوّابة كلّ الأمم، في حين نُحِتت مدافن الملوك في صخور “نقش رستم” المجاورة إلى جوار “كعبة زرادشت”.
انتهت قداسة تخت جمشيد وعمرانها الملوكيّ فجأةً سنة 981 ق.هـ / 330 ق.م حين اقتحمها الإسكندر المقدونيّ وأحرق قصورها ومعابدها انتقاماً لإحراق الأخمينيّين معابد أثينا، فانتقلت الدّيانة المجوسيّة ومواسم حجّها الكهنوتيّ إلى معبد أناهيتا في مدينة إِصْطَخْر الملاصقة لها، والّتي ظلّت معقلاً دينيّاً للكهنة السّاسانيّين حتّى فتح الإسلام في الرّبع الأوّل من القرن 1 هـ / منتصف القرن 7 م.

نقش الرستم في إيران
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة وانقطعت شعائرها الدينيّة
- يزورون: أضرحة الملوك الأخمينيّين الأربعة الصخريّة، كعبة زرادشت (بُنْ خَانَك)، منحوتات الملوك السّاسانيّين على جرف جبل الحسين، منحوتة الملك الإيلاميّ
- أسماء المدينة عبر التاريخ: نُپِشْتَه، دِژ نَبِشْت، كُوه نَبِشْت (كوه نِفِشْت)، نقش الرُّسْتَم (نقش رستم)
نقش الرستم في إيران. أُنشئت منشآتها التّعبّديّة الأولى حوالي سنة 2450 ق.هـ / 1750 ق.م، وتقع في جرفٍ صخريٍّ منيعٍ من جبل الحسين (كوه حسين) في سهل مَرْوْدَشْت بمحافظة فارس جنوب إيران، على مسافة 12 كيلومتراً إلى الشّمال الغربيّ من مدينة تخت جمشيد (پَارْسَه) وقرب مدينة إِصْطَخْر التّاريخيّة. يعود اسمها الفارسيّ والعربيّ المتأخّر “نقش الرُّسْتَم” (أو نقش رُسْتَم) إلى تصوّر النّاس في العصور الإسلاميّة أنّ المنحوتات الفروسيّة السّاسانيّة الضّخمة على واجهة الجبل تصوّر البطل الأسطوريّ الفارسيّ “رُسْتَم بن زال” المذكور في ملاحم الشّاهنامه، وعُرف الموقع في المصادر الجغرافيّة التّراثيّة العربيّة كـ”مسالك الممالك” للإصطخريّ و”معجم البلدان” لياقوت الحمويّ باسم “كُوه نَبِشْت” (أو كوه نِفِشْت) بمعنى جبل الكتابة أو جبل النّقوش؛ لاحتوائه على صحف الأڤِستا المدوّنة والنّقوش الصّخريّة، في حين يُرجّح علماء الآثار أنّ اسم الحَرَم في العهد الأخمينيّ والسّاسانيّ كان “نُپِشْتَه” أو “دِژ نَبِشْت” أي قلعة الكتابات والمحفوظات المقدّسة.
بدأت قداسة الموقع في العهد الإيلاميّ بوصفه مزاراً جبليّاً لإله المياه والينابيع والأفعى المقدّسة، ولا تزال بقايا منحوتة الملك الإيلاميّ تَشْهد على أصل الحَرَم قبل مجيء الآريّين والفرس.
في القرن 12 ق.هـ / القرن 6 ق.م والقرن 11 ق.هـ / القرن 5 ق.م، حوّل ملوك الدّولة الأخمينيّة هذا الجرف المقدّس إلى مقبرة ملوكيّة عُليا، فنحتوا في قلب الصّخر على هيئة صلبانٍ غائرةٍ أربعةَ أضرحةٍ شاهقةٍ لملوكهم العظام: داريوش الأوّل، وخَشْيارْشا الأوّل، وأَرْتَخْشَثْرا الأوّل، وداريوش الثّاني، تعلو كلَّ ضريحٍ منها منحوتةٌ للملك واقفاً أمام مذبح النّار المقدّسة في حضرة الإله الأعلى أَهُورا مَزْدا وقرص الشّمس والقمر.
قبالتها مباشرةً شُيّد البناء الحجريّ المربّع الشّهير المعروف باسم “كعبة زرادشت” (أو “بُنْ خَانَك” أي بيت الأساس في النّقوش البهلويّة)، الّذي كان موضع حفظ النّار الملوكيّة المقدّسة ونسخ الأڤِستا وشعائر التّتويج ومواسم الحجّ للمجوس.
بلغت قداسة نقش الرُّسْتَم ذروتها الثّانية مع قيام الدّولة السّاسانيّة في القرن 4 ق.هـ / القرن 3 م؛ إذ اتّخذها أردشير الأوّل وابنه شاپور الأوّل والملوك من بعدهم حَرَماً لتوثيق شرعيّتهم الإلهيّة، فنقشوا في سفح الجبل مشاهد استلامهم حلقة الملك من يد الإله أَهُورا مَزْدا والإلهة أناهيتا، ومشاهد انتصار شاپور الأوّل على أباطرة روما ڤاليريان وفيليپ العرب، كما دوّن الكاهن الأعظم “كَرْتِير” على جدران كعبة زرادشت نقشه الشّهير الّذي نظّم فيه عقيدة الدّولة المجوسيّة وشرائع الحجّ والنّيران المقدّسة.
استمرّت نقش الرُّسْتَم مزاراً كهنوتيّاً وملوكيّاً مرتبطاً بمدينة إِصْطَخْر المجاورة حتّى انقطعت شعائرها الدّينيّة القديمة مع الفتح الإسلاميّ لإيران في الرّبع الأوّل من القرن 1 هـ / منتصف القرن 7 م.

تَدْمُر في سوريا
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت قداستها وانقرضت شريعتها العتيقة
- يزورون: هيكل بَعْل الأعظم، الشارع المعمّد والأروقة، قوس النّصر، المدافن البرجيّة والأرضيّة، مساكن قرية بعل القديمة
- أسماء المدينة عبر التاريخ: تَدْمُر 𒋫𒀜𒈬𒌨، پَالْمِيرَا Παλμύρα / Palmyra، قرية بَعْل
تَدْمُر في سوريا. حاضرةٌ تاريخيّةٌ كبرى زالت قداستها الكونيّة الفلكيّة وانقرضت شريعتها العتيقة، يرجع استيطان واحتها إلى الألفيّة 3 ق.م (قرابة سنة 3122 ق.هـ / 2500 ق.م). تقع أطلالها ومدافنها البرجيّة اليوم في قلب البادية في سوريا، على مسافة نحو 215 كيلومتراً إلى الشّمال الشّرقيّ من دمشق، متوسّطةً طريق القوافل التّجاريّة بين نهر الفرات وساحل البحر الأبيض المتوسّط.
اسمها الأصليّ الثّابت في النّصوص المسماريّة في ألواح إيبلا (قرابة سنة 3122 ق.هـ / 2500 ق.م) وألواح قاپادوقيا (في القرن 27 ق.هـ / القرن 19 ق.م) وألواح ماري (في القرن 25 ق.هـ / القرن 18 ق.م) هو تَدْمُر 𒋫𒀜𒈬𒌨. ويردّ علماء اللّغات العروبيّة اشتقاقها حصراً إلى الجذر السّاميّ (د م ر) الدّالّ على الحماية والمراقبة وفق وزن (تَفْعُل)، لتفيد معنى “المدينة المحميّة”، في حين يُعدّ ربطها بالجذر (ت م ر) الدّالّ على النّخيل تأثيلاً شعبيّاً خاطئاً يخالف قواعد الصّرف.
أمّا التّسمية الإغريقيّة والرّومانيّة پَالْمِيرَا Παλμύρα و Palmyra فلم تكن ترجمةً لمعنى النّخيل، بل هي تحريفٌ صوتيٌّ لاسم تَدْمُر (بإبدال التّاء پاءً والدّال لاماً) متأثّرٌ بكلمة پَالْمَا Palma اللّاتينيّة والإغريقيّة الّتي تعني النّخيل لكثرته في واحتها. وينفي التّحقيق الفيلولوجيّ والأثريّ أسطورة بناء النّبيّ سليمان لمدينة تدمر؛ فالنّصّ التّوراتيّ الأقدم في سفر الملوك الأوّل يذكر بناء مدينة “تَامَار” في برّيّة يهوذا جنوب فلسطين، فصحّفها كَتَبَةُ سفر أخبار الأيّام الثّاني والإخباريّون لاحقاً إلى “تَدْمُر”، متجاهلين أسبقيّة تدوين اسم تدمر في الحوليّات المسماريّة قبل ظهور مملكة سليمان بأكثر من 1000 عامٍ.
نالت تدمر قداستها الدّوليّة العظمى بوصفها مجمعاً لاهوتيّاً فريداً تجاورت في رحابه آلهة الجزيرة العربيّة بما فيها بلاد الرّافدين والشّام. تصدّر بانثيونها المقدّس ثالوثٌ كونيٌّ عظيمٌ يقوده الإله بَعْل (المكافئ للإله البابليّ بَيْل / مَرْدُوق، وربّ السّماء والعاصفة)، وإلى جانبه إله الشّمس يَرْحِيبُول، وإله القمر عَجْلِبُول. وشُيّد هيكل بَعْل الأعظم سنة 609 ق.هـ / 32 م، ليكون أعجوبةً معماريّةً تدمج بين التّخطيط المعبديّ الشّاميّ الرّافدينيّ ذي المحرابين المتعاكسين، وبين الأروقة المعمّدة الهلنستيّة والرّومانيّة الكلاسيكيّة، لتغدو رحابه محجّةً لقوافل التّجّار العابرين لتقديم النّذور الشّكريّة لآلهة الحماية.
بلغت تدمر ذروة مجدها التّجاريّ والسّياسيّ في القرن 4 ق.هـ / القرن 3 م، وتحوّلت محطّةً رئيسيّةً على طريق الحرير، لتشهد نهضةً عمرانيّةً زيّنتها بالأعمدة التّذكاريّة وقوس النّصر والمدافن الأرضيّة والبرجيّة. وتمرّدت ملكتها زِينُوبْيَا (الزّبّاء) على الإمبراطوريّة الرّومانيّة، فأرسل الإمبراطور أُورِيلْيَان جيوشه الّتي اجتاحت المدينة ودمّرت أسوارها ومعابدها سنة 360 ق.هـ / 273 م. وبعد فتح الإسلام لبلاد الشّام بقيادة خالد بن الوليد في شهر ربيع الأوّل سنة 13 هـ / أيّار مايو 634 م، استمرّت تدمر حاضرةً عامرةً في العهدين الأمويّ والعبّاسيّ، وتراجع شأنها لاحقاً لتهجر تدريجيّاً وتستحيل قرية صغيرة اسمها بعل، محصورة بجدران هيكل بعل.
في عهد الانتداب الفرنسيّ على سوريا، أُجبر أهالي تدمر على إخلاء مساكنهم العتيقة، غير أنّه لم يكن تهجيراً إلى خارج البلاد، بل إخلاءً قسريّاً من موقع مدينتهم الأثريّة إلى بلدةٍ حديثةٍ مجاورة. إذ طوال قرونٍ متطاولةٍ حتّى أواخر العشرينيات من القرن 14 هـ / القرن 20 م، كان التّدمريّون يسكنون داخل أسوار هيكل بَعْل العظيم وفي باحاته الواسعة، واتّخذوا من أروقته المعمّدة وحجارته الضّخمة بيوتاً متراصّةً تُعرف باسم قرية بَعْل. وفي سنة 1348 هـ / 1929 م، قرّر مدير مصلحة الآثار الفرنسيّة في سوريا ولبنان هِنْرِي سِيرِيگ Henri Seyrig إخلاء المعبد الأثريّ بالكامل للتّنقيب عن الآثار وترميمه.
أرغمت السّلطات الفرنسيّة الأهالي على ترك بيوتهم الّتي توارثوها أباً عن جدّ، وشرعت في هدم القرية بأكملها داخل أسوار المعبد. وبنت بدلاً منها بلدةً حديثةً مخطّطةً شبكيّاً على الطّراز العسكريّ خارج المنطقة الأثريّة إلى الشّمال منها (وهي مدينة تدمر الحديثة اليوم)، ونقلت الأهالي إليها بين سنتَي 1348 هـ / 1929 م و1351 هـ / 1932 م. وبقي هذا الحدث في الذّاكرة المحلّيّة صدمةً اجتماعيّةً قاسيةً اقتلعت السّكّان من نسيجهم العمرانيّ التّاريخيّ، وجرفت بيوتهم طمعاً في الكشوف الأثريّة وتخليصاً للمعالم القديمة من التّواجد البشريّ الحيّ.

تَلّ النَّبِيّ مَنْد في سوريا
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة وتلاشت شريعتها الكنعانيّة
- يزورون: التلّ الأثريّ وأطلال المعابد والأسوار الكنعانيّة، مقام النبيّ مند على ذروة التلّ، سهل معركة قادش
- أسماء المدينة عبر التاريخ: قِدْشُو (قِدْسُ)، قَادِش 𓈎𓂧𓈙𓊖، لَاوُودِيكِيَا عِنْدَ لُبْنَان Λαοδίκεια ἡ πρὸς Λίβανον، مَنْدُو (تلّ مندو)، تلّ النّبيّ مَنْد
قَادِش (تَلّ النَّبِيّ مَنْد) فِي سُورِيَا. حاضرةٌ تاريخيّةٌ كبرى زالت قداستها الكونيّة الكنعانيّة والموريّة وانقرضت شريعتها العتيقة، يرجع استيطان تلّها الأثريّ إلى العصر الحجريّ النّحاسيّ في الألفيّة 4 ق.م (قرابة سنة 4621 ق.هـ / 4000 ق.م). وتقع أطلالها الواسعة اليوم في ريف محافظة حمص بوسط سوريا، على مسافة نحو 24 كيلومتراً إلى الجنوب الغربيّ من مدينة حمص، وكانت تقوم قديماً في موقعٍ استراتيجيٍّ حاكمٍ عند التقاء نهر العاصي برافده نهر المقرَد، قريباً من بحيرة قطينة.
اسمها الأصليّ في النّصوص الأگديّة المسماريّة (رسائل تلّ العمارنة) هو قِدْشُو (قِدْسُ)، وفي النّقوش الهيروگليفيّة المِصريّة القديمة تُكتب قَادِش 𓈎𓂧𓈙𓊖. ويشتقّ اللّغويّون اسمها من الجذر العروبيّ (السّاميّ) ق.د.ش الّذي يقابله صوتيّاً الجذر ق.د.س في العربيّة المعاصرة، ومعناه “المَقْدِس” أو “المكان المقدّس”؛ دلالةً على طهارتها وحرمتها اللّاهوتيّة. وعُرفت في العصر الهلنستيّ والرّومانيّ باسم لَاوُودِيكِيَا عِنْدَ لُبْنَان Λαοδίκεια ἡ πρὸς Λίβανον، في حين أطلق الإخباريّون والأهالي المحلّيّون في العصر الحديث على التّلّ الأثريّ الّذي يطمر أطلالها اسم “تلّ النّبيّ مَنْد”؛ نسبةً إلى مقامٍ إسلاميٍّ شُيّد فوق ذروته.
نالت قادش قداستها الدّوليّة العظمى وأهمّيّتها الجيوسياسيّة بوصفها بوّابة بلاد الشّام والمحجّة الرّوحيّة الّتي تجسّدت فيها عقائد المُورِيِّين والكنعانيّين. وارتبط اسمها بعبادة الربّة الشّاميّة الكبرى “قَدْشُ” (إلهة الخصوبة والطّبيعة الّتي اندمجت بخصائص الإلهتين عشتار وعشيرة، وعُبدت حتّى في وادي النّيل)، إلى جانب الإله أَمُورُّو ربّ الجبال والبادية. وتظهر صورتها في الرّسوم المِصريّة القديمة وفي أنصابها الحجريّة امرأةً عاريةً تقف متلفّعةً بشعرها على ظهر أسد، وتقبض بيديها على أفاعٍ وأزهار لوتس، ويرافقها غالباً الإله المِصريّ مِين والإله الشّاميّ رَشَف في ثالوثٍ مقدّس. وارتبط اسمها ارتباطاً وثيقاً بمدينة قادش الشّاميّة الّتي كانت مركزاً رئيساً لعبادتها.
وتجلّت ذروة مجد قادش التّاريخيّ حين غدت ساحةً لأكبر صدامٍ إمبراطوريٍّ في العالم القديم؛ إذ شهدت سهولها “معركة قادش” الفاصلة سنة 1900 ق.هـ / 1274 ق.م بين جيوش الفرعون المِصريّ رَعْمَسِيس الثّاني وملك الحيثيّين مُوَاتَالِّي الثّاني، وهو الصّراع الّذي تُوّج لاحقاً بتوقيع أوّل معاهدة سلامٍ دوليّةٍ موثّقةٍ في التّاريخ البشريّ سنة 1884 ق.هـ / 1258 ق.م.
تراجعت المكانة الاستراتيجيّة واللّاهوتيّة لمدينة قادش بعد انهيار العصر البرونزيّ المتأخّر وتعرّضها لاجتياح “شعوب البحر” المدمّر قرابة سنة 1804 ق.هـ / 1178 ق.م. وعلى الرّغم من استمرار الحياة الحضريّة فيها خلال العهود الآراميّة والهلنستيّة والرّومانيّة، إلّا أنّ قداستها الكنعانيّة الأولى تلاشت تماماً، ليهجرها سكّانها تدريجيّاً وتستحيل تلّاً ترابيّاً ضخماً يطوي بين طبقاته العميقة أقدم فصول الدّبلوماسيّة والدّين في الشّام، حتّى أعادت الكشوف الأثريّة الحديثة إبراز معالم معابدها وأسوارها العتيقة.
أمّا تسمية “تلّ النبيّ مند”، فبمراجعة المصادر الأكاديميّة والتّاريخيّة الرّصينة (مثل تقارير البعثة الأثريّة لجامعة لندن بإدارة عالم الآثار پِيتَر پَار Peter Parr، والمصادر الجغرافيّة الكلاسيكيّة، ودراسات الطّوبوغرافيا التّاريخيّة لبلاد الشّام لعالم الآثار رِينِيه دُوسُو René Dussaud)، يتبيّن أن لم يكن “مند” نبيّاً ولا إلهاً كنعانيّاً ولا شيخاً متصوّفاً، بل هو اشتقاقٌ لغويٌّ من اسم القرية الّتي قامت في الموقع. إذ يوثّق الجغرافيّ ياقوت الحمويّ (المتوفّى سنة 626 هـ / 1229 م) في كتابه “معجم البلدان” وجود قريةٍ باسم “مَنْدُو” (بفتح الميم وسكون النّون وضمّ الدّال) في أعمال حمص. وهذا يثبت أنّ الاسم الجغرافيّ للموقع في العصور الإسلاميّة الوسطى كان “تلّ مندو”.
يؤكّد التّفسير الأكاديميّ لأسماء الأماكن أنّ اسم “تلّ النّبيّ مند” اختراعٌ محلّيٌّ متأخّرٌ يعود إلى قرونٍ قريبة. لمّا نُسي الاسم القديم للمدينة (قادش)، وبقيت القرية تُعرف باسم “مندو”، لجأ العقل الشّعبيّ إلى تفسير الاسم عبر تحويل المكان (مندو) إلى شخصٍ (مند)، وأضفى عليه لقب “نبيّ” لتبرير الهالة الرّوحيّة المتوارثة للتّلّ الأثريّ الضّخم، في عمليّةٌ أنثروبولوجيّةٌ شائعةٌ في بلاد الشّام تُعرف بخلق الأسماء المسمّاة.
في التّحقيق التّاريخيّ والفيلولوجيّ، يندرج هذا المقام ضمن ظاهرة “أسلمة الأماكن المقدّسة القديمة” أو إضفاء طابع حرمة إسلاميّة على خرائب المدن البائدة في بلاد الشّام. لمّا اندثرت مدينة قادش الوثنيّة وطمرت معابدها تحت التّراب، بقيت هالة التّقديس عالقةً في الذّاكرة المكانيّة للأجيال المتعاقبة. فأطلق السّكّان لقب “نبيّ” على الموقع لتبرير حرمته، كما فعلوا مع تلال أخرى مثل نبيّ يوشع ونبيّ شيث ونبيّ هود. وربط هذا النّبيّ الوهميّ بشخصيّة أخ النّبيّ يوسف محض تلفيقٍ فولكلوريٍّ شفويٍّ ابتكره أهالي المنطقة لاحقاً، وتلجأ المجتمعات الرّيفيّة عادةً إلى هذه الحيلة لربط أضرحتها المجهولة وأماكنها المقدّسة بالسّرديّات الدّينيّة الكبرى لإسباغ الشّرعيّة الرّوحيّة عليها. لكنّها أسطورةٍ دينيّةٍ محليّةٍ ساهمت في حماية التّلّ الأثريّ من التّخريب.

تل المقير في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة وهجرها عمرانها
- يزورون: زقّورة أُور الشّاهقة، حَرَم إي گِشْ نُو گَل، قصر إي خُورْصَگ، المقبرة الملكيّة، مقرّ الكاهنة العظمى إِنْ
- أسماء المدينة عبر التاريخ: أُرِم 𒋀𒀕𒆠، أُور، أُور الكلدانيّين אוּר כַּשְׂדִּים، أُور ܐܘܪ، أُورِيّه Οὐρίη، تلّ المقيّر
تلّ المقيّر في العراق. أُنشئت حوالي سنة 4558 ق.هـ / 3800 ق.م، وتقع أطلالها في سهل سومر بجنوب العراق إلى الغرب من مدينة النّاصريّة في محافظة ذي قار، عند مصبّ الفرات القديم قريباً من ساحل الخليج العربيّ التّاريخيّ.
يعود اسمها المحلّيّ المعاصر “تلّ المقيّر” إلى طلاء أبنيتها وآجرّ زقّورتها العظيمة بمادّة القار (الزّفت) لحمايتها من الرّطوبة والمياه، أمّا اسمها الأصليّ في المدوّنات المسماريّة السّومريّة فهو أُرِم 𒋀𒀕𒆠 واختُصر في الأگّديّة والبابليّة إلى أُور، ومنه اشتقّت التّوراة اسم “أُور الكلدانيّين” אוּר כַּשְׂדִּים والّتي نُسب إليها مولد النّبيّ إبراهيم وموطنه الأوّل، وذُكرت في السّريانيّة بصيغة أُور ܐܘܪ وفي الإغريقيّة أُورِيّه Οὐρίη. ويعني اسمها في السّومريّة “موضع الحِمى” أو “مسكن النّور” لاقتران علامتها المسماريّة باسم إلهها الحامي.
نالت أُور قداستها الكبرى لاحتضانها حَرَم “إي گِشْ نُو گَل” 𒂍𒄑𒉡𒃲 أي “بيت النّور العظيم”، وهو المركز الرّئيس في بلاد الرّافدين لعبادة إله القمر والحكمة والزّمن “نَنَّه” (أو “سِين” 𒀭𒌍 في اللّسان الأگّديّ والعربيّ الشمالي القديم) وزوجته “نِنْگَل” 𒀭𒊩𒌆𒃲 أي السّيّدة العظيمة.
في قلب هذا الحَرَم شُيّدت زقّورة أُور الشّاهقة في عهد الملك “أُور نَمُّو” وابنه “شُولْگِي” مؤسِّسَي سلالة أُور الثّالثة حوالي سنة 2806 ق.هـ / 2100 ق.م، وإلى جوارها قصر “إي خُورْصَگ” والمقبرة الملكيّة ومقرّ الكاهنة العظمى “إِنْ”، الّتي كانت تُختار دوماً من بنات الملوك، مثل الشّاعرة والكاهنة الشّهيرة “إِنْخِيدُوانَّه” ابنة الملك سَرْگُون الأگّديّ في القرن 31 ق.هـ / القرن 23 ق.م.
كانت الوفود التّجاريّة والحجيج يفدون إلى أُور عبر القنوات المائيّة وموانئ الخليج من دلمون (البحرين) ومَگان (عُمان) وملوخا (وادي السّند) لحضور مواسم الاعتدالَين الخريفيّ والرّبيعيّ وتقديم النّذور عند مطلع الهلال في عيد “أَكِيتُو” القمريّ.
حافظت أُور على مكانتها الدّينيّة الرّفيعة بعد سقوط سلالتها الحاكمة على يد الإيلاميّين حوالي سنة 2708 ق.هـ / 2004 ق.م، فواظب ملوك بابل وآشور على ترميم زقّورتها ومعابدها تبرّكاً بإله القمر، وخصّها آخر ملوك بابل نَبُونِيد في القرن 12 ق.هـ / القرن 6 ق.م بعناية فائقة حين نصّب ابنته “إِنْ نِگَلْدِي نَنَّه” كاهنةً عظمى فيها، إلى أن تراجعت عمارتها وهجرها أهلها في العهد الأخمينيّ والهلنستيّ في القرن 10 ق.هـ / القرن 4 ق.م؛ بسبب جفاف مجرى الفرات القديم وتحوّله شرقاً وانحسار مياه الخليج عنها.

تَلّ أَبُو شَهْرَيْن في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت عنها القداسة وانقرضت شريعتها
- يزورون: زقّورة إِرِيدُو، معبد إِي أَبْزُو (بيت المياه العميقة) وطبقاته الثماني عشرة
- أسماء المدينة عبر التاريخ: إِرِيدُوغا (نُون كِي 𒉣𒆠)، إِرِي دُوگ، إِرِيدُو، تلّ أبو شهرين
إِرِيدُو (تَلّ أَبُو شَهْرَيْن) فِي العِرَاق. حاضرةٌ تاريخيّةٌ كبرى زالت قداستها الكونيّة السّومريّة وانقرضت شريعتها العتيقة، يرجع استيطان تلّها الأثريّ إلى عصر العُبَيْد في الألفيّة 6 ق.م (قرابة سنة 7300 ق.هـ / 5400 ق.م)، لِتكون أقدم مدينةٍ نَشَأت في جنوب بلاد الرّافدين. وتقع أطلالها اليوم في محافظة ذي قار بجنوب العراق، على مسافة 22 كيلومتراً إلى الجنوب الغربيّ من مدينة أُور، في منطقةٍ صحراويّةٍ كانت قديمًا تغفو على ضفاف بحيرات الأهوار العذبة قبل تغيّر مجرى نهر الفرات.
اسمها الأصليّ في المدوّنات المسماريّة السّومريّة هو إِرِيدُوغا، وتُكتب بالعلامتَين الرّمزيّتَين 𒉣𒆠 (نُون كِي)، ومعناه “مَكَانُ الأَمِير”؛ نسبةً إلى لقب ربّها الإله إِنْكِي، أو “المدينة الطّيّبة” (إِرِي دُوگ) في التّحليل المقطعيّ السّومريّ. ولُفظت في الأگّديّة والبابليّة بصيغة إِرِيدُو. ويردّ بعض اللّغويّين أصل الاسم إلى جذورٍ لغويّةٍ سابقةٍ للسّومريّين (فراتيّةٍ أولى) متّصلةٍ بكلمة “أُرُودُو” الدّالّة على معدن النّحاس؛ لكونها محطّةً مبكّرةً لتجارة المعادن. واستمدّت في العصر الحديث تسميتها المحلّيّة “تلّ أبو شهرين” الّتي أطلقها بدو البادية عليها من التّلّين الرّئيسين المرتفعين اللّذين يؤلّفان الموقع الأثريّ ويشبهان هلالين متقابلين.
نالت إِرِيدُو قداستها الكونيّة العظمى بوصفها مدينة التّكوين الأولى في الميثولوجيا السّومريّة؛ ففي عقيدة الرّافدينيّين، هي أوّل مدينةٍ أُسّست على وجه الأرض. وتصدّرت “قائمة الملوك السّومريّة” بعبارتها الشّهيرة المتلوّة: “لمّا هبطت الملوكيّة من السّماء، استقرّت الملوكيّة في إِرِيدُو”. وهي الحاضرة اللّاهوتيّة الأعلى لعبادة الإله إِنْكِي (الّذي عُرف بالأگّديّة باسم إِيَا)، ربّ الحكمة والمياه العذبة الباطنيّة (الأَبْزُو) والسّحر والصّنائع. وقامت عقيدتها حول هيكله الأعظم المسمّى إِي أَبْزُو 𒂍𒍪𒀊 أي “بيت المياه العميقة”، والّذي شُيّد فوق تلّةٍ رمليّةٍ برزت من محيط المياه الأزليّة لتكون أوّل يابسةٍ في الوجود.
تجلّى الإعجاز المعماريّ والدّينيّ لمدينة إِرِيدُو في التّسلسل الطّبقيّ المذهل لمعبد الإله إِنْكِي؛ إذ كشفت التّنقيبات الأثريّة عن 18 طبقةً بنائيّةً متراكمةً فوق البقعة المقدّسة ذاتها. وتطوّر المعبد من مقصورةٍ طينيّةٍ صغيرةٍ مربّعة الشّكل (مساحتها 9 أمتارٍ مربّعةٍ) في الألفيّة 6 ق.م، ليتضخّم عبر العصور المتعاقبة حتّى صار صرحًا هائلًا، توّجه الملك أَمَار سِين من سلالة أُور الثّالثة (قرابة سنة 4064 ق.هـ / 2042 ق.م) ببناء زقّورة إِرِيدُو الضّخمة المكسوّة بالآجرّ المشويّ، لترتفع درجاتها شاهقةً في سماء الأهوار.
تراجعت الحياة الحضريّة في إِرِيدُو وهجرها سكّانها في مطلع الألفيّة 2 ق.م (قرابة سنة 4022 ق.هـ / 2000 ق.م) بسبب ابتعاد مجرى النّهر وتملّح التّربة الزّراعيّة وزحف الكثبان الرّمليّة. وبقيت قداستها حيّةً في نفوس ملوك بابل وآشور، فكانوا يقصدون أطلالها لتقديم القرابين وتجديد بعض جدران الزّقّورة تبرّكًا بالإله إِنْكِي، حتّى غمرت الرّمال هياكلها تمامًا واستحالت تلًّا صحراويًّا يطوي بين طبقاته أقدم فصول العمارة والدّين في بلاد الرّافدين.

الحَضْر في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت قداستها وانقرضت شريعتها
- يزورون: الهيكل الأعظم في قلب المدينة المدوّرة، الإيوانات الشّامخة، الأسوار المنيعة وأبراج التحصين
- أسماء المدينة عبر التاريخ: حَطْرَا 𐣧𐣨𐣰𐣠، حَطْرَا دِي شَمَش 𐣧𐣨𐣰𐣠 𐣣𐣩 𐣱𐣪𐣱، هاترا Hatra، أَتْرَا Ἄτρα، عَرَبَايَا، الحَضْر
الحَضْرُ فِي العِرَاق. حاضرةٌ تاريخيّةٌ كبرى زالت قداستها الكونيّة وانقرضت شريعتها العتيقة، يرجع استيطان واحتها إلى القرن 3 ق.هـ / القرن 2 ق.م. تقع أطلالها المدوّرة اليوم في قلب بادية الجزيرة في محافظة نينوى بشمال العراق، على مسافة نحو 90 كيلومتراً إلى الجنوب الغربيّ من مدينة الموصل.
اسمها الأصليّ الثّابت في النّقوش الآراميّة المحلّيّة هو حَطْرَا 𐣧𐣨𐣰𐣠 (وتُكتب حَطْرَا دِي شَمَش 𐣧𐣨𐣰𐣠 𐣣𐣩 𐣱𐣪𐣱)، ومعناه “حَظِيرَةُ الشَّمْسِ” أو “حِمَى الشَّمْسِ” (الشمس المُحاطة)؛ نسبةً إلى إله الشّمس الّذي كان الرّبّ الأعلى للمدينة. واشتقّ العرب اسمها من هذا الجذر الآراميّ فسمّوها “الحَضْر” بمعنى الحظيرة والحمى أو المكان المحصّن (إذ يُقابل صوت الطّاء الآراميّ صوت الضّاد أو الظّاء في العربيّة على مبدأ أحرف الانطباق)، وعُرفت في المدوّنات اللّاتينيّة والإغريقيّة بصيغة هاترا Hatra أو أَتْرَا Ἄτρα. وأطلق الأشكانيّون والآراميّون على إقليمها اسم “عَرَبَايَا”، في حين لقّب ملوكها أنفسهم في النّقوش المحلّيّة بلقب “مَلْكَا دِي عَرَب” أي ملك العرب.
نالت الحضر قداستها الدّوليّة العظمى بوصفها مجمعاً لاهوتيّاً فريداً ومحجّةً كبرى لقبائل البادية، تجاورت في رحابه آلهة الأناضول والجزيرة العربيّة بما فيها بلاد الرّافدين والشّام. وتصدّر بانثيونها المقدّس إله الشّمس شَمَش، وإلى جانبه آلهةٌ مثل نِرْگال، ومَرنَا، واللّات، وشَاهِيرُو. وشُيّد هيكلها الأعظم في قلب المدينة المدوّرة، ليكون أعجوبةً معماريّةً تدمج التّخطيط المعبديّ الرّافدينيّ والإيوانات الأشكانية المفتوحة مع الأروقة المعمّدة العربيّة، لتغدو رحابه محجّةً لقوافل التّجّار العابرين لتقديم النّذور الشّكريّة لآلهة الحماية.
بلغت الحضر ذروة مجدها التّجاريّ والسّياسيّ في القرن 5 ق.هـ / القرن 2 م، وصمدت أسوارها المنيعة أمام أعتى الحصارات الرّومانيّة، فصدّت جيوش الإمبراطور تراجان سنة 506 ق.هـ / 116 م، وجيوش الإمبراطور سِپْتِيمُوس سِيڤِيرُوس سنة 424 ق.هـ / 198 م. غير أنّ نهايتها حلّت على يد السّاسانيّين؛ فزحف الملك الساساني شَاپُور الأوّل وحاصرها حتّى أسقطها قرابة سنة 381 ق.هـ / 241 م، فخرّب أسوارها ودمّر معابدها، لتهجر المدينة تدريجيّاً وتستحيل أطلالاً شامخةً في قلب البادية، وتغدو مضرباً للأمثال في الشّعر العربيّ الجاهليّ عن زوال الملك وقهر الزّمان، حتّى أعادت الكشوف الأثريّة الحديثة إبراز معالمها.

نِفَّر في العراق
- الطوائف التي تقصدها اليوم: زالت قداستها الكونيّة وانقرضت ديانتها
- يزورون: زقّورة نِفَّر العظيمة، هيكل إِي كُر (بيت الجبل)، معبد إِي كِي أُور، معابد الإله نِينُورْتَا
- أسماء المدينة عبر التاريخ: نِبْرُو 𒂗𒆤𒆠 (نِبْرُوكِي / إِن لِيل كِي)، نِيپُور 𒉌𒅁𒁍𒊒، نِيفُور ניפור/ܢܝܦܘܪ، دُور أَنْ كِي 𒄙𒀭𒆠، نِفَّر
نِفَّر (نِيپُور) في العراق. حاضرةٌ تاريخيّةٌ زالت قداستها الكونيّة الرّافدينيّة وانقرضت شريعتها، يعود استيطان تلّها الأثريّ إلى عصر العُبَيْد في الألفيّة 6 ق.هـ / الألفيّة 5 ق.م، وتقع أطلالها الواسعة اليوم في محافظة القادسيّة بوسط جنوب العراق، على مسافة نحو 30 كيلومتراً إلى الشّرق من مدينة الدّيوانيّة، وكانت تقوم قديماً على المجرى الأصليّ لنهر الفرات قبل أن يغيّر النّهر مساره.
اسمها الأصليّ في المدوّنات المسماريّة السّومريّة هو نِبْرُو 𒂗𒆤𒆠 (أو نِبْرُوكِي)، وتُكتب بالعلامة الرّمزيّة الدّالّة على الإله إِنْلِيل (إِن لِيل كِي) ومعناه “مدينة الإله إِنْلِيل”، في حين لُفظت في الأگّديّة والبابليّة بصيغة نِيپُور 𒉌𒅁𒁍𒊒. ووردت في الآراميّة والسّريانيّة بصيغة نِيفُور ניפור/ܢܝܦܘܪ (بتليين الپاء فاءً على السّنن الصّوتيّ الآراميّ)، وعنها استمدّ الجغرافيّون والإخباريّون العرب كالياقوت الحمويّ في “معجم البلدان” اسمها فعُرّبت بصيغة نِفَّر (بتشديد الفاء المفتوحة). ولقّبها السّومريّون بلقبٍ كونيٍّ عظيمٍ هو دُور أَنْ كِي 𒄙𒀭𒆠، ومعناه “رِبَاطُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ”؛ لاعتقادهم أنّها المحور الّذي يربط العالم العلويّ بالعالم السّفليّ.
نالت نِفَّر قداستها الدّوليّة العظمى طوال ثلاثة آلاف عامٍ بوصفها العاصمة الدّينيّة واللّاهوتيّة العليا لبلاد الرّافدين كلّها (سومر وأگّد)، على الرّغم من أنّها لم تكن يوماً عاصمةً سياسيّةً أو مقرّاً لسلالةٍ حاكمة. وقامت عقيدتها حول احتضانها المعبد الأعظم للإله إِنْلِيل (ربّ الهواء والعاصفة، وملك الآلهة السّومريّة الّذي يقرّر مصائر البشر ويمنح الملوكيّة). وكان معبده الشّهير في نِفَّر يُدعى إِي كُر 𒂍𒆳، ومعناه “بَيْتُ الجَبَلِ”؛ إذ ساد الاعتقاد أنّ إِنْلِيل خلقه بنفسه ليكون مركزاً للكون. وإلى جوار إِي كُر شُيّد معبد إِي كِي أُور المكرّس لزوجته الإلهة نِنْلِيل (سيّدة الهواء)، ومعابد مكرّسةٌ لابنهما الإله نِينُورْتَا إله الزّراعة والحرب.
كانت وفود الحجيج والملوك تفد إلى نِفَّر من عموم حواضر الرّافدين؛ إذ توجّب على كلّ ملكٍ يسعى لفرض سيادته المطلقة على بلاد سومر وأگّد أن ينال بركة كهنة نِفَّر واعتراف الإله إِنْلِيل في هيكل إِي كُر، فكان الملوك يتسابقون في تجديد بنائه وتقديم القرابين الذّهبيّة والفضّيّة إليه، نظير ما فعل الملك أُور نَمُّو في القرن 28 ق.هـ / القرن 21 ق.م حين شيّد زقّورة نِفَّر العظيمة، وتعهّدها من بعده ملوك آشور وبابل. وغدت مدينة نِفَّر في المعتقد السّومريّ مدينةً مقدّسةً آمنةً تحرم فيها إراقة الدّماء، وتُعقد في رحابها المجامع الإلهيّة في الأعياد الرّبيعيّة لتحديد مصائر السّنة الجديدة.
تراجعت المكانة اللّاهوتيّة المركزيّة لمدينة نِفَّر بعد صعود بابل في القرن 25 ق.هـ / القرن 18 ق.م ودمج خصائص الإله إِنْلِيل في شخصيّة الإله البابليّ مَرْدُوق، غير أنّ قداستها صمدت طويلاً وشهدت تجديداً واسعاً لعمرانها في العهد الكاشيّ في القرن 21 ق.هـ / القرن 14 ق.م، وبقيت عامرةً في العهدَين الأشكاني والسّاسانيّ. ومع فتح الإسلام للعراق، استمرّت نِفَّر حاضرةً سريانيّةً ومقرّاً لأسقفيّةٍ مسيحيّةٍ كبرى حتّى القرن 7 هـ / القرن 13 م، قبل أن يهجرها أهلها نهائيّاً بسبب جفاف قنوات الفرات وتغيّر مجرى النّهر. واليوم تُحفظ ذاكرة نِفَّر بوصفها المكتبة الكبرى الّتي أمدّت العالم الحديث بعشرات الآلاف من الألواح الطّينيّة المسماريّة، والّتي حفظت أصول الأدب السّومريّ وقصّة الطّوفان وشريعة أُور نَمُّو.

أَبْچُو في مصر
- الطوائف التي تقصدها اليوم: لا توجد لكونها مدينة ماتت وانقرضت شريعتها المكرّسة للإله أُسير.
- يزورون: منطقة پِقِر (أمّ القعاب)، ومقبرة الملك نَعَرْمَر، ومقبرة حَرُو عَخَا، ومقبرة الملك جِر، ومعبد الملك سِيتِي الأوّل الجنائزيّ، وقبر أُسِير الرّمزيّ الجوفيّ.
- أسماء المدينة عبر التاريخ: أَبْچُو 𓍋𓃀𓈋𓊖، إِبُوت ⲉⲃⲱⲧ، العَرَابَة المَدْفُونَة، أبيدوس.
أَبْچُو (العَرَابَةُ المَدْفُونَةُ) فِي مِصْرَ، مشهورة اليوم باسم أبيدوس. حاضرةٌ تاريخيّةٌ كبرى زالت عنها قداستها الكونيّة المِصريّة وانقرضت شريعتها العظمى المكرّسة للإله أُسِير (عُزير)، يرجع استيطان موضعها إلى عصر ما قبل الأسرات قرابة سنة 4768 ق.هـ / 4000 ق.م، وتقع أطلالها ومقابرها الملكيّة اليوم في محافظة سوهاج بصعيد مِصْر، على مسافة نحو 11 كيلومتراً إلى الغرب من مجرى النّيل، محاذيةً للحافّة الصّخريّة الغربيّة عند تخوم الصّحراء.
اسمها الأصليّ في النّصوص الهيروغليفيّة المِصريّة القديمة هو أَبْچُو 𓍋𓃀𓈋𓊖، ومشتقٌّ من اللّفظ الدّالّ على “تلّ الرّمز المقدّس” أو “مكان التّلّ” المرتبط بالرّمز العتيق لمقاطعتها. واستمدّ الأقباط تسميتها بصيغة إِبُوت ⲉⲃⲱⲧ. ولمّا زحفت الرّمال الصّحراويّة على أطلال معابدها الضّخمة وطمرتها طوال القرون اللّاحقة لفتح الإسلام، أطلق عليها الأهالي والإخباريّون العرب اسم “العَرَابَة المَدْفُونَة”؛ لغياب عمارتها الشّاهقة تحت كثبان الرّمل حتّى أعادت الكشوف الأثريّة الحديثة إبراز معالمها.
نالت أَبْچُو قداستها الدّوليّة العظمى طوال 3000 عامٍ بوصفها العاصمة الجنائزيّة الأقدم لمِصْر والمركز اللّاهوتيّ الأعلى لعبادة الإله أُسِير (عُزير) ربّ العالم السّفليّ وعقيدة البعث. ونشأت قداستها الأولى في المنطقة المسمّاة قديماً پِقِر 𓊪𓈎𓂋𓊖، والّتي تُعرف حديثاً باسم “أُمّ القِعَاب” لكثرة ما تكسّر في أرجائها من قِعَابٍ (مفردها قَعْب، وهو الإناء والوعاء الفخّاريّ الصّغير) الّتي تركها ملايين الحجّاج المِصريّين قَرابينَ مكسورةً للإله أُسِير طوال آلاف السّنين.
وضمّت هذه المنطقة المقابر الأصليّة لملوك الأسرتَين 1 و 2 كمقبرة الملك نَعَرْمَر ومقبرة حَرُو عَخَا قرابة سنة 3733 ق.هـ / 3000 ق.م، فصارت مهد الملوكيّة المِصريّة الأولى. ولمّا سادت عقيدة الإله أُسِير في عصر الدّولة الوسطى، ساد الاعتقاد أنّ رأس أُسِير أو جسده كلّه في بعض النّصوص دُفن في أَبْچُو بعد أن قطّعه أخوه سِت، فغدت مقبرة الملك جِر من ملوك الأسرة 1 مزاراً مقدّساً يُعتقد أنّه ضريح أُسِير نفسه.
استحالت أَبْچُو إبّان الدّولتين الوسطى والحديثة محجّةً كبرى يتوافد إليها الحجيج من سائر أنحاء وادي النّيل للمشاركة في أعياد أُسِير السّنويّة واستذكار آلامه وانبعاثه. وصار أمراً لازماً على كلّ مِصريٍّ مقتدرٍ أن يحجّ إليها في حياته، أو أن تُنقل مومياؤه إليها بعد مماته لتتلقّى بركة أُسِير، فمَن عجز عن ذلك أوصى بإقامة نصبٍ حجريٍّ يحمل اسمه في رحاب معبدها ليضمن لنفسه الخلود في جوار سيّد الأبديّة.
تجلّت ذروة الإعجاز المعماريّ لأَبْچُو في عصر الدّولة الحديثة حين شيّد الملك سِيتِي الأوّل من الأسرة 19 معبده الجنائزيّ العظيم قرابة سنة 1978 ق.هـ / 1290 ق.م، وهو المعبد المنفرد بتخطيطه المعماريّ المصمّم بزاويتين متعامدتين متّخذين شكل زاويةٍ قائمةٍ، والّذي يضمّ 7 مقاصير مكرّسةً لكبار الآلهة وهم أُسِير، وأُوسَت، وحَرُو، وأَمُون رَع، ورَع حَرُو أَخْتِي، وپْتَاح، والملك سِيتِي الأوّل نفسه متألّهاً.
وفي أروقة هذا المعبد حُفرت قائمة الملوك العظمى النّفيسة الّتي دوّنت أسماء 76 ملكاً مِصريّاً تعاقبوا على حكم أرض كِمِت من عصر الأسرة الأولى حتّى سِيتِي الأوّل، لتغدو أثمن وثيقةٍ تاريخيّةٍ لضبط التّسلسل الزّمنيّ للملوك. وخلف هذا المعبد، يستتر مبنى قبر أُسِير الرّمزيّ الجوفيّ المبنّي بجنادل الگرانيت الضّخمة العارية من النّقوش، والمصمّم على هيئة جزيرةٍ تحيط بها قنوات المياه الجوفيّة محاكاةً للتّلّة الأزليّة في بدء الخليقة.

أوّام في اليمن
- الطوائف التي تقصدها اليوم: لا توجد لكونها مدينة ماتت وانقرضت شريعتها المكرّسة لعبادة القمر أَلْمَقَه.
- يزورون: كنيس أَوَم الرّئيس، والأديرة (التّكايا)، والحَرَم، وسوره البيضويّ الضّخْم.
- أسماء المدينة عبر التاريخ: أَوَم 𐩱𐩥𐩣، مَحْرَم بلقيس.
أوّام في اليمن. أُنشئت حوالي سنة 2188 ق.هـ / 1500 ق.م باسم أَوَم 𐩱𐩥𐩣 لتكون معبداً لعبادة القمر، وتقع أطلالها اليوم في الصَّحراء الجنوبيّة الشَّرقيّة لمدينة مأرب القديمة عاصمة دولة سبأ، وتُعرف محلّيّاً عند العرب باسم “مَحْرَم بلقيس”.
يرد اسمها في النّقوش المسنديّة السَّبئيّة بصيغة أَوَم 𐩱𐩥𐩣 ويقترن دوماً بلقب إلهها “أَلْمَقَه بَعْل أَوَم” أي أَلْمَقَه سيّد أوام، ويفسّر اللّغويّون والمؤرّخون كالحسن الهمدانيّ في “الإكليل” اسمها من الجذر العروبي الدّالّ على الملاذ والمأوى والائتمام بالمكان، بمعنى المَأمّ والمَقصَد الآمن الّذي يَؤمّه الحجيج ويلجؤون إلى حَرَمه.
كانت أوام مدينةً دينيّةً صرفاً، مخصّصةً للكهنة والرّهبان والطّلّاب، وتنتشر فيها الأديرة (التَّكايا) حول كنيس أَوَم الرّئيس، ويتميّز معبدها بسوره البيضويّ الضّخم المشيّد بالحجارة الكلسيّة المصقولة وبهوه ذي الأعمدة الثّمانية الشّاهقة. وكانت العادة أن يقصدها طلّاب الشّريعة فيقيمون ويدرسون فيها الفقه والقضاء والفلك، ثمّ يرحلون إلى مهامّهم الدّينيّة (القضائيّة) في عموم دولة سبأ.
وفي فترة المكرّب السَّبئيّ “يَدَع إيل ذَريح الأوّل” في القرن 14 ق.هـ / القرن 7 ق.م، الّذي شيّد سور الحَرَم العظيم، صارت أوام محجّاً دوليّاً يقصدها عبّاد أَلْمَقَه (القمر) من أرجاء واسعة ما بين وسط آسيا وغرب المتوسّط. كان الحجيج يفدون إليها سنويّاً في شهر “ذو أَبْهَي” فيطوفون بالحَرَم متطهّرين ويدوّنون نذورهم وكفّاراتهم على ألواح البرونز والمرمر، وظلّت شعائر الحجّ قائمةً فيها حتّى أواخر القرن 3 ق.هـ / القرن 4 م حين تحوّلت الدّولة الحِمْيريّة في عهد الملك مَلْكِي كَرِب يُهَأْمِن إلى التّوحيد (عبادة الرّحمن)، فهُجر المعبد وزالت قداسته واندثر عمرانه مع تصدّع سدّ مأرب في القرن 1 ق.هـ / القرن 6 م.

رأي شخصي
أستنتج من التّأمّل الطّويل في سِيَر هذه الحواضر وتقلّباتها زوالَ القداسة عن حجارة المكان وترابه؛ فالقداسة ليست صفةً ذاتيّةً أبديّةً كامنةً في الصّخر أو الماء، بل هي حالةٌ وجدانيّةٌ وروحيّةٌ طارئةٌ ترتبط بحياة الأديان ووجود المؤمنين القائمين على شعائرها. ويتجلّى هذا القانون التّاريخيّ بوضوحٍ عند تتبّع مصائر أعظم محجّات العالم القديم؛ فحواضر كبرى مثل بابل ونينوى وطيبة ومنف وبعلبك وحرّان ومنبج وجبيل كانت طوال آلاف السّنين مراكزَ للكون في عقائد شعوبها، تشدّ إليها الملوكُ والحجيجُ الرّحالَ من أقاصي الأرض لتقديم القرابين والتماس الوحي والبركة، ثمّ لمّا انقضت شرائع مردوق وعشتار وآمون وپتاح وبعل شامِين وسِين وأتارگاتيس، انقشعت تلك الهالة الإلهيّة المهيبة عن معابدها، وعادت مدناً دنيويّةً عاديّةً تنبض بالحياة اليوميّة والزّراعة والتّجارة بعيداً عن ألوهيّة الماضي وأسراره الكهنوتيّة.
ويعلّمنا هذا السّجلّ التّاريخيّ الممتدّ على مدى ثمانية آلاف عامٍ قوّةَ العمران البشريّ وقدرته الفائقة على البقاء والتّكيّف برغم فناء المعتقدات والشّرائع البائدة؛ إذ صمدت في هذه الدّراسة 23 مدينةً حيّةً مأهولةً تتنفّس وتنمو حتّى يومنا هذا بعد اندثار الأديان الّتي منحتها المجد الرّوحيّ في العصور الخالية. ويعود سرّ بقاء هذه المدن كالإسكندريّة ودمشق وحمص والرّقّة وصنعاء وصور وأسوان إلى امتلاكها مقوّمات الحياة الطّبيعيّة والاقتصاديّة من أنهارٍ جاريةٍ وواحاتٍ خصيبةٍ ومرافئ بحريّةٍ وعُقَدٍ تجاريّةٍ، ما أتاح لبنيتها الحضريّة أن تخلع رداء الكهنوت القديم وتواصل حياتها في ظلّ شرائع ودولٍ جديدة. وفي المقابل، ارتبط وجود 11 حاضرةً في هذا البحث ارتباطاً عضويّاً بوظيفتها الدّينيّة أو الكهنوتيّة أو بانعزالها في مفازاتٍ وجبالٍ وعرةٍ مثل أوام في مأرب، وإريدو وأور ونِفَّر والحضر في العراق، وأَبْچُو في صعيد مصر، وتخت جمشيد ونقش الرّستم في فارس، والبتراء وقادش وتدمر في بادية الشّام؛ فلمّا انطفأت شعلة الإيمان القديم في محاريبها أو جار عليها الزّمان بتغيّر مجاري الأنهار ومسالك القوافل، خوت على عروشها ورحل عمرانها، فاستحالت أطلالاً صامتةً تطمرها الرّمال كأن لم تكن يوماً محجّاً للملايين.
كما يكشف استقراء هذه الخارطة عن ظاهرةٍ تاريخيّةٍ وأنثروپولوجيّةٍ بالغة الدّلالة، وهي “توارث القداسة” أو انتقال الموروث التّعبّديّ من شريعةٍ إلى أخرى فوق البقعة الجغرافيّة ذاتها؛ فكثيراً ما يأبى الوجدان البشريّ التّفريط في حرمة المكان العتيق، فيعيد صياغة قداسته بلبوس الدّين الجديد. نلمس ذلك عياناً في تحوّل معبد حدد رمّن وجوپيتر الدّمشقيّ إلى كاتدرائيّة يوحنّا المعمدان ثمّ إلى الجامع الأمويّ الكبير، وفي انتقال قداسة جبل الكرمل من عبادة بعل الفينيقيّ إلى مقام النّبيّ إلياس والخَضِر ودير المحرقة، وفي وراثة كنيسة مريم العذراء ومقام أصحاب الكهف في أفسس لمكانة هيكل أرتميس القديم، وفي تحوّل أطلال مدينة قادش ومندو الكنعانيّة في الوعي الشّعبيّ إلى مقامٍ يُنسب إلى “النّبيّ مَنْد”، وكذلك في استمرار التّبرّك بشجرة مريم وبئر البلسم في عين شمس فوق أنقاض حاضرة الشّمس المصريّة “أُون”.
ويُظهر هذا الرّصد الميدانيّ أيضاً مآل مشهد الحجّ المعاصر في الشّرق الأوسط؛ إذ تحتفظ 25 مدينةً وموضعاً في هذه الموسوعة بحياتها وقداستها الدّوليّة الفاعلة لغاية اليوم، تتصدّرها حواضر الإسلام الكبرى في الحجاز والعراق وإيران، ومقاصد الحجّ الجامعة في فلسطين ومصر وبلاد الشّام والأناضول لمختلف الشّرائع الإبراهيميّة من إسلاميّةٍ ومسيحيّةٍ ويهوديّةٍ وسامريّةٍ ودرزيّةٍ، إلى جانب المعاقل الرّوحيّة الّتي صانت هويّة الأديان المشرقيّة والإيرانيّة العريقة كوادي لالِش للإيزيديّين، ويَزْد ومزار پيرِ سَبْز للمجوس الزّرادشتيّين، ووادي پيرديور لليارَسانيّين، وحيفا وعكّا للبابيّين والبهائيّين. ويفتح هذا الاستنتاج الباب واسعاً للتّأمّل في سيرورة التّاريخ البشريّ، وطريقة تناقل الأمم والشّعوب لمراكز الثّقل الرّوحيّ بين استقرارٍ وارتحالٍ، لصناعة خرائط متجدّدةٍ للوجدان الإنسانيّ على امتداد آلاف السّنين.

كلمة أخيرة
أختم هذه الدّراسة الموسوعيّة بيقينٍ تاريخيٍّ وعمرانيٍّ واضح، يُبيّن ارتباط قداسة الأمكنة بنبض قلوب العباد وإيمانهم، وبقاءها ما بقيت شرائعهم ولغات صلواتهم، ثمّ زوالها الحتميّ مع رحيلهم أو اندثار أديانهم.
استعرضتُ في هذه الخارطة التّاريخيّة 59 مدينةً وموضعاً في ربوع الشّرق الأوسط عاشت أمجاداً غابرةً وحاضرةً على امتداد ثمانية آلاف عام، منذ فجر التّدوين السّومريّ في إريدو والوركاء ونِفَّر وأُور ولَرسه وبابل، وعصور الأهرام والمسلّات في أُون ومَنْف وأَبْچُو وطيبة وآتِن، مروراً بهياكل الكنعانيّين والفينيقيّين والآراميّين والعرب القدماء في تُتُّل وجُبَيل وصور وقادش ودمشق وبعلبك ومنبج وحَرّان وحمص والبتراء والحَضْر وتدمر وأوام وصنعاء، وصولاً إلى الحواضر والأودية الّتي لم تزل حتّى يومنا هذا قبلةً حيّةً لملايين الحجيج في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة والقدس وبيت لحم والخليل والنّاصرة ونابلس وجبل الكرمل وحِطّين وحيفا وعكّا، وفي النّجف وكربلاء والكاظميّة وسامَرّاء ووادي لالِش، وفي قُم ومشهد وشيراز ويَزْد وپيرديور، وفي طور سيناء ووادي النّطرون، وفي أنطاكيّة وأفسس.
يكشف هذا المسير الطّويل بين الزّقّورات المندثرة، والهياكل الصّامتة، والقباب والمآذن والأجراس النّابضة بالحياة، أنّ الإنسان في الشّرق الأوسط لم ينفكّ منذ فجر التّاريخ عن البحث عن نقطة اتّصالٍ بين الأرض والسّماء، يودع فيها رجاءه وخوفه ونذوره، ويشدّ إليها الرّحال طلباً للطّهارة والخلاص. غير أنّ التّاريخ يعلّمنا بتقلّباته القاسية أنّ ما يراه جيلٌ من البشر مركزاً أزليّاً للكون وحَرَماً لا يُرام، يؤول في أعين أجيالٍ لاحقةٍ إلى تلٍّ أثريٍّ تذروه الرّياح أو حاضرةٍ دنيويّةٍ تنسى أسماء آلهتها الأولى وتستبدل لسانها بلسانٍ جديد.
وأمام هذه اللّوحة الكونيّة المهيبة لتعاقب الأمم والشّرائع، تبقى الأسئلة الكبرى مشرعةً أمام المستقبل: هل ستظهر في القرون القادمة مدنٌ مقدّسةٌ جديدةٌ تجتذب الحجيج إليها من أراضٍ بعيدةٍ لم تكن في الحسبان؟ وكيف ستؤثّر التّحوّلات الفكريّة والتّقنيّة والدّيموغرافيّة الكبرى في رسم خرائط وجدانيّةٍ للبشريّة تختلف تماماً عمّا نألفه اليوم؟ وهل ستبقى المدن المقدّسة المعاصرة محتفظةً بمكانتها وهيبتها بعد آلاف السّنين، أم ستواجه يوماً مصير بابل وطيبة ومنف وأوام وتغدو أثراً بعد عين؟ وما الّذي يضمن بقاء فكرة الحجّ والسّفر الرّوحيّ ذاتها حيّةً في نفوس الأجيال القادمة وسط عالمٍ مادّيٍّ متسارع؟ تساؤلاتٌ كبرى يطرحها التّاريخ، وأترك لكم وللزّمن الإجابة عنها.
مصادر ومراجع
أوّلاً: المراجع الأكاديميّة والمعجمات اللّسانيّة
- The Periplus Maris Erythraei: Text with Introduction, Translation, and Commentary. للمؤلّف لايونل كاسون Lionel Casson، عن مطبعة جامعة پرينستون Princeton University Press، نشر سنة 1989 ميلاديّة 1409 هجريّة.
الرّابط: https://books.google.com/books?id=qQWYkSs51rEC - The Archaeology of Elam: Formation and Transformation of an Ancient Iranian State. للمؤلّف دانيال پوتس Daniel T. Potts، عن مطبعة جامعة كامبريدج Cambridge University Press، نشر سنة 1999 ميلاديّة 1420 هجريّة.
الرّابط: https://books.google.com/books?id=mc4cfzkRVj4C - The Barbarian Plain: Saint Sergius between Rome and Iran. للمؤلّفة إليزابيث كي فودن Elizabeth Key Fowden، عن مطبعة جامعة كاليفورنيا University of California Press، نشر سنة 1999 ميلاديّة 1420 هجريّة.
الرّابط: https://books.google.com/books?id=UC5v4mgERxwC - The Archaeology of Syria: From Complex Hunter-Gatherers to Early Urban Societies. للمؤلّفين پيتر أكرمانز وگلين شوارتس Peter M. M. G. Akkermans, Glenn M. Schwartz، عن مطبعة جامعة كامبريدج Cambridge University Press، نشر سنة 2004 ميلاديّة 1425 هجريّة.
الرّابط: https://www.cambridge.org/core/books/archaeology-of-syria/C1DCA3371BA9E8E81FBA8BF04128BD65 - The Crimes of Elagabalus: The Life and Legacy of Rome’s Decadent Boy Emperor. للمؤلّف مارتين إيكس Martijn Icks، عن مطبعة جامعة هارڤرد Harvard University Press، نشر سنة 2012 ميلاديّة 1433 هجريّة.
الرّابط: https://books.google.com/books?id=g5j3e6lSdkIC - Meccan Trade and the Rise of Islam. للمؤلّفة پاتريشيا كرون Patricia Crone، عن مطبعة جامعة پرينستون Princeton University Press، نشر سنة 1987 ميلاديّة 1407 هجريّة.
الرّابط: https://books.google.com/books?id=DqQxAQAAMAAJ - Petra and the Lost Kingdom of the Nabataeans. للمؤلّفة جين تايلور Jane Taylor، عن دار آي بي توريس I. B. Tauris، نشر سنة 2001 ميلاديّة 1422 هجريّة.
الرّابط: https://books.google.com/books?id=141K2284o3AC - Babylon: Mesopotamia and the Birth of Civilization. للمؤلّف پول كريواچك Paul Kriwaczek، عن دار توماس دان بوكس Thomas Dunne Books، نشر سنة 2012 ميلاديّة 1433 هجريّة.
الرّابط: https://books.google.com/books?id=7p96tBwVypUC - Lucian: On the Syrian Goddess (De Dea Syria). تحقيق وترجمة جين لايتفوت Jane L. Lightfoot، عن مطبعة جامعة أكسفورد Oxford University Press، نشر سنة 2003 ميلاديّة 1424 هجريّة. (مرجع تحقيق شعائر منبج وجبيل).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=G1kTDAAAQBAJ - The City of the Moon God: Religious Traditions of Harran. للمؤلّفة تمارا گرين Tamara M. Green، عن دار بريل للنّشر E. J. Brill، نشر سنة 1992 ميلاديّة 1413 هجريّة. (مرجع تحقيق تاريخ حَرّان وصابئتها ومعبد إِي خُولْ خُولْ).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=2aU3AAAAIAAJ - The Sabians of Harran. للمؤلّف يان ياريپي Jan Järpe، ومراجعة شولاميت حڤولسون Daniil Chwolson (Die Ssabier und der Ssabismus)، عن دار بريل، نشر سنة 1856 ميلاديّة 1272 هجريّة (ط. مصوّرة 1965 ميلاديّة 1385 هجريّة).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=wQ4VAAAAQAAJ - Topographie historique de la Syrie antique et médiévale. للمؤلّف رينيه دوسو René Dussaud، عن دار پول گُتنر Librairie Orientaliste Paul Geuthner في پاريس، نشر سنة 1927 ميلاديّة 1346 هجريّة. (مرجع تحقيق الطّوبوغرافيا التّاريخيّة لبلاد الشّام وقادش وتلّ النّبيّ مند وبعلبك).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=c1kLAAAAIAAJ - Excavations at Arjoune, Syria (and Tell Nebi Mend / Qadesh). للمؤلّف والمشرف پيتر پار Peter J. Parr، عن سلسلة التّقارير الأثريّة البريطانيّة BAR International Series ومعهد الآثار بجامعة لندن، نشر سنة 2003 ميلاديّة 1424 هجريّة. (مرجع تنقيبات تلّ النّبيّ مند وقادش).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=V1pmAAAAMAAJ - House of the Most High: The Temples of Ancient Mesopotamia. للمؤلّف أندرو جورج Andrew R. George، عن دار آيزنبرونز Eisenbrauns، نشر سنة 1993 ميلاديّة 1414 هجريّة. (المعجم المرجعيّ لأسماء المعابد والزّقّورات السّومريّة والأگّديّة في إريدو وأور والوركاء ونِفَّر ولَرسه وبابل وآشور ونينوى وحَرّان).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=f2B9AAAAMAAJ - Wörterbuch der ägyptischen Sprache. للمؤلّفين أدولف إرمان وهرمان گراپو Adolf Erman, Hermann Grapow، عن أكاديميّة برلين Akademie-Verlag، نشر بين سنتَي 1926 و1963 ميلاديّة (1344–1383 هجريّة). (مرجع تحقيق الأسماء الهيروگليفيّة لمدن أُون ومَنْف وأَبْچُو وطيبة وآتِن وأسوان ووادي النّطرون).
الرّابط: https://aaew.bbaw.de/tla/ - Dictionnaire des noms géographiques contenus dans les textes hiéroglyphiques. للمؤلّف هنري گوتييه Henri Gauthier، عن المعهد الفرنسيّ للآثار الشّرقيّة بالقاهرة IFAO، نشر بين سنتَي 1925 و1931 ميلاديّة (1343–1350 هجريّة).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=o7kYAAAAIAAJ - Coptic Etymological Dictionary. للمؤلّف ياروسلاڤ چيرني Jaroslav Černý، عن مطبعة جامعة كامبريدج Cambridge University Press، نشر سنة 1976 ميلاديّة 1396 هجريّة. (مرجع التّأثيل القبطيّ لأسماء شِيهِيت وپاپه ومِمفي وأُون وإِبُوت وسُوان).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=B_c8AAAAIAAJ - The Complete Temples of Ancient Egypt. للمؤلّف ريتشارد ويلكنسون Richard H. Wilkinson، عن دار ثيمز وهدسون Thames & Hudson، نشر سنة 2000 ميلاديّة 1421 هجريّة. (مرجع معابد عين شمس ومنف وأبيدوس والأقصر والعمارنة وفيلة).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=o21pAAAAMAAJ - The Amarna Letters. تحرير وترجمة ويليام موران William L. Moran، عن مطبعة جامعة جونز هوپكنز Johns Hopkins University Press، نشر سنة 1992 ميلاديّة 1413 هجريّة. (مرجع توثيق أسماء المدن الشّاميّة والفلسطينيّة في ألواح تلّ العمارنة).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=141KAAAAMAAJ - The Monasteries of the Wadi ‘n Natrun (3 Volumes). للمؤلّف هيو إڤلين وايت Hugh G. Evelyn-White، عن متحف المتروپوليتان للفنون بنيويورك Metropolitan Museum of Art، نشر بين سنتَي 1926 و1933 ميلاديّة (1344–1352 هجريّة). (مرجع تاريخ برّيّة شِيهِيت وأديرة وادي النّطرون وغارات المازيگ).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=r3cOAAAAIAAJ - Mount Sinai: A History of Travellers and Pilgrims. للمؤلّف جورج مانگينيس George Manginis، عن دار هاوس للنّشر Haus Publishing، نشر سنة 2016 ميلاديّة 1437 هجريّة. (مرجع تاريخ الحجّ إلى طور سيناء ودير القدّيسة كاترينا).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=Y5ZADAAAQBAJ - Zoroastrians: Their Religious Beliefs and Practices. للمؤلّفة ماري بويس Mary Boyce، عن دار روتليدج Routledge، نشر سنة 2001 ميلاديّة 1422 هجريّة. (مرجع تاريخ المجوس الزّرادشتيّين في تخت جمشيد ونقش الرّستم ويَزْد ومزار پيرِ سَبْز).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=a6gbxVfX_dEC - Yezidism: Its Background, Observances and Textual Tradition. للمؤلّف فيليپ كرينبروك Philip G. Kreyenbroek، عن دار إدوين ميلين Edwin Mellen Press، نشر سنة 1995 ميلاديّة 1416 هجريّة. (مرجع تاريخ الإيزيديّة والطريقة العدويّة وشعائر الحجّ في وادي لالِش).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=xHXYAAAAMAAJ - Sacred Sojourn: The Yarsan (Ahl-e Haqq) and Perdiwar / Late Antique Motifs in Yarsanism. للمؤلّف فيليپ كرينبروك وكاظم أنصاري ومهرداد إيزادي، ضمن دراسات الدّيانة اليارَسانيّة والكاكائيّة ودفتر السّرنجام، عن دار گورگياس Gorgias Press، نشر سنة 2018 ميلاديّة 1439 هجريّة. (مرجع تاريخ سلطان سَهاك ووادي پيرديور في هَورامان).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=8B9tDwAAQBAJ - The Druze Faith. للمؤلّف سامي نسيب مكارم Sami Nasib Makarem، عن دار كاراڤان Caravan Books، نشر سنة 1974 ميلاديّة 1394 هجريّة. (مرجع تاريخ الموحّدين الدّروز ومقام النّبيّ شعيب في حِطّين ومقام الخَضِر في الكرمل).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=O3kYAAAAIAAJ - The Samaritans: History, Politics and Tradition. للمؤلّف راينهارد پومر Reinhard Pummer، عن دار بريل E. J. Brill، نشر سنة 2016 ميلاديّة 1437 هجريّة. (مرجع تاريخ السّامريّين وشعائر الحجّ على جبل جرزيم في نابلس).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=a2R2CwAAQBAJ - God Passes By. للمؤلّف شوقي أفندي ربّاني Shoghi Effendi، عن دار النّشر البهائيّة Bahá’í Publishing Trust، نشر سنة 1944 ميلاديّة 1363 هجريّة. (مرجع تاريخ المقامات البابيّة والبهائيّة ومقاصد الحجّ في حيفا وعكّا).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=x3cYAAAAIAAJ - The Historical Geography of Samarra. للمؤلّف ألاستير نورثيدج Alastair Northedge، عن المعهد البريطانيّ لدراسة العراق British Institute for the Study of Iraq، نشر سنة 2005 ميلاديّة 1426 هجريّة. (مرجع تاريخ سامَرّاء ومراقدها وعمرانها العبّاسيّ وما قبل التّاريخ).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=V7pmAAAAMAAJ - Antiquités Syriennes (6 Volumes). للمؤلّف هنري سيريگ Henri Seyrig، عن دار پول گُتنر Paul Geuthner في پاريس، نشر بين سنتَي 1934 و1966 ميلاديّة (1353–1386 هجريّة). (مرجع تاريخ معابد تدمر وإخلاء قرية بعل وبعلبك).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=4FkLAAAAIAAJ - Hatra: Site of the Sun God. للمؤلّف فؤاد سفر ومحمّد عليّ مصطفى، عن مديريّة الآثار العامّة في بغداد، نشر سنة 1974 ميلاديّة 1394 هجريّة. (مرجع تاريخ ونقوش مدينة الحَضْر).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=wGpmAAAAMAAJ - Arabia Felix from the Time of the Queen of Sheba: Eighth Century B.C. to First Century A.D. للمؤلّف جان فرانسوا بريتون Jean-François Breton، عن مطبعة جامعة نوتردام University of Notre Dame Press، نشر سنة 1999 ميلاديّة 1420 هجريّة. (مرجع تاريخ مأرب ومعبد أوام وصنعاء المسنديّة).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=p7pmAAAAMAAJ - Ephesos: Metropolis of Asia (An Interdisciplinary Approach to its Archaeology, Religion, and Culture). تحرير هيلموت كوستر Helmut Koester، عن مطبعة جامعة هارڤرد Harvard University Press، نشر سنة 1995 ميلاديّة 1416 هجريّة. (مرجع تاريخ أفسس وهيكل أرتميس والمزارات المسيحيّة).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=0FpmAAAAMAAJ - A History of Antioch in Syria: From Seleucus to the Arab Conquest. للمؤلّف گلانڤيل داوني Glanville Downey، عن مطبعة جامعة پرينستون Princeton University Press، نشر سنة 1961 ميلاديّة 1380 هجريّة. (مرجع تاريخ أنطاكيّة وكنيسة مار بطرس).
الرّابط: https://books.google.com/books?id=y1pmAAAAMAAJ
ثانياً: المصادر الجغرافيّة والتّاريخيّة التّراثيّة
- معجم البلدان (5 مجلّدات). للمؤلّف شهاب الدّين أبي عبد اللّه ياقوت بن عبد اللّه الحمويّ الرّوميّ (المتوفّى سنة 626 هجريّة / 1229 ميلاديّة)، عن دار صادر في بيروت، نشر سنة 1977 ميلاديّة 1397 هجريّة.
الرّابط: https://shamela.ws/book/23735 - كتاب الفهرست. للمؤلّف أبي الفرج محمّد بن إسحاق بن النّديم الوَرّاق (المتوفّى سنة 380 هجريّة / 990 ميلاديّة)، تحقيق رضا تجدّد، طهران، نشر سنة 1971 ميلاديّة 1391 هجريّة. (المقالة التّاسعة في أخبار الحرّانيّين الكلدانيّين المعروفين بالصّابئة وهياكلهم ومواسمهم).
الرّابط: https://shamela.ws/book/10256 - المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (الخطط المقريزيّة). للمؤلّف تقيّ الدّين أحمد بن عليّ المقريزيّ (المتوفّى سنة 845 هجريّة / 1442 ميلاديّة)، عن دار الكتب العلميّة في بيروت، نشر سنة 1998 ميلاديّة 1418 هجريّة. (مرجع خطط عين شمس ومنف وطور سيناء وأديرة وادي النّطرون).
الرّابط: https://shamela.ws/book/11566 - صفة جزيرة العرب، وكتاب الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير. للمؤلّف أبي محمّد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمدانيّ (المتوفّى سنة 334 هجريّة / 945 ميلاديّة)، تحقيق محمّد بن عليّ الأكوع، عن مكتبة الإرشاد في صنعاء، نشر سنة 1990 ميلاديّة 1410 هجريّة. (مرجع تحقيق صنعاء وقصر غمدان ومعبد أوام).
الرّابط: https://shamela.ws/book/9801 - أخبار مكّة وما جاء فيها من الآثار. للمؤلّف أبي الوليد محمّد بن عبد اللّه بن أحمد الأزرقيّ (المتوفّى سنة 250 هجريّة / 865 ميلاديّة)، تحقيق رشدي الصّالح ملحس، عن دار الأندلس في بيروت، نشر سنة 1983 ميلاديّة 1403 هجريّة.
الرّابط: https://shamela.ws/book/5875 - وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى. للمؤلّف نور الدّين عليّ بن عبد اللّه السّمهوديّ (المتوفّى سنة 911 هجريّة / 1506 ميلاديّة)، تحقيق محمّد محيي الدّين عبد الحميد، عن دار الكتب العلميّة في بيروت، نشر سنة 1984 ميلاديّة 1404 هجريّة.
الرّابط: https://shamela.ws/book/11641 - الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل. للمؤلّف القاضي مجير الدّين عبد الرّحمن بن محمّد العليميّ الحنبليّ (المتوفّى سنة 928 هجريّة / 1522 ميلاديّة)، عن مكتبة دنديس في الخليل وعمّان، نشر سنة 1999 ميلاديّة 1420 هجريّة.
الرّابط: https://shamela.ws/book/12246 - الإشارات إلى معرفة الزّيارات. للمؤلّف أبي الحسن عليّ بن أبي بكر الهرويّ السّائح (المتوفّى سنة 611 هجريّة / 1215 ميلاديّة)، تحقيق جانين سورديل طومين Janine Sourdel-Thomine، عن المعهد الفرنسيّ للدّراسات العربيّة بدمشق IFEAD، نشر سنة 1953 ميلاديّة 1372 هجريّة.
الرّابط: https://books.google.com/books?id=v1kLAAAAIAAJ - كتاب البلدان. للمؤلّف أحمد بن أبي يعقوب بن واضح اليعقوبيّ (المتوفّى سنة 284 هجريّة / 897 ميلاديّة)، عن مطبعة بريل في ليدن، نشر سنة 1892 ميلاديّة 1310 هجريّة. (مرجع تخطيط بغداد وسامَرّاء والكوفة).
الرّابط: https://shamela.ws/book/10786 - المسالك والممالك. للمؤلّف أبي إسحاق إبراهيم بن محمّد الفارسيّ الإصطخريّ (المتوفّى حوالي سنة 346 هجريّة / 957 ميلاديّة)، تحقيق محمّد جابر عبد العال الحيني، عن الهيئة العامّة لقصور الثّقافة بالقاهرة، نشر سنة 1961 ميلاديّة 1381 هجريّة. (مرجع جغرافية شيراز وإصطخر ويزد وشوش).
الرّابط: https://shamela.ws/book/11784 - الآثار الباقية عن القرون الخالية. للمؤلّف أبي الرّيحان محمّد بن أحمد البيرونيّ (المتوفّى سنة 440 هجريّة / 1048 ميلاديّة)، تحقيق إدوارد سخاو Eduard Sachau، لايپزيگ، نشر سنة 1878 ميلاديّة 1295 هجريّة. (مرجع مواسم وأعياد الصّابئة الحرّانيّين والمجوس والنّصارى واليهود والسّامريّين).
الرّابط: https://shamela.ws/book/12224 - تاريخ قم. للمؤلّف الحسن بن محمّد بن الحسن القمّيّ (أُلّف باللّغة العربيّة سنة 378 هجريّة / 988 ميلاديّة، وترجمه إلى الفارسيّة الحسن بن عليّ بن حسن بن عبد الملك القمّيّ سنة 805 هجريّة / 1402 ميلاديّة)، تحقيق السّيّد جلال الدّين الطّهرانيّ، طهران، نشر سنة 1934 ميلاديّة 1353 هجريّة.
الرّابط: https://books.google.com/books?id=u1pmAAAAMAAJ





اترك تعليقاً