أصحبكم في هذه التدوينة في رحلة استقصائيّة معمّقة لكشف اللّثام عن التّاريخ الحقيقيّ لمدينة دير الزّور، مزيلاً عنها غبار التّفسيرات الشّائعة الّتي تحصر اسمها في الصّوامع الدّينيّة. وأغوص في جذور التّسمية ضمن اللّغات القديمة، مثل الأگّديّة والآراميّة والسّريانيّة، مؤكّداً ارتباط الجذر اللّغويّ بمفاهيم التّطوّر العمرانيّ، والاستقرار البشريّ، والبيئة الزّراعيّة المحصّنة. وأسوق أدلّة جغرافيّة وتاريخيّة واسعة من بلاد الشّام والجزيرة العربيّة والخليج العربيّ لإثبات هذا الأصل العمرانيّ.
أتجاوز في هذا البحث حدود التّحليل اللّغويّ لأوثّق مراحل مفصليّة صاغت هويّة المنطقة. فأسرد أحداثاً محوريّة استمرّت مئات السّنين، بدءاً من تأثيرات حملات تيمور لنگ، ومروراً بالصّراعات العثمانيّة الصّفويّة الّتي حوّلت المنطقة إلى قاعدة عسكريّة استراتيجيّة، وصولاً إلى تأسيس متصرّفيّة الزّور إبّان التّنافس البريطانيّ والفرنسيّ في بدايات القرن 20. وأسلّط الضّوء على التّركيبة الدّيموغرافيّة للمدينة، متتبّعاً موجات النّزوح البشريّ، وتأثير إمارة آل رشيد، وصراعات النّفوذ بين القوى الاستعماريّة والمشاريع الهاشميّة.
أعرض في هذا العمل قراءة شاملة تجمع بين التّوثيق الجغرافيّ واللّغويّ والسّياسيّ، واضعاً بين يدي القارئ وثيقة تاريخيّة تسرد سيرة دير الزّور بوصفها متحفاً مكشوفاً ينبض بالحياة على ضفاف نهر الفرات.
مقدّمة: دير الزّور مرآة التّاريخ
من تلال الحضارات القديمة، نغوص في عمق التاريخ الذي يحفظه تراب دير الزور، تلك المدينة السورية العريقة التي مرّت على شواطئها العصور وتغيّرت الأزمان. هي متحف مكشوف يقصّ شرائط الزمن، مرآة عاكسة للتاريخ الغني والمعقّد للشرق الأوسط. من قلب الصحراء، تتسامر معنا دير الزور، تحكي لنا قصصها وأساطيرها، من المذابح التي واجهتها في عهد تيمور لنگ، إلى دورها كمركز عسكري في الحرب العثمانية ضد الصفويّين، ولم تكتفِ بذلك، بل تمتد لتكون سنجق الزور قاعدة بريطانيا التجارية في الشرق الأوسط.
في هذه التدوينة، نعيد رسم خارطة التاريخ، لنلقي الضوء على تاريخ هذه المدينة الرائعة، وكيف تشكّلت هويّتها على مر العصور. فهيّا بنا نتجول في سواقي الزمن الزمن، ونتعمّق في وديان التاريخ، لنكتشف قصّة دير الزور، المدينة التي لا تعرف النسيان.

أصل تسمية دير الزّور ومعناها اللّغويّ
بالعودة إلى اللّغات القديمة في منطقة شمال العربية، نجد الجذر (د و ر) أو (د ي ر) يحمل دائماً دلالة الإقامة، والسّكن، والإحاطة. في اللّغة الأگّديّة، استعملت كلمة {دورُ} Dūru للإشارة إلى السّور المحيط بالمدينة أو القلعة، وتطوّر المعنى ليطلق على المدينة المحصّنة نفسها. وفي اللّغتين الآراميّة والسّريانيّة، كانت كلمة {دير} أو {ديرا} تشير أساساً إلى الحظيرة، أو المسكن، أو التّجمّع البشريّ المحاط بسور (القرية)، قبل أن يتخصّص المعنى لاحقاً في العصور التّالية ليقتصر على سكن الرّهبان، سواء في العهدين الإمي والمسيحي، تعبيراً عن قرية الرهبان.
منذ القرن 3 الهجريّ، الموافق للقرن 9 الميلاديّ، حافظت القبائل العربيّة الّتي سكنت حوض الفرات والبادية، مثل بني عقيل وبني كعب، على هذا الاستعمال القديم للجذر العروبيّ استعمال رسمي. كلمة {دير} لديهم تعني ببساطة المستوطنة أو البلدة المستقرّة، وهو المعنى ذاته الّذي ولّد كلمة {ديرة} في الخليج العربيّ، وكلمة {دور} في العربيّة الفصحى. لذا، إطلاق اسم {دير} على التّجمّعات السكّانيّة في الجزيرة الفراتيّة كان يشير إلى البلدات والمراكز العمرانيّة الثّابتة، وليس بالضّرورة إلى معالم دينيّة.
اسم {دير الزّور}، وفقاً لهذا التّحليل اللّغويّ، يعني بلدة الزّور أو مدينة الغابة النّهريّة، وهو ما ينسجم تماماً مع طبيعة المكان بوصفه تجمّعاً عمرانيّاً مستقرّاً على ضفاف نهر الفرات وسط أحراش العاقول. وهذا الفهم يوضّح كيف ضاق المعنى اللّغويّ للكلمة بمرور الزّمن ليقتصر في أذهان الكثيرين على المعنى الدّينيّ، متجاهلاً الأصل العروبيّ السّاميّ الأقدم الّذي يدلّ على التّمدّن والاستقرار.
شواهد جغرافيّة على الاستعمال العمرانيّ لكلمة دير
تزخر الجغرافيا الشّاميّة والرّافديّة بأسماء مدن وبلدات تبدأ بكلمة {دير} دون اي ارتباط بوجود دير مسيحي قديماً أو معاصرة، ممّا يؤيّد النّظريّة القائلة بأنّ الكلمة تشير إلى المستوطنة البشريّة أو البلدة، ويدحض حصر معناها في التّعريف الدّينيّ المتأخّر. إليك أمثلة تاريخيّة من تلك المناطق:
دير علا في الأردن
تقع هذه المدينة في غور الأردن، وتحمل دليلاً تاريخيّاً يسبق ظهور الدّيانة المسيحيّة بقرون طويلة. أثبتت التّنقيبات الأثريّة أنّ دير علا كانت مستوطنة بشريّة مزدهرة تعود إلى العصر البرونزيّ المتأخّر، أي قبل الميلاد بأكثر من 1500 عام. استمرار إطلاق كلمة دير على هذه المستوطنة القديمة يؤكّد أنّ الجذر اللّغويّ للكلمة يعني التّجمّع العمرانيّ أو البلدة، ولا علاقة له بالصّوامع أو الأديار الدّينيّة الّتي ظهرت لاحقاً.
دير العاقول في العراق
مدينة تاريخيّة كبيرة كانت تقع على ضفاف نهر دجلة بين بغداد وواسط. وصف الجغرافيّون والمسافرون دير العاقول في القرون الهجريّة الأولى بأنّها مدينة عامرة بالأسواق الكبيرة والسّكّان والنّشاط التّجاريّ الكثيف. التّسمية هنا تعني بلدة العاقول، والعاقول نبات صحراويّ شوكيّ يكثر في تلك النّواحي. لم تكن هذه المدينة صومعة للرّهبان، بل مركزاً حضريّاً متكاملاً ينبض بالحياة، ممّا يطابق المعنى الاستيطانيّ لكلمة دير.
دير عطيّة في سوريا
مدينة تقع في القلمون شمال دمشق. تنسب الرّوايات التّاريخيّة والمحلّيّة اسم المدينة إلى زعيم عشائريّ اسمه عطيّة. التّركيب اللّغويّ لاسم دير عطيّة يماثل تماماً إطلاق أهل البادية والخليج اسم “ديرة فلان” على مستوطناتهم. الكلمة هنا تفيد معنى ديار عطيّة أو بلدة عطيّة، وتجرّد المكان من التّفسير الدّينيّ لتضعه في سياقه العمرانيّ والعشائريّ.
دير حافر في حلب
بلدة زراعيّة قديمة تقع شرقيّ حلب. التّسمية تشير بوضوح إلى ديرة حافر، نسبة إلى طبيعة الأرض أو إلى عشيرة سكنت المكان. حافظت البلدة على طابعها العمرانيّ والزّراعيّ لقرون طويلة، لتكون دليلاً إضافيّاً على أنّ الكلمة تعني الاستقرار الزّراعيّ والمدنيّ.
منطقة ديرة في دبيّ
تتوسّط منطقة ديرة مدينة دبيّ، وتمثّل نواتها التّجاريّة والتّاريخيّة المأهولة. إطلاق هذا الاسم على المركز الحضريّ الرئيس للمدينة يتطابق لفظيّاً ومعنويّاً مع كلمة دير في بلاد الشّام والجزيرة الفراتيّة. التّسمية هنا تعني ببساطة البلدة أو المستوطنة، وتؤكّد انتقال المعنى العمرانيّ القديم واستمراره في لغة أبناء الخليج بعيداً عن أيّ دلالة دينيّة.
حيّ الدّيرة في الرّياض وتاروت والقطيف
يستعمل أبناء وسط الجزيرة العربيّة وشرقها مصطلح الدّيرة دلالة واضحة على البلدة القديمة أو المركز الحضريّ المحصّن. حيّ الدّيرة في العاصمة السّعوديّة يمثّل النّواة التّاريخيّة للمدينة ومقرّ الحكم، والأهالي في جزيرة تاروت ومحافظة القطيف يطلقون اسم الدّيرة على المركز العمرانيّ القديم المكتظّ بالسّكّان. الكلمة هنا تفيد التّمدّن والاستقرار التّامّ.
قرية الدّير في البحرين
تقع هذه القرية المأهولة في جزيرة المحرّق. الارتباط التّاريخيّ الوثيق لهذه المنطقة الجغرافيّة بحكم بني عقيل، وبناء دولهم كالدّولة العصفوريّة والجبريّة، يرجّح بقوّة أنّ تسمية الدّير تشير مباشرة إلى القرية أو المستوطنة الزّراعيّة. العقيليّون استعملوا هذا اللّفظ في البادية الفراتيّة لتسمية مدنهم، ونقلوه معهم إلى البحرين للإشارة إلى ديارهم ومستوطناتهم.
التّسميات العشائريّة الجغرافيّة
يستعمل أبناء الخليج والأهواز وجنوب العراق مصطلح ديرة متبوعاً باسم القبيلة أو العشيرة للإشارة إلى مناطق استقرارهم ونفوذهم الجغرافيّ والعمرانيّ، فيقولون ديرة بني كعب أو ديرة المنتفق. هذا التّركيب يطابق تماماً بنية أسماء المدن الفراتيّة مثل دير حافر ودير عطيّة ودير الزّور، فالمعنى واحد ويقصد به ديار المستقرّين ومساكنهم، ممّا يبرهن صحّة نظريّتك في نفي خرافة الصّوامع وتأكيد الأصل العمرانيّ للتّسمية.
الاندماج التّاريخيّ: المعسكر العسكريّ والقرية المدنيّة
اسم دير الزور هو في الواقع امتزاج اسم منطقتين، واحدة مدنية والثانية عسكرية. المنطقة العسكرية هي معسكر أو قاعدة الزور العسكرية، وكانت إلى الجنوب من مدينة دير الزور الحالية. كانت قرية سريانية اسمها زيؤورتا ܙܥܘܪܬܐ (زِورتا) اختارها الجيش العثماني سنة 1517 لتكون مقرّ إدارة لواء الزور، تابعاً لولاية بغداد. ووقعت على عاتق هذا المعسكر إدارة أغلب الحروب العثمانية-الصفوية على العراق.
المنطقة المدنية هي قرية دير الشُعّار، وهو اسم منحه الدمشقيّون للبلدة لكثرة الشعراء فيها خلال فترة تبعية سنجق الزور لولاية شام، وقبل ولاية شام تبع السنجق ولاية حلب وكان اسم البلدة آنذاك دير الرحبة، وهو الاسم العثماني للقرية ونالته نسبة لقلعة الرحبة جنوب الميادين، والسبب ببساطة أنّ إدارة قرية الدير كانت تتبع قلعة الرحبة، وكتبها العثمانيّون آنذاك ”دير الرهبه“ وهي ليست قرية دير الرهبة في ديار بكر. أمّا اسم البلدة على لسان أهلها فكان دير الرمّان، وهو الاسم الذي ذكرها فيه ياقوت الحموي سنة 1228، واستمرّ إلى أن تغيّر في العهد العثماني.
كان قد شاع اسم الدير بدير الرمّان بسبب شهرة رمّان الدير ونوعيّته الممتازة. وتذكر حكاية هذا الرمّان أنّ تيمور لنگ أباد الدير وأحرق أشجارها مطلع القرن 15 فانقطع الرمّان الديري عن الأسواق التي اعتادت استيراده. وعلى الأغلب أنّ تلك الحرب كانت في طريق تيمور إلى القوقاز سنة 1400 أو في طريقه من دمشق إلى بغداد سنة 1405 وكانت الدير آنذاك تحت حكم الجلائريّين المغول من بغداد.
ولحسم الجدل الدّائر حول ارتباط اسم دير الزّور بصومعة مسيحيّة، أؤكّد أنّ الجذر اللّغويّ (د ي ر) يسبق ظهور المسيحيّة بقرون طويلة، واستعملته القبائل العربيّة للدّلالة على التّجمّع العمرانيّ المستقرّ والبلدة المحصّنة. وتكوّن الاسم تاريخيّاً من اندماج قرية دير الشّعّار المدنيّة مع قاعدة الزّور العسكريّة، ليشكّلا معاً نسيج المدينة الحاليّ. لذلك، يمثّل حصر المعنى في إطاره الدّينيّ المتأخّر طمساً للأصل العروبيّ العمرانيّ، وتجاهلاً للسّياق التّاريخيّ الّذي يثبت أصالة المدينة بوصفها مركزاً حضريّاً متكاملاً لا ديراً للرّهبان.

التّأثير الآراميّ والتّحوّل اللّغويّ
قبل الإسلام كانت كنيسة الدير اسمها كنيسة أزدره (أزده) وتبعت كنائس الدير لكنيسة قِرقِسين ܩܪܩܣܝܢ السريانية التي صارت في العربية قرقيسيا، حَسَبَ ياقوت الحموي. وهي اليوم بلدة البصيرة عند مصبّ الخابور في الفرات. واسم قرقسين عن اسمها الإغريقي السلوقي قِرقوس κίρκος بمعنى الاستاد الرياضي.
وسكّان قرقيسيا ومنطقة الفرات عموماً بأغلبهم من المورو، لذا بقيت اللّغة الآرامية هي لغة المنطقة منذ ما قبل تأسيس المملكة البابلية الأولى وحتى التحوّل إلى العربية في العهد الإسلامي، تحت الحكم التركي والمغولي. والمورو هم من أصول العرب، فلم يجد الناس حرجاً من التحوّل عن الآرامية إلى العربية، لمّا رأوه تحوّلاً بين لهجات. وفي الواقع تسمع النغم الآرامي واضحاً في لهجة دير الزور الدارجة إلى اليوم.

الصّراعات السّياسيّة وتأسيس المتصرّفيّة
بعد هزيمة محمّد علي (حاكم مصر) في اليونان طالب السلطنة العثمانية بولاية ثانية كتعويض عن خسارته ولاية الموره، واختار ولاية شام. وافق السلطان العثماني وانتشر جيش محمّد علي في ولاية الشام سنة 1831، ثمّ طمع وغزا ولايتي حلب وبغداد. وكان القسم الذي غزاه من ولاية بغداد هو سنجق الزور، وبرّر إبراهيم باشا غزو الزور على أنّه إدارياً من ولاية الشام وليس من ولاية بغداد، بينما رفض الباب العالي تبرير إبراهيم باشا وأصرّ على تبعية سنجق الزور لولاية بغداد وليس الشام، لمنعه عن إبراهيم باشا.
في تلك الأثناء كانت بلدة دير الرمّان قد صارت مركزاً تجارياً بريطانياً ينمو ويربط ما بين ميناء البصرة ومدينة دمشق، وكلتاهم مراكز للتجارة البريطانية في الشرق الأوسط على خطّ ينتهي في ميناء صيدا. وأطلق الإنگليز على المدينة الجديدة اسم دير العصافير، وهو ذات الاسم الذي تذكرها به المراجع النمساوية. وكانت بريطانيا قد فكّرت فعلاً بجعل دير العصافير عاصمة لتجارتها الهندية في الشرق الأوسط، وهو المشروع الذي تحوّل إلى البصرة بعد الحرب العالمية الأولى ثمّ إلى دبي بعد الحرب العالمية الثانية.
لذا ونتيجة لمخاوف بريطانيا من تكرار أحداث حرب 1839، وغيرة من تأسيس الفرنسيّين لمتصرفية جبل لبنان سنة 1861، طلبت بريطانيا من العثمانية تأسيس متصرّفية جديدة في سنجق الزور، وتحقّق ذلك سنة 1864. وكان سنجق الزور قد تأسّس سنة 1857 على إثر تنامي النشاط الاقتصادي البريطاني في المنطقة، أي قبل تأسيس مدينة دير الزور (دير العصافير).
فصارت المتصرّفية تتبع إسمياً إلى والي بغداد، ولها متصرّف تعيّنه بريطانيا. وانتقلت بالتالي إدارة السنجق من قاعدة الزور العسكرية (زِورتا) إلى دير العصافير (الدير). فصارت ترد في السجلّات البريطانية باسم دير-زور بوضع اسمي الدير والزور متجاورين. وتضمّنت إدارة السنجق على أربع أقضية (كازات) هي: الدير، ورأس العين، والعَشَارَة، والبُوكَمَال.
وكانت حدود متصرّفية الزور كالتالي:
- من الغرب ولاية حلب وولاية سوريِه (شام).
- من الشمال ولاية ديار بكر.
- من الشرق ولاية الموصل.
- من الجنوب الشرقي ولاية بغداد.
- من الجنوب إمارة جبل شمّر (آل رشيد).

النّزوح السّكّانيّ وتأثير إمارة آل رشيد
ومن المهمّ أن نذكر هنا أنّ بلدة دير الرمّان (الدير) دُمّرت بالكامل سنة 1807 وتخرّبت مزارعها وتمّ تهجير كلّ أهلها على يد البدو من جيش إمارة الدرعية؛ وهي التي تُعرف باسم الدولة السعودية الأولى. ثمّ عادت البلدة وانتعشت تحت اسم دير العصافير بسبب الاهتمام العثماني-البريطاني، ثمّ ارتفع عدد سكّانها بشكل ملحوظ وصارت مدينة واسعة على إثر نزوح عدد كبير من الشمامرة إليها.
في الفترة ما بين 1836 و1921 وطوال 85 سنة، عاشت في قلب شبه الجزيرة العربية إمارة آل رشيد، التي تعرفها أغلب المصادر باسم إمارة جبل شمّر. وتأسّست هذه الإمارة بدعم من السلطنة العثمانية لمواجهة الوهّابيّين ومنع سيطرتهم على المنطقة. ثمّ وعقب الحرب العالمية الأولى نالت سلطنة نجد دعماً أميركياً للقضاء على إمارة آل رشيد… هذه الحرب أدّت لتهجير أغلب سكّان الإمارة نحو الشمال، حيث استقرّوا يشتغلون بالزراعة على طول نهري الفرات والعاصي وفي جبل سمعان. وأُطلق عليهم اسم الشمامرة نسبة إلى اسم الإمارة البائدة. وهؤلاء يشكّلون اليوم أغلب سكّان قرى مناطق الجزيرة والفرات وحلب من العرب.

متصرّفيّة الزّور بين الانتداب والمشروع الهاشميّ
خلال فترة الحرب العالمية الأولى خضعت متصرّفية الزور لفصائل جمعية العهد، وهي تنظيم عسكري منشقّ سنة 1913 عن الجمعية القحطانية وقد اختلفت الأخيرة مع جمعية الاتّحاد والترقّي، على إثر اختيارها اللّغة التركية لغة وحيدة للدولة. والجمعية القحطانية تأسّست سنة 1909 في القسطنطينية وجمعت الضبّاط العراقيّين المؤيّدين لثورة\انقلاب 1908 وشكّلوا العضو العربي داخل جسم الاتّحاد والترقّي.
سنة 1918 أعلن ضبّاط فصائل العهد الولاء للملك فيصل في دمشق واعتبروا العراق، بما فيه سنجق الزور، جزء من المملكة العربيّة السوريّة، كما شاركوا في المؤتمر السوري العام باسم الكتلة القومية العراقية. لكن، وبنتيجة تدمير فرنسا للمشروع الهاشمي في سوريا، اتّفقت بريطانيا وفرنسا على اقتسام سنجق الزور مناصفة، فصار القسم الغربي من نصيب سوريا الفرنسية، والقسم الشرقي من نصيب العراق البريطاني، على أن تبق حقول النفط في الزور السوري لمصلحة شركة شِل الإنگليزية-الهولاندية. وصارت هكذا مدينة دير الزور مدينة سورية.
رفض القسم الغربي من سنجق الزور هذا التقسيم ودخلوا مرحلة الفلت، فتشكّلت حكومة محلّية لتصريف أمور المنطقة. ولم تعترف حكومة دمشق العربية بهذه الإدارة لأنّها طالبت بتوحيد الشطرين تحت الحكم العراقي. ثمّ في نهاية 1918 وصل دير الزور الأمير الشريف علي بن ناصر ابن عم الأمير فيصل موفداً من الشريف ناصر بحلب على رأس فرقة غير نظامية من البغّالة والهجّانة. ونال مبايعة عشائر المنطقة للشريف حسين واحدة واحدة، وعيّن مرعي باشا الملّاح أوّل متصرّف عربي على لواء دير الزور، الذي قام بإبطال الحكومة المحلّية.
عادت القوّات البريطانية إلى اجتياح كامل متصرّفية الزور نهاية 1919 بما فيه الشطر الغربي. فقامت العشائر بتكليف رمضان شلاش لطرد البريطانيّين وهو ما حدث فعلاً فأعلن نفسه حاكماً على إمارة الفرات والخابور، وحكم باسم جميعة العهد العراقية. وهي حكومة لم تعترف بها حكومة فيصل في دمشق. نجح شلاش لاحقاً بالاستيلاء (تحرير) كامل الخابور والبوكمال والميادين.
مطلع سنة 1920 اشترط الملك فيصل استبدال شلاش بمولود مخلص باشا حاكماً على الدير لكي يعترف بحكومتها، وكترضية للإنگليز. غير أنّ رجال العشائر سيطروا على البوكمال وقطعوا خطوط الإمداد البريطانية فانسحبت بريطانيا من القسم الغربي. ثمّ في نهاية 1920 عيّنت فرنسا الحاج فاضل العبود حاكماً باسمها على الزور (أي الشطر الغربي). فانحازت العقيدات إلى مصطفى كمال في تركيا وصارت من القوّات الكمالية. فحرّكت فرنسا قوّاتها الكردية من الملّية (قوّات محمود بك الملّي) لقمع العقيدات وجماعة العهد. لكنّ القوّات الملّية انهزمت.
نهاية سنة 1921 تحرّكت القوّات الفرنسية باجتياح كامل للقطاع منطلقة من الرقّة ومدعومة من القوّات الملّية، ونجحت باحتلال تدمر ودير الزور (قواعد العقيدات) وطردت قوّاتهم إلى شرق الفرات. استمرّت المناوشات المسلّحة بين أهل المنطقة والقوّات الفرنسية، لكن بانتصار الأخيرة في تشرين ثاني 1921 صارت منطقة الجزيرة ودير الزور من أراضي سوريا الفرنسية.
مشروع لورنس لوادي الفرات
يُذكر أن لورنس كان قد قدّم مشروعاً بريطانياً مختلفاً عن الواقع المعاصر في مؤتمر پاريس للسلام سنة 1919. وكان لورنس قد رغب بتحويل متصرّفيه الزور إلى دولة باسم الجزيرة (الزور) لتكون دولة عربية تحت حكم زيد بن الحسين الهاشمي وتحت الوصاية البريطانية. ومشروع لورنس بقضي بتوسيع أراضي المتصرّفية غرباً على طول نهر الفرات لتضمين الرقّة والرُها ونصيبين شمالاً، مع فصل القسم الشرقي من المتصرّفية لمصلحة دولة في الموصل.

وكان العقيد لورنس قد نال موافقة المؤسّسة العسكرية البريطانية على مشروعه في تشرين ثاني 1918 فتقدّم به إلى مؤتمر پاريس للسلام. وسبق تقديم المشروع بدراسة أجراها طوال السنتين السابقتين؛ بالتنسيق مع القوى العربية التي حاربت العثمانية إلى جانب بريطانيا. لكن، نعلم جميعاً أنّ الضغط الفرنسي عدّل الحدود إلى ما نعرفه اليوم. ثمّ اجتاحت القوّات الفرنسية سنجق الزور.
دير الزّور في عيون كتّاب القرن الثّامن عشر
في كتاب حضارة وادي الفرات المنشور سنة 1989، يذكر مؤلّفاه عبد القادر عياش ووليد المشوح اقتباساً عن ”كتّاب معاصرين“ للحقبة العثمانية يصف بلدة الدير، دون ذكر أسماء هؤلاء الكتّاب… وأعتقد أنّ الوصف يختصّ بالقرن 18 ويرد فيه: {بيوتها متلاصقة فوق تل اصطناعي، وسكّانها أقوياء البنيّة، وأخلاقهم مهذّبة تستأنس بالغريب، وكانت محصولاتهم من القمح والشعير والقطن والذرة، إلى جانب بساتين حافلة بأنواع الفاكهة. وفيها شجر النخيل واللّيمون والبرتقال، وللعبة الشطرنج انتشار شائع بين شيوخها، وهي محاطة بسور، وتصل إليها ترعة من الجهة الجنوبيّة تنقل لها مياه نهر الفرات}.
يضيء النّصّ المقتبس جانباً مهمّاً من تاريخ بلدة الدّير، أو دير الزّور، خلال القرن 18 الميلاديّ الموافق للقرن 12 الهجريّ.
يشير الوصف إلى بناء البيوت متلاصقة فوق تلّ اصطناعيّ. ويعلّل الباحثون هذا النّمط العمرانيّ بالحاجة الملحّة لدرء أخطار فيضانات نهر الفرات المتكرّرة، ولتأمين حماية أمنيّة إضافيّة للبلدة. ويحيط بالبلدة سور متين، ممّا يؤكّد أهمّيّة دير الزّور محطّةً تجاريّةً استراتيجيّةً على طريق القوافل بين حلب وبغداد. ويضفي هذا التّحصين طابعاً مدنيّاً متطوّراً على البلدة، ويحفظ أمن السكّان وممتلكاتهم من الغزوات الخارجيّة.
تصل إلى البلدة ترعة من الجهة الجنوبيّة تنقل مياه نهر الفرات. ويوضّح هذا النّظام المائيّ براعة الأهالي في هندسة الرّيّ، فاستجرار المياه عبر قنوات مخصّصة يضمن سقاية البساتين والأراضي الزّراعيّة بانتظام، ويسهّل وصول مياه الشّرب النّقيّة إلى داخل الأسوار دون تكبّد عناء النّزول اليوميّ إلى ضفاف النّهر.
أثمرت هندسة الرّيّ هذه نهضةً زراعيّةً وفيرةً، فتنوّعت المحاصيل بين القمح والشّعير والقطن والذّرة، وهي محاصيل أساسيّة للأمن الغذائيّ والصّناعة النّسيجيّة المحلّيّة. وغرس الأهالي بساتين حافلةً بأنواع الفاكهة، ونجحوا في زراعة أشجار النّخيل واللّيمون والبرتقال. ويتطلّب نموّ الحمضيّات مناخاً دافئاً وعنايةً فائقةً، ووجودها في دير الزّور يؤكّد اعتدال المناخ آنذاك ومهارة الزّرّاع في استثمار خصوبة التّربة الفراتيّة.
يصف الكتاب سكّان دير الزّور بأقوياء البنية ذوي الأخلاق المهذّبة الّتي تستأنس بالغريب. ويسلّط هذا الوصف الضّوء على طبيعة المجتمع المضياف، فالقوّة البدنيّة نتاج طبيعيّ للعمل الزّراعيّ الشّاقّ والبيئة الفراتيّة، والأخلاق المهذّبة وحسن الاستقبال خصال متجذّرة في نفوس أهل المنطقة، ترحيباً بالتّجّار والمسافرين العابرين.
يضيف انتشار لعبة الشّطرنج بين شيوخ البلدة لمسةً فكريّةً راقيةً على المشهد الاجتماعيّ. إذ تتطلّب هذه اللّعبة تركيزاً وتفكيراً استراتيجيّاً عميقاً، وشيوعها في مجالس كبار السّنّ يبرهن وجود مجالس علم وحوار ونقاش تتجاوز الاهتمامات المادّيّة البسيطة، وترسم صورةً لمجتمع يقدّر الذّكاء والفطنة.
يرسم الكتاب لوحةً متكاملةً تنبض بالحياة لمدينة عربيّة عريقة. تضافرت العوامل الطّبيعيّة مع الجهد البشريّ لتشكيل مجتمع زراعيّ وتجاريّ مزدهر، ينعم بالاستقرار الأمنيّ والوفرة الاقتصاديّة، ويحتضن أنشطةً ذهنيّةً راقيةً تظهر رقيّ سكّانه وانفتاحهم على الآخرين بترحيب وسلام.
مراجع ومصادر
- “A History of the Ottoman Empire” by Douglas A. Howard.
- “The Ottoman Empire, 1300-1650: The Structure of Power” by Colin Imber.
- “The Ottoman Empire and the World Around It” by Suraiya Faroqhi.
- “The Arab Lands under Ottoman Rule, 1516-1800” by Jane Hathaway.
- “The Ottoman Empire and Islamic Tradition” by Norman Itzkowitz.
- “The Ottoman Scramble for Africa: Empire and Diplomacy in the Sahara and the Hijaz” by Mostafa Minawi.
- “The A to Z of the Ottoman Empire” by Selcuk Aksin Somel.
- “The Ottoman Empire: The Classical Age 1300-1600” by Halil Inalcik.
- “Orientalism and Empire: North Caucasus Mountain Peoples and the Georgian Frontier, 1845-1917” by Austin Jersild.
- “The Cambridge History of Turkey, Volume 3: The Later Ottoman Empire, 1603–1839” edited by Suraiya N. Faroqhi.
- “The Ottoman Empire and Early Modern Europe” by Daniel Goffman.
- “تاريخ الدولة العثمانية” للأستاذ الدكتور علي أنور قره داغلي.
- “العثمانيون في التاريخ” لمصطفى الصفدي.
- “الدولة العثمانية والعالم الإسلامي” لنعمان غربي.
- “العثمانيون في ميزان التاريخ” لمحمد الحامد.
- “الإمبراطورية العثمانية والعرب: نظرة تأريخية جديدة” لإيوجين روجان.
- “الدولة العثمانية: دراسة في تاريخها الإداري والثقافي والحضاري” للأستاذ الدكتور فؤاد صبحي.
- “تاريخ العرب خلال العهد العثماني” لطارق صوفي.





اترك رد