رسمة أمس السبت لجسر دير الزور المعلّق، عن صورة كان التقطها سنة 1992 الرحّالة الألماني هانز پيتر گرُومپه Hans-Peter Grumpe. ورسمتها بناء على طلب صديقي محمد عزّاوي.

إذا كان لپاريس برجها المعدني، فإنّ لمدينة دير الزور السورية جسرها المعدني، رمز للمدينة ورومنسيتها. ولا تكاد تخلو صورة من صور دير الزور من منظر للجسر بارز فيها. هذه القيمة العاطفية للجسر في قلوب أهالي دير الزور وثّقوها في قصائد شعرية سجّلت الكثير من ذكرياتهم العاطفية، ويكاد لا يخلو بيت في المدينة من صور أفراده وهم؛ إمّا يقفزون من الجسر باتجاه الفرات للسباحة، أو في لمّة عائلية أو لمّة أصدقاء أو صورة ذكرى للعرسان عقب زفافهم مباشرة، فقد كان من عادة أهل دير الزور أن تتبع الزفّة مشوَرة على الجسر يصاحب فيها الرجل حبيبته وقد صارت زوجته؛ ما بين ضفّتي النهر في رمزية عاطفية خاصّة.
كيف لا يقع أهل دير الزور في غرام جسر المشاة المعلّق وقد كلّف بناءه أرواح البعض من شباب المدينة… وركائز الجسر الإسمنتية تحتوي في الواقع بعضاً من أجسادهم، وقد سقطوا فيها في أثناء صبّ الخرسانة وتُركوا فيها دون سبيل لإخراجهم.
تمّ إنشاء جسر دير الزور المعدني المعلّق سنة 1927 خلال فترة الثورة السورية الكبرى، واستغرق إنشاءه ستّ سنوات، موّلتها حكومة دولة سوريا تحت رئاسة الداماد أحمد نامي تحت الانتداب الفرنسي، فتعود ملكية الجسر بالتالي للدولة السورية. وكان الرئيس نامي رئيساً مؤسِّساً للحزب الإسلامي الديمقراطي، بيروتي الولادة والمنشأ، من أسرة ذات أصول قوقازية من الشاپسوغ الشركس هاجرت إلى لبنان في القرن 18. اعتقلت القوّات الفرنسية وزراء حكومته بعد أن وقف إلى جانب الثورة السورية وطالب بتوحيد سوريا وبالعفو عن نشطاء الثورة السورية الكبرى، ولمّا تجاهلت القوّات الفرنسية مطالب نامي استقال من رئاسة الدولة.
نفّذت إنشاءات الجسر شركة ”فوجيغول“ Fougerolle الفرنسية واستخدمت عمّالاً محلّيين من دير الزور. وشركة فوجيغول شركة هندسة مدنية فرنسية أسّسها سنة 1844 المهندس فيليپ فوجيغول Philippe Fougerolle حين نفّذ مشروع توسعة في قناة نيڤرنيه ما بين نهري السين ولوار في مدينة أوكسار Auxerre وسط فرنسا. ولشركة فوجيغول خبرة في المنشآت المعدنية اكتسبتها من تنفيذ الجسور وبرج إيفيل في پاريس سنة 1889. ولم تزل شركة فوجيغول حيّة إلى اليوم. اشترتها شركة الصُلب الفرنسية Le Soliditit Français عقب الحرب العالمية الثانية، ثمّ اندمجت هذه الأخيرة بشركة ”إيفّاج“ Eiffage سنة 1992، خامس أكبر شركة إنشاءات في أوروپا.
سنة 2013 قُصف جسر دير الزور المعلّق وسقط في النهر وسقطت معه قلوب مئات الآلاف من أهل دير الزور في كلّ مكان. اتّهم بشار الأسد الجيش الأميركي بقصف الجسر، ثمّ اتّهمت الحكومة السورية داعش ثمّ اتّهمت الجيش السوري الحر باستهداف الجسر باستخدام المدفعية، ثمّ وبعد عامين أظهر مقطع ڤيديو مسرّب من تسجيل طائرة حربية قيام القوّات الجوية الروسية في سوريا RuAF بقصف الجسر وتدميره وادّعت الحكومة الروسية آنذاك أنّ تدمير الجسر كان بغاية قطع طرق إمدادات داعش من العراق. وكانت مدوّنة سيريا ديپلي قد نشرت تحقيقاً سنة 2013 أظهرت فيه أنّ استهداف الجسر المعلّق كان ضمن سلسلة دُمّرت فيها العشرات من الجسور على نهر الفرات ما بين دير الزور والجزيرة بغاية قطع الإمدادات عن الجيش السوري الحر.
تمّ تدشين الجسر المعلق في 23 نيسان سنة 1931. وكان قد خاف أهالي دير الزور استخدامه في البداية لكثرة اهتزازه واعتقدوا بأنّ وزن السيارات سيتسبّب بانهيار الجسر، ما دفع المهندس الفرنسي ”فيفو“ بالركوب في قارب مع زوجته وأطفاله والوقوف تحت الجسر تماماً، ثمّ طلب أن تسير ثماني سيارات دفعة واحدة فوق الجسر المعلّق، فمرّت السيارات بأمان وتيقّن أهالي دير الزور أنّ الجسر آمن. لكن في عام 1980 مُنعت السيارات والدراجات النارية من عبور الجسر حفاظاً عليه كمعلم من معالم المدينة التاريخية.
من حكايا الحرب العالمية الثانية وقد دخلت القوّات البريطانية سوريا لاعتقال القوّات الفرنسية، إذ انحازت الأخيرة إلى حكومة هيتلر النازية. قامت القوّات الفرنسية بتلغيم الجسر لينفجر بالعربات البريطانية وهي تعبر من عليه، لكنّ مواطناً من دير الزور اسمه ”أبو محمود محمّد علي“ قطع الفتيل بالسرّ فأنقذ الجسر من الدمار، وحمى قوّات الحلفاء من الموت بانفجار هدّد كذلك حياة المئات من أبناء المدينة الذين اقتربوا للترحيب بقوّات الحلفاء وقد كرهوا فظاظات الفرنسيّين.
اليوم، يعيش أبناء دير الزور في الشتات على أمل إعادة بناء جسر قلوبهم الحبيب، ويأملون يوماً يعود فيقطعون فيه نهر الفرات مشياً ما بين ضفّتيه، وقد صفت سماء مدينتهم من كلّ طائرات الأعادي.





اترك رد