يتداول بعض الناس مؤخّراً منشورات مستنسخة مكرّرة تدّعي أن كلمة سمك غير عربية ولا ذكر لها في اللّغة العربية، وهذا هراء غير صحيح، وكتبت تدوينتي هذه لأردّ عليه.
في اللّغة العربية المعاصرة كلمة سمك صيغة جمع مفردها تأنيثها سمكة… وهذه على طريقة طيء، كما هو مفرد الماء ماءة، ومفرد الحجر حجرة، ومفرد الباء باءة… وكلمة سمك عربية طبعاً، وإلّا ما كنّا وجدناها بكثرة في شروح كتاب العين للفراهيدي المنشور في القرن الثامن. ولفهمها وتأصيلها، علينا أوّلاً فهم الأساطير والفلسفة الدينية العربية القديمة.

كلمة سمك جذرها س-م-ك وتشترك في المعنى مع كلمة سُمْك أي سماكة، وكلمة سُمْك أي المكانة العالية، وكلمة سُمُك أي الدعم، سواء أكان دعمًا ناسوتيًا أو إلهي.
في الأگّدية نجد كلمة شَموتُ و شَموكُ بمعنى سمك ووردت في ملحمة گِلگاميش بمعنى مطر من سمك… وقيل في الأگّدية كذلك شَموتُ طُخدِ (شَموكُ طُخدِ) بمعنى “كثير كالمطر” كما نقول في الشام صفة “سمك!” للتعبير عن الكثير.

في الآرامية البابلية كلمة سَمِك \ سَماك ܣܡܟ (سَميك) تعني التغذية والطعام والقوت، وهي كذلك في العبرية التوراتية سَمَخ סָמַך بنفس المعاني.
في العربية الأزديّة حول الخليج العربي وفي العراق سِمِچ و سِمَچ … وفي عربية طيء سَمَك و سِمَك … في الجعزية سِمِك و سيميك ሰመክ … وفي السواحليّة سَمَكِ samaki.
والسواحليّة لهجة عربيّة تكوّنت في أيّام سلطنة كَلوة من امتزاج لغة العرب الوافدين على السلطنة بلغة البانتو المشاركية (المشرقية) واللّغة الصومالية، لكثرة زواج العرب ببنات البانتو، ولسيطرة رجال الدين الصوماليّين على المشهد الإسلامي لفترة من حياة هذه الدولة. وتأسّست السلطنة في القرن 10 وبدأت هجرة العرب إلى ممتلكاتها بعد تأسيسها، وحكمها الشيرازيّون من القرن 10 حتّى 13. ثمّ المهادلة التعزيّين من صليل من عك، من القرن 13 حتّى القرن 18. ثمّ البوسعيديّين العُمانيّين حتّى 1964. ولذلك، لا يمكن أن تعود كلمة عربية قديمة إلى اللّهجة السواحليّة في أصلها لأنّ هذه اللّهجة حديثة من الأساس.

قال الفراهيدي: سمك: السَّمَكُ في الماء، الواحدة، سمكة. والسَّمكَةُ: برج في السماء (نفسه برج الحوت). والسِّماكُ: ما سمكت به حائطاً أو سقفاً. والسَّمْكُ يجيء في موضع السقف. والسَّماءُ مَسموكةٌ، أي: مرفوعة كالسَّمْكِ… وهذا مربط خيلنا.

وهي في البداية كانت سم بمعنى: الوجود، الكون، السماء، الروح، فوق. أضيفت لها الواو (المدّ) فصارت سمو \ سما بمعنى الارتقاء (السماء)، وأضيفت لها النسبة فصارت سمچ \ سماك \ سمق بمعنى الشيء السماوي، النعمة النازلة من السماء. لهذا أطلق العرب القدامى على المطر كلمة شَموتُ و شَموكُ واستعملوها نفسها بمعنى النعمة الغذاء لأنّ النعمة تأتي من عند الخالق في السماء، حتّى أنّهم استعملوا ذات الكلمة وصفاً للقمح لأنّه نعمة تنبت بالمطر، نعمة السماء.
وكانت الأساطير العربية القديمة قد تحدّثت باعتقاد الناس أنّ السمك يظهر في الماء بعد نزول المطر، لأنّ قطرات المطر هي بذار الخالق تضع بذور السمك في الأنهار والبحيرات والبحار. وكانت حجّتهم أنّ السمك موجود في البحيرات المغلقة دون أن تتّصل بالبحر، وماءها يأت من أنهار زاحفة في الجبال، والجبال ليس فيها سمك!

قال الفراهيدي:
سمو: سما يَسْمُو سُمُوّاً، أي: ارتفع، وسما إليه بَصَرُي، أي ارتفع بَصَرُك إليه، وإذا رُفعَ لك شيءٌ من بعيدٍ فاستبنتَهُ قلت: سما لي شيء.
وإذا خرج القومُ للصَّيْد في قِفار الأَرْض وصَحاريها قلتَ: سَمَوْا، وهم السُّماةُ، أي: الصّيّادون. (لأنّهم يعودون بالغذاء \ النعمة).
والاسم: أصلُ تأسيسِهِ: السُمُوّ، وألفُ الاسمِ زائدةٌ ونقصانُه الواوُ، فإذا صَغَّرتَ قُلْتَ: سُمَيّ. وسمّيت، وأَسْميت، وتَسَمَّيْت بكذا، قال: باسم الذّي في كلّ سورة سِمُهْ. (فحتّى اسم الشخص، هويّته، عائدة في الأصل على كلمة سم الأولى بمعنى الروح، فالاسم ملامح روح، وأحد أفراعها، ومن سماتها).
وسَماوةُ الهِلال: شَخصُهُ إذا ارتفع عن الأُفُق شيئاً. والسَّماوة: بالبادية. وكان اسمها ماء السّماوة، فسمّتها الشّعراء: ماء السّماء، والسّماء: المطر الجائد، والجميعُ: السّماء والسّماوات. والسّماويّ: نسبة إلى السّماوة.
ويقال عن الإنسان إذا صحّت صحّته سَمُك لأنّه يُسَمِّكُ بأكل النعمة \ الغذاء الذي سَمَّكَ بدنه. وهي اشتقاقات مصدرها تَسْمِيك أي تغذية. وتعود هذه إلى أنّ معنى سمك من الأساس هو الغذاء. وهو ما ذهب إليه كذلك المعجمي البريطاني إدوارد لين Edward William Lane وعالم العقيدة جيمس سترونگ James Strong (theologian)

ونعود في الخلاصة، إلى أنّ سمك كلمة عربية تعني الغذاء، النعمة. وعمرها بين العرب قديم جدّاً من عمر أقدم لغة مكتوبة.
وأقترح أن تقرأ حكاية تأصيل كلمة حوت من هنا لما أوردته فيه من أسماء الأسماك القديمة.
وكذلك بحثي {في تأصيل كلمة سُلُك} من هنا لما أورته فيه من شروح لبعض المعتقدات العربية القديمة.





اترك رد