دراسات رائدة تكشف مخاطر الألياف الاصطناعية على الهرمونات والإنجاب
نشهد اليوم تراجعاً مثيراً للقلق في معدّلات الخصوبة البشرية حول العالم، يعاني الكثير من الرجال مشاكل جنسية، وتعاني النساء صعوبة الإنجاب، ويحار العلماء في تفسير هذه الظاهرة المتنامية. وفي حين توجّه الأنظار نحو التلوث البيئي والمواد الكيميائية الصناعية، تبقى ثمّة عوامل خفية لم تنل حظّها من الدراسة والتمحيص. ومن بين هذه العوامل المهملة: الملابس التي نرتديها يومياً، وتحديداً تلك المصنوعة من الألياف الاصطناعية مثل الپولْيِستر.
منذ ثلاث عقود ونيّف، أجرى باحث مصري رائد سلسلة دراسات علمية صارمة أظهرت ارتباطاً مقلقاً بين ارتداء الأقمشة الاصطناعية واضطرابات الخصوبة. لكن، بقيت هذه الاكتشافات حبيسة المجلّات العلمية المتخصّصة، بعيداً عن أعين الجمهور وصنّاع القرار في صناعة الألبسة التي تجني مليارات الدولارات سنوياً من بيع المنتجات الپولْيِسترية. برغم أنّ الدكتور شفيق كرّس ما يقارب عقدين من الزمن لهذا المجال البحثي غير التقليدي، مموّلاً كل ذلك من ماله الخاص.
اليوم، وقد أصبح الپولْيِستر يشكّل أكثر من 70% من الألياف المستخدمة في صناعة الملابس العالمية، ومعظم مكوّنات أقمشة المفروشات المنزلية، وفي حين تواصل معدّلات الخصوبة انخفاضها الحادّ، آن الأوان لإعادة النظر في هذه الدراسات الرائدة ومواجهة احتمال مرعب: أن تكون الملابس التي نرتديها إحدى العوامل الخفية وراء أزمة الخصوبة العالمية.
وما يجعل هذه القضية أكثر إلحاحاً أن تأثيرات الپولْيِستر المحتملة لا تقتصر على الخصوبة وحدها. الهرمونات التي تتأثّر بالمجالات الكهروستاتية – الپروجسترون والتستوستيرون تحديداً – تؤدّي أدواراً حيوية في وظائف بشرية متعدّدة.
انخفاض الپروجسترون عند النساء يرتبط بالقلق والاكتئاب واضطرابات النوم، وبهشاشة العظام على المدى الطويل، وبـ”ضباب الدماغ” وصعوبة التركيز، وباحتباس السوائل وزيادة الوزن. أمّا انخفاض التستوستيرون عند الرجال فيؤدي إلى فقدان الكتلة العضلية والقوّة، والتعب المزمن وانخفاض الحافز، وزيادة دهون البطن ومقاومة الأنسولين، وضعف الذاكرة وقلة التركيز.
كلا الهرمونين يؤثّران على الرغبة الجنسية وجودة النوم والاستجابة للضغط النفسي عند الجنسين. ويعني هذا أنّ ملايين الناس الذين يرتدون الپولْيِستر يومياً قد يعانون من تأثيرات صحّية أوسع بكثير من مجرد مشاكل إنجابية – تأثيرات تمسّ نوعية حياتهم اليومية، ومزاجهم، وطاقتهم، وصحّتهم البدنية والنفسية على حدّ سواء.

خارطة طريق
سيأخذك هذا المقال في رحلة علمية شاملة عبر عدّة محطّات:
- أوّلاً، سنتعرّف على الدكتور أحمد شفيق، الجرّاح والباحث المصري الذي كرّس جزءاً كبيراً من مسيرته لدراسة تأثير الأقمشة على الصحّة الإنجابية، وسنفهم فلسفته العلمية غير التقليدية التي دفعته لاستكشاف هذا المجال المهمل.
- ثانياً، سنستعرض بالتفصيل الدقيق خمس دراسات رئيسية أجراها شفيق على الجرذان والكلاب والبشر، مع تحليل نتائجها المذهلة التي تشير إلى تأثيرات ضارّة واضحة للپولْيِستر على النشاط الجنسي، وتكوين الحيوانات المنوية، والإباضة، واستقرار الحمل.
- ثالثاً، سنتعمّق في الآلية العلمية المقترحة لهذه التأثيرات، وهي المجالات الكهروستاتية التي يولّدها الپولْيِستر عند احتكاكه بالجلد، وكيف تعطّل هذه المجالات الوظائف الخلوية الدقيقة للأعضاء التناسلية عند الذكور والإناث.
- رابعاً، سنناقش ردود الفعل الأكاديمية والعلمية، ونحلّل الصمت المحيّر الذي قوبلت به هذه الدراسات، وغياب الدراسات التكرارية الواسعة، ونستكشف الأسباب المحتملة وراء هذا التجاهل.
- خامساً، سنكشف موقف صناعة الألبسة العالمية ونستعرض استراتيجياتها في التعامل مع هذه المسألة، من الصمت المطبق إلى محاولات الغسل الأخضر المضللة.
- سادساً، سنرسم خارطة طريق شاملة للتغيير على مستويات المستهلك الفرد، والصناعة، والحكومات، والمجتمع الطبي، والمجتمع المدني.
- أخيراً، سنضع هذه القضية في سياقها الأوسع جزء من أزمة بيئية وصحّية أشمل تشمل الپلاستيك الدقيق والمواد الكيميائية المعطّلة للغدد الصماء.
الهدف النهائي: تمكينك من فهم المخاطر المحتملة واتّخاذ قرارات واعية بشأن الملابس التي ترتديها والأقمشة التي تحيط بك.

القسم الأوّل:
رائد مهمل – الدكتور أحمد شفيق وفلسفته العلمية
سيرة موجزة
وُلد أحمد شفيق في العاشر من أيّار مايو عام 1933 في محافظة المنوفية بمصر، وتخرّج في كلية الطب بجامعة القاهرة عام 1957 بتقدير ممتاز. نال درجة الدكتوراه عام 1962، وعُيّن أستاذاً ورئيساً لقسم الجراحة والبحث التجريبي بكلية الطب عام 1990.
امتازت مسيرة شفيق بإنتاجية علمية استثنائية، فنشر أكثر من ألف بحث علمي محكَّم وخمسمئة دراسة في مجالات متنوّعة تشمل جراحة القولون والمستقيم، وطبّ المسالك البولية، والفسيولوجيا الجنسية. وحصل على جائزة الدولة المصرية في العلوم والفنون من الدرجة الأولى عام 1977، ورُشّح أربع مرات لجائزة نوبل في الطبّ والفسيولوجيا.
لكن ما ميّز شفيق حقاً كان استقلاليته الفريدة. موّل بحوثه من ماله الخاص، ومنحه هذا حرّية استكشاف موضوعات غير تقليدية دون ضغوط من الجهات المموّلة أو الشركات. وبعد وفاته عام 2007، مُنح جائزة إگنوبل Ig Nobel (جائزة نوبل الساخرة) بعد وفاته عام 2016 تقديراً لبحوثه غير التقليدية حول تأثير الأقمشة على النشاط الجنسي. وهي جائزة تُمنح كل عام في أجواء مضحكة وكوميدية للبحوث العلمية اعتماداً على معيار «تجعل الناس يضحكون ثم تجعلهم يفكرون».
فلسفة علمية جريئة
اتّبع شفيق نهجاً علميّاً يشبه منهج فلاسفة العلم في القرن التاسع عشر، إذ سعى وراء المعرفة لذاتها دون قيود تقليدية. لم يخش الخوض في موضوعات محظورة اجتماعيّاً، خاصّة في المجتمعات المحافظة، وهذا ما جعله رائداً في مجاله. آمن بأنّ البحث العلمي الحقيقي يجب أن يستكشف كلّ الاحتمالات، حتى لو بدت غريبة أو غير مألوفة.
وهنا نجد مفارقة مثيرة: شفيق الذي نال الاعتراف الأكاديمي الرفيع وتقدير المؤسّسات العلمية المرموقة، اختار أن يبحث في موضوع قد يبدو هزليّاً للوهلة الأولى – إلباس الحيوانات سراويل وقياس نشاطها الجنسي. لكن هذا الاختيار الظاهري الغريب نبع من فضول علمي حقيقي وشكّ منهجي في الافتراضات السائدة.
السؤال الذي طرحه شفيق كان بسيطاً لكنّه عميق: إذا كانت البيئة المحيطة تؤثّر على الصحّة، فلماذا لا تكون الملابس – وهي تلامس أجسادنا طوال النهار واللّيل – عاملاً مؤثّراً أيضاً؟ وإذا كانت بعض الأقمشة تولّد كهرباء ساكنة ملموسة (كما يشهد كلّ من ارتدى پولْيِستر وشعر بـ”لسعة” كهربائية عند خلع الملابس)، فما تأثير هذه الشحنات على الأعضاء الحسّاسة؟

القسم الثاني:
الدراسات الخمس – استكشاف منهجي ومتدرّج
المنهجية العامّة: من الحيوان إلى الإنسان
اتّبع شفيق منهجية علمية صارمة في بحوثه، بدأها بدراسات على الجرذان (حيوانات التجارب الأكثر شيوعاً في البحوث الطبّية)، ثم انتقل إلى الكلاب (حيوانات أكبر حجماً وأقرب فسيولوجياً للبشر في بعض الجوانب)، وأخيراً أجرى دراسات على البشر. هذا التدرّج المنطقي يظهر منهجية علمية سليمة تسعى لبناء الأدلّة تدريجيّاً قبل الانتقال إلى التجارب البشرية.
كانت فرضيته الأساسية واضحة: الأقمشة المختلفة تولّد مستويات مختلفة من الكهرباء الساكنة عند احتكاكها بالجلد، وهذه الشحنات الكهروستاتية قد تؤثّر على الأنسجة والأعضاء الحسّاسة، خاصّة الأعضاء التناسلية. ولاختبار هذه الفرضية، صمّم تجارب مضبوطة بعناية تقارن تأثير أقمشة مختلفة على مدى فترات زمنية طويلة.
الدراسة الأولى 1993: الجرذان الذكور والنشاط الجنسي
نُشرت في مجلة European Urology المرموقة، وشكّلت هذه الدراسة البداية اللّافتة. أخذ شفيق 75 جرذاً ذكراً وقسّمهم إلى خمس مجموعات متساوية: أربع تجريبية ومجموعة ضابطة لم ترتدِ شيئاً. ألبس كلّ مجموعة تجريبية سراويل صغيرة مصنوعة من قماش مختلف: پولْيِستر نقي 100%، وأخلاط پولْيِستر-قطن بنسبة 50/50%، وقطن نقي 100%، وصوف نقي 100%.
راقب الجرذان 12 شهراً، وقاس نشاطها الجنسي بطريقة موضوعية: نسبة الإيلاج الناجح إلى محاولات التزاوج. كما قاس الجهد الكهروستاتي على القضيب وكيس الصفن.
النتائج صادمة. عند الشهر السادس والشهر الثاني عشر، أظهرت الجرذان التي ارتدت پولْيِستر أو أخلاط پولْيِستر-قطن انخفاضاً كبيراً في النشاط الجنسي مقارنة بالمستويات الأساسية والمجموعات الضابطة، وبلغت الدلالة الإحصائية p < 0.0001 (احتمالية ضئيلة جداً أن تكون النتيجة محض صدفة).
كان الانخفاض أكثر وضوحاً في مجموعة الپولْيِستر النقي منه في الأخلاط، وأشدّ في الشهر الثاني عشر منه في الشهر السادس، ممّا يشير إلى تأثير تراكمي مع الزمن. أمّا مجموعتا القطن والصوف فلم تُظهرا تغييرات ملحوظة في الأشهر الستّة الأولى، بل أظهرتا زيادة في النشاط الجنسي عند الشهر الثاني عشر.
لكنّ الأهمّ من كلّ ذلك: بعد ستّة أشهر من إزالة السراويل، عادت نسبة الإيلاج/التزاوج إلى المستويات الطبيعية في جميع المجموعات. يعني هذا أنّ التأثير قابل للعكس بالكامل.
أظهرت القياسات الكهروستاتية أنّ السراويل المحتوية على پولْيِستر أنتجت جهوداً كهروستاتية عالية، في حين لم تنتج الأقمشة الأخرى (القطن والصوف) أيّ جهود ملحوظة. استنتج شفيق أنّ هذه الجهود الكهروستاتية تخلق “مجالات كهروستاتية” في التراكيب داخل القضيب، وهذا ما يفسّر انخفاض النشاط الجنسي.
الدراسة الثانية 1993: ذكور الكلاب وتكوين الحيوانات المنوية
نُشرت في مجلة Urological Research، وكانت أوسع نطاقاً وأطول مدّة. أخذ شفيق 24 كلباً ذكراً وقسّمهم إلى مجموعتين متساويتين: مجموعة ارتدت سراويل قطنية ومجموعة ارتدت سراويل پولْيِسترية، مع سبعة كلاب مجموعة ضابطة لم ترتدِ شيئاً.
صمّم السراويل لتكون فضفاضة في منطقة كيس الصفن لتجنّب التأثير العازل الحراري، فالخصيتان تحتاجان لدرجة حرارة أبرد قليلاً من حرارة الجسم الأساسية لإنتاج حيوانات منوية سليمة. استمرّت التجربة 24 شهراً متواصلاً (عامان كاملان)، تلتها متابعة لـ12 شهراً إضافياً بعد إزالة السراويل.
قاس شفيق عدّة معايير: خصائص السائل المنوي (العدد، والحركة، والأشكال الطبيعية مقابل الشاذّة)، ودرجة حرارة الخصيتين، ومستويات الهرمونات (التستوستيرون، وFSH، وLH، والبرولاكتين)، مع أخذ خزعة نسيجية من الخصيتين لفحصها مجهريّاً.
كانت النتائج مقلقة للغاية. لم تُظهر مجموعة الپولْيِستر تغييرات ملحوظة في درجة حرارة الخصيتين في أثناء ارتداء السراويل، ممّا يستبعد العامل الحراري سبب رئيس. لكن بنهاية الـ24 شهراً، ظهرت تغييرات درامية في خصائص السائل المنوي: انخفاض كبير في عدد الحيوانات المنوية، وانخفاض كبير في الحيوانات المنوية المتحرّكة، وزيادة كبيرة في الأشكال الشاذّة. وصلت الدلالة الإحصائية إلى p < 0.001 في جميع هذه المعايير.
أظهرت الخزعة النسيجية للخصيتين تغيّرات تنكّسية degenerative changes في الأنسجة، ممّا يشير إلى ضرر فعلي على المستوى الخلوي. أمّا الهرمونات فلم تُظهر تغييرات ملحوظة طوال فترة الدراسة، وهذا يعني أن التأثير كان محلّيّاً على الخصيتين وليس على المحور الهرموني المركزي (الغدّة النخامية والوطاء).
لكن مرّة أخرى، جاءت الأخبار السارّة: بعد إزالة السراويل الپولْيِسترية، تحسّنت خصائص السائل المنوي تدريجيّاً إلى المستويات الطبيعية في عشرة كلاب من أصل 12. كلبان فقط بقيا يعانيان من قلّة النطاف oligozoospermia حتى بعد التعافي، ممّا يشير إلى أضرار دائمة في حالات نادرة، ربّما بسبب حساسية فردية أو تلف شديد.
أمّا مجموعتا القطن والضابطة فلم تُظهرا أيّ تغييرات ملحوظة في جميع المعايير المذكورة طوال 36 شهراً من الدراسة.
استنتج شفيق أنّ السراويل الپولْيِسترية كان لها تأثير ضارّ على تكوين الحيوانات المنوية في الكلاب، لكنّه قابل للعكس في معظم الحالات. بقي السبب الدقيق غير معروف، لكن الجهود الكهروستاتية الناتجة عن نسيج الپولْيِستر بدت العامل الأكثر احتمالاً.
الدراسة الثالثة 1998: إناث الكلاب والپروجسترون
نُشرت في مجلة Journal of Obstetrics and Gynaecology، وركّزت على الإناث لأوّل مرّة. أخذ شفيق 35 أنثى كلب وقسّمهن إلى خمس مجموعات متساوية: أربع تجريبية ومجموعة ضابطة. ارتدت كلّ مجموعة تجريبية سراويل داخلية من قماش مختلف: پولْيِستر نقي 100%، وأخلاط پولْيِستر-قطن 50/50%، وقطن نقي 100%، وصوف نقي 100%.
استمرّت التجربة 12 شهراً، تلتها متابعة لستة أشهر إضافية بعد إزالة السراويل. قاس شفيق مستويات هرمون الإستراديول 17β ومستويات هرمون الپروجسترون، ومحاولات التزاوج/التلقيح، والجهود الكهروستاتية على الجلد المغطّى بالنسيج.
أذهلت النتائج حتى شفيق نفسه. ثماني إناث (من أصل 14 ارتدت پولْيِستر أو أخلاط پولْيِستر-قطن) أظهرن انخفاضاً ملحوظاً في مستويات الپروجسترون في المصل في أثناء فترة الشبق (الخصوبة) من الدورة الشبقية، وأخفقن في الحمل عند التزاوج أو التلقيح الصناعي. كان الانخفاض في الپروجسترون بمعدّل أضعاف مضاعفة مقارنة بالمستويات الطبيعية.
رُصدت جهود كهروستاتية على جلد جميع الكلاب التي ارتدت أقمشة تحتوي على پولْيِستر، في حين لم تُرصد أيّ جهود كهروستاتية على كلاب مجموعتي القطن والصوف.
لكن بعد خمس أشهر من إزالة السراويل، عادت مستويات الپروجسترون للإناث الثماني إلى طبيعتها، وحملن جميعهن بنجاح. أمّا المجموعات التي ارتدت قطناً أو صوفاً، والمجموعة الضابطة، فكانت لديها مستويات طبيعية من الهرمونات التناسلية طوال فترة ارتداء السراويل، وحملن جميعاً عند التزاوج.
اقترح شفيق أنّ انخفاض الپروجسترون وفشل الحمل في الإناث الثماني يشيران إلى فشل في الإباضة أو أخفق في تكوين الجسم الأصفر corpus luteum – الغدّة المؤقتة التي تتشكّل بعد الإباضة وتفرز الپروجسترون. ربّما خلقت الجهود الكهروستاتية المرصودة على الجلد “مجالاً كهروستاتيّاً” يثبط الوظيفة المبيضية.
الخلاصة الأهمّ: التأثير كان قابلاً للعكس بالكامل بمجرّد إزالة الأقمشة الپولْيِسترية.
الدراسة الرابعة 1997-2007: الكلاب الحوامل والإجهاض التلقائي
نُشرت في مجلة Clinical and Experimental Obstetrics & Gynecology، واستكشفت سؤالاً أخطر: ماذا لو ارتدت الأنثى پولْيِستر في أثناء الحمل نفسه؟
أخذ شفيق 35 أنثى كلب حامل وقسّمهن بالتساوي إلى مجموعة ضابطة وأربع مجموعات تجريبية. في أثناء الحمل، ارتدت المجموعات التجريبية ملابس مصنوعة من پولْيِستر نقي، أو قطن، أو صوف، أو أخلاط پولْيِستر-قطن 50/50%. قاس الإستراديول 17β والپروجسترون في المصل قبل الحمل وكلّ 15 يوماً في أثناء الحمل، والجهد الكهروستاتي على الجلد قبل وبعد ارتداء الملابس.
الإناث التي ارتدت قطناً أو صوفاً أو أخلاط پولْيِستر-قطن، بالإضافة إلى خمس من أصل سبع ارتدت پولْيِستر نقي، كانت لديهن مستويات طبيعية من الإستراديول والپروجسترون في أثناء الحمل، وأنجبن صغاراً طبيعيّين.
لكن اثنتين فقط من مجموعة الپولْيِستر النقي أظهرتا مستويات منخفضة من الپروجسترون في الشهر الأوّل من الحمل، وأُجهضتا تلقائيّاً. في الدورة الشبقية اللاحقة، زُوّجت هاتان الأنثيان دون إلباسهما ملابس پولْيِستر، فكانت مستويات الهرمونات التناسلية طبيعية، وأنجبتا صغاراً طبيعيّين.
رُصد الجهد الكهروستاتي على جلد المجموعات التي ارتدت پولْيِستر فقط، وكان أعلى في الپولْيِستر النقي منه في الأخلاط.
استنتج شفيق أنّ سبب انخفاض الپروجسترون والإجهاض في الأنثيين غير معروف بدقّة، لكن يبدو أنّ الإجهاض نتج عن انخفاض الپروجسترون الذي ربّما نتج عن التأثير الضارّ للجهد الكهروستاتي على الوظيفة المبيضية أو وظيفة المشيمة.
الدراسة الخامسة 1992 و 1996: الرجال – موانع الحمل الپولْيِسترية
بعد بناء قاعدة صلبة من البيانات على الحيوانات، انتقل شفيق أخيراً إلى البشر. نشر دراستين رئيستين، الأولى في مجلة Contraception عام 1992، والثانية في دراسات بشرية متنوّعة عام 1996.
في الدراسة الأولى، ألبس رجال أصحّاء خصبون جنسيّاً “حمّالة پولْيِسترية” polyester sling مصمّمة خصّيصاً لكيس الصفن، ثمّ راقبهم سنة كاملة، مع متابعة بعد الإزالة لرصد التعافي.
النتائج مذهلة: بعد متوسّط 139.6 ± 20.8 يوماً (حوالي أربع أشهر ونصف)، أصبح جميع الرجال يعانون من انعدام النطاف azoospermia – أي عدم وجود حيوانات منوية في السائل المنوي على الإطلاق. انخفض حجم الخصيتين، وانخفض فرق درجة الحرارة المستقيمية-الخصوية.
لكن بعد إزالة حمّالة الپولْيِستر، استغرق الأمر متوسط 156.6 ± 14.8 يوماً (حوالي خمس أشهر) لعودة الحيوانات المنوية إلى المستويات الطبيعية. كان التعافي كاملاً في معظم الحالات.
اقترح شفيق أن التأثير المانع للحمل من حمّالة الپولْيِستر نتج عن آليتين: إنشاء مجال كهروستاتي عبر التراكيب داخل كيس الصفن، واضطراب في تنظيم الحرارة. استنتج أنّ الرجال الخصبون يمكن جعلهم عديمي النطاف بارتداء حمّالة الپولْيِستر، وأنّها وسيلة آمنة وقابلة للعكس ومقبولة ورخيصة لمنع الحمل عند الرجال.
في الدراسة الثانية، أخذ 50 رجلاً ذوي قدرة جنسية ونشاط جنسي طبيعيّين وقسّمهم إلى خمس مجموعات متساوية: أربع تجريبية ومجموعة ضابطة. ارتدت كلّ مجموعة تجريبية سراويل داخلية من نوع مختلف (پولْيِستر نقي 100%، وأخلاط 50/50%، وقطن نقي 100%، وصوف نقي 100%). قيّم السلوك الجنسي قبل وبعد ستّة أشهر و12 شهراً من ارتداء السراويل، وستّة أشهر بعد إزالتها. قاس الجهود الكهروستاتية على القضيب وكيس الصفن.
أظهرت النتائج أنّ السراويل المحتوية على پولْيِستر كان لها “تأثير ضارّ” على النشاط الجنسي البشري، وجاءت النتائج مشابهة لدراسات الحيوانات. قاس شفيق الجهود الكهروستاتية على البشر بدقّة:
- الپولْيِستر النقي 100%: متوسّط 338.9 ± 25 ڤولت/سم²
- أخلاط پولْيِستر-قطن 50/50%: متوسّط 148.3 ± 16 ڤولت/سم² (أقلّ من النصف)
- القطن النقي 100%: صفر – لم تُرصد أيّ جهود كهروستاتية

القسم الثالث:
فكّ الشيفرة – الآلية العلمية المقترحة
الاحتكاك الثلاثي الكهربائي: ولادة الشحنات
لفهم كيف يؤثّر الپولْيِستر على الخصوبة، علينا أوّلاً فهم ظاهرة فيزيائية بسيطة لكن قويّة: الاحتكاك الثلاثي الكهربائي Triboelectricity. عندما تحتكّ مادّتان مختلفتان ببعضهما، يحدث انفصال للشحنات – تنتقل الإلكترونات من سطح إلى آخر، ممّا ينتج عنه زيادة في الشحنة الكهربائية على إحدى السطحين.
الپولْيِستر، بطبيعته الكيميائية، ميّال جداً لتراكم الشحنات الموجبة عند احتكاكه بالجلد البشري. كلّما ارتدينا ملابس پولْيِسترية وتحرّكنا، يحدث احتكاك مستمرّ بين القماش والجلد، ممّا يولّد شحنات كهربائية متراكمة على سطح الجلد.
وكما أظهرت قياسات شفيق الدقيقة، هذه الشحنات ليست تافهة. الپولْيِستر النقي يولّد جهداً كهروستاتيّاً بمتوسّط 339 ڤولت/سم²، وهذا رقم كبير نسبيّاً. وللمقارنة، القطن والصوف لا يولّدان أيّ جهود كهروستاتية ملحوظة.
من الشحنات السطحية إلى المجالات العميقة
لكنّ الشحنات على سطح الجلد ليست المشكلة الحقيقية. المشكلة تكمن في أنّ هذه الشحنات تخلق “مجالاً كهروستاتيّاً” يمتدّ إلى داخل الجسم، مخترقاً الجلد والأنسجة الداخلية.
المجال الكهروستاتي هو منطقة من الفضاء تؤثّر فيها القوى الكهربائية على الشحنات. وعندما يخترق هذا المجال الأعضاء التناسلية – الخصيتين عند الرجال، أو المبايض والرحم عند النساء – يمكن أن يعطّل الوظائف الخلوية الدقيقة.
التأثير على الذكور: ثلاثية الضرر
في الرجال، يؤثّر المجال الكهروستاتي على ثلاثة مستويات:
أوّلاً، تثبيط تكوين الحيوانات المنوية. عملية تكوين الحيوانات المنوية spermatogenesis معقّدة للغاية، تتطلّب انقسامات خلوية متتالية ومنظّمة بدقّة، وتحوّلات شكلية دقيقة. قد تعطّل المجالات الكهروستاتية هذه الانقسامات، أو تؤثّر على نضج الحيوانات المنوية، أو تسبّب تلفاً في الحمض النووي أو في تكوين ذيل الحيوان المنوي. التغيّرات التنكّسية التي رصدها شفيق في أنسجة الخصية تشير إلى ضرر مباشر على الخلايا المنتجة للنطاف.
ثانياً، انخفاض الحركة وزيادة الأشكال الشاذّة. حتى الحيوانات المنوية التي تتشكّل قد تكون معيبة – بطيئة الحركة أو مشوّهة الشكل، ممّا يقلّل فرص وصولها إلى البويضة وإخصابها.
ثالثاً، التأثير على النشاط الجنسي نفسه. قد تعطّل المجالات الكهروستاتية في التراكيب داخل القضيب الإشارات العصبية المطلوبة للانتصاب، أو تدفّق الدم إلى الأنسجة الكهفية، أو الاستجابات الفسيولوجية للإثارة الجنسية. وهذا يفسّر الانخفاض الذي رصده شفيق في نسبة الإيلاج/التزاوج عند الجرذان والكلاب، والتأثير الضارّ على السلوك الجنسي البشري.
التأثير على الإناث: اضطراب الهرمونات والدورات
في النساء، التأثير أكثر تعقيداً لأنّه يتعلّق بتنظيم هرموني دقيق. الپروجسترون ضروري لعدّة عمليات حيوية: الإباضة السليمة، وتكوين ونضج الجسم الأصفر، وتحضير بطانة الرحم لاستقبال البويضة المخصّبة، والحفاظ على الحمل في المراحل المبكرة.
المجالات الكهروستاتية قد تعطّل هذه العمليات على عدّة مستويات:
أوّلاً، تثبيط الإباضة. قد تعطّل الإشارات الهرمونية من الغدّة النخامية إلى المبايض، أو تؤثّر على نضج الجريبات المبيضية، أو تمنع إطلاق البويضة من الجريب. وبدون إباضة، لا يمكن حدوث حمل.
ثانياً، فشل تكوين الجسم الأصفر. حتّى لو حدثت الإباضة، قد يفشل الجريب في التحوّل إلى جسم أصفر منتج للپروجسترون. وبدون پروجسترون كافٍ، لا يمكن للبويضة المخصّبة الانغراس في بطانة الرحم، أو لا يمكن للحمل المبكّر الاستمرار.
ثالثاً، زيادة خطر الإجهاض. انخفاض الپروجسترون في المراحل المبكرة من الحمل يؤدّي إلى عدم كفاية تحضير بطانة الرحم، وفشل انغراس الجنين أو انغراس ضعيف، وإجهاض تلقائي في الأسابيع الأولى. وهذا ما حدث بالضبط في اثنتين من الكلاب في دراسة شفيق.
لماذا القطن والصوف آمنان؟
يكمن السرّ في الطبيعة الفيزيائية والكيميائية لهذه الألياف. القطن والصوف والكتّان والحرير، كلّها ألياف طبيعية لم تمرّ بعمليات كيميائية معقّدة تغيّر خصائصها الكهربائية الأساسية. عند احتكاكها بالجلد، لا تحدث انفصالات شحنات كبيرة، ولا تتشكّل مجالات كهروستاتية ضارّة.
علاوة على ذلك، تتمتّع الألياف الطبيعية بخصائص فيزيائية مفيدة: نفاذية جيّدة للهواء تحافظ على درجة حرارة مثالية للأعضاء التناسلية، وقدرة على امتصاص الرطوبة والعرق بفعالية ممّا يقلّل من البيئة الرطبة المواتية للعدوى، وملمس طبيعي لا يسبّب تهيّجاً أو احتكاكاً مفرطاً.
القابلية للعكس: أمل في ظلّ المخاوف
ربّما أهمّ اكتشاف في جميع دراسات شفيق هو أنّ التأثيرات قابلة للعكس بالكامل في معظم الحالات. بعد إزالة الأقمشة الپولْيِسترية، عادت الخصوبة والهرمونات إلى مستوياتها الطبيعية في غضون أشهر. هذا يعني أنّ الضرر ليس دائماً في الغالب، وأنّ الجسم البشري قادر على التعافي إذا أُزيل المصدر الضارّ.
وهذا يحمل رسالة أمل: التغيير ممكن، والحلّ بسيط ومتاح. ليست هناك حاجة لأدوية معقّدة أو علاجات باهظة الثمن، بل ببساطة: استبدال الأقمشة الپولْيِسترية بأقمشة طبيعية.

القسم الرابع:
ردود الفعل – صمت أكاديمي وتجاهل صناعي
الصمت المحيّر في الأوساط الأكاديمية
برغم نشر دراسات شفيق في مجلات علمية محترمة ومحكَّمة European Urology، Urological Research، Journal of Obstetrics and Gynaecology، Contraception، إلّا أن ردّ الفعل الأكاديمي كان صمتاً مدوّياً.
لم تُكرّر دراسات شفيق على نطاق واسع من قبل باحثين مستقلّين آخرين. يعتمد البحث العلمي على التكرار للتحقّق من صحّة النتائج، وغياب هذا التكرار يُضعف من مصداقية الادّعاءات في نظر المجتمع العلمي. ولم تُجرَ دراسات واسعة النطاق على البشر لتأكيد النتائج أو دحضها بشكل نهائي.
الأسباب المحتملة لعدم التكرار متعدّدة ومتشابكة:
صعوبة الحصول على تمويل. الدراسات التي قد تضرّ بصناعة بمليارات الدولارات نادراً ما تحصل على دعم من المؤسسات البحثية أو الشركات. معظم البحوث الطبّية والعلمية تُموّل من مصادر لها مصالح مالية، والقليل منها يرغب في تمويل بحث قد يهدّد صناعة عملاقة.
تضارب المصالح. العديد من الأقسام الأكاديمية في الجامعات الكبرى تتلقّى تمويلاً من شركات النسيج والموضة، سواء بشكل مباشر (للبحوث المشتركة) أو غير مباشر (عبر الرعايات والمنح). وهذا يخلق بيئة غير مواتية لإجراء بحوث قد تهدّد شركاء الجامعة الماليّين.
غرابة الموضوع الظاهرية. دراسة “الجرذان بالسراويل” قد تبدو هزلية للبعض، ممّا يقلّل من جدّيتها الأكاديمية في نظر الباحثين التقليديّين. وفي بيئة أكاديمية تنافسية تسعى فيها الجامعات للحصول على منح محدودة، قد يتجنّب الباحثون الموضوعات “الغريبة” خوفاً على سمعتهم.
التحدّيات الأخلاقية. إجراء تجارب طويلة المدّة على البشر (سنة أو أكثر) بارتداء أقمشة قد تضرّ بخصوبتهم يثير قضايا أخلاقية معقّدة. لذا قد تتردّد لجان الأخلاقيّات في الجامعات في الموافقة على مثل هذه الدراسات، خاصة في غياب أدلّة واسعة النطاق على ضرر محتمل.
الاعتراف الساخر: جائزة Ig Nobel
في عام 2016، مُنح الدكتور أحمد شفيق (بعد وفاته) جائزة Ig Nobel في فئة الإنجاب. وتُمنح هذه الجائزة الساخرة للبحوث التي “تجعل الناس يضحكون أوّلاً، ثمّ يفكّرون”.
يحمل هذا الاعتراف مغزى مزدوجاً. من ناحية، يُقدّر جرأة شفيق واستعداده لاستكشاف موضوعات غير تقليدية. من ناحية أخرى، التعامل مع البحوث بنوع من السخرية قد يقلّل من جدّيتها في أعين الجمهور والباحثين، ويؤكّد النظرة السائدة بأنّها “طريفة” أكثر منها ذات أهمّية علمية حقيقية.
المجتمع العلمي المنقسم
انقسم المجتمع العلمي في تقييم بحوث شفيق. المؤيّدون يمدحونه لجرأته واستقلاليته، ويرون أنّ دراساته تطرح أسئلة مهمّة تستحقّ المتابعة، ويشيرون إلى أنّ النتائج كانت متّسقة عبر أنواع مختلفة من الحيوانات (جرذان وكلاب) وحتّى البشر، ممّا يقوّي من مصداقيتها.
أمّا المتشكّكون فيشيرون إلى صغر حجم العيّنات في بعض الدراسات (مثلاً 14 رجلاً فقط في دراسة السلوك الجنسي)، ويطالبون بدراسات أوسع وأكثر صرامة منهجية، ويتساءلون عن الآليات الدقيقة: كيف بالضبط تؤثّر المجالات الكهروستاتية على الخلايا على المستوى الجزيئي؟ ويشيرون إلى أنّ التكرار محدود، وأنّ كلّ البحوث تقريباً أتت من باحث واحد، ممّا يستدعي الحذر.
التطوّرات الحديثة: أزمة الخصوبة العالمية
في السنوات الأخيرة، بدأ الاهتمام يتجدّد بدراسات شفيق، خاصة في سياق أزمة الخصوبة العالمية المتنامية. تُظهر دراسات حديثة انخفاضاً حادّاً في عدد الحيوانات المنوية عند الرجال في الدول الغربية – انخفض بنسبة تزيد عن 50% منذ السبعينيّات. كما شهدنا زيادة في معدلات العقم عند النساء، وارتفاعاً في معدلات الإجهاض التلقائي.
الأخطر من ذلك: اكتشفت دراسات 2024-2025 پلاستك دقيق في خصيتي البشر (كلّ عينة فُحصت)، وفي السائل المنوي، وفي السائل الجريبي المبيضي. يطلق الپولْيِستر ألياف پلاستيكية دقيقة مع كلّ غسلة وكلّ ارتداء.
كما اكتُشف أنّ الپولْيِستر غالباً ما يُعالج بمواد كيميائية معطّلة للغدد الصماء، منها:
- مجموعة PFAS “المواد الكيميائية الأبدية”: مرتبطة بانخفاض الخصوبة، وفشل التلقيح الصناعي، وبطانة الرحم المهاجرة، وزيادة خطر الإجهاض.
- الفثالات Phthalates: معطّلات هرمونية معروفة، مرتبطة بانخفاض جودة الحيوانات المنوية، وانخفاض التستوستيرون، وزيادة خطر الإجهاض.
- BPA (Bisphenol A): موجود في اللّيگرا/السباندكس في ملابس الپولْيِستر، ومرتبط بمشاكل في الجهاز التناسلي الأنثوي.
في هذا السياق، بدأت أصوات جديدة تدعو للحذر: خبراء الصحّة الطبيعية الذين يحذّرون من الپولْيِستر، ونشطاء الموضة المستدامة الذين يدعون للعودة إلى الألياف الطبيعية، وأطبّاء الخصوبة الذين بدأوا ينصحون مرضاهم بتجنّب الملابس الداخلية الاصطناعية، وباحثون في البيئة الذين يدرسون تأثيرات الپلاستيك الدقيق على الصحة البشرية.
لكنّ الإجماع العلمي الواسع لا يزال غائباً، والمجتمع الطبّي الرئيس لم يتبنَّ رسميّاً توصيات بتجنّب الپولْيِستر لأسباب صحّية إنجابية.
التأثيرات الأوسع: ما وراء الخصوبة
لكنّ المخاوف لا تتوقّف عند الخصوبة وحدها. الهرمونات التي تتأثّر بالپولْيِستر – الپروجسترون والتستوستيرون – ليست مجرّد هرمونات تناسلية، بل هي منظّمات رئيسية لوظائف بشرية متعدّدة تؤثّر على حياتنا اليومية بشكل مباشر.
لا يقتصر دور الپروجسترون عند النساء على الحمل. فهو هرمون ذو تأثير مهدّئ طبيعي على الجهاز العصبي، وانخفاضه – كما رصده شفيق في الكلاب الإناث – قد يفسّر ظواهر صحّية واسعة الانتشار: القلق والاكتئاب المتزايدان، واضطرابات النوم المزمنة، ومتلازمة آلام ما قبل الحيض الشديدة. كما يؤدّي دوراً في صحّة العظام، فانخفاضه المستمرّ قد يساهم في هشاشة العظام المبكّرة. ويؤثّر على الوظائف الإدراكية، ممّا قد يفسّر “ضباب الدماغ” وصعوبة التركيز التي تشكو منها نساء كثيرات. وينظّم استخدام الدهون للطاقة، وانخفاضه يؤدّي إلى احتباس السوائل وزيادة الوزن خاصة في منطقة البطن. بل يؤثّر على صحّة القلب والأوعية الدموية، والجلد والشعر، والجهاز المناعي.
التستوستيرون عند الرجال أكثر من مجرّد هرمون ذكوري. فهو ضروري للحفاظ على الكتلة العضلية والقوّة – وانخفاضه كما حدث في دراسات شفيق قد يفسّر فقدان العضلات والضعف العام الذي يشكو منه رجال في مقتبل العمر. يؤثّر على كثافة العظام، وانخفاضه يسبّب هشاشة عظام حتى عند الرجال الشباب. له دور حاسم في الصحّة النفسية، وانخفاضه يرتبط بالاكتئاب والتعب المزمن وقلّة التركيز وانخفاض الحافز والطموح – أعراض أصبحت وبائية في المجتمعات الحديثة. ينظّم التستوستيرون التمثيل الغذائي، وانخفاضه يؤدّي إلى زيادة دهون البطن ومقاومة الأنسولين ومتلازمة الأيض. ويؤثّر على صحّة القلب وإنتاج خلايا الدم الحمراء.
عند الجنسين معاً، كلا الهرمونين يؤثّران على الرغبة الجنسية وجودة النوم والاستجابة للضغط النفسي. انخفاضهما يجعل الجسم أقلّ قدرة على التعامل مع ضغوط الحياة اليومية.
إذا صحّت فرضية شفيق، فإننا لا نواجه مجرّد أزمة خصوبة، بل أزمة صحّية شاملة. ملايين الناس الذين يرتدون الپولْيِستر يوميّاً – وخاصّة في الملابس الداخلية التي تلامس الأعضاء التناسلية مباشرة لساعات طويلة – قد يعانون من اضطرابات هرمونية خفيّة تؤثّر على مزاجهم وطاقتهم ووزنهم ونومهم وقدراتهم الإدراكية وصحّتهم النفسية. وقد نكون أمام تفسير جزئي لوباء القلق والاكتئاب، ولأزمة السمنة ومتلازمة الأيض، ولانتشار التعب المزمن وضعف التركيز.
وما يزيد الأمر خطورة أنّ هذه التأثيرات تراكمية وصامتة. لا يشعر أحد بـ”لسعة كهربائية” مؤلمة تنبّهه للخطر. بل يحدث الانخفاض الهرموني ببطء، على مدى شهور وسنوات، في حين نعزو الأعراض إلى “ضغوط الحياة” أو “التقدّم في العمر” أو “قلّة النوم”، غافلين عن أنّ الحلّ قد يكون بسيطاً مثل تغيير الملابس التي نرتديها، والأقمشة التي تغلّف تفاصيل الحياة من حولنا.

القسم الخامس:
صناعة الألبسة – هيمنة ومصلحة وصمت
هيمنة الپولْيِستر: أرقام مذهلة
يشكّل الپولْيِستر حاليّاً أكثر من 70% من الألياف الاصطناعية المستخدمة في صناعة الملابس العالمية. في حالة السراويل الضيّقة المطّاطة أو البنطلونات الملتصقة وجوارب النساء الضيقة، يهيمن الپولْيِستر على أكثر من 50% من السوق. تضاعف إنتاج الپولْيِستر في السنوات العشرين الماضية، وصناعة الموضة السريعة Fast Fashion تعتمد بشكل شبه كامل على الپولْيِستر.
لماذا هذه الهيمنة؟ الأسباب اقتصادية صرفة. الپولْيِستر رخيص جدّاً – تكلفة إنتاجه أقلّ بكثير من القطن أو الألياف الطبيعية. متين – يدوم لفترات طويلة دون تلف. سهل الغسل – لا يتجعّد بسهولة، ويجفّ بسرعة. مرن – يمكن مزجه مع ألياف أخرى للحصول على خصائص مرغوبة (مثل اللّيگرا للملابس الرياضية). ومربح للغاية – هوامش ربح عالية للشركات.
الصمت المطبق
برغم نشر دراسات شفيق منذ أكثر من 30 عاماً، لم تصدر صناعة الملابس العالمية أيّ بيان رسمي حول هذه القضية. وللصمت أسبابه الواضحة:
الاعتراف بمخاطر الپولْيِستر قد يكلّف الصناعة مئات المليارات من الدولارات. لن ترحّب الشركات العملاقة التي بنت إمبراطوريات على الپولْيِستر الرخيص بأيّ معلومات تهدّد نموذج أعمالها. ويمكن للصناعة أن تحتجّ بأنّ الدراسات “غير حاسمة” أو “بحاجة لمزيد من البحث”، وهذه حجّة صالحة إلى حدّ ما في ظلّ غياب دراسات تكرارية واسعة النطاق.
كما أنّ لصناعة النسيج لوبيّات قوية تؤثّر على السياسات والتشريعات في كثير من الدول، وتستطيع الضغط لمنع إصدار تنظيمات صارمة. والاعتراف بالمخاطر قد يفتح باب دعاوى قضائية جماعية من المستهلكين، وقد تطالب الملايين من الناس بتعويضات عن أضرار صحّية محتملة.
الغسل الأخضر: استراتيجيّات مضلّلة
بدلاً من معالجة المشكلة، لجأت بعض الشركات إلى استراتيجيات الغسل الأخضر Greenwashing لتحسين صورتها دون تغيير جوهري:
الپولْيِستر مُعاد تدويره Recycled Polyester/rPET: يُسوّق بصفة حلّ “مستدام” لأنّه يقلّل من استخدام البترول البكر، ويُقلّل انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة حوالي 70% مقارنة بالپولْيِستر البكر. لكنّه لا يزال پلاستيكيّاً، لا يزال يطلق ألياف دقيقة، ولا يزال يولّد مجالات كهروستاتية. المشكلة الأساسية (التأثير الكهروستاتي والپلاستيك الدقيق) لم تُحلّ.
الخلطات الطبيعية مثل خلط الپولْيِستر مع القطن أو الخيزران، والإيحاء بأنّها “طبيعية” أو “صديقة للبيئة”. لكن الدراسات أظهرت أنّ أخلاط 50/50% لا تزال تولّد جهوداً كهروستاتية كبيرة (148 ڤولت/سم²). بالإضافة إلى الادّعاء بأنّ تقنيات الإنتاج الحديثة جعلت الپولْيِستر “أكثر أماناً”. لكن لا توجد أدلّة علمية على أنّ هذه التقنيات تُلغي المجالات الكهروستاتية.
الاستثناءات القليلة
بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة بدأت تستجيب. شركات الملابس الداخلية العضوية مثل Opok و Cottonique و Pact وغيرها تتخصّص في ملابس داخلية من قطن عضوي 100%، وتسوّق منتجاتها على أساس الصحّة والخصوبة، وتشير صراحة إلى دراسات شفيق في موادّها التسويقية.
شركات الموضة المستدامة مثل Patagonia و Eileen Fisher و Reformation وغيرها تستثمر في القطن العضوي، والكتّان، والقنّب Hemp، والتنسل Tencel/Lyocell، وألياف جديدة من نفايات الطعام.
بعض العلامات التجارية الفاخرة تعود إلى الألياف الطبيعية التقليدية (حرير وصوف وكشمير وقطن مصري فاخر)، وتسوّق على أساس “الجودة” و”الفخامة” و”الاستدامة”.
غياب التنظيم الحكومي
لم تصدر أيّ هيئة صحية حكومية كبرى (FDA في الولايات المتحدة، EMA في أوروپا، وغيرها) تحذيرات بشأن الپولْيِستر والخصوبة. لا توجد لوائح تنظيمية تُلزم الشركات بوضع تحذيرات صحّية على ملابس الپولْيِستر. لا توجد حملات توعية حكومية بشأن المخاطر المحتملة.
الأسباب واضحة: عدم وجود “أدلّة قاطعة” من دراسات واسعة النطاق، والضغط من اللّوبيات الصناعية، والخوف من التأثير الاقتصادي على صناعة ضخمة توظّف ملايين الناس.

القسم السادس:
خارطة طريق للتغيير – ماذا يمكننا أن نفعل؟
على مستوى المستهلك الفرد: قرارات واعية يومية
يبدأ التغيير بقرارات فردية واعية. على مستوى الملابس الداخلية والملابس الملاصقة للجسم، يجب أن تكون الأولوية المطلقة للقطن العضوي النقي 100%، أو الصوف، أو الحرير، أو الكتّان. يجب تجنّب الپولْيِستر وأيّ أخلاط يحتوي على پولْيِستر، خاّصة للأشخاص الذين يخطّطون للحمل، أو يعانون من مشاكل في الخصوبة، أو لديهم تاريخ من الإجهاض المتكرّر، أو يعانون من اضطرابات هرمونية.
للملابس الخارجية، يجب تقليل الپولْيِستر قدر الإمكان، وإعطاء الأولوية للألياف الطبيعية: القطن العضوي المزروع بدون مبيدات حشرية أو أسمدة اصطناعية، والكتّان الذي يتطلّب موارد قليلة جداً (ماء وطاقة ومبيدات) وإنبات الكتّان يحسّن التربة، والقنّب الذي ينمو سريعاً ولا يحتاج لكثير من الماء ولا يستنزف التربة، والصوف المتين والدافئ والطبيعي، والتنسل Tencel/Lyocell – ألياف شبه اصطناعية من لبّ شجر الأوكالبتوس، يُنتج في نظام حلقة مغلقة يعيد تدوير المواد الكيميائية.
للملابس الرياضية، هذا التحدّي الأكبر، لأن معظم الملابس الرياضية مصنوعة من پولْيِستر. ينبغي البحث عن قطن بنسبة عالية مع قليل من السباندكس للمرونة (مثل 95% قطن + 5% سباندكس)، أو قطن ميرينو للملابس الرياضية، أو شركات تستخدم التنسل. وينبغي تقليل مدّة ارتداء الملابس الرياضية الپولْيِسترية فقط في أثناء التمرين، ثمّ تبديلها فوراً.
تغيير عادات النوم مهمّ أيضاً. ملابس النوم يجب أن تكون قطن نقي 100% أو حرير، وملاءات السرير يجب أن تكون قطن عضوي أو كتّان. قضاء ستّ إلى ثماني ساعات يومياً في ملابس ومفروشات طبيعية يقلّل بشكل كبير من التعرّض للپولْيِستر.
ينبغي أيضاً تثقيف الذات: قراءة الملصقات بعناية، والبحث عن الشهادات مثل GOTS (Global Organic Textile Standard) – أعلى معيار للمنسوجات العضوية، وOEKO-TEX Standard 100 – خالٍ من مواد كيميائية ضارّة، وFair Trade – إنتاج أخلاقي.
على مستوى الصناعة: استثمار وابتكار وشفافية
الصناعة عليها مسؤولية كبرى. يجب الاستثمار في البحث والتطوير وتمويل دراسات واسعة النطاق لفحص تأثير الپولْيِستر على الخصوبة البشرية، وتطوير ألياف اصطناعية جديدة لا تولّد مجالات كهروستاتية، والاستثمار في تقنيات إعادة تدوير النسيج إلى نسيج textile-to-textile recycling.
يجب توفير الشفافية والإفصاح الكامل عن مكوّنات الملابس والمواد الكيميائية المستخدمة، ووضع تحذيرات طوعية على المنتجات التي تحتوي على نسب عالية من الپولْيِستر، ونشر نتائج البحوث الداخلية (إن وُجدت) حول السلامة.
يجب التحوّل التدريجي ووضع خطط طويلة المدى (عشرة إلى عشرين سنة) للتقليل من الاعتماد على الپولْيِستر، والاستثمار في سلاسل توريد الألياف الطبيعية (دعم مزارعي القطن العضوي، وإنشاء مصانع معالجة للكتّان والقنّب، وتطوير شراكات مع منتجي الألياف المبتكرة).
يجب الابتكار في الألياف البديلة مثل ألياف من نفايات الطعام مثل Piñatex (جلد نباتي من أوراق الأناناس)، وOrange Fiber (نسيج من قشور الحمضيات)، وApple Leather (جلد من نفايات التفّاح)، وMylo (جلد من المايسيليوم – الفطر). وألياف شبه اصطناعية مستدامة مثل Tencel/Lyocell من لبّ شجر الأوكالبتوس، وModal من خشب الزان، وBamboo Lyocell من الخيزران (ليس الرايون الخيزراني الذي يستخدم مواد كيميائية ضارّة)، وCIRCULOSE® – ألياف سليلوزية متجدّدة من نفايات النسيج.
على مستوى الحكومات والهيئات التنظيمية: تمويل وتشريع وتوعية
الحكومات عليها دور حاسم. يجب تمويل البحوث المستقلة وتخصيص ميزانيات لدراسات واسعة النطاق حول تأثير الپولْيِستر على الصحّة الإنجابية، ودعم الباحثين المستقلّين غير المرتبطين بالصناعة، وإنشاء مراكز بحثية متخصّصة في تأثيرات المنسوجات على الصحة.
يجب سنّ التشريعات والتنظيمات وإلزام الشركات بوضع ملصقات تحذيرية على المنتجات عالية الپولْيِستر (مثل ملصقات التبغ)، وفرض ضرائب على الپولْيِستر البكر لتقليل استخدامه، وتقديم حوافز ضريبية للشركات التي تستخدم ألياف طبيعية أو مستدامة، وحظر الپولْيِستر في بعض المنتجات الحسّاسة (مثل ملابس الأطفال الرضّع).
يجب إطلاق حملات التوعية العامّة مثل برامج تثقيفية في المدارس حول اختيار الملابس الصحية، وحملات إعلامية عامّة تشرح المخاطر المحتملة، وإرشادات للأزواج الذين يخطّطون للحمل. ويجب دعم الصناعات البديلة من استثمارات حكومية في زراعة القطن العضوي والكتّان والقنّب، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسّطة التي تنتج ملابس مستدامة، وإنشاء “مناطق اقتصادية خاصّة” للموضة المستدامة.
على مستوى المجتمع الطبّي: توجيه وبحث وتعليم
المجتمع الطبّي عليه مسؤولية أيضاً. يجب التوجيه الإكلينيكي ونشر إرشادات من الجمعيّات الطبّية (جمعيّات طبّ النساء والتوليد، وجمعيّات الخصوبة) حول نصائح للأزواج الذين يحاولون الحمل، وتوصيات بتجنّب الپولْيِستر في الملابس الداخلية، والبدائل الآمنة.
يجب البحث السريري. دراسات على المرضى الذين يعانون من العقم غير المُفسّر (هل يرتدون پولْيِستر بكثرة؟ ماذا يحدث عند التحوّل إلى ألياف طبيعية؟)، وتجارب سريرية مضبوطة على البشر (بموافقة أخلاقية صارمة).
يجب إدراج موضوع “تأثيرات البيئة والملابس على الخصوبة” في مناهج كليّات الطبّ، وورش عمل للأطبّاء الممارسين حول هذه القضايا الناشئة.
على مستوى المجتمع المدني والنشطاء: ضغط وتثقيف ومقاطعة
المجتمع المدني له دور حيوي. يجب الشروع بحملات الضغط Advocacy: منظّمات مجتمع مدني تضغط من أجل تشريعات أكثر صرامة، وشفافية أكبر من الصناعة، وتمويل أكبر للبحوث.
يجب التثقيف الشعبي في مدوّنات وبودكاستات وقنوات يوتيوب تتحدّث عن هذه القضايا، وكتب ومقالات تشرح العلم بلغة بسيطة، وورشات مجتمعية حول الموضة المستدامة.
يجب المقاطعة والتشجيع. حملات مقاطعة للعلامات التجارية التي تعتمد بشكل شبه كامل على الپولْيِستر، ودعم الشركات التي تلتزم بالاستدامة والشفافية، وتحدّيات شعبية للتوعية مثل “شهر بدون پولْيِستر”.
الاقتصاد الدائري والابتكار: إعادة تفكير جذرية
يجب إعادة التفكير في نموذج الأعمال. التحوّل من Fast Fashion إلى Slow Fashion – ملابس عالية الجودة تدوم سنوات، وإصلاح وإعادة استخدام بدلاً من الرمي، وخدمات تأجير الملابس بدلاً من الشراء للمناسبات.
يجب بناء البنية التحتية لإعادة التدوير وإنشاء أنظمة جمع فعّالة للملابس القديمة، وتقنيات متقدّمة لفصل الألياف المختلطة، ومصانع إعادة تدوير متخصّصة.
يجب الابتكار في تصميم المنتج. تصميم منتجات “من المهد إلى المهد” Cradle-to-Cradle – قابلة للتحلّل بالكامل أو قابلة لإعادة التدوير بنسبة 100%، واستخدام أصباغ طبيعية وغير سامّة.

القسم السابع:
الصورة الأكبر – الپولْيِستر جزء من أزمة بيئية وصحية
الپلاستيك الدقيق: غزو صامت لأجسادنا
كلّ مرّة نغسل فيها ملابس پولْيِستر، تُطلق حوالي 700,000 ليف پلاستيكي دقيق. تنتهي هذه الألياف في الأنهار والمحيطات، وفي التربة الزراعية، وفي مياه الشرب، وفي الطعام الذي نأكله.
وجدت دراسات 2024 پلاستيك دقيق في كلّ خصية بشرية تمّ فحصها، وفي كلّ عيّنة سائل منوي، وفي السائل الجريبي المبيضي، وفي الدم، وفي الرئتين، وفي المشيمة. وتُظهر البحوث على الحيوانات أنّ الپلاستيك الدقيق يسبّب التهابات، وتلفاً في الحمض النووي، وضعفاً في الخصوبة.
المواد الكيميائية المعطّلة للغدد الصمّاء: تهديد خفي
الپولْيِستر ليس مجرّد پلاستيك، بل يُعالَج بمواد كيميائية شديدة الْخَطَر. PFAS (المواد الكيميائية الأبدية) تُستخدم في معالجات مقاومة الماء والبقع، ومرتبطة بانخفاض الخصوبة، ومعدّلات نجاح أقلّ في التلقيح الصناعي، وبطانة الرحم المهاجرة، وزيادة خطر الإجهاض. وتستمرّ في الجسم سنوات.
الفثالات موجودة في الأصباغ والملدّنات والطلاءات، وهي معطّلات هرمونية معروفة تسبّب انخفاض جودة الحيوانات المنوية، وانخفاض التستوستيرون، وزيادة خطر الإجهاض. كما أنّ الـ BPA موجود في اللّيگرا/السباندكس في ملابس الپولْيِستر، ومرتبط بمشاكل في الجهاز التناسلي الأنثوي.
الآثار البيئية: استنزاف وتلوّث
الپولْيِستر مشتقّ من البترول (وقود أحفوري غير متجدّد). إنتاجه يتطلّب طاقة هائلة (عملية تسخين مكثّفة)، وكميّات كبيرة من الماء للتبريد. أصباغ الپولْيِستر عالية السمّية.
صناعة الموضة هي ثاني أكبر ملوّث للماء عالميّاً، وثالث أكبر ملوّث عموماً. يستغرق الپولْيِستر أكثر من 200 سنة ليتحلّل. وحسب مؤسسة Ellen MacArthur، هناك شاحنة قمامة من الملابس تُحرق أو تُرسل إلى مكبّ النفايات كلّ ثانية.
العدالة الاجتماعية: ظلم إنساني
يتعرّض عمّال مصانع الپولْيِستر لأبخرة سامّة، وحرارة شديدة، وساعات عمل طويلة، وأجور متدنّية. ذكرت دراسة 1975 في مجلّة Thorax أنّ عمّال مصانع الپولْيِستر عانوا من الربو، واسترواح الصدر التلقائي (انهيار الرئة)، ومشاكل تنفسية متنوّعة.
مصانع الپولْيِستر غالباً في دول نامية ذات لوائح بيئية ضعيفة. ويؤثّر التلوّث بشكل غير متناسب على المجتمعات المحلّية الفقيرة.

وقت الاستيقاظ والتحرّك
لأكثر من 30 عاماً، كانت دراسات الدكتور أحمد شفيق الرائدة مدفونة في أرشيفات المجلّات العلمية، يتجاهلها المجتمع الأكاديمي ويصمت عنها عمالقة صناعة الألبسة. ولكن في عصر تتراجع فيه معدّلات الخصوبة بشكل مثير للقلق، وتغزو فيه المواد الپلاستيكية الدقيقة كلّ ركن من أجسادنا، لم يعد بإمكاننا تجاهل هذه التحذيرات.
النتائج واضحة ومتّسقة عبر أنواع مختلفة: الجرذان في سراويل پولْيِسترية فقدت اهتمامها بالتزاوج. الكلاب الذكور أظهرت انخفاضاً حادّاً في عدد ونوعية الحيوانات المنوية. الكلاب الإناث أخفقت في الحمل بسبب انهيار مستويات الپروجسترون. الرجال أمسوا عديمي النطاف!
الآلية العلمية مقنعة: الپولْيِستر يولّد مجالات كهروستاتية قوية (339 ڤولت/سم²) عند احتكاكه بالجلد، وهذه المجالات تخترق الأنسجة وتعطّل الوظائف الخلوية الدقيقة للأعضاء التناسلية، ممّا يؤدّي إلى اضطرابات في تكوين الحيوانات المنوية، والإباضة، وإنتاج الهرمونات الحيوية.
والخبر السارّ؟ التأثيرات قابلة للعكس بالكامل. في جميع الدراسات، عندما أُزيلت الأقمشة الپولْيِسترية، عادت الخصوبة والهرمونات إلى مستوياتها الطبيعية في غضون أشهر. هذا يعني أنّ الحلّ بسيط ومتاح للجميع.
ما الذي يجب علينا فعله؟ على المستوى الشخصي: اليوم، تخلّص من ملابسك الداخلية الپولْيِسترية واستبدلها بقطن عضوي نقي 100%. هذا الأسبوع، افحص خزانة ملابسك وحدّد المنتجات الپولْيِسترية، وخطّط لاستبدالها تدريجياً. هذا الشهر، عند التسوّق، اقرأ الملصقات بعناية واختر الألياف الطبيعية. ملابس النوم والفراش: قطن عضوي أو كتّان فقط.
على مستوى المجتمع: انشر الوعي – شارك هذه المعلومات مع الأصدقاء والعائلة. ادعم الشركات الأخلاقية – اشترِ من الشركات التي تلتزم بالألياف الطبيعية والشفافية. اضغط من أجل التغيير – اطلب من الحكومات فرض قوانين أكثر صرامة، واطلب من الشركات الكبرى الشفافية.
على مستوى الصناعة والحكومات: الاستثمار الفوري في بحوث واسعة النطاق لتأكيد أو دحض هذه النتائج نهائياً. تمويل الابتكار في الألياف البديلة المستدامة. سنّ تشريعات تحمي المستهلكين وتحفّز التحوّل نحو الألياف الطبيعية. حملات توعية عامّة شاملة.
نحن نعيش في عصر تكنولوجي مذهل، لكننا فقدنا الاتّصال بالطبيعة التي عاشت معها البشرية لآلاف السنين. لعشرات الآلاف من السنين، ارتدى البشر القطن والكتّان والصوف والحرير – ألياف طبيعية تتنفّس، وتمتصّ الرطوبة، ولا تولّد شحنات كهربائية ضارّة. ثمّ في غضون بضعة عقود فقط، استبدلنا كلّ ذلك بپلاستيك رخيص مشتقّ من النفط.
النتيجة؟ تراجع حادّ في معدّلات الخصوبة العالمية، وارتفاع في حالات العقم غير المُفسّر والاكتئاب غير المبرّر والتوتّر الخانق، وكوكب يختنق بالپلاستيك الدقيق، وصحّة إنجابية في أزمة.
ولكن لم يفت الأوان بعد. كلّ قرار شراء نتّخذه هو تصويت لنوع العالم الذي نريده. عندما نختار القطن العضوي على الپولْيِستر، نصوّت لصحّتنا الإنجابية، ولكوكب أنظف، ولعمّال يتقاضون أجوراً عادلة، ولمستقبل مستدام لأطفالنا.
خاطر الدكتور أحمد شفيق بسمعته الأكاديمية ليخبرنا بالحقيقة. ألبس الجرذان سراويل صغيرة، وراقب الكلاب سنوات، وأقنع رجالاً بارتداء “حمّالات پولْيِسترية” – كلّ ذلك لإثبات نقطة بسيطة لكن حاسمة: ما نرتديه يهمّ. الپولْيِستر أكثر من مجرّد قماش، هو تهديد محتمل لواقع حياتنا ولمستقبلنا الإنجابي.
مراجع ومصادر
- Shafik, A. (1993). “Effect of Different Types of Textiles on Sexual Activity: Experimental Study.” European Urology, 24(3), 375-380.
- Shafik, A. (1993). “Effect of different types of textile fabric on spermatogenesis: an experimental study.” Urological Research, 21(5), 367-370.
- Shafik, A. (1992). “Contraceptive efficacy of polyester-induced azoospermia in normal men.” Contraception, 45(5), 439-451.
- Shafik, A., Ibrahim, I.H., El-Sayed, E.M. (1992). “Effect of different types of textile fabric on spermatogenesis. I. Electrostatic potentials generated on surface of human scrotum by wearing different types of fabric.” Andrologia, 24(2), 145-150.
- Shafik, A. (1998). “An experimental study on the effect of different types of textiles on conception.” Journal of Obstetrics and Gynaecology, 18(2), 213-216.
- Shafik, A. (1997-2007). “Effect of different types of textiles on pregnancy.” Clinical and Experimental Obstetrics & Gynecology, 34(4), 244-246.
- Levine, H., Jørgensen, N., Martino-Andrade, A., Mendiola, J., Weksler-Derri, D., Jolles, M., Pinotti, R., & Swan, S.H. (2017). “Temporal trends in sperm count: a systematic review and meta-regression analysis.” Human Reproduction Update, 23(6), 646-659. https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/28981654/
- Levine, H., Jørgensen, N., Martino-Andrade, A., Mendiola, J., Weksler-Derri, D., Jolles, M., Pinotti, R., & Swan, S.H. (2022). “Temporal trends in sperm count: a systematic review and meta-regression analysis of samples collected globally in the 20th and 21st centuries.” Human Reproduction Update, dmac035. https://academic.oup.com/humupd/advance-article/doi/10.1093/humupd/dmac035/6824414
- Carlsen, E., Giwercman, A., Keiding, N., & Skakkebaek, N.E. (1992). “Evidence for decreasing quality of semen during past 50 years.” BMJ, 305(6854), 609-613.
- Swan, S.H., et al. (2020). “Decrease in Sperm Parameters in the 21st Century: Obesity, Lifestyle, or Environmental Factors?” International Journal of Impotence Research.
- Virtanen, H.E., Jørgensen, N., & Toppari, J. (2017). “Semen quality in the 21st century.” Nature Reviews Urology, 14(2), 120-130.
- Yu, X., Zhu, Q., Yan, X., Wang, Y., Bai, X., Liu, X., Gong, X., Wang, R., Romero, A., Xie, M., & Campen, M.J. (2024). “Quantitative analysis of microplastics and nanoplastics in human testicular and semen samples.” Toxicological Sciences, May 15, 2024. https://academic.oup.com/toxsci/advance-article/doi/10.1093/toxsci/kfae060/7671100
- Deng, Y., Zhang, Y., Qiao, R., et al. (2023). “Detection and characterization of microplastics in the human testis and semen.” Science of The Total Environment, 863, 160018. https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/36948312/
- Campen, M.J., et al. (2023). “Microplastics in human placentas.” Toxicological Sciences.
- Wang, Y., Aker, A., Hwang, H., et al. (2023). “Association between exposure to per- and perfluoroalkyl substances (PFAS) and reproductive hormones in human: A systematic review and meta-analysis.” Environmental Research, 238, 117173. https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/37931739/
- Rickard, B.P., Rizvi, I., & Fenton, S.E. (2022). “Per- and Poly-fluoroalkyl Substances (PFAS) and Female Reproductive Outcomes: PFAS Elimination, Endocrine-Mediated Effects, and Disease.” Toxicology, 465, 153031. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8743032/
- Chaparro-Ortega, A., et al. (2020). “Perfluoroalkyl and polyfluoroalkyl substances (PFAS) and their effects on the ovary.” Human Reproduction Update, 26(5), 724-752. https://academic.oup.com/humupd/article/26/5/724/5848465
- Petersen, M.S., et al. (2020). “Perfluoroalkyl Chemicals and Male Reproductive Health: Do PFOA and PFOS Increase Risk for Male Infertility?” International Journal of Environmental Research and Public Health, 18(7), 3794. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8038605/
- Tang, R., Chen, M.J., Ding, G.D., et al. (2021). “Perfluoroalkyl and polyfluoroalkyl substance exposure and association with sex hormone concentrations: results from the NHANES 2015–2016.” Environmental Sciences Europe, 33, 102. https://enveurope.springeropen.com/articles/10.1186/s12302-021-00508-9
- Radke, E.G., Braun, J.M., Nachman, R.M., & Cooper, G.S. (2020). “Phthalate exposure and male reproductive outcomes: A systematic review.” Environmental Health Perspectives, 128(9), 096001.
- Grindler, N.M., Vanderlinden, L., Karthikraj, R., Kannan, K., Teal, S., Polotsky, A.J., Powell, T.L., Yang, I.V., & Jansson, T. (2018). “Exposure to Phthalate, an Endocrine Disrupting Chemical, Alters the First Trimester Placental Methylome and Transcriptome in Women.” Scientific Reports, 8, 6086. https://www.nature.com/articles/s41598-018-24505-w
- Radwan, M., Jurewicz, J., Sobala, W., et al. (2020). “Effects and Mechanisms of Phthalates’ Action on Reproductive Processes and Reproductive Health: A Literature Review.” International Journal of Occupational Medicine and Environmental Health, 33(5), 555-572. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC7559247/
- Li, N., Wang, Y., Neri, M., Zhen, H., Fang, H., Chen, L., et al. (2021). “Phthalates and Their Impacts on Human Health.” Toxics, 9(5), 107. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8157593/
- Polinski, K.J., Dabelea, D., Hamman, R.F., et al. (2024). “Phthalates Disrupt Female Reproductive Health: A Call for Enhanced Investigation into Mixtures.” Reproductive Toxicology, PMC11969576. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC11969576/
- Endocrine Society. (2020). “Plastics, EDCs & Health: Authoritative Guide.” https://www.endocrine.org/topics/edc/plastics-edcs-and-health
- Diamanti-Kandarakis, E., Bourguignon, J.P., Giudice, L.C., et al. (2009). “Endocrine-Disrupting Chemicals: An Endocrine Society Scientific Statement.” Endocrine Reviews, 30(4), 293-342.
- Gore, A.C., Chappell, V.A., Fenton, S.E., et al. (2015). “EDC-2: The Endocrine Society’s Second Scientific Statement on Endocrine-Disrupting Chemicals.” Endocrine Reviews, 36(6), E1-E150.
- Sifakis, S., Androutsopoulos, V.P., Tsatsakis, A.M., & Spandidos, D.A. (2017). “Human exposure to endocrine disrupting chemicals: effects on the male and female reproductive systems.” Environmental Toxicology and Pharmacology, 51, 56-70.
- Street, M.E., Angelini, S., Bernasconi, S., et al. (2018). “Current Knowledge on Endocrine Disrupting Chemicals (EDCs) from Animal Biology to Humans, from Pregnancy to Adulthood: Highlights from a National Italian Meeting.” International Journal of Molecular Sciences, 19(6), 1647.
- Rahman, M.S., Adegoke, E.O., Pang, M.G. (2022). “A review of the endocrine disrupting effects of micro and nano plastic and their associated chemicals in mammals.” Frontiers in Endocrinology, 13, 1084236. https://www.frontiersin.org/journals/endocrinology/articles/10.3389/fendo.2022.1084236/full
- National Institute of Environmental Health Sciences (NIEHS). “Endocrine Disruptors.” https://www.niehs.nih.gov/health/topics/agents/endocrine
- Textile Exchange. (2023). “Preferred Fiber and Materials Market Report 2023.” https://textileexchange.org/
- Textile Exchange. (2023). “Production of polyester fibers worldwide from 1975 to 2022.” Statista. https://www.statista.com/statistics/912301/polyester-fiber-production-worldwide/
- Ellen MacArthur Foundation. (2017). “A New Textiles Economy: Redesigning Fashion’s Future.” https://www.ellenmacarthurfoundation.org/
- Changing Markets Foundation. (2024). “Spinning Greenwash: How the fashion industry’s shift to recycled polyester is worsening microplastic pollution.” https://changingmarkets.org/report/spinning-greenwash/
- Pew Charitable Trusts. (2025). “Breaking the Plastic Wave 2.0.”
- Cesa, F.S., Turra, A., & Baruque-Ramos, J. (2020). “Analysis of the polyester clothing value chain to identify key intervention points for sustainability.” Environmental Sciences Europe, 32, 2. https://link.springer.com/article/10.1186/s12302-020-00447-x
- Boucher, J., & Friot, D. (2017). “Primary Microplastics in the Oceans: A Global Evaluation of Sources.” IUCN.
- De Falco, F., Di Pace, E., Cocca, M., & Avella, M. (2019). “The contribution of washing processes of synthetic clothes to microplastic pollution.” Scientific Reports, 9, 6633.
- Mohamed, A.K., El-Gazzar, R.M., & El-Dakhakhny, A.A.R. (1975). “Respiratory problems in synthetic textile workers in Alexandria.” Thorax, 30(3), 295-298.
- Campanale, C., Massarelli, C., Savino, I., Locaputo, V., & Uricchio, V.F. (2020). “A Detailed Review Study on Potential Effects of Microplastics and Additives of Concern on Human Health.” International Journal of Environmental Research and Public Health, 17(4), 1212.
- Ragusa, A., Svelato, A., Santacroce, C., et al. (2021). “Plasticenta: First evidence of microplastics in human placenta.” Environment International, 146, 106274.
- Leslie, H.A., van Velzen, M.J.M., Brandsma, S.H., et al. (2022). “Discovery and quantification of plastic particle pollution in human blood.” Environment International, 163, 107199.
- Bonde, J.P. (2010). “Male reproductive organs are at risk from environmental hazards.” Asian Journal of Andrology, 12(2), 152-156.
- Skakkebaek, N.E., Rajpert-De Meyts, E., Buck Louis, G.M., et al. (2016). “Male Reproductive Disorders and Fertility Trends: Influences of Environment and Genetic Susceptibility.” Physiological Reviews, 96(1), 55-97.
- Virtanen, H.E., & Toppari, J. (2014). “Epidemiology and pathogenesis of cryptorchidism.” Human Reproduction Update, 14(1), 49-58.
- Nordkap, L., Joensen, U.N., Blomberg Jensen, M., & Jørgensen, N. (2012). “Regional differences and temporal trends in male reproductive health disorders: semen quality may be a sensitive marker of environmental exposures.” Molecular and Cellular Endocrinology, 355(2), 221-230.
- Swan, S.H., & Colino, S. (2021). Count Down: How Our Modern World Is Threatening Sperm Counts, Altering Male and Female Reproductive Development, and Imperiling the Future of the Human Race. Scribner.
- Niinimäki, K., Peters, G., Dahlbo, H., Perry, P., Rissanen, T., & Gwilt, A. (2020). “The environmental price of fast fashion.” Nature Reviews Earth & Environment, 1, 189-200.
- Sandin, G., & Peters, G.M. (2018). “Environmental impact of textile reuse and recycling – A review.” Journal of Cleaner Production, 184, 353-365.
- Shirvanimoghaddam, K., et al. (2020). “Death by waste: Fashion and textile circular economy case.” Science of The Total Environment, 718, 137317.





اترك رد