انطلق حَنّا اللّيبي من قرطاج وعبر أعمدة هرقل وأبحر في المحيط الخارجي، وليبيا على جانبه الأيسر، وأبحر شرقاً 35 يوماً. لكن حين اتّجه جنوباً أخيراً، واجه كلّ صنوف الصعوبة: نقص الماء، حرارة ملتهبة، وجداول نارية تصبّ في البحر.
~ أريانوس النيقوميدي، حملات الإسكندر، الكتاب الثامن. ليبيا في ذلك الوقت اسم قارّة أفريقيا.
تختزل هذه السطور القليلة واحدة من أعظم رحلات الاستكشاف في العالم القديم. رحلة دفعت بحدود المعرفة البشرية إلى أقاصي المجهول، وكشفت عن جرأة الملّاحين القرطاجيّين الذين ورثوا تقاليد أسلافهم العرب الفينيقيّين في اقتحام البحار المجهولة. ما وصلنا منها لا يتجاوز 18 سطراً، أطول نص معروف لمؤلّف بونيقي، نُقش أصلاً على جدار معبد بعل في قرطاج ثمّ ترجمه كاتب يونانيّ إلى لغته.
السؤال الذي يطرح نفسه: كيف استطاع القرطاجيّون بلوغ هذه المسافات الشاسعة في عصر لم تكن فيه خرائط دقيقة ولا أدوات ملاحية متطوّرة؟ وما الذي دفعهم إلى المخاطرة بأرواحهم في بحار لم يطرقها أحد قبلهم؟ ولماذا يدّعي الأوروپيّون أنّ “البشرية” لم تعرف الإبحار حول أفريقيا قبلهم؟

قرطاج والميراث البحريّ الفينيقيّ
اشتُهرت قرطاج لاحقاً بصراعها الملحميّ مع الجمهورية الرومانية، لكنّ جذورها تمتدّ إلى عام 814 قبل الميلاد حين أسّسها العرب الفينيقيّون محطّة استراحة للسفن المبحرة بين موطنهم الأصليّ شرق المتوسّط وغرب البحر المتوسّط. موقعها المتميّز في قلب المتوسّط جعلها تنمو حتّى أصبحت مدينة عظيمة تسيطر على البحر وتتأهّب لتكون أعظم مدن العالم القديم.
خلقت الحركة الاستعمارية العربية الفينيقية في المتوسّط تاريخاً طويلاً وتقليداً عريقاً في الاستكشاف والغوص في المجهول. كانت قرطاج نفسها مستعمرة لصور، لكنّها سرعان ما أضحت المدينة الفينيقية الرائدة وحملت راية هذا التقليد في توسيع حدود المعرفة بحثاً عن مصادر جديدة للثروة.
الرحلة التي نفّذها حَنّا الملّاح في القرن السادس قبل الميلاد تمثّل شاهداً حيّاً على هذا التقليد، فهي سجلّ لرحلة استكشافية هبطت على طول الساحل الغربيّ لأفريقيا.

الموطن الفينيقيّ والتوسّع البحريّ
يزعم المؤرّخون الغربيّون أنّ الموطن الفينيقيّ الأصليّ يمتدّ فيما صار اليوم لبنان وأجزاء من سوريا، لكنّ المؤرّخين اليونانيّين هيرودوتس وإسطرابون سجّلا أنّ العرب الفينيقيّين قدموا أصلاً ممّا صار اليوم البحرين؛ منطقة شرق المملكة السعودية المعاصرة. تدعم هذه النظرية مدينة صور الفينيقية نفسها التي ظلّت طويلاً تحتفظ بذكريات عن أصول خليجية عربية، تابعة دينيّاً لمعبد الفينقيّين الأكبر في مدينة الرّقة شمال سوريا.
ولاحقاً وفقاً لكتابات القدّيس هپّوليتُس (هيبوليتوس الرومي)، فينيقيا هي ذاتها مملكة حمص في القرنين الثاني والثالث، إميسان الغربية، إميسه، التي تحالفت مع الرومان ثمّ صارت بعدها جزءاً من الإمبراطورية. بحدودها من الرستن وبانياس شمالاً إلى مشارف خيبر في الجنوب، مع أغلب البادية الشامية ومنطقة شرق دلتا مصر.
أيّاً كان موطنهم الأصليّ، بدأ العرب الفينيقيّون يبرزون إلى ضوء التاريخ مع تطوّر الحضارة الكنعانية في المنطقة في أثناء العصر البرونزيّ. تطوّرت المنطقة تدريجيّاً إلى حضارة متميّزة محصورة بين المصريّين في الجنوب، وإمبراطوريّات بلاد النهرين في الشرق، والحثّيّين في الشمال، والبحر المتوسّط في الغرب. نتيجة لذلك، لم تتوفّر مساحة للتوسّع البرّيّ، بل وجد الفينيقيّون أنفسهم كثيراً تحت سيطرة إحدى جيرانهم أو احتلاله، فبدأوا ينظرون إلى البحر مصدراً للثروة والقوّة.
هكذا ولد مجتمع بحريّ فريد، وصار أهل فينيقيا معروفين بأنّهم تجّار عظام وبحّارة ماهرون. تطوير الأبجدية الفينيقية، السلف المباشر للأبجديّتين اليونانية واللّاتينية، جاء على الأرجح استجابة لحاجة التجار إلى السهولة والبساطة في التعاملات التجارية، حلّاً عمليّاً لمشكلة واقعية.

عصر القوّة الفينيقية والتوسّع الاستعماريّ
بلغت القوّة العربية الفينيقية ذروتها بين 1200 و800 قبل الميلاد. انهيار الإمبراطوريّات العظمى في الشرق الأدنى في أثناء العصر البرونزيّ خلق الظروف المثالية لازدهار المدن التجارية الفينيقية الأكثر تواضعاً لكن القوية. برز اتّحاد من دول المدن المستقلّة (على الطريقة النهرينية) استغلّ الموارد الطبيعية الغنية لفينيقيا في التجارة مع بقية العالم القديم، واضطلع بدور الوسيط بين الدول الكبرى المحيطة بها.
دفع هذا الازدهار الفينيقيّين إلى التوسّع غرباً، فأسّسوا مستعمرات تجارية صغيرة في غرب المتوسط. مدن مثل غادير (قادس Cádiz الحديثة)، التي أُسّست عام 1104 قبل الميلاد وتُعدّ على نطاق واسع أقدم مدينة لا تزال قائمة في غرب أوروپا، كانت محورية في شبكة الموانئ والمراكز التي استخدمها الفينيقيون، وهم قلّة عدداً، لنقل البضائع إلى موطنهم.
إحدى هذه المدن، التي أُسّست متأخّرة عام 814 قبل الميلاد محطّة تموين في منتصف الطريق بين الشرق والغرب، كانت قرطاج (قرت حدثت)، والاسم معناه “القرية الحديثة”. تروي الأسطورة أنّ ديدو أميرة صور أسّست المدينة بعد فرارها إلى الساحل الأفريقيّ الشماليّ هرباً من أخيها الملك بيگماليون. أقنعت ملك اللّيبيّين المحلّيّ، إياربَس، بمنحها قطعة صغيرة من الأرض ملجأً مؤقّتاً. وافق الملك على منحها من الأرض ما تستطيع تغطيته بجلد ثور. مضت ديدو فقطعت الجلد إلى شرائط واستخدمتها لتطويق تلّة صارت تُعرف بالبُرصة، ومعناها “التلّ”، وأضحت في النهاية مركز المدينة الجديدة.
لم يكن الواقع ربّما بهذه الرومانسية، لكنّ المدينة نمت سريعاً حتّى أصبحت مركزاً تجاريّاً مهمّاً.

قرطاج وصعود الهيمنة الغربية
حين سقطت فينيقيا تحت سيطرة الإمبراطورية الإخمينية المتنامية عام 539 قبل الميلاد، بدأت قوّة المدن الرائدة، صور وصيدا، تتراجع. فرّ كثير من الفينيقيّين غرباً، وأصبحت المستعمرات التي كانت دائماً مستقلّة نسبيّاً عن مدنها الأمّ، حرّة تماماً.
نهضت قرطاج المتوسّعة لملء فراغ القوّة الذي تركته صور في المنظومة الفينيقية، ونمت حتّى أصبحت الدولة-المدينة الفينيقية الرائدة وسيطرت على مستعمرات الغرب. بحلول نهاية القرن السادس قبل الميلاد، رسّخت قرطاج نفسها أعظم مدن الغرب، وأساطيلها تتحكّم في طرق التجارة الرئيسة التي تشقّ البحر المتوسط.
أسّست قرطاج مستعمرات جديدة، وأعادت توطين مستعمرات فينيقية قديمة، ودافعت عن مدن بونيقية أخرى مهدّدة من السكّان غير المستقرّين والمستعمرين اليونانيّين، كما وسّعت أراضيها بالغزو. وخضعت بعض المستعمرات الفينيقية طوعاً لقرطاج، دافعة الجزية ومتخلّية عن سيطرتها على سياستها الخارجية، لكنّ مستعمرات فينيقية أخرى في إيبيريا وسردينيا قاومت الجهود القرطاجية.
على خلاف روما، لم تركّز قرطاج على غزو الأراضي المجاورة للمدينة قبل الشروع في مغامرات وراء البحار. اعتمادها على التجارة وتركيزها على حماية شبكة التجارة تلك أنتج تطوّر هيمنة بحرية قبل أن تدفع قرطاج إلى الداخل الأفريقيّ.
التنافس مع المستعمرين اليونانيّين، أساساً في صقلية، الذين كانوا دائماً أكثر عدداً من الفينيقيّين، طبع هذه الحقبة إذ حرست قرطاج هيمنتها وسيطرتها على التجارة والموارد بغيرة شديدة. وفي هذا السياق جرت حملة حَنّا الاستكشافية.

حملة حَنّا: الانطلاق نحو المجهول
جاءت حملة حَنّا في أوائل القرن السادس قبل الميلاد استمراراً للماضي المجيد للاستكشاف الفينيقيّ. الثمانية عشر سطراً الباقية من رواية حَنّا هي أطول نصّ معروف لمؤلّف بونيقيّ، كُتب أصلاً على جدار معبد بعل في قرطاج وترجمه كاتب إلى اليونانية. ولا توجد حالياً منه سوى نسختين، تعودان إلى القرنين التاسع والرابع عشر للميلاد، إحداهما في جامعة هايديلبيرگ في ألمانيا والأخرى مقسّمة بين المتحف البريطانيّ والمكتبة الوطنية الفرنسية. هذه النصوص، مع ذلك، ليست النسخ الأصلية، بل ترجمات مختصرة أنجزها كتبة يونانيّون وبيزنطيّون.
لا نعرف شيئاً عن حَنّا خارج مصادرنا عن هذه الحملة، لا مَن كان ولا ماذا فعل غير ذلك. كلّفته قرطاج بتأسيس وتعزيز المستعمرات الفينيقية على طول الساحل الأفريقيّ، قبل المضيّ قدماً لاستكشاف ساحل شمال غرب أفريقيا أكثر. بصفتها مدينة تجارية، كان شريان حياة قرطاج معرفتها بالأسواق وسيطرتها عليها. نوع الحملة التي نفّذها حَنّا كان ذا أهمية حيوية للدولة القرطاجية، وعلى الرغم من استثنائية نطاقها، لم تكن غير عادية على الإطلاق.
غادرت الحملة قرطاج بـ60 سفينة و30,000 رجل حسب الرواية، لكن مثّل كثير من المصادر القديمة، قد تكون هذه الأرقام مبالغ فيها. أبحروا إلى ما وراء أعمدة هرقل، ما صار اليوم جبل طارق، وخرجوا إلى المحيط الأطلسيّ. تمضي الرواية لتفصيل نجاح حَنّا في مهمّته الأولى بتأسيس عدّة مستعمرات على طول ساحل ما صار اليوم المملكة المغربية، ووصل جنوباً حتّى جزر الكناري وما وراءها.

تأسيس كِرني: آخر معاقل الحضارة
في موضع سمّاه القرطاجيّون كِرني Κέρνη (حسب اليونان)، استقرّت مستعمرة أخيرة. “كِرني” تُترجم في الفينيقية چِرنَه 𐤔𐤓𐤍𐤇 وقِرنَة Cerne في العربية الحديثة واللّاتينية، ومعناها “آخر مسكن”. حُدّد موقعها بأشكال متباينة: جزيرة صغيرة تُسمّى هِرني في خليج ريو دي أورو قرب الداخلة، أو إحدى جزر خليج أرغان على الساحل الموريتانيّ. مع ذلك، لهذه الاقتراحات كلّها عيوب، وليس أقلّها ببساطة أنّ المسافات المعنية لا تتطابق.
من چِرنَه، توجّهت الحملة جنوباً لاثني عشر يوماً. هنا غاص حَنّا حقّاً في المجهول. بالإبحار نحو 100 كيلومتر يوميّاً، كان اثنا عشر يوماً كافية للحملة لتصل إلى مكان قرب غينيا. علامة على مدى ابتعاد حَنّا عن المعلوم تظهر حين أبلغ أنّ المترجمين الذين التقطهم على طول الطريق لم يعودوا قادرين على فهم اللّغات المحلّية. ويشير هذا إلى احتمال دخولهم المناطق التي تُتحدّث فيها لغات كرو، في سيراليون الحديثة.
رست الحملة عند “جبال كبيرة” كانت “مغطّاة بأشجار خشبها عطريّ وملوّن”، ربّما كانت كيپ ميسورادو قرب مونروڤيا، ليبيريا. نلمح هنا نيّة القرطاجيّين وعقليّتهم، إذ لاحظوا الأشجار العطرية، سلعة تجارية تحتمل الربح. وبعد استكشاف المنطقة، واصل حَنّا خمس أيّام أخرى على طول الساحل، متوقّفاً في خليج سمّاه “قرن الغرب”. ذُكر هذا الموقع في عدّة نصوص قديمة، لكن بصفة رأس، كان على الأرجح كيپ ثري بوينتس في غانا الحديثة.

حوادث غامضة ومواجهات غريبة
حادثة مع نيران وموسيقى قادمة من جزيرة غامضة، على الأرجح في دلتا النيجر، وأرض يتعذّر الوصول إليها بسبب الحرارة، شجّعت الأسطول على مواصلة الإبحار. وبعد أربع أيّام أخرى من الإبحار، في حين راقبوا ساحلاً مضاءً بالنيران ليلاً، شوهد جبل سُمّي “مركبة الآلهة”. مع أنّ الأمر محلّ جدل كبير، ربّما كان جبل الكاميرون. الاسم المحلّيّ له هو مُنغا-ما لُوبا أو “مقعد الآلهة”.
كانت وجهة حَنّا النهائية على بعد ثلاث أيّام إبحار أخرى. وصل إلى خليج أسماه “قرن الجنوب”، الخليج على ما يبدو خليج كوريسكو، والرأس ربّما كان شبه الجزيرة التي تقع عليها عاصمة الغابون ليبرڤيل. وعلى جزيرة في هذا الخليج، وردت رواية تثير الفضول عن لقاء مع السكّان:
“في هذا الخليج كانت جزيرة تشبه الأولى، فيها بحيرة، وداخلها جزيرة أخرى، مليئة بالمتوحّشين. معظمهم كانوا نساء ذوات أجساد مشعرة، أطلق عليهم مترجمونا اسم ‘غوريلا’. مع أنّنا طاردناهم، لم نستطع اصطياد أيّ ذكور: هربوا جميعاً، كونهم متسلّقين جيّدين دافعوا عن أنفسهم بالحجارة. مع ذلك، اصطدنا ثلاث نساء، رفضن اتّباع مَن حملوهنّ، يعضضن ويخدشن. لذا قتلناهنّ وسلخنا جلودهنّ وأحضرناها إلى قرطاج”.
لا يمكن أن تكون هذه الرواية دقيقة تماماً، فالغوريلّات لا تسبح ولا تُعرف برمي الحجارة أو العيش في جماعات كبيرة مثل تلك الموصوفة. لا بدّ إذن أنّ اللّقاء حدث على البرّ الرئيس، ربّما في مكان ما على شبه جزيرة ليبرڤيل. وبعد هذا، مع نفاد مؤن الحملة، أبحر حَنّا عائداً إلى الوطن.

صدى الرحلة في العالم القديم
كانت هذه الحادثة المثيرة معروفة جيّداً في العصور الكلاسيكية القديمة، إذ ذكرها هيرودوتس وأريانوس. أبلغ بلينيوس الأكبر أنّ جلود الغوريلا عُرضت في معبد الإلهة تانيت حتّى دمّر الرومان قرطاج. بل زعم بلينيوس أنّ حَنّا أبحر حول أفريقيا كلّها، من غادير (قادس) إلى الجزيرة العربية.
غير أنّ بلينيوس ربّما خلط بين رحلة حَنّا ورحلة فينيقية أقدم وأعظم شأناً، وهي الرحلة التي نفّذها بحّارة فينيقيّون برعاية الملك المصريّ نيخو الثاني (نيقو \ نيقا، حكم 610-595 ق.م) قبل حَنّا بعقود قليلة. يروي هيرودوتس في كتابه “التواريخ” أنّ نيخو الثاني، بعد أن أوقف بناء قناة تربط النيل بالبحر الأحمر، أرسل أسطولاً فينيقيّاً بمهمّة استثنائية: الإبحار من البحر الأحمر جنوباً حول أفريقيا كلّها والعودة إلى مصر عبر أعمدة هرقل.
انطلق الفينيقيّون في رحلة استمرّت ثلاث سنوات كاملة. كانوا كلّما حلّ الخريف يرسون على الساحل، يزرعون رقعة من الأرض، ينتظرون المحصول، يحصدونه، ثمّ يواصلون إبحارهم. بعد عامين كاملين طافوا حول أعمدة هرقل ووصلوا مصر في السنة الثالثة. لكنّ أغرب ما في روايتهم، وأكثره إثارة للشكّ عند هيرودوتس نفسه، كان ادّعاؤهم أنّهم حين أبحروا غرباً حول الطرف الجنوبيّ لأفريقيا، كانت الشمس على يمينهم – أي شمالاً منهم.
هذا التفصيل الذي استنكره هيرودوتس هو بالضبط ما يثبت صدق الرواية! فالشمس لا تكون على اليمين لمن يبحر غرباً إلّا إذا عبر خطّ الاستواء ووصل النصف الجنوبيّ من الكرة الأرضية، وهو أمر لم يكن هيرودوتس يعرفه. لم يكن الفينيقيّون ليختلقوا تفصيلاً غريباً هكذا لو لم يشهدوه فعلاً. المسار الذي وصفه هيرودوتس يتطابق تماماً مع التيّارات البحرية والرياح الموسمية التي كانت ستحمل السفن الفينيقية: الرياح الموسمية الشمالية الشرقية في الخريف تدفع السفن جنوباً على طول الساحل الأفريقيّ الشرقيّ، وتيّار أگولاس يحملها حول رأس الرجاء الصالح، ثمّ تيّار بنگويلا والرياح التجارية الجنوبية الشرقية تعيدها شمالاً على طول الساحل الغربيّ.
في عصرنا الحديث، أثبت البحّار البريطانيّ فيليپ بيل Philip Beale إمكانية هذه الرحلة عمليّاً. بين عامي 2008 و2010، طاف حول أفريقيا في سفينة فينيقية مُقلَّدة باستخدام تقنيات القرن السادس قبل الميلاد فحسب، وأكمل الرحلة في سنتين وشهرين – مطابقاً تقريباً للمدّة التي ذكرها هيرودوتس.
ربّما خلط بلينيوس بين هاتين الرحلتين الفينيقيّتين العظيمتين: رحلة برعاية مصرية طافت حول أفريقيا كاملة حوالي 600 قبل الميلاد، ورحلة قرطاجية استكشفت الساحل الغربيّ حوالي 500 قبل الميلاد. أو ربّما اعتمد على مصدر يونانيّ أو بونيقيّ ضائع يشير إلى أنّ حَنّا أكمل ما بدأه أسلافه الفينيقيّون وطاف هو أيضاً حول القارّة. وفي غياب السجلّات القرطاجية الأصلية، يستحيل الجزم. لكنّ الثابت أنّ الفينيقيّين، سواء من صور أو من قرطاج، حقّقوا ما يُعدّ من أعظم إنجازات الملاحة في العالم القديم، وأنّ معرفتهم بسواحل أفريقيا تجاوزت بكثير ما وصلنا من نصوص ناجية.
لسوء الحظ، بسبب تضافر عوامل عدّة: سرّية القرطاجيّين بشأن طرقهم التجارية، وافتقارنا إلى مصادر قرطاجية أصلية، واعتمادنا على روايات يونانية ورومانية من يد ثانية فقط، والقمع الرومانيّ لكلّ ما هو قرطاجيّ بعد غزو المدينة في مساعي روما لمحو سيرة الحضارة القرطاجية من التاريخ، معرفتنا بهذه الحادثة المثيرة من التاريخ محدودة في أحسن الأحوال.
كان القرطاجيّون عازمين على المحافظة على سيطرتهم على التجارة الأطلسية، ولذا على الأرجح أغفلوا أو غمّوا تفاصيل هذه الحملات، سامحين لعالم المتوسّط أن يعرف ما يكفي ليُذهل بهذه الإنجازات، لكن دون القدرة على تكرارها وتحدّي هيمنة قرطاج التجارية.

رحلة هيميلكو إلى أقاصي الشمال
أدّت هذه الإبهامات إلى جدل كبير حول مسار الحملة ومداها. يتّفق معظم المؤرّخين على أنّ حَنّا بلغ السنغال، ويتّفق بعضهم على أنّه وصل إلى غامبيا. الحدّ الأقصى للاستكشاف محلّ خلاف. مصدر الخلاف الرئيس يكمن فيما إذا كان الجبل الذي وصفه حَنّا هو جبل الكاميرون، إذ يجادل بعضهم بأنّه بعيد جدّاً، أم جبل كاكوليما في غينيا.
مع أنّ التفاصيل المتوفّرة عن هذه الحملة محدودة، ولدينا أقلّ منها حين نصل إلى حملات قرطاجية أخرى، مثل حملة هيميلكو في الوقت نفسه تقريباً على طول ساحل شمال غرب أوروپا، فإنّها تمنحنا نظرة ثاقبة جيّدة إلى ما كان معروفاً عن الحدود الغربية للحضارة القديمة، ولو فقط عبر التحديد التقريبيّ للأماكن المسمّاة وردّة فعل الكتبة اليونانيّين والرومان على التقارير. لسوء الحظ، بسبب أشياء مثل السرّية القرطاجية، يستحيل تمييز أيّ التفاصيل حقيقية، وأيّها مبالغات، وأيّها اختلاق كامل.
في حين أبحر حَنّا جنوباً على طول الساحل الأفريقيّ الغربيّ، انطلق معاصره هيميلكو في الاتّجاه المعاكس تماماً. ذكر بلينيوس الأكبر أنّ هيميلكو أُرسل في الوقت نفسه “لاستكشاف الأجزاء النائية من أوروپا”، ما يشير إلى أنّ قرطاج نفّذت برنامجاً منظّماً لاستكشاف المحيط الأطلسيّ في كلا الاتّجاهين. اسمه بالفينيقية “خِي مِلكات” 𐤇𐤌𐤋𐤊𐤕 ومعناه “أخي ملكات”، وهو على الأرجح من عائلة الماگونيّين الحاكمة في قرطاج، ربّما شقيق حَنّا نفسه.
غادر خِي مِلكات من غادير (قادس الحديثة) وأبحر شمالاً على طول السواحل الأطلسية لما صار اليوم إسپانيا والپرتغال وفرنسا. كان هدفه التجاريّ واضحاً: الوصول إلى مصادر القصدير الثمين الضروريّ لصناعة البرونز، والمعادن النفيسة الأخرى. وصل إلى أراضي قبيلة الأويسترومنيّين Oestrymnides في ما صار اليوم بريتاني في شمال غرب فرنسا، بل ربّما وصل إلى الجزر البريطانية نفسها. يذكر روفيوس فستوس أڤينوس، الشاعر الرومانيّ من القرن الرابع الميلاديّ الذي حفظ لنا مقتطفات من رحلة خِي مِلكات في قصيدته “أورا ماريتيما” Ora Maritima، أ أنّ سجلّات الرحلة تشير إلى جزر “ألبيون” Ἀλβίων / Albion و”إيرني” Ἰέρνη / Ierne، الأسماء القديمة لبريطانيا وآيرلاندا.
استغرقت الرحلة إلى أراضي الأويسترومنيّين أربعة أشهر حسب أڤينوس، وهي مدّة طويلة تشير إلى أنّ خِي مِلكات لم يكن يستكشف مناطق جديدة تماماً، بل كان يتّبع طرق التجارة التي استخدمها الطرطيسيّون (سكّان جنوب إيبيريا الفينيقيّون) قبله. أراد القرطاجيّون، وبعد سيطرتهم على غادير، احتكار هذه الطرق التجارية القديمة والسيطرة مباشرة على مصادر المعادن في الشمال.
لكنّ ما يثير الاهتمام حقّاً في رواية خِي مِلكات ليس وجهته، بل الأهوال التي ادّعى أنّه واجهها في طريقه. وصف المحيط الأطلسيّ بأوصاف مرعبة: بحر راكد لا تحرّكه الرياح، مياه خاملة كما الموت، أعشاب بحرية كثيفة تحبس السفن “على طريقة الأشجار الكثيفة”، مياه ضحلة بالكاد تغطّي الرمال، ضباب كثيف يلفّ البحر طوال النهار، و”وحوش البحر” العظيمة التي تسبح بين السفن البطيئة.
يقول أڤينوس ناقلاً عن خِي مِلكات:
“لا يمكن عبور هذا البحر إلّا بالكاد في أربعة أشهر … لا نسمة تدفع السفينة، والمياه الخاملة للبحر الكسول راكدة تماماً… هناك أعشاب بحرية كثيرة تطفو في الماء، وغالباً ما تحبس المقدّمة على طريقة الأحراش … عمق الماء لا يمتدّ كثيراً، والقاع بالكاد مغطّى بقليل من الماء … يلتقون هنا وهناك وحوش البحر، والحيوانات العظيمة تسبح وسط السفن البطيئة الزاحفة بتثاقل.”
كانت هذه الأوصاف المرعبة على الأرجح دعاية متعمّدة لردع المنافسين اليونانيّين عن محاولة سلوك هذه الطرق التجارية والتنافس مع قرطاج على مصادر القصدير والمعادن الثمينة. استخدمت قرطاج، المعروفة بسرّيتها الشديدة بشأن طرقها التجارية، أساطير الأهوال البحرية سلاحاً اقتصاديّاً. حتّى أنّ القرطاجيّين كانوا يُغرقون أيّ سفينة أجنبية تجرؤ على الإبحار غرب صقلية، عادّين الأطلسيّ وغرب البحر المتوسّط ساحتهم الخاصّة.
مع ذلك، قد تحتوي رواية خِي مِلكات (هيميلكو) على بعض الحقيقة. “الأعشاب البحرية الكثيفة” قد تكون إشارة إلى بحر ساراگاسو Sargasso Sea، المنطقة الأطلسية الشهيرة المليئة بأعشاب الساراگاسوم الطافية، وإن كان وصول هيميلكو إلى هذه المنطقة البعيدة غرب الأطلسيّ محلّ شكّ كبير. زقد تشير “الرياح الراكدة” إلى خطوط العرض الحصانية horse latitudes حيث تضعف الرياح، و”وحوش البحر” على الأرجح حيتان وقروش شاهدها البحّارة. بعض الباحثين يرون أنّ الوصف قد يشير إلى غابات عشب البحر kelp forests قرب السواحل الأوروپية الشمالية.
ضاع سجلّ خِي مِلكات الأصليّ مثل معظم الأدب القرطاجيّ، ولم يصلنا إلّا مقتطفات منه عبر مصادر رومانية متأخّرة. كُتب النصّ الأصليّ بالبونيقية (الفينيقية الغربية)، تُرجم إلى اليونانية، ثمّ اقتبسه كتّاب رومانيّون قبل أن يحوّله أڤينوس إلى قصيدة لاتينية في القرن الرابع الميلاديّ. مرور النصّ عبر هذه المراحل المتعدّدة ربّما شوّه التفاصيل أو أضاف إليها مبالغات.
ما يبقى مؤكّداً أنّ خِي مِلكات كان أوّل ملّاح متوسّطيّ معروف وصل إلى السواحل الشمالية الغربية لأوروپا، وأنّ رحلته – مثل رحلة حَنّا – تمثّل شاهداً على الطموح القرطاجيّ الكبير لاستكشاف المحيط الأطلسيّ والسيطرة على طرقه التجارية. الرحلتان معاً، واحدة شمالاً وأخرى جنوباً، تكشفان عن برنامج منظّم واستراتيجيّة واضحة: أرادت قرطاج أن تعرف ما وراء المعلوم، وأن تحتكر ما تكتشفه.

شهادة على فضول العربيّ وجرأته
مهما كانت الحقيقة، فرحلة حَنّا الملّاح نافذة مثيرة على الحضارة والمجتمع القرطاجيّين، وحادثة لافتة للاهتمام من التاريخ، ولو لم نلمحها إلّا عبر منظار العالم اليونانيّ-الرومانيّ.
ما تظهره الرحلات هو الحدود المادّية للمعرفة، لكن أيضاً أنّ الحضارة القديمة امتلكت القدرة والفضول لمتابعة هذه الأنواع من مهمّات الاستكشاف. حين انتزعت روما عباءة القوّة من قرطاج في الغرب، بقيت روح الاستكشاف، دافعة روما لتستكشف العالم بطريقتها الخاصّة.
حفظ هذا السرد القصير من كلّ المعرفة الواسعة للعالم القرطاجيّ التي لا بدّ أنّها وُجدت قبل أن يهدم الرومان المدينة هو في حدّ ذاته شهادة على قيمته. قبل الانتقال للنظر في كيف استغلّ الرومان ووسّعوا المعرفة بالعالم التي ورثوها حين استولوا على هيمنة الغرب، تستحقّ اكتشافات المستعمرين اليونانيّين في الغرب ومعرفتهم بعالمهم استكشافاً مماثلاً.
تبقى هذه الرحلة الاستثنائية، برغم قصر ما بقي من سردها، شاهداً على جرأة الإنسان العربيّ وفضوله الذي لا ينضب، وعلى أنّ المعرفة بالعالم في العصور القديمة كانت أوسع بكثير ممّا قد نتخيّل. دفع القرطاجيّون، ورثة التقاليد العربية الفينيقية البحرية، حدود المعلوم إلى أقصاها، تاركين لنا لمحات عابرة عن عالم ضاع معظمه في دوامة الزمن وتحت أنقاض قرطاج المدمّرة.
المراجع والمصادر
- النص الأصلي لرحلة حَنّا: Schoff, Wilfred H. (1912). The Periplus of Hanno: A Voyage of Discovery Down the West African Coast, By a Carthaginian Admiral of the Fifth Century B.C. Philadelphia: Commercial Museum. متاح على الإنترنت: https://en.wikisource.org/wiki/The_Periplus_of_Hanno. المخطوط البيزنطي الأصلي: Codex Palatinus Graecus 398 (Codex Heidelbergensis 398)، القرن التاسع/العاشر الميلادي، محفوظ في مكتبة جامعة هايدلبرغ
- هيرودوتس: Herodotus (1998). The Histories. Translated by Robin Waterfield. Edited with introduction and notes by Carolyn Dewald. Oxford World’s Classics. Oxford: Oxford University Press. ISBN: 978-0199535668
- أريانوس النيقوميدي: Arrian (1971). The Campaigns of Alexander. Translated by Aubrey de Sélincourt. Revised with introduction and notes by J.R. Hamilton. Penguin Classics. London: Penguin Books. ISBN: 978-0140442533
- Robin Lane Fox: Lane Fox, Robin (2006). The Classical World: An Epic History of Greece and Rome. London: Penguin Books. ISBN: 978-0141021416
- Raymond Mauny – دراسات الملاحة القديمة: Mauny, Raymond (1955). “La navigation sur les côtes du Sahara pendant l’antiquité”. Revue des Études Anciennes, Tome 57, n°1-2, pp. 92-101. متاح على: https://www.persee.fr/doc/rea_0035-2004_1955_num_57_1_3523. Mauny, Raymond (1960). Les navigations médiévales sur les côtes sahariennes antérieures à la découverte portugaise (1434). Lisbonne: Centro de Estudos Históricos Ultramarinos. 151 pages. (أطروحة دكتوراه تكميلية)
- دراسات معاصرة عن رحلة حَنّا: Kroupa, Soňa (2019). “Humanists and Travellers, Gorgons and Gorillas: Hanno the Navigator’s Periplus and Early Modern Geography (1530–1630)”. The International History Review, 41(4), pp. 665-695. Mund-Dopchie, Monique (1995). La fortune du “Périple d’Hannon” à la Renaissance et au XVIIe Siècle. Namur: Namur University Press.
- Mark Cartwright: Cartwright, Mark (2016). “Hanno: Carthaginian Explorer”. Ancient History Encyclopedia. Published June 22, 2016. متاح على: https://www.ancient.eu/Hanno/
- موقع Livius.org (مارتن فان دير هورست): “Hanno the Navigator». متاح على: https://www.livius.org/articles/person/hanno-1-the-navigator/
- دراسات النصوص الكلاسيكية: Roller, Duane W. (2006). Through the Pillars of Herakles: Greco-Roman Exploration of the Atlantic. London: Routledge. Harden, Donald (1962). The Phoenicians. London: Thames & Hudson.
- بلينيوس الأكبر: Pliny the Elder. Natural History (Historia Naturalis). الإشارات إلى رحلة حَنّا في الكتب 2 و 5 و 6.





اترك رد