استمراراً لعاداتهم قبل المسيحية والإسلام والعرب يولون منذ فجر الإسلام اهتماماً خاصّاً بتقسيم مراحل الحياة الإنسانيّة وفهم طبيعة كلّ مرحلة عُمريّة، فطوّروا نظاماً شاملاً يربط النموّ الجسدي بالنضج الروحي والمسؤوليّة القانونيّة والكفاءة الاجتماعيّة. لم ينشأ هذا النظام من فراغ، بل تبلور عبر أربعة عشر قرناً من التفاعل بين النصوص الدينيّة والملاحظات الطبيّة والخبرات الاجتماعيّة والتبادل الحضاري مع الأمم الأخرى.
يكشف تتبّع هذا التطوّر عن رحلة معرفيّة طويلة بدأت بالتصنيفات البسيطة في “الجاهليّة”، ومرّت بمرحلة التدوين والتقنين في العصر الإسلامي المبكر، ثمّ ازدهرت في العصور الوسطى لتشهد تنوّعاً إقليميّاً واضحاً بين المشرق والمغرب والأندلس وآسيا الوسطى، وصولاً إلى التحدّيات والتطوّرات المعاصرة.

الجذور اللّغويّة والمعجميّة
تحتفظ المعجمات العربيّة الكلاسيكيّة بكنز لغوي هائل يشهد على دقّة الملاحظة العربيّة لمراحل النموّ الإنساني. فلسان العرب لابن منظور وتاج العروس للزبيدي والقاموس المحيط للفيروزآبادي تضمّ مئات المصطلحات التي تُميّز بدقّة متناهية بين درجات النموّ والتطوّر.
في المرحلة الجنينيّة والرضاعة، نجد:
- “الجنين” للطفل المستتر في بطن أمّه،
- و”الوليد” للمولود حديثاً،
- و”الرضيع” للذي يرضع من ثدي أمّه،
- و”الفطيم” للذي انتهى من الرضاعة وبدأ يتناول الطعام.
هذا التنوّع الاصطلاحي يُظهر اهتماماً مبكّراً بتتبّع أدقّ التغيّرات في حياة الطفل.
أمّا في مراحل الطفولة المبكّرة، فيزداد الثراء اللّغوي وضوحاً:
- “الطفل” من الطفالة أي النعومة،
- و”الدارج” للّذي بدأ يمشي ببطء،
- و”الخماسي” للطفل في سنته الخامسة تحديداً،
- و”المثغور” للّذي بدأت أسنانه الدائمة بالظهور.
كلّ مصطلح يحمل دلالة دقيقة تربط اللّفظ بالمعنى والمعنى بالواقع المُلاحَظ.
لكنّ الإبداع اللّغوي العربي يتجلّى أكثر ما يتجلّى في المصطلحات المتخصّصة للمراحل المتقدّمة. فهناك:
- “المنتثر” لمرحلة انتثار الشعر في الوجه،
- و”الحزوّر” لمرحلة التطوّر الجسدي،
- و”القمد” المرتبط بالطول والبنية،
- و”العنطنط” الذي يشير إلى مرحلة المراهقة،
- و”الممل” المرتبط بالنضج الجسدي،
- و”الصمل” لمرحلة من مراحل الرشد الجسدي.
هذا الثراء الاصطلاحي أكثر من مجرّد توسّع لغوي عشوائي، فهو يكشف عن منهجيّة علميّة مُبكّرة في ملاحظة التطوّر البشري. امتلك العرب المسلمون الأوائل حساسيّة فائقة للتمييز بين مراحل النموّ، ما جعلهم يطوّرون نظاماً مصطلحيّاً دقيقاً يخدم الحاجات القانونيّة والاجتماعيّة والطبيّة في آن واحد.
أسّست هذه الدقّة اللّغويّة لاحقاً للتطوّرات الفقهيّة والطبيّة التي ازدهرت في العصور اللّاحقة، فالمصطلح الدقيق يُمكّن من التصنيف الدقيق، والتصنيف الدقيق يفتح الباب أمام التحليل العلمي والتطبيق القانوني المحكم.

الأسس الشرعيّة والفقهيّة
النصوص التأسيسيّة
أرسى القرآن الكريم المعالم الأساسيّة لفهم المراحل العُمريّة في الإسلام عبر آيات محوريّة تربط العمر بالمسؤوليّة الشرعيّة والاجتماعيّة. قوله تعالى “وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم” يُميّز بوضوح بين البلوغ الجسدي والرشد العقلي، مؤسّساً لمفهوم مركّب للنضج الإنساني.
كذلك قوله “وإذا بلغ الأطفال منكم الحُلم فليستأذنوا” يربط البلوغ بالتكليف الشرعي، فيما تشير آيات أخرى إلى مراحل متنوّعة مثل سنّ الأربعين مرحلة النضج الكامل: “حتّى إذا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة قال ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك”.
الهدي النبوي في التربية المرحليّة
طوّر الرسول الكريم ﷺ نظاماً تربويّاً متدرّجاً يتّسم بالحكمة العمليّة والفهم العميق لطبيعة النموّ الإنساني. حديثه الشهير “السيّد للسبع، والعبد للسبع، والوزير للسبع” يقسّم العقدين الأوّلين من الحياة إلى ثلاث مراحل متميّزة: مرحلة الحريّة واللّعب حتّى السابعة، مرحلة التأديب والتعليم المنضبط حتّى الرابعة عشرة، ثمّ مرحلة التدريب على تحمّل المسؤوليّة حتّى الحادية والعشرين.
هذا التقسيم النبوي لا يقتصر على تحديد الأعمار الزمنيّة، بل يتضمّن فلسفة تربويّة شاملة تراعي القدرات النفسيّة والجسديّة والعقليّة في كلّ مرحلة. فالطفل في السبع الأولى يحتاج إلى الحبّ والحنان والحريّة للاكتشاف، وفي السبع الثانية إلى النظام والتعليم، وفي السبع الثالثة إلى التدريج في تحمّل المسؤوليّات.
مذاهب التطبيق
تنوّعت المذاهب الفقهيّة في تحديد أعمار البلوغ والتكليف تنوّعاً يُظهر مرونة نظام الإسلام وقدرته على التكيّف مع البيئات المختلفة.
- حدّد المذهب الحنفي البلوغ بثمانية عشر عاماً هجريّاً للفتيان والفتيات مع التركيز على النضج النفسي،
- في حين ذهب المذهب المالكي إلى سبعة عشر أو ثمانية عشر عاماً مع اعتماد قوي على الممارسة المجتمعيّة في المدينة.
- أمّا المذهب الشافعي فالتزم بخمسة عشر عاماً للجنسين مع أولويّة العلامات الجسديّة على الحسابات العُمريّة،
- فيما تمسّك المذهب الحنبلي بخمسة عشر عاماً أيضاً لكن بالاعتماد الحرفي على النصوص الشرعيّة.
هذا التنوّع لا يمثّل تناقضاً، بل يكشف عن إدراك عميق لحقيقة أنّ النضج الإنساني عمليّة معقّدة تتأثّر بعوامل متعدّدة: البيئة الجغرافيّة، والظروف الاجتماعيّة، والاختلافات الفرديّة، والسياق الحضاري.

التطوّر الطبّي والعلمي
إسهامات ابن سينا الرائدة
يُعدّ {أبو علي الحسين بن سينا} في كتابه “القانون في الطبّ” أوّل مَن وضع نظاماً طبّيّاً متكاملاً لتصنيف المراحل العُمريّة. قسّم ابن سينا الحياة الإنسانيّة إلى أربع مراحل أساسيّة:
- مرحلة النموّ حتّى الثلاثين،
- مرحلة الشباب حتّى الأربعين،
- مرحلة بداية الشيخوخة حتّى الستين،
- ثمّ مرحلة الهرم حتّى نهاية العمر.
لكنّ عبقريّة ابن سينا تتجلّى في تقسيماته الفرعيّة الخمس للمرحلة الأولى: - الطفولة المبكّرة قبل المشي، مرحلة تكوين الأسنان وتعلّم المشي،
- الطفولة المتوسّطة بقوّة الجسم واكتمال الأسنان،
- المراهقة بنموّ الشعر وبداية الاحتلام،
- ثمّ الشباب بتمام نموّ الجسم وذروة القوّة الرياضيّة.
ما يُميّز نهج ابن سينا ومثله من الأطبّاء المسلمين هو الجمع بين الأصول النظريّة والملاحظة العمليّة. فهم لم يكتفوا بتقسيمات نظريّة مجرّدة، بل ربطوها بعلامات جسديّة ونفسيّة محدّدة يمكن ملاحظتها وقياسها. هذا النهج العلمي المبكّر وضع أسساً صلبة لعلم نموّ الإنسان وطبّ الأطفال.
طوّر أبو بكر الرازي هذا النهج أكثر عندما ميّز طبّ الأطفال مجال منفصل له خصائصه وأساليبه المتميّزة. ركّز الرازي على الاختلافات الفرديّة في النموّ والتطوّر، ودعا إلى ضرورة تخصيص العلاج حسب المرحلة العُمريّة للمريض.
ابن رشد أضاف بُعداً آخر عندما ربط التطوّر الجسدي بالقدرات العقليّة والروحيّة، مؤكّداً أنّ فهم التشريح والنموّ الجسدي يُقوّي الإيمان ويُعمّق فهم الخلق الإلهي. ميّز هذا الربط بين العلم والدين التطوّر الطبي في الحضارة الإسلاميّة.

التعبيرات الأدبيّة والشعريّة
الشعر الجاهلي والمفاهيم العُمريّة
استخدم الشعراء في العصر الجاهلي المراحل العُمريّة إطار مرجعي لاستكشاف المعاني الإنسانيّة العميقة. احتفى امرؤ القيس وأترابه بالشباب والحيويّة، وصوّروا الفتى الشجاع السخيّ مثال أعلى للكمال البشري. وظهر النضج والقيادة في صورة الرجل الناضج الذي يُجسّد شرف القبيلة وحكمتها، في حين مثّلت حكمة الشيوخ المعرفة المتراكمة والسلطة القبليّة.
لم يخلُ هذا الشعر من التأمّل في عابريّة الحياة وسرعة مرور الوقت، فكثيراً ما رثى الشعراء فقدان الشباب وحنّوا إلى أيّام الصبا والقوّة. فأضفى هذا البُعد التأمّلي عمقاً فلسفيّاً على المعالجة الأدبيّة للمراحل العُمريّة.
التطوّر في عصر الإسلام
دخلت مفاهيم الإسلام على الأدب العربي فأضافت أبعاداً جديدة لفهم مراحل الحياة. تجاوز النضج الروحي حدود العمر الزمني، إذ قد تكون هداية اللّه للإنسان في أيّ عمر، والتطوّر الأخلاقي أصبح أهمّ من مجرّد الشيخوخة الجسديّة. كما دخلت المنظورات الأُخرويّة التي تربط مراحل الحياة الدنيا بالحساب في الآخرة.
الإبداع الأندلسي
في الأندلس، تطوّرت أشكال أدبيّة فريدة مزجت المفاهيم العربيّة المسلمة مع التأثيرات اليهوديّة والمسيحيّة الإيبيريّة. أظهرت الموشّحات والأزجال مفاهيم عُمريّة متعدّدة الروافد، في حين طوّرت المدارس الأندلسيّة مناهج تعليميّة قائمة على فهم دقيق للمراحل العُمريّة وخصائص كلّ مرحلة.

التطوّر التاريخي عبر الحقب
العصر الجاهلي والتأسيس العشائري
بدأت التصنيفات العُمريّة في البيئة العشائرية العربيّة بأشكال بسيطة ترتبط بالحاجات العمليّة للحياة القبليّة. اعتمد التسلسل الهرمي القبلي على الأقدميّة والشجاعة والكرم في اختيار القادة، ومشاركة مجلس العشيرة اتّخذت أشكالاً قائمة على العمر والخبرة.
تأثّر هذا النظام الأوّلي بالأنظمة المجاورة التي طوّرت تصنيفات إداريّة واجتماعيّة معقّدة. مثلاً نظام الطبقات الپهلوي الثلاثي أثّر على مفاهيم التقسيم الاجتماعي، في حين نقلت الفئات الإداريّة الأشورية للضرائب والخدمة العسكريّة مفاهيم التصنيف العُمري الإداري.
الفترة الإسلاميّة المبكّرة والتأسيس الشرعي
شهدت القرون الإسلاميّة الأولى تحوّلاً جذريّاً في فهم المراحل العُمريّة بتأثير النصوص القرآنيّة والتوجيهات النبويّة. أسّست الآيات الرئيسيّة في سور مختلفة لمفاهيم جديدة: بلوغ النكاح، بلوغ الحُلم، بلوغ الأشدّ، وأهميّة سنّ الأربعين مرحلة المساءلة الروحيّة الكاملة.
وضعت الإرشادات النبويّة ضوابط عمليّة: تعليم الصلاة في السابعة، التصحيح اللّطيف للصلوات الفائتة في العاشرة مع ترتيبات النوم المنفصلة، وبداية الالتزامات الدينيّة الكاملة مع البلوغ.
العصر العبّاسي وحركة الترجمة
شهد العصر العبّاسي نقلة نوعيّة في فهم المراحل العُمريّة بتأثير حركة الترجمة الكبرى. صارت مؤسّسة بيت الحكمة في بغداد مركزاً لترجمة النصوص الفلسفيّة اليونانيّة والإداريّة الپهلوية والرياضيّة الهنديّة.
وينبغي هنا التنبّه إلى أنّ مصطلح “الترجمة عن اليونانيّة” لا يقتصر على علوم بلاد اليونان وحدها، بل يشمل تراثاً حضاريّاً أوسع بكثير. إذ دوّنت كثير من شعوب غرب آسيا ومصر وبلاد الشام وما بين النهرين وحتّى أجزاء من الهند تراثها العلمي والطبي والفلسفي باللّغة اليونانيّة، خاصّة في العصر الهلنستي الذي أعقب فتوحات الإسكندر المقدوني. كما دوّنت شعوب أخرى معارفها بالآراميّة والپهلوية والسنسكريتيّة، حتّى لو كانت تتحدّث لغات أمّ مختلفة تماماً. وهكذا كانت حركة الترجمة العبّاسيّة في الواقع استيعاباً لتراث حضاري متعدّد الأصول والمشارب، جُمع تحت عناوين لغويّة واسعة، ما أثرى المعرفة الإسلاميّة بتنوّع ثقافي هائل.
جلبت التأثيرات اليونانيّة المفاهيم الأرسطيّة لمراحل التنمية البشريّة، في حين نقلت النصوص الإداريّة الپهلوية القوانين الأشكانية والساسانيّة حول تصنيفات العمر. وأضافت المفاهيم الرياضيّة الهنديّة الدقّة العدديّة في حسابات العمر والتقسيمات الزمنيّة.

التنوّع الإقليمي والتكيّف المحلّي
التطوّر في الأندلس
طوّرت الأندلس نظاماً متميّزاً للمراحل العُمريّة تأثّر بهيمنة المذهب المالكي وواقع التعدّد الديني. تكيّفت تفسيرات المالكيّة المحدّدة لمتطلّبات السنّ مع السياق متعدّد الأديان، ما أدّى إلى تكييفات خاصّة للمسيحيّين واليهود تحت نظام الذمّة.
أثّرت مدارس الترجمة في طليطلة وقرطبة على المفاهيم العُمريّة بنقل الأعمال الفلسفيّة والطبيّة، فيما طوّرت الأنظمة التعليميّة الأندلسيّة مناهج متقدّمة قائمة على فهم دقيق للمراحل العُمريّة وخصائص كلّ مرحلة.
النموذج العثماني
أبدعت الدولة العثمانيّة نظاماً إداريّاً معقّداً للتصنيفات العُمريّة ضمن نظام الملل الذي سمح بتصنيفات مختلفة للجماعات الدينيّة المتنوّعة. طوّر نظام الدوشيرمة فئات بيروقراطيّة مفصّلة قائمة على العمر والقدرات.
جمعت التعدديّة القانونيّة العثمانيّة بين الشريعة الإسلاميّة والعادات المحلّيّة في تحديد المراحل العُمريّة، ما خلق نظاماً مرناً قادراً على التكيّف مع التنوّع الكبير داخل الإمبراطوريّة.
التجربة في الهند الإسلاميّة
في شبه القارّة الهنديّة، تكيّفت التصنيفات العُمريّة الإسلاميّة مع الواقع المحلّي فأنتجت تركيبات فريدة تتقاطع مع التسلسل الهرمي الاجتماعي الهندوسي. وأدّت الاعتبارات المناخيّة الإقليميّة إلى اعتراف بأعمار نضج مبكّرة، في حين خلقت التركيبات الهندوسيّة-الإسلاميّة احتفالات عُمريّة وشعائراً تجمع بين التقليدين.

التأثيرات الحضاريّة المتبادلة
الحوار مع التراث اليوناني
استفاد المفكّرون المسلمون من التراث اليوناني الفلسفي والطبّي دون أن يفقدوا خصوصيّتهم الحضاريّة. دخلت النظريّات الأرسطيّة للتطوّر والممارسات الإداريّة البيزنطيّة والتقاليد الطبيّة الگالينيّة النظام الإسلامي عبر حركة الترجمة وأثّرت في تطوّره دون أن تغيّر جوهره.
التبادل مع الحضارة الپهلوية
أثرى التراث الپهلوي النظام الإسلامي للمراحل العُمريّة عبر القوانين الأشكانية-الساسانيّة والمفاهيم الدينيّة الزرادشتيّة والتقاليد الأدبيّة. ولم يكن هذا التأثير أحادي الاتّجاه، بل تفاعلاً حضاريّاً أنتج تركيبات جديدة تحمل ملامح الحضارتين.
الإسهام التركي
أضافت التقاليد التركيّة وسط الآسيوية والعبقريّة الإداريّة السلجوقية والعثمانيّة والتقاليد العسكريّة أبعاداً جديدة لفهم المراحل العُمريّة، خاصّة في مجالات التنظيم الإداري والخدمة العسكريّة والتدرّج الوظيفي.

التحدّيات والتطوّرات المعاصرة
الفترة الاستعماريّة والتأثير الأوروپي
شهدت فترة الاستعمار الأوروپي تحدّيات جديدة للنظام الإسلامي التقليدي للمراحل العُمريّة. إذ فرضت القوانين المدنيّة الأوروپيّة أعماراً عدديّة ثابتة لتحلّ محل الفئات الإسلاميّة المرنة، وأدخلت الإصلاحات التعليميّة أنظمة تعليميّة على الطراز الأوروپي مصنّفة حسب العمر.
فرض التحديث الإداري توثيق الولادة المعياري وتوثيق العمر، ما خلق تعدديّة قانونيّة معقّدة بين الأنظمة الإسلاميّة التقليديّة والقوانين المدنيّة الحديثة.
التطوّرات المعاصرة والتحدّيات الجديدة
في القرنين العشرين والحادي والعشرين، واجه النظام الإسلامي للمراحل العُمريّة تحدّيات متنوّعة: منها اختلافات الدولة القوميّة في تبنّي معايير عُمريّة مختلفة، تأثير القانون الدولي خاصّة اتّفاقيّة الأمم المتّحدة لحقوق الطفل، والتطوّرات الطبيّة في فهم التنمية الجسديّة والنفسيّة، وآثار العولمة بضغوطها للتوحيد القياسي.
أنتجت هذه التحدّيات حواراً معاصراً حول التكامل الطبّي الحيوي، دمج نظريّات تنمية الطفل المعاصرة، مع محاولات التوحيد القياسي الإقليمي، والموازنة بين المفاهيم الإسلاميّة التقليديّة والمعايير الدوليّة لحقوق الإنسان.

الأثر المعاصر والتطبيقات الحديثة
التطبيقات القانونيّة المعاصرة
ما زال النظام الإسلامي للمراحل العُمريّة يؤثّر بقوّة في قوانين الأحوال الشخصيّة في معظم الدول العربيّة والإسلاميّة. تحديد الأهليّة القانونيّة والمسؤوليّة الجنائيّة، إلى جانب قوانين الزواج والطلاق وحقوق الأطفال، وقوانين الميراث والوصاية على الأموال، والالتزامات الدينيّة كلّها تستمدّ أسسها من التراث الفقهي الإسلامي.
التشريعات المعاصرة حول حقوق الطفل وحمايته، وقوانين التعليم الإلزامي ومنع عمالة الأطفال، ومحاولات التوفيق بين الشريعة والقانون المدني الحديث تُظهر الحيويّة المستمرّة لهذا النظام وقدرته على التكيّف مع متطلّبات العصر.
الأثر الاجتماعي والتربوي
ما زال النظام الإسلامي للمراحل العُمريّة يُشكّل الممارسات الاجتماعيّة في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة. شعائر العبور من الطفولة إلى الرشد، التوقّعات الاجتماعيّة في مراحل الحياة المختلفة، تقسيم الأدوار الاجتماعيّة حسب العمر والجنس، والتسلسل الهرمي القائم على العمر والحكمة كلّها تحمل بصمات هذا التراث العريق.
تستفيد الأنظمة التعليميّة المعاصرة في العالم الإسلامي من التراث الإسلامي في فهم مراحل التطوّر المعرفي والنفسي للطالب. كما تسعى المناهج التربويّة الحديثة إلى الجمع بين الحكمة التراثيّة والاكتشافات العلميّة المعاصرة في علم نفس التطوّر وعلوم التربية.
التأثير في الأدب والفنون
ما زال الأدب العربي المعاصر يستلهم من التراث الإسلامي للمراحل العُمريّة في بناء الشخصيّات وتطوير الأحداث. إذ تحمل الرمزيّة العُمريّة في الشعر والرواية المعاصرة أصداء المفاهيم التراثيّة، فيما يستمرّ الفولكلور والحكايات الشعبيّة في نقل مفاهيم تقليديّة حول مراحل الحياة ومعانيها.
تُظهر الفنون البصريّة المعاصرة في العالم العربي والمسلم تأثّراً واضحاً بالتراث في تصوير المراحل العُمريّة، سواء في الرسم أو النحت أو الفنون التطبيقيّة. لا يقتصر هذا التأثير على الاستلهام الشكلي، بل يمتدّ إلى المضامين الفكريّة والروحيّة للمراحل العُمريّة.

نظرة مستقبليّة
يكشف هذا التتبّع التاريخي عن إنجاز حضاري متميّز في مجال فهم وتصنيف المراحل العُمريّة الإنسانيّة. لم يكتفِ النظام العربي المسلم بالتصنيف الزمني البسيط، بل طوّر منظومة شاملة تجمع بين الدقّة العلميّة والحكمة العمليّة والعمق الروحي.
تميّز هذا النظام بالدقّة العلميّة المبكّرة في ملاحظة التطوّر البشري، والتكامل متعدّد التخصّصات بين اللّغة والطبّ والفقه والتربية، والمرونة التكيّفيّة مع البيئات الجغرافيّة والحضاريّة المختلفة، والاستمراريّة التاريخيّة عبر أربعة عشر قرناً من التطوّر.
الرحلة الطويلة من التصنيفات العشائرية البسيطة في الجاهليّة إلى النظام العلمي المعقّد في العصور الإسلاميّة المتأخّرة تُظهر قدرة الحضارة العربيّة المسلمة على النموّ والتطوّر مع الحفاظ على هويّتها الجوهريّة. لم يكن هذا التطوّر خطّيّاً أو أحادي الاتّجاه، بل تفاعليّاً ومتعدّد الأبعاد، يستفيد من التراث ويتفاعل مع الحاضر ويستشرف المستقبل.
دمج المعرفة الطبيّة والقانونيّة والاجتماعيّة في إطار واحد متماسك يُعدّ من أهمّ إنجازات هذا النظام. فالطبيب المسلم لم ينفصل عن الفقيه، والفقيه لم يتجاهل المربّي، والمربّي لم يغفل عن الطبيب، ما خلق نظرة شموليّة للإنسان في مراحل نموّه وتطوّره.

التحدّيات المعاصرة والفرص المستقبليّة
يطرح العالم المعاصر تحدّيات جديدة أمام النظام الإسلامي للمراحل العُمريّة: ضرورة التوفيق بين التراث الإسلامي والمعايير الدوليّة لحقوق الإنسان، والتكيّف مع التطوّرات العلميّة في علم النفس التنموي وطبّ الأطفال، والحفاظ على الهويّة في عصر العولمة المتسارعة.
تحمل هذه التحدّيات في طيّاتها فرصاً ثمينة فيها إثراء الحوار الحضاري حول مفاهيم النموّ والتطوّر البشري، وتطوير نماذج تعليميّة وتربويّة تجمع بين أصالة التراث وحداثة العلم، والمساهمة في تطوير علوم الإنسان من منظور إسلامي معاصر يحترم التنوّع ويُثري المعرفة الإنسانيّة العامّة.
النظام العربي المسلم للمراحل العُمريّة ما زال قادراً على تقديم إسهامات قيّمة للحضارة الإنسانيّة المعاصرة. من طريق رؤيته الشموليّة للإنسان، تأكيده على الكرامة الإنسانيّة في كلّ مراحل الحياة، ربطه بين النموّ الجسدي والروحي والاجتماعي، ومرونته في التكيّف مع البيئات المختلفة كلّها عناصر يحتاجها العالم اليوم.
في عصر تهيمن عليه النظرة الماديّة الضيّقة للإنسان، يطرح التراث الإسلامي بديلاً روحيّاً وأخلاقيّاً يُعيد للإنسان بُعده الكامل. لا يرفض هذا البديل العلم الحديث، بل يسعى إلى تكامل حقيقي بين المعرفة العلميّة والحكمة الروحيّة، بين دقّة الملاحظة وعمق التأمّل، بين احترام الطبيعة البشريّة والسعي لترقيتها وتطويرها.
وهكذا يبقى النظام العربي المسلم للمراحل العُمريّة شاهداً على عمق حضارة الإسلام وشمولها، وبرهاناً على قدرة التراث العربي على تقديم إجابات مستمرّة لتساؤلات الإنسان حول طبيعته ومصيره ومراحل رحلته في هذه الحياة. يدعونا هذا التراث العريق اليوم إلى إعادة اكتشافه وتطويره بما يخدم الإنسان المعاصر ويُثري تجربته الحضاريّة دون أن يفقد جذوره وهويّته الأصيلة.

المراجع والمصادر
- ابن منظور، محمد بن مكرم (ت. 1311م/711هـ): لسان العرب. 15 مجلّداً. تحقيق: مجموعة من المحقّقين. بيروت: دار صادر، الطبعة الثالثة، 1414هـ. متوفّر رقمياً: https://shamela.ws/book/1687. متوفّر أيضاً في: أرشيف الإنترنت https://archive.org/details/ar113lang17
- الزبيدي، محمد مرتضى الحسيني (ت. 1790م/1205هـ): تاج العروس من جواهر القاموس. 40 مجلّداً. تحقيق: جماعة من المختصّين. الكويت: وزارة الإرشاد والأنباء، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، (1965-2001م). متوفّر رقمياً: https://shamela.ws/book/7030. متوفّر أيضاً في: أرشيف الإنترنت https://archive.org/details/taga07_202001.
- الفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب (ت. 1414م/817هـ): القاموس المحيط. تحقيق: محمد نعيم العرقسوسي. بيروت: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثامنة، 1426هـ-2005م. متوفّر رقمياً: https://ketabonline.com/ar/books/107544. نسخة أرشيف: https://archive.org/details/QamusMuhit
- ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله (ت. 1037م/428هـ): القانون في الطب. 3 مجلّدات. تحقيق: محمد أمين الضناوي. بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت. متوفّر رقمياً: https://shamela.ws/book/10706. نسخة جامعة الملك سعود: https://faculty.ksu.edu.sa/sites/default/files/lqnwn_fy_ltb_lbn_syn.pdf
- الرازي، أبو بكر محمد بن زكريا (ت. 925م/313هـ): الحاوي في الطب. 7 مجلّدات. تحقيق: هيثم خليفة طعيمي. بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1422هـ-2002م. متوفّر رقمياً: https://shamela.ws/book/10704. نسخة أرشيف: https://archive.org/details/ar119phil24
- ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد (ت. 1198م/595هـ): الكليات في الطب مع معجم بالمصطلحات الطبيّة العربيّة. مع مدخل ومقدّمة تحليليّة وشروح لمحمد عابد الجابري. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، ضمن سلسلة التراث الفلسفي العربي – مؤلّفات ابن رشد (5)، 2020م.
- القرآن الكريم: الآيات المرجعيّة الأساسيّة: النساء: 6؛ النور: 59؛ الأنعام: 152؛ يوسف: 22؛ الإسراء: 34؛ الكهف: 82؛ الحجّ: 5؛ القصص: 14؛ غافر: 67؛ الأحقاف: 15.
- السُنة النبويّة:
- الأحاديث المرجعيّة في التربية المرحليّة: “السيد للسبع، والعبد للسبع، والوزير للسبع”.
- أحاديث تحديد مراحل التكليف الشرعي والتربية الدينيّة.
- الجابري، محمد عابد: “مقدّمة تحليليّة لكتاب الكليات في الطب لابن رشد”. ضمن: الكليات في الطب. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة.
- هونكه، زيجريد (Sigrid Hunke): شمس العرب تسطع على الغرب. ترجمة: فاروق بيضون وكمال دسوقي. بيروت: دار الجيل، 1993م. الطبعة الألمانيّة الأصليّة: Allahs Sonne über dem Abendland: Unser arabisches Erbe
- الطبري، علي بن ربّن (ت. 870م): فردوس الحكمة في الطبّ. تحقيق: محمد زبير الصدّيقي. برلين: مطبعة آفتاب، 1928م.
- ابن أبي أصيبعة، أحمد بن القاسم (ت. 1270م): عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء. تحقيق: نزار رضا. بيروت: دار مكتبة الحياة، د.ت.
- الجصّاص، أحمد بن علي الرازي (ت. 981م): أحكام القرآن. تحقيق: محمد صادق قمحاوي. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1405هـ.
- السرخسي، محمد بن أحمد (ت. 1090م): المبسوط. 30 مجلّداً. بيروت: دار المعرفة، 1993م.
- 15 ابن قدامة، موفّق الدين عبد الله (ت. 1223م): المغني. 10 مجلّدات. القاهرة: مكتبة القاهرة، 1968م.
- الطبري، محمد بن جرير (ت. 923م): تاريخ الأمم والملوك. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار المعارف، 1967م.
- المسعودي، علي بن الحسين (ت. 957م): مروج الذهب ومعادن الجوهر. تحقيق: شارل پلا. باريس: الجمعيّة الآسيويّة، 1861-1877م.
- ابن خلدون، عبد الرحمن (ت. 1406م): المقدّمة. تحقيق: علي عبد الواحد وافي. القاهرة: نهضة مصر، 2006م.
- الجاحظ، عمرو بن بحر (ت. 869م):
- البخلاء. تحقيق: طه الحاجري. القاهرة: دار المعارف، 1958م.
- الحيوان. تحقيق: عبد السلام هارون. القاهرة: مصطفى البابي الحلبي، 1965م.
- الأصفهاني، علي بن الحسين (ت. 967م): الأغاني. تحقيق: إحسان عبّاس وآخرين. بيروت: دار صادر، 2008م.
- Ullmann, Manfred: Die Medizin im Islam. Leiden: Brill, 1970. دراسة شاملة لتطوّر الطبّ في الحضارة الإسلاميّة.
- Rosenthal, Franz: The Classical Heritage in Islam. Berkeley: University of California Press, 1975. تحليل للتأثيرات الكلاسيكيّة على الفكر الإسلامي.
- سارطون، جورج George Sarton: تاريخ العلم. ترجمة: أحمد زكي وآخرين. القاهرة: اللجنة المصريّة للتأليف والترجمة، 1961م.
- نصّار، حسين: العلوم والحضارة في الإسلام. بيروت: مكتبة لبنان، 1968م.
- الخولي، أمين: مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب. القاهرة: دار المعرفة، 1961م.
- حمودة، عبد العزيز: الخروج من التيه: دراسة في سلطة النصّ. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2003م.
- الوردي، علي: منطق ابن خلدون. بغداد: مطبعة المعارف، 1962م.
- أركون، محمد: الفكر العربي. ترجمة: عادل العوّا. بيروت: منشورات عويدات، 1982م.
- الجابري، محمد عابد:
- تكوين العقل العربي: نقد العقل العربي (1). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1991م.
- بنية العقل العربي: نقد العقل العربي (2). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1993م.
- أبو زيد، نصر حامد: مفهوم النصّ: دراسة في علوم القرآن. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1994م.
- المكتبة الشاملة – مجموعة شاملة من الكتب التراثيّة: https://shamela.ws
- المكتبة الوقفيّة للكتب المصوّرة: https://waqfeya.net
- أرشيف الإنترنت – مجموعة الكتب العربيّة: https://archive.org
- مجلّة التراث العربي – دمشق: اتّحاد الكتّاب العرب.
- مجلّة دراسات تراثيّة – بغداد: بيت الحكمة.
- حوليّات الآداب والعلوم الاجتماعيّة – الكويت: جامعة الكويت.





اترك رد