يمثّل {جلال الدين الرومي} واحداً من أبرز الأصوات الروحية في التاريخ الإسلامي، شاعراً صوفيّاً تجاوزت كلماته حدود الزمان والمكان والثقافات. لكن شهرته العالمية أحاطت سيرته بكثير من الغموض والتناقضات، فتنازعت عليه الهويّات القومية الحديثة، ونُسبت إليه أقوال وأحداث لا تصمد أمام التدقيق التاريخي.
هذا المقال يسعى لإعادة رسم صورة أوضح لحياة الرومي وسياقه التاريخي والثقافي، مستنداً إلى المصادر الأكاديمية والوثائق التاريخية، بعيداً عن الأساطير الشعبية والتوظيفات القومية المعاصرة.

مقدّمة
ولد {محمّد بن محمّد بن حسين البكري البلخي الخطيبي} في بلخ بخراسان سنة 603 هجرية 1207 ميلادية، في قلب الإمبراطورية الخوارزمية مترامية الأطراف. نشأ في كنف عائلة عربية في بيت علم عريق، فوالده {بهاء الدين محمّد ولد} كان واعظاً صوفيّاً شهيراً يُلقّب بـ”سلطان العلماء”، وأمّه {مؤمنة خاتون} كانت ابنة السلطان {علاء الدين محمّد خوارزمشاه}.
لكنّ هذا النسب الرفيع لم يحم العائلة من عواصف التاريخ، فاضطرّت للنزوح قبيل الغزو المغولي الكاسح، متنقّلة بين نيساپور وبغداد ودمشق وحلب، قبل الاستقرار النهائي في قونية عاصمة سلطنة سلاجقة الروم سنة 626 هجرية 1228 ميلادية.
كتب جلال الدين جميع مؤلفاته الشعرية والنثرية بالفارسية، ليس لأنّها لغته الأم، بل لأنّها كانت اللّغة الرسمية للإدارة والثقافة في سلطنة الروم برغم أصولها التركمانية، وأصوله العربية-التركمانية. توفى في قونية سنة 672 هجرية 1273 ميلادية، تاركاً إرثاً شعريّاً ضخماً يتمثّل في {المثنوي المعنوي} و {الديوان الكبير}، وطريقة صوفية أسّسها أتباعه بعد وفاته صارت واحدة من أشهر الطرق الصوفية في العالم: الطريقة المولوية Mevleviyya.

النسب والأصول: بين القرشية والخوارزمية
ينتمي جلال الدين إلى عائلة تفتخر بالنسب القرشي العربي، فسلسلة نسبه الطويلة تصل إلى {أبي بكر الصديق} رضي الله عنه:
{جلال الدين محمّد بن بهاء الدين محمّد بن حسين بن أحمد الخطيبي بن القاسم بن المسيب بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن عبد الرحمن بن أبي طاهر محمّد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمّد بن أبي بكر الصديق التيمي القرشي البكري البلخي}.
هذا النسب، الذي تحفظه المصادر التاريخية المبكّرة، يربط الأسرة بالجزيرة العربية، لكنّها استوطنت خراسان منذ قرون واندمجت في النسيج الثقافي الخراساني. كانت بلخ، مسقط رأس جلال الدين، آنذاك إحدى أهمّ حواضر خراسان، تقع على طريق الحرير وتزخر بالحياة العلمية والتجارية. وكانت العائلة نفسها ثرية ومصاهرة للبيت الحاكم الخوارزمي، ما منحها مكانة سياسية واجتماعية رفيعة.
لكنّ هذا النسب القرشي، برغم توثيقه في المصادر المبكّرة، لا يلغي حقيقة أنّ جلال الدين كان خوارزميّاً بالولادة والنشأة، فارسيّ الثقافة واللّغة، أفغانيّاً بالمولد إذا استعملنا التقسيمات الجغرافية الحديثة. أمّا ارتباطه بتركيا فلم يأتِ إلّا بالهجرة والاستقرار، ولا علاقة له بالأصول الإثنية أو التراثية.

النزوح الكبير: هروب من الطوفان المغولي
في سنة 614 أو 615 هجرية 1216 أو 1217 ميلادية، غادر {بهاء الدين ولد} بلخ مع أسرته، وكان جلال الدين طفلاً في الخامسة من عمره. و لا تزال أسباب هذا النزوح المبكّر محلّ جدل بين الباحثين: هل كانت ضغوطاً سياسية محلّية؟ أم استشعاراً مبكّراً بالخطر المغولي القادم؟ ما يُعرف أنّ العائلة غادرت قبل سنتين أو ثلاث من الغزو المغولي الكاسح الذي بدأ سنة 617 هجرية 1219 ميلادية.
بعد حادثة مقتل سفارة التجّار المغول في أوترار على يد والي المدينة {ينال خان} بإذن من السلطان {محمّد خوارزمشاه}، شنّ {جنگيز خان} حملة إبادة ممنهجة على الإمبراطورية الخوارزمية. سقطت بخارى وسمرقند ونيسابور ومرو وهراة واحدة تلو الأخرى، ودُمّرت المدن تدميراً شبه كامل، وذُبح السكّان بأعداد هائلة وصلت إلى سبعمئة ألف نسمة في نيسابور وحدها. وأُغرقت العاصمة گرگانج بعد فتح سدود نهر جيحون (أموداريا) عليها.
في هذا الجحيم، كانت عائلة الرومي تشقّ طريقها نحو الأمان. مرّوا بنيسابور قبل تدميرها، والتقى الصبي جلال الدين بالشاعر الصوفي الكبير {فريد الدين العطّار} الذي تنبّأ بنبوغه وأهداه نسخة من ديوانه {أسرار نامه}. انتقلوا إلى بغداد حيث التقى {بهاء الدين} بالعالم الصوفي {شهاب الدين السهروردي}، ثمّ توجّهوا جنوباً إلى مكّة لأداء الحج، قبل العودة شمالاً نحو الشام.

دمشق في الثلاثينيّات: ملاذ علمي في قلب العاصفة
وصل جلال الدين إلى دمشق شابّاً في منتصف العشرينيّات من عمره، بين سنتي 630 و637 هجرية 1232 و1237 ميلادية تقريباً، ليُكمل تعليمه الديني بأمر من معلّمه {برهان الدين محقّق الترمذي}. كانت دمشق آنذاك تعيش مرحلة معقّدة سياسيّاً وثرية فكريّاً.
الوضع السياسي: انقسامات الأيّوبيّين والتهديدات المحيطة
بعد وفاة {صلاح الدين} سنة 589 هجرية 1193 ميلادية، انقسمت السلطنة الأيّوبية إلى شبكة من الإمارات المتنافسة. في أوائل الثلاثينيّات، شهدت المنطقة تعاوناً استثنائيّاً بين دمشق بقيادة {الأشرف موسى} والقاهرة بقيادة {الكامل}، استجابة لتهديدات خارجية متعدّدة. لكن بعد وفاة {الأشرف} سنة 635 هجرية 1237 ميلادية، انفجرت التوتّرات مجدّداً، وواجه خليفته {الصالح إسماعيل} حصاراً من قوّات {الكامل} المصرية.
كانت دمشق محاصرة بثلاثة أخطار متزامنة: الخوارزميّون الفارّون من بطش المغول تحوّلوا إلى مرتزقة متوحّشين، هاجموا دمشق سنة 622 هجرية 1224 ميلادية ونهبوا الغوطة، ثمّ احتلّوا القدس ونهبوها سنة 623 هجرية. وكان المغول أنفسهم يضغطون من الشرق بعد تدمير الإمبراطورية الخوارزمية، والخطر الصليبي لم يختفِ بعد، فالحملة الصليبية السادسة بقيادة الإمبراطور {فريدريك الثاني} Frederick II نجحت دبلوماسيّاً في استرجاع\الاستيلاء على القدس سنة 627 هجرية 1229 ميلادية عبر معاهدة مع {الكامل} أثارت غضباً عارماً في العالم الإسلامي.
الازدهار الفكري: المدارس والخانقاوات
برغم هذه الاضطرابات السياسية، عاشت دمشق عصراً ذهبيّاً للنشاط الفكري والديني. استثمر الأيّوبيّون، سعياً لتعزيز التسنّن بعد قرنين من الحكم الفاطمي الشيعي في مصر، بكثافة في المدارس (الكلّيّات والمعاهد). وبحلول منتصف القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي، أحصى {ابن شدّاد} في دمشق: 40 مدرسة شافعية، 34 حنفية، 10 حنبلية، و3 مالكية. وإضافة لها أسّست نساء السلالة الأيوبية 18 من أصل 19 مدرسة نسائية في دمشق.
إلى جانب المدارس، انتشرت الخانقاوات أو الزوايا الصوفية بكثافة. أسّس {صلاح الدين} أوّل خانقاه في القاهرة سنة 569 هجرية 1173 ميلادية، ووفّرت هذه المؤسّسات سكناً للصوفية وأنشأت منصب شيخ الصوفية الأكبر. وعلى سفوح جبل قاسيون شمال دمشق، نشأت الصالحية (قرية النخل سابقاً)، ضاحية للّاجئين المسلمين من فلسطين، وصارت مركزاً مهمّاً للمذهب الحنبلي والنشاط الصوفي.
مسألة اللّقاء بابن عربي
يشيع ادّعاء بأنّ الرومي درّس في دمشق سنة 638 هجرية 1240 ميلادية والتقى {محيي الدين بن عربي} الذي أهداه نسخة من مؤلّفاته، غير أنّ هذا الادّعاء يواجه تناقضات زمنية جوهرية. توفّى {ابن عربي} في دمشق في 22 ربيع الثاني 638 هجرية، الموافق 16 نوفمبر تشرين الثاني 1240 ميلادية. وتؤكّد المصادر التاريخية الموثوقة أنّ الرومي كان في دمشق طالباً في الثلاثينيات من القرن السابع الهجري، أي قبل وفاة ابن عربي بنحو ثماني سنوات، وعاد إلى قونية سنة 635 هجرية 1237 ميلادية ليتولّى قيادة مدرسة والده بعد وفاة {برهان الدين} سنة 639 هجرية 1241 ميلادية.
احتمالية حضور الرومي الشاب مجالس {ابن عربي} أو دروسه في دمشق خلال الثلاثينيّات واردة جداً، لكنّ فكرة لقاء مباشر موثّق في سنة 1240 ميلادية غير متّسقة زمنياً. طبعاً، تأثير ابن عربي على الرومي حقيقي وعميق، يتجلّى في مفهوم «وحدة الوجود» الظاهر بوضوح في شعر الرومي، لكنّ هذا التأثير انتقل عبر الأجواء الفكرية الصوفية المشتركة والتلاميذ المشتركين – مثل {شمس الدين التبريزي}الذي كان من تلاميذ ابن عربي – أكثر ممّا انتقل عبر لقاء شخصي مفصّل في سنة 1240 ميلادية.
تذكر الروايات الشعبية لقاءً مبكّراً بين {ابن عربي} و {بهاء الدين ولد} حين كان الرومي طفلاً، لكنّ الباحثين المعاصرين يشكّكون في صحّتها لصعوبة التوفيق بينها والمعطيات الزمنية والجغرافية.

الاستقرار في قونية: في ظلّ سلطنة الروم
سنة 626 هجرية 1228 ميلادية، استقرّت عائلة الرومي نهائيّاً في قونية بدعوة من السلطان السلجوقي {علاء الدين كيقباد الأول}، بعد توقّف في قرمان توفّت فيه والدة {جلال الدين} وتزوّج أبيه من {گوهر خاتون} السمرقندية وأنجب ابنه {سلطان ولد} سنة 624 هجرية 1226 ميلادية.
كانت قونية في تلك الفترة مركزاً حضاريّاً مزدهراً، تتعايش فيه الجماعات التركمانية والعربية واليونانية والأرمنية، وتستقبل موجات من العلماء والمتصوّفة الفارّين من الشرق. واصل {جلال الدين} تعليمه على يد والده، وبعد وفاة {بهاء الدين} سنة 628 هجرية 1231 ميلادية، تتلمذ على يد {برهان الدين الترمذي} تسع سنوات أخرى.
لكنّ حتّى الأناضول لم تنجُ من ظل المغول. في سنة 641 هجرية 1243 ميلادية، هُزم السلطان السلجوقي {غياث الدين كيخسرو الثاني} في معركة {كوسه داغ} Köse Dağ أمام المغول، وأصبحت السلطنة تابعة لإلخانات فارس المغولية، مجبرة على دفع الجزية. برغم ذلك، ظلّت قونية محتفظة بحياتها الثقافية والروحية.

لقب “الرومي”: متى ولماذا؟
{محمّد ولد البكري} (جلال الدين الرومي)
استُخدم لقب “الرومي” منذ القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي – أي خلال حياة {محمّد ولد البكري} (جلال الدين) وبُعيد وفاته مباشرة. والنسبة “الرومي” جغرافية، تعني “من بلاد الروم” – أي من سلطنة سلاجقة الروم في الأناضول.
سجّل {فريد الدين بن أحمد سپهسالار}، وهو معاصر لجلال الدين، اسمه الكامل وأضاف إليه النسبتين: البلخي نسبة لمسقط رأسه، والرومي نسبة للمكان الذي عاش فيه. كتب المؤرّخ {شمس الدين أحمد الأفلاكي} سيرة جلال الدين بين سنتي 718 و 753 هجرية، 1318 و 1353 ميلادية – أي قبل قيام الدولة العثمانية بعقود – وأشار إليه باسم “مولانا رومي”.
سقطت سلطنة الروم السلجوقية تدريجيّاً بعد هزيمة 641 هجرية 1243 ميلادية، وتفكّكت نهائيّاً سنة 708 هجرية 1308 ميلادية. كانت النسبة “الرومي” نسبة شائعة لكلّ من عاش في بلاد الروم السلجوقية؛ سلطنة الروم الإسلامية.

الفارسية واليونانية: لغات سلطنة الروم
مع أنّ سلطنة الروم كانت دولة تركية تركمانية أسّسها {سليمان بن قتلمش} سنة 470 هجرية 1077 ميلادية، فإنّها تحدّثت بالفارسية إلى جانب اليونانية منذ تأسيسها وحتى انحلالها سنة 708 هجرية 1308 ميلادية. يبدو هذا الوضع اللّغوي متناقضاً للوهلة الأولى، لكنّه يظهر الواقع المعقّد للمجتمعات الإسلامية ما قبل الحديثة.
تلفت الباحثة {سونگول مجيد} Songül Mecit الانتباه إلى حقيقة محورية: لا توجد نصوص مكتوبة بالتركية في الأناضول خلال تلك الفترة، فكلّ المصادر الأدبية عن السلاجقة مكتوبة بالعربية والفارسية. لا يعني هذا غياب التركية لغة محكية، بل غيابها كتابة أدبية وإدارية.
هيمنت الفارسية على الإنتاج الأدبي والإداري. وتبنّى السلاطين السلاجقة أسماء بطولية مشتقّة من الشاهنامه الفارسية مثل {كاي خسرو} و {كاي قباد} و {كاي كاڤوس}. ويشير الباحث {أندرو پيكوك} A.C.S. Peacock إلى أنّه مع نهاية القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي، بدأ يظهر تقليد أدبي فارسي محلّي في الأناضول. رعى {محيي الدين} حلقة من الشعراء متحدّثي الفارسية في أنقرة، وبدأت مرايا الأمراء تظهر بالفارسية.
غياب النصوص المكتوبة بالتركية لا يعني غياب التركية كلّيّاً. إذ نادراً ما تشير المصادر الفارسية والعربية في القرن السابع الهجري إلى الأسرة السلجوقية على أنّهم أتراك، برغم أنّها فعلت ذلك في فترات سابقة. غالباً ما عنى مصطلح «تُرك» في النصوص الإسلامية الظعن الرحّل في مثل الإشارة إلى «كُرد» بمعنى الرعاة رافضي الاشتغال بالزراعة، ومصطلح “تُركمان” كان واضحاً في دلالته على البدو القز.
لم تكن الأناضول أرضاً “فارسية” ولا “يونانية” بالمعنى القومي الحديث، بل فضاءً حضريّاً معقّداً يضمّ جماعات متعدّدة الأصول والألسنة. تبنّى السلاجقة الفارسية لأنّها كانت لغة الحضارة والإدارة الإسلامية آنذاك، لا لأنّهم “تفرّسوا” أو “فقدوا هويّتهم”. واستمرّ السكّان الأصليون في التحدّث باليونانية والأرمنية والسريانية والعربية ولغات أخرى. وبقيت التركية لغة محكية بين الجماعات التركمانية الرحّل والجيش، ولم تكتسب مكانة أدبية إلّا تدريجيّاً مع القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي حين بدأ {يونس إمره} كتابة الشعر الأناضولي بالتركية.

ليلة العرس: الوفاة وميلاد الطريقة المولوية
في الأشهر الأخيرة من سنة 672 هجرية 1273 ميلادية، أصيب {جلال الدين الرومي} بمرض ألزمه الفراش في أثناء إملائه المجلد السادس من مثنويه على تلميذه {حسام الدين چلبي}. اشتدّ المرض، وهزّت قونية زلازل متتالية، لكنّ الرومي كان يمازح زائريه قائلاً إنّ الأرض جائعة وستتلقّى قريباً لقمة سمينة.
في مساء يوم الأحد 5 جمادى الآخرة 672 هجرية، الموافق 17 ديسمبر كانون الأول 1273 ميلادية، أسلم الرومي الروح في داره بقونية عن عمر 66 سنة. وشكّلت جنازته حدثاً استثنائيّاً إذ خرجت المدينة بِرُمَّتها، وانضمّ إلى الموكب المسلمون والمسيحيّون واليهود، التركمان والعرب واليونانيّون والأرمن والفُرس، في مشهد نادر من التوحّد العابر للأديان.
كُلّف {صدر الدين القونوي}، ربيب ابن عربي وأعظم شرّاح تعاليمه، بإمامة الصلاة. لكن حين وقف أمام النعش، أُغمي عليه فجأة. بعد إفاقته قال: “رأيتُ الملائكة قد اصطفّوا أمامه، فمن هيبة المشهد فقدتُ وعيي.” أدّى {حسام الدين} الصلاة بدلاً عنه. كما أنّ {صدر الدين القونوي} نفسه لم يمهله القدر طويلاً، فمرض بعد الجنازة مباشرة وتوفى بعد ثماني أشهر في 16 محرّم 673 هجرية، الموافق 22 يوليو تموز 1274 ميلادية. وبموت هذين العملاقين في سنة واحدة، أسدل الستار على حقبة ذهبية من التصوّف في الأناضول.
بعد دفن الرومي إلى جانب والده، بُني ضريح عُرف باسم “القبّة الخضراء” Yeşil Türbe، اكتمل بناؤه سنة 674 هجرية 1274 ميلادية. نُقش عليه عبارة تُنسب للرومي: “عندما نموت، لا تبحثوا عن قبورنا في الأرض، بل اعثروا عليها في قلوب الناس.”
من رحم الحزن والفراغ الروحي، انبثقت الطريقة المولوية Mevleviyya على يد ثلاث رجال: {حسام الدين چلبي} توفى سنة 683 هجرية 1284 ميلادية، خلفه {كريم الدين بكتمور} ثماني سنوات، ثمّ {سلطان ولد} ابن الرومي الذي وضع الأسس التنظيمية للطريقة ونظّم مراسم السماع sema – الرقص الدوراني الشهير – وتوفى سنة 712 هجرية 1312 ميلادية. واصل حفيد الرومي {أولو عارف چلبي}، التوسّع ووضع نظام القيادة الهرمي للطريقة.
أطلق المولويّون على ليلة وفاة جلال الدين اسم “شب عروس”، أي “ليلة العرس”، لأنّها كانت ليلة اتّحاده الكامل بالحبيب الإلهي. وصار 17 ديسمبر كانون الأوّل موعداً سنويّاً للاحتفال بذكراه في مهرجان يستمرّ أسبوعين، تتوّجه مراسم السماع التي أدرجتها اليونسكو سنة 2005 ضمن قائمة التراث الشفهي وغير المادي للإنسانية.

الإرث العابر للحدود
لا شرقي ولا غربي، لا مسلم ولا مسيحي ولا يهودي، مكاني هو اللّامكان، وأثري هو اللّاأثر.
بعد سبع قرون ونصف على وفاته، لا يزال {جلال الدين الرومي} (محمّد ولد البكري) حاضراً في الوجدان الإنساني. تُرجم شعره إلى عشرات اللّغات، وصارت الطريقة المولوية واحدة من أكثر الطرق الصوفية انتشاراً في العالم. ولا يزال الضريح في قونية، الذي تحوّل إلى متحف مولانا سنة 1927، يستقبل ملايين الزائرين سنويّاً.
لكنّ هذه الشهرة العالمية أحاطت سيرته بكثير من الأساطير والتوظيفات القومية. وتؤكّد الحقيقة التاريخية أنّ جلال الدين كان خوارزميّاً بالولادة، فارسيّاً بالثقافة واللّغة، عربيّاً قرشيّاً بالنسب، روميّاً بالمواطنة. لم يكن تركياً بالمعنى الإثني أو اللّغوي، ولم يكتب بالتركية ولا العربية، بل حصراً بالفارسية لأنّها كانت اللّغة الرسمية في سلطنة الروم برغم أصولها التركمانية.
محاولات الاستحواذ القومي على الرومي، سواء من تركيا أو إيران أو أفغانستان، تُفقر إرثه الإنساني الذي تجاوز الحدود والهويّات. كان يردّد الرومي نفسه: “لا شرقي ولا غربي، لا مسلم ولا مسيحي ولا يهودي، مكاني هو اللّامكان، وأثري هو اللّاأثر.” هذه الرؤية الكونية هي ما جعلته ملكاً للإنسانية جمعاء، لا لأمة واحدة أو هوية واحدة.
في النهاية، قبر الرومي الحقيقي ليس في الأرض بل في قلوب الملايين الذين لا يزالون يقرأون شعره، ويرقصون على إيقاع الناي، ويبحثون عن الحبّ الإلهي الذي كان محور رحلته الروحية.
المراجع والمصادر
- الأفلاكي، شمس الدين أحمد (توفّى 761 هجرية 1360 ميلادية). مناقب العارفين ومراتب الكاشفين. تحقيق طاهر يازجي، أنقرة، 1976.
- الترجمة الإنجليزية: The Feats of the Knowers of God: Manāqeb al-ʿārefīn، ترجمة جون أوكين John O’Kane، ليدن: بريل، 2002. https://brill.com/view/title/9004
- ابن شداد، عز الدين (539-632 هجرية 1145-1234 ميلادية). الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة.
- النعيمي، عبد القادر بن محمد (توفّى 927 هجرية 1520 ميلادية). الدارس في تاريخ المدارس، دمشق، 1947.
- Mecit, Songül. The Rum Seljuqs: Evolution of a Dynasty. London: Routledge, 2013. https://www.routledge.com/The-Rum-Seljuqs-Evolution-of-a-Dynasty/Mecit/p/book/9781138242791
- Peacock, A.C.S. The Great Seljuk Empire. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2015. https://edinburghuniversitypress.com/book-the-great-seljuk-empire.html
- Peacock, A.C.S. Islam, Literature and Society in Mongol Anatolia. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. https://www.cambridge.org/core/books/islam-literature-and-society-in-mongol-anatolia
- Peacock, A.C.S. and Sara Nur Yıldız (eds.). The Seljuks of Anatolia: Court and Society in the Medieval Middle East. London: I.B. Tauris, 2013.
- Peacock, A.C.S. and Sara Nur Yıldız (eds.). Islamic Literature and Intellectual Life in Fourteenth- and Fifteenth-Century Anatolia. Würzburg: Ergon Verlag, 2016.
- Mahamid, Hatim. “Waqf and Madrasas in Late Medieval Syria”. African Journal of History and Culture, Vol. 5(1), 2013, pp. 9-18. https://academicjournals.org/journal/AJHC/article-full-text/1379759164_Mahamid.pdf
- Humphreys, R. Stephen. From Saladin to the Mongols: The Ayyubids of Damascus, 1193-1260. Albany: SUNY Press, 1977.
- Eddé, Anne-Marie. Saladin, translated by Jane Marie Todd. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2011.
- Lewis, Franklin D. Rumi: Past and Present, East and West – The Life, Teachings and Poetry of Jalâl al-Din Rumi. Oxford: Oneworld Publications, 2000.
- Schimmel, Annemarie. The Triumphal Sun: A Study of the Works of Jalaloddin Rumi. Albany: SUNY Press, 1993.
- Chittick, William C. The Sufi Path of Love: The Spiritual Teachings of Rumi. Albany: SUNY Press, 1983.
- Yazıcı, Tahsin. “AFLĀKĪ,” Encyclopædia Iranica, Vol. I/6, p. 567. https://www.iranicaonline.org/articles/aflaki-arefi-sams-al-din-b
- Encyclopaedia of Islam, Second Edition. Leiden: Brill. مقالات عن: الروم، السلاجقة، جلال الدين الرومي، الدولة الأيوبية، دمشق، المدارس.
- Bosworth, C.E. The New Islamic Dynasties: A Chronological and Genealogical Manual. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1996.





اترك رد