يتجدّد السؤال دوماً عن هويّتنا العربية ومعناها في عصرنا الحاضر. وتتعدّد الإجابات وتتنوّع بتنوّع المجتمعات والأجيال والتجارب. يستوقفنا مصطلح {مستعرب} بما يحمله من معانٍ ودلالات متباينة، فيدفعنا للتأمّل في جذورنا وتطلّعاتنا المستقبلية.
تستدعي دراسة هذا المصطلح استكشافاً عميقاً لمشاعر الناس وآرائهم، وفهماً دقيقاً لتأثيره على نفوسهم. فتكشف هذه الدراسة عن تنوّع ثريّ في فهم الهوية العربية وتفسيرها، وتفتح آفاقاً جديدة للحوار والتفاهم بين مختلف المكوّنات العربية.
قبل أسبوع، طرحت في مجموعة معجم اللّهجات العربية على فيٓسبوك استبانة أسأل فيها أعضاء المجموعة عن أثر صفة «مستعرب» على مشاعرهم. استجابت عيّنة من ٧١٩ شخص، من مختلف البلدان العربية، ومن الجنسين.

نتيجة الدراسة
تبرز دراسة مفهوم المستعرب في الزمن المعاصر تداخل المقاربات وتعدّد المعاني. فُهمت كلمة {مستعرب} في أربعة معانٍ رئيسة:
- تدلّ في معناها الأوّل على مَن تعلّم العربية بعد لغته الأمّ،
- وتَحمل في معناها الثاني دلالة الفخر بتبنّي التراث العربي والانتماء إليه طواعية،
- وتشير في معناها الثالث إلى تقسيم تاريخي للعرب (العاربة والمستعربة)،
- وتُستخدم في معناها الرابع للتشكيك في عروبة بعض الناس وطعنهم في انتمائهم.
يتفاوت الموقف من المصطلح بين خمس اتجاهات:
- يميل أصحاب الاتجاه الأول إلى النظرة المحايدة، فيرون المسألة طبيعية لا تستحق كل هذا الجدل.
- يرفض أصحاب الاتجاه الثاني المصطلح ويرونه شتيمة وإهانة، خاصّة في فلسطين بسبب ارتباطه بوحدات الاحتلال المتخفّية.
- يفتخر أصحاب الاتجاه الثالث بالمصطلح ويعتزّون به.
- يركز أصحاب الاتجاه الرابع على البعد الديني، فيؤكّدون على الأخوّة المسلمة ونبذ العصبية.
- يتناول أصحاب الاتجاه الخامس المسألة بموضوعية علمية.
تشير الأرقام إلى غلبة النظرة المحايدة للمصطلح (35%)، يليها الموقف الرافض (30%)، ثم موقف الفخر (20%)، فالموقف الديني (10%)، وأخيراً الموقف العلمي (5%).
تظهر الدراسة تأثير البيئة في فهم المصطلح وتفسيره، فتتباين دلالاته بين المشرق والمغرب العربي، وتختلف معانيه بين المدن والبوادي. تكشف هذه التباينات عن عمق إشكالية الهوية في العالم العربي وتعقّدها، وتفاعل أبعادها اللّغوية والتراثية والدينية والسياسية.
يُستخلص من التحليل أنّ مفهوم «المستعرب» يتجاوز البعد اللّغوي إلى أبعاد هويّاتية وسياسية عميقة، وأنّ النقاش حوله يظهر تحدّيات الهوية العربية المعاصرة وإشكاليّاتها. وتؤكّد النتائج ضرورة فهم السياق التاريخي والاجتماعي للمصطلح، وأهمّية تجاوز التوظيف السياسي له، والتركيز على دوره في التواصل الثقافي والحضاري.

تحليل أوّلي
تبع الاستبانة حوار من مئات المشاركات، تداول طبيعة مفهوم «مستعرب» في مختلف المجتمعات العربية. وبتحليل الحوار الثري حول مفهوم «المستعرب» والهوية العربية نخرج بنتيجة مهمّة. إذ، هناك عدّة محاور رئيسية برزت في النقاش:
تباين المواقف من مصطلح «المستعرب»:
- البعض عدّه شتيمة وإهانة (25%)
- آخرون رأوه أمراً عادياً (52%)
- فريق ثالث عدّه مفخرة (23%)
برزت في الحوار تعريفات متعدّدة للمصطلح:
- من تعلّم العربية وليست لغته الأم
- من تبنّى الثقافة العربية برغم أصوله غير العربية
- في فلسطين خاصّة: يشير إلى وحدات خاصّة إسرائيلية متخفّية
- تقسيم تاريخي عبّاسي يصنّف: العرب العاربة (القحطانيّون) والمستعربة (العدنانيّون). وهو تصنيف معاكس للتقسيم الأموي، الذي رأى أنّ العرب العاربة (العدنانيّون) والمستعربة (القحطانيّون).
برز نقاش حول الهوية:
- اتّجاه يربط العروبة بالنسب والأصول الجينية
- اتجاه يرى العروبة هوية ثقافية ولغوية
- اتجاه يؤكّد على الإسلام رابط أهمّ من العروبة
- نقاش حول علاقة هويّات الأقلّيّات الأجنبية (أمازيغية، كردية، نوبية) بالهوية العربية
موقف إسلامي:
- استشهاد متكرّر بحديث “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”
- إشارات إلى أنّ الرسول محمّد من العرب المستعربة
- تأكيد على أن الإسلام جاء لإلغاء العصبية القبلية
بُعد سياسي:
- نقاش حول استخدام المصطلح في سياق الاستعمار والتفرقة
- إشارات إلى محاولات تقسيم العرب وإثارة النعرات القومية
- تداخل مع قضايا معاصرة مثل القضية الفلسطينية
الملاحظ أنّ النقاش يظهر تعقيد مسألة الهوية في العالم العربي وتداخل الأبعاد اللّغوية والثقافية والدينية والسياسية في تشكيل الهويات المعاصرة.

وبتحليل أعمق
بعد تحليل التعليقات في النقاش، يمكن تصنيف المواقف إلى الفئات التالية:
- الموقف المحايد/العادي (~35%)
- يرون أنّها مسألة طبيعية لا تستحق كل هذا الجدل
- يعدّونها حقيقة تاريخية ولغوية
- لا يهتمّون بالتصنيف أصلاً
- الموقف الرافض (~30%)
- يعدّونها شتيمة وإهانة
- يرفضون التشكيك في عروبتهم
- يربطونها بمحاولات التفرقة والفتنة
- في فلسطين خاصة: يربطونها بالاحتلال الإسرائيلي
- موقف الفخر والاعتزاز (~20%)
- يرون فيها مفخرة
- يفتخرون بالانتماء للثقافة العربية
- يعتزّون بتبنّي اللّغة العربية
- يربطونها بالحضارة العربية الإسلامية
- الموقف الديني (~10%)
- يرفضون التفاخر بالأنساب
- يؤكّدون على أن لا فرق إلا بالتقوى
- يستشهدون بالأحاديث النبوية
- يركّزون على الأخوة الإسلامية
- الموقف العملي/الواقعي (~5%)
- يناقشون المسألة من منظور علمي/أكاديمي
- يتحدّثون عن التطوّر التاريخي للمصطلح
- يركّزون على الجانب اللّغوي والثقافي
- يبتعدون عن العاطفة في النقاش
هذه النسب تقريبيّة وتستند إلى تحليل التعليقات في النقاش، وهناك تداخل بين التصنيفات في بعض المواقف. لكن، يختلف الموقف حسب المنطقة الجغرافية والخلفية الثقافية، وهذا مهم في دراسة مسألة مفهوم «المستعرب» ودور المصطلح في القرن ٢١، إذ من الواضح أن العرب لا تتّفق على تعريف واحد للمصطلح، ويترك أثر معنوي مختلف ومتباين في كل منطقة من المناطق العربية. نسب الآراء في الحوار تختلف عن الاستطلاع الأصلي لأنّها تشمل تحليل التعليقات والنقاش وليس فقط التصويت.

الخلاصة
يتهدّد الهوية العربية اليوم خطر التمزّق الداخلي والانشغال بنزاعات حول «النقاء» و «الأصالة». على أرض الميدان، تبدو المجتمعات العربية مشتّتة بين اتّجاهات متصارعة، يسعى بعضها للتشكيك في عروبة الآخرين، فيما ينشغل آخرون بالبحث عن جذور متوهَّمة. وتضيع في هذا الصراع طاقات هائلة، كان يمكن توجيهها نحو البناء والتطوّر والإبداع.
تقف أمامنا فرصة تاريخية لبناء هوية عربية متجدّدة، تستوعب التنوّع وتحوّله إلى مصدر قوّة وإلهام. إذ تبدأ هذه الفرصة من إعادة فهم معنى العروبة مشروع مستقبلي متجدّد، لا كإرث ساكن متجمّد. ويحتاج هذا المشروع إلى بناء مؤسّسات علميّة وفكريّة مشتركة، تجمع العقول العربية المبدعة في فضاء واحد. يستدعي الأمر تطوير برامج تعليمية تعزّز الترابط بين مختلف المناطق العربية، وتبني جسور التواصل بين أبنائها.
يتطلّب الوصول إلى هذه الحالة الصحّية خطوات عملية واضحة. تبدأ من تطوير خطاب ثقافي (إثني) عربي معاصر، يستلهم التراث ويتفاعل مع تحدّيات العصر. وفي الميدان العملي، تحتاج المجتمعات العربية إلى مراكز بحثية متخصّصة، تدرس التراث وتجدّده. وعلى مستوى الشباب، تبرز الحاجة إلى منصّات للتواصل والتعاون، تتيح لهم المشاركة في بناء المستقبل المشترك.
تكمن عظمة الهوية العربية في قدرتها على التجدّد والتطوّر عبر العصور. وتظهر أصالتها في استيعابها لمختلف التراث والحضارات. وتبرز قوّتها في جمعها بين الأصالة والمعاصرة. تنبع حيويّتها من تجدّدها المستمر، مع محافظتها على جوهرها الأصيل. يفتح هذا الفهم المتجدّد للهوية العربية آفاقاً واسعة أمام الأجيال القادمة، للمساهمة في بناء حضارة عربية متجدّدة، تستحقّ مكانتها بين أمم الأرض.

وبشكل آليّ أكثر
يمكن تحديد خطورة الوضع الراهن في عدّة مستويات:
تمزّق الهويّة:
- تحوّل الهوية من عامل جمع إلى عامل فرقة
- استخدام الهوية كأداة للتشكيك والطعن
- تنامي النزعات الانفصالية تحت غطاء «الأصالة»
- تحول النقاش من البناء المشترك إلى البحث عن «النقاء»
الضعف الحضاري:
- الانشغال بقضايا هامشية عن التحدّيات الحقيقية
- إضعاف القدرة على مواجهة التحدّيات المشتركة
- تبديد الطاقات في نزاعات داخلية
- تراجع الإنتاج الثقافي والمعرفي المشترك
الحالة الصحّية البديلة تتمثّل في:
فهم متجدّد للهوية:
- الهوية كفضاء مشترك للتنوع وليس قالب جامد
- التركيز على المشتركات بدل نقاط الاختلاف
- فهم الهوية مشروع مستقبلي وليس فقط إرث ماضي
- الاعتراف بالتعدّد مصدر غنى وليس تهديد
مقاربة عملية:
- التركيز على العمل المشترك والإنتاج المعرفي
- بناء مؤسسات ثقافية وعلمية مشتركة
- تطوير مشاريع تنموية تعزّز الترابط
- الاستثمار في التعليم والبحث العلمي المشترك
للوصول إلى هذه الحالة الصحّية، يمكن اتّباع الخطوات التالية:
على المستوى الفكري:
- إعادة تعريف الهوية كمشروع مستقبلي
- تجديد الخطاب الثقافي العربي
- تطوير رؤية معاصرة للتراث
- إبراز نماذج النجاح في التعايش والتنوع
على المستوى العملي:
- تطوير برامج تعليمية مشتركة
- إنشاء مراكز بحثية متخصّصة
- دعم المشاريع الثقافية المشتركة
- تعزيز التبادل الثقافي بين المناطق العربية
على المستوى المؤسّسي:
- تأسيس هيئات ثقافية وعلمية مشتركة
- تطوير آليات للتعاون الأكاديمي
- إنشاء منصات للحوار الثقافي
- دعم المبادرات الشبابية المشتركة
الهدف النهائي هو تحويل التنوّع من مصدر صراع إلى مصدر قوة، وبناء هوية عربية معاصرة قادرة على استيعاب التنوّع والتجدّد، مع الحفاظ على أصالتها وعمقها الحضاري.

يستطيع الفرد العربي أن يؤدّي دوراً محوريّاً في تجديد الهوية العربية وترسيخها. يبدأ هذا الدور من تعميق معرفته بتراثه العربي، فيقرأ في تاريخه وأدبه وفكره. ويتعلّم اللّغة العربية بإتقان، ويتعلّم مفردات من مختلف اللّهجات العربية المعاصرة، ويستخدمها في كتاباته وأحاديثه اليومية.
يتواصل الفرد العربي مع إخوانه العرب في مختلف البلاد، فيتعرّف على تراثهم المحلي وعاداتهم وأساليب حياتهم. ويعترف بها جميعاً جزء من تنويعة التقاليد العربية. يشارك في المنتديات الأدبية والفكرية على الشبكات الاجتماعية وام. ويكتب مقالات وبحوث عن قضايا تهمّ العرب. ويوثّق التراث المحلّي في منطقته، ويشاركه الآخرين.
يربّي الفرد العربي أبناءه على حبّ اللّغة العربية وآدابها. يعلّمهم تاريخهم وتراثهم بأسلوب مشوّق وجذّاب. ويشجّعهم على قراءة الكتب العربية والاستماع للموسيقى العربية. ويصطحبهم في رحلات إلى المواقع التاريخية والمتاحف العربية.
ينخرط الفرد العربي في العمل التطوّعي الثقافي. ينشئ مجموعات قراءة للكتب العربية. وينظّم أمسيات شعرية ومسرحية. ويشارك في المهرجانات الثقافية المحلّية. ويساهم في مشروعات توثيق التراث الشفهي والمادي.
يمارس الفرد العربي عروبته في حياته اليومية. يستمع للموسيقى العربية. يشاهد الأفلام والمسرحيات العربية. يطبخ الأكلات العربية التقليدية. يرتدي الأزياء العربية في المناسبات. يزين بيته بالفنون العربية التقليدية… والأهم، أن يتعرّف إلى معاني هذه التفاصيل وأسباب وجودها وتاريخها، وقصصها.
يدعم الفرد العربي المبادرات الثقافية العربية. فيشتري الكتب العربية. ويحضر المعارض الفنية العربية. ويشجّع المواهب العربية الشابّة. ويساند المشروعات الثقافية المحلية.

يؤكّد تنوّع المواقف من مصطلح {مستعرب} غنى التراث العربي وحيويّته. إذ تتطوّر الهوية العربية باستمرار، وتستوعب عناصر جديدة دون أن تفقد أصالتها. ويتميّز التراث العربي بقدرته على التجدّد والتكيّف مع متطلّبات كل عصر.
تنبع قوّة الهوية العربية من تنوّعها وانفتاحها على الآخر. ويتجلّى مستقبل العروبة في قدرتها على جمع شتات أبنائها في إطار إنسانيّ رحب، يحترم خصوصيّات كل منطقة ويعزّز روابط الأخوّة والتعاون. تدعونا هذه الدراسة للاحتفاء بتنوّعنا، والعمل معاً لبناء مستقبل مشرق يليق بتاريخنا العريق وتطلّعاتنا الكبيرة.





اترك رد